غداة الانتفاضات العربية في 2010-2011، نحّى العديد من السلفيين عبر الشرق الأوسط جانباً مسألة عدم انخراطهم التقليدي في العمل السياسي، وبدأوا يتبنّون سياسات مؤسسية من خلال تشكيل أحزاب سياسية. لكن، تعيّن عليهم لتحقيق النجاح أن يكونوا جذّابين للناخبين، وأن يطرحوا عليهم، كما تفعل الأحزاب الأخرى، برامج سياسية واقتصادية.

كما هو معروف، يشكّل تدهور الظروف الاقتصادية الهم الأكبر للمواطنين في المنطقة. بيد أن السلفييين لم يبدوا قط قدراً كبيراً من الاهتمام بالمسألة الاقتصادية، وهذا يتجلّى بوضوح في شح ما يكتبه هؤلاء في الشأن الاقتصادي. مثل هذا القصور لايزال عقبة كأداء، في وقت لم تشهد معظم اقتصادات المنطقة تحسّناً منذ اندلاع الانتفاضات. وحين حاولت الأحزاب السلفية وضع إطار لسياسة عامة في هذا الشأن، لم تفعل شيئاً سوى دعم إجراءات تعج بالتناقضات، ما خلق توقعات غير واقعية وأسبغ، في الوقت نفسه، طابعاً أخلاقيا على السلوكيات الاقتصادية المرغوبة. وهكذا، بات مستقبل الأحزاب السلفية، التي تُواجه المضاعفات السياسية السلبية لعملية طرح سياسات غير عملية وغير قابلة للتطبيق، مرتبطاً، جزئياً، بنجاح أو فشل اقتراحاتها الاقتصادية.

الإطار الاقتصادي السلفي

الإسلام بالنسبة إلى السلفية هو دليل شامل ينطوي على كل التوجيهات حول كيفية إدارة دفة الاقتصاد، التي يجب أن تكون فعّالة ودينية في آن. وهكذا، تتضمن النصوص السلفية التطرّق إلى المنتجات المالية الإسلامية ووسائل أخرى لأسلمة الاقتصاد، وبالتالي يكمن جوهر الفكر الاقتصادي السلفي في السلوك الأخلاقي للأطراف المنخرطة في المعاملات. ويُعتبر البيان الانتخابي لحزب النور المصري الذي أُعلن العام 2012، أكثر الأطر شمولية التي طرحها أي حزب سلفي، وهو يميط اللثام عن الكيفية التي تضع فيها الأحزاب السلفية خطط عمل واضحة، من خلال استعارة الأفكار الاقتصادية من مصادر متباينة. هناك، على وجه الإجمال، أربعة مبادئ عامة شكّلت الرؤية السلفية الاقتصادية، وهي: إعادة توزيع الدخل، والمبادئ الاقتصادية النيوليبرالية، والاكتفاء الذاتي، ودعم التكامل الإقليمي.

المبدأ الأول، أي إعادة توزيع الدخل، يرتبط بمبدأ تدخّل الدولة الكينزية، ويستعير عناصر من مبادئ الاشتراكية الديمقراطية. ولأن الطبقات الاقتصادية- الاجتماعية الأفقر تتطلّع إلى الدولة لمعالجة معضلة اللامساواة المتنامية، حاولت الأحزاب السلفية اجتذاب المواطنين الذين يعانون الأمرّين اقتصادياً. على سبيل المثال، دعا حزب النور إلى توسيع برامج التوظيف وتقديم برنامج حد أدنى للأجور مرتبط بأكلاف المعيشة. كما يقترح الحزب استثماراً أكبر في مجالي التعليم والإسكان الاجتماعي. يُذكر أن خلق الوظائف هو أولوية أيضاً لحزب جبهة الإصلاح الإسلامي التونسي، حيث تظهر كلمة "وظائف" بشكل كاسح في شعارات هذا الحزب.

علاوةً على ذلك، يشدّد برنامج حزب النور على أنه يجب على مؤسسات الزكاة والوقف الديني أن تساهم في تقليص اللامساواة الاجتماعية- الاقتصادية، وفي توفير التمويل اللازم للاستثمارات الإنتاجية وخلق الوظائف. وهنا، تتشاطر الأحزاب السلفية في كل المنطقة الاعتماد على مثل هذه المؤسسات التي تقوم بأعمال خيرية، وتعتقد أن هذا يبلور مساراً  يحقّق الرعاية الاجتماعية.

قد يبدو أن فكرتَي الرعاية الاجتماعية وخلق الوظائف متّسقتان مع التفكير اليساري التقليدي حول تدخّل الدولة وإعادة توزيع الثروة. لكن الحقيقة مغايرة بالنسبة إلى الأحزاب السلفية، لأنها لاترى سوى دور محدود للدولة في جهود إعادة التوزيع هذه. فالسياسة المالية لا تُذكر إلا بشكل عابر في البرامج الاقتصادية السلفية، وهناك بدلاً من ذلك تشديد قوي على قيام الكيانات الدينية الخاصة وشبه الخاصة بمهام برامج الرعاية الاجتماعية، وعلى الانخراط في الاستثمارات الإنتاجية. هناك، بكلمات أوضح، اعتماد على التضامن الاجتماعي أكثر من الاعتماد على الدولة. كما أن الأخلاقيات الدينية تُجبر بدورها المؤسسات الخاصة على تقديم الخدمات الاجتماعية.

ولاعجب، بعد ذلك، أن يوجد إلى جانب عنصر إعادة التوزيع في الفكر السلفي الاقتصادي، التزامٌ بمبادئ الاقتصاد النيوليبرالي. وهذا يستقطب قواعد مختلفة عن تلك التي تفيد من إعادة التوزيع الاقتصادي. وهكذا، يدعو حزب النور إلى تحرير الزراعة بالكامل، وتحسين دور الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم منتجات مالية إسلامية أكثر تطابقاً مع الممارسات النيوليبرالية. كما تدعم الأحزاب السلفية أيضاً الإجراءات التي تحد من التوجهات الاحتكارية وتحبّذ تنافساً أكبر. وهذا، كما هو معلوم، عنصر أساسي في فلسفة الليبرالية الاقتصادية. مثلاً، لايُشير حزب جبهة الإصلاح التونسي البتة إلى أهمية القطاع العام في أدبياته ويكتفي بالحديث عن دور ريادة الأعمال، ما يشي بالتزامه باقتصادات السوق.

ثمة مبدأ نيوليبرالي آخر هو تحبيذ الاستثمار الأجنبي المباشر، بوصفه عنصراً حيوياً للنمو والتنمية الاقتصاديين. وهذه فكرة تستند إلى "نظرية الانتشار" (أي أن خفض الضرائب على الأغنياء سيفيد كل المجتمع). في مصر، يؤكّد حزب النور الحاجة إلى هذا الاستثمار الأجنبي المباشر، ويفضّل أن يأتي من دول عربية أو إسلامية أخرى. ويعتبر الحزب أن إصلاحات الرئيس السابق حسني مبارك النيوليبرالية فاقمت الفقر لأنها نُفّذت بشكل فاسد (إقرأ: بشكل لاإسلامي) على يد شبكات سياسية فاسدة، وليس لأنها سياسات سيئة أو لأنها تقوّض فكرة التوزيع الأوسع للثروة. ولو كان الناس المناسبون موجودين في السلطة، كما يعتقد حزب النور والأحزاب السلفية الأخرى، لمنعوا الفساد والسلوكيات الاقتصادية الجامحة والضارية. هذا في حين سيعمل رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية الخاصة وفق المعايير الدينية، ما يؤدي إلى نجاح الإصلاحات التي يفيد منها المجتمع ككل.

تتشاطر أحزاب سلفية مصرية أخرى، على غرار حزب البناء والتنمية، وحزب الفضيلة، وحزب الأصالة، وجهة النظر هذه حول العلاقة بين الاقتصادات النيوليبرالية وبين الأخلاقيات. مثلاً، ينص برنامج حزب البناء والتنمية على أن النهضة يجب أن تمر "عبر تعزيز قيمنا الدينية والأخلاقية تحت لواء الحرية والعدالة الاجتماعية والقانونية"، وفي نظام "يحفظ الحريات السياسية والاقتصادية". وفي تونس، يشدّد حزب جبهة الإصلاح والرحمة، وهو حزب سلفي آخر، على الذهاب إلى أبعد من حقوق الأفراد والقضايا الاجتماعية، ويعرض على الناخبين رؤية اقتصادية تستند إلى ريادة الأعمال.

هناك مبدأ ثالث في البرامج الاقتصادية السلفية هو الحاجة إلى انتهاج مايمكن وصفه بالاكتفاء الذاتي الانتقائي، الذي ينص على أن البلدان يجب أن تكون مكتفية ذاتياً في قطاعات اقتصادية محددة. وهذا المبدأ واضح في بيان حزب النور، وإلى درجة أقل في برنامج حزب البناء والتنمية، وهو يهدف إلى "استئصال شأفة التبعية والاتكالية". ويقترح حزب جبهة الإصلاح أيضاً "وقف الواردات التي لاتساهم" في النهضة الاقتصادية التونسية، على رغم أنه يترك الباب موارباً امام واردات لايحددها. وتطرح الأحزاب السلفية كذلك إنتاج المواد الغذائية وصناعة الأسلحة بكونها نماذج للقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية. ويجادل حزب النور المصري بأن "الأمة التي لاتنتج طعامها الخاص أو عتادها الحربي، لاتستطيع أن تكون مستقلة في قراراتها لتحقيق الصالح العام". ووفقاً لهذه المقاربة، لن يعتمد شطر أساسي من السلع على التجارة مع الدول الأخرى.

يشير حزب جبهة الإصلاح أيضاً إلى دور الدولة في توفير الأمن الغذائي والسيطرة على الصناعات الاستراتيجية الثقيلة. ويعطي هذا الحزب الأولوية "لوضع سياسية زراعية.. لتحقيق الاكتفاء الذاتي"، ويسعى إلى "الأمن الاقتصادي "من خلال" ملكية الدولة" للصناعات الثقيلة، والإلكترونية، والكيميائية".

أخيراً، يدعم المبدأ الرابع في البرامج الاقتصادية السلفية الاندماج الإقليمي. فحزب النور، على سبيل المثال، يعترف بأن معظم الدول هي أعضاء في كتل اقتصادية إقليمية لأن هذا يزوّدها بمزايا وفوائد جمة، وهو يقترح أن تدمج مصر اقتصادها مع أسواق عربية وإسلامية أخرى، بهدف الصمود بشكل أفضل في وجه ضغوط الكتل الأخرى وأيضاً لتوليد نمو اقتصادي عبر الاستثمارات الخارجية المباشرة. ويُجادل الحزب بأن مصر يمكن أن تفيد من زيادة صادراتها، مايرفع بدوره وتائر العمالة المحلية. أحزاب سلفية أخرى توافق على هذا المنحى: فحزب البناء والتنمية يتصوّر "اندماجاً اقتصادياً وبناء هكيلية اقتصادية" تتغلّب على الحدود الجغرافية والثقافية التي رسمتها القوى الاستعمارية الغربية.

صحيح أن الأحزاب السلفية حائزة على خبرة مديدة في تقديم الرعاية الاجتماعية من خلال النشاطات الخيرية، بيد أنها في حاجة إلى أن تعرض على الناخبين رؤية اقتصادية شاملة وأن تبدو قادرة على تحقيقها. الأحزاب السلفية تعد بخلق فرص العمل، والاستثمار في الخدمات العامة، والاندماج أكثر في الاقتصاد العالمي، وهي أولويات يوافق عليها الناخبون ويرون في السياسات الحزبية الديمقراطية وسيلة للتأكد من أنه سيتم الوفاء بها. وحين نضع في الاعتبار الجذور الاجتماعية- الاقتصادية للانتفاضات العربية في 2010-2011، خاصة في مصر وتونس واليمن، قد نستنتج بأن الناخبين يجدون الإطار الاقتصادي السلفي جذاباً. لكن مثل هذا الإطار يكشف النقاب عن براغماتية قصيرة الأجل. إذ إن الطريقة التي أطّرت بها الأحزاب السلفية سياساتها وأولوياتها، أبرزت الحقيقة بأنها لجأت إلى حلول عامة تتمتع بجاذبية واسعة، لكنها لاتتضمّن سوى حفنة ضئيلة من التفاصيل والمعطيات.

وبسبب هذه المقاربة البراغماتية، فقد وضع المراقبون الأحزاب السلفية في أطراف متباينة داخل لوحة  الطيف الإديولوجي: من كونهم ممثلي الفقراء إلى اعتبارهم محافظين حقيقيين. وحين تصبح هذه التناقضات أوضح، تتكشّف مدى صعوبة معرفة ما إذا كانت الأحزاب السلفية ستكون قادرة في نهاية المطاف على تحقيق برامجها الاقتصادية ذات الجاذبية الشعبية الواسعة.

الإبحار في لُجج التناقضات

حيث نضع في عين الاعتبار البيئات الاقتصادية المتباينة بين دولة وأخرى، سنجد أن صدقية وفعالية البرامج الاقتصادية السلفية ستعتمد إلى حد كبير على سياقاتها. على سبيل المثال،  لاتعمل الأحزاب السلفية في الكويت الغنية بالنفط في داخل الأطر الاقتصادية نفسها كما الأحزاب السلفية المصرية أو التونسية. لكن بالإجمال، تتقاسم الأحزاب السلفية العديد من الصعوبات والمخاطر.

إحدى هذه المشاكل هي أن السلفيين، وفي الواقع الإسلاميين بشكل عام، يعتقدون أن العمل الخيري يمكن أن يحل مكان آليات الدولة في توفير الرعاية الاجتماعية. ويرى السلفيون أن دور الدول هو حماية الحرية الاقتصادية للأفراد الذين، بدورهم، يجب أن يتشاطروا دخلهم مع الناس المُحتاجين من خلال الأشكال الدينية للعمل الخيري، كالزكاة أو الأوقاف الدينية. بيد أن هذا الاعتقاد يتناقض مع طبيعة الدول الحديثة نفسها.

إن المفهوم الفيكتوري للرعاية الاجتماعية، حيث الأفراد الأغنياء والمؤسسات تقرر من هم الفقراء المحتاجين، يُعتبر مفهوماً إشكالياً لأنه يستخدم الاختبارات الأخلاقية لتحديد المستفيدين المحتملين. بالطبع، إراحة الدولة من عبء الرعاية الاجتماعية اقتراح جذّاب، والمحافظون يتقاسمون مع السلفيين الاعتقاد بأنه حين يكون المرء مسلماً جيداً سيستأهل المساعدة. لكن العمل الخيري لايستطيع إلا لماماً الحلول مكان الدولة في توفير الرعاية الاجتماعية (حتى ولو كان متمّماً لها)، لأن تطبيقها يصبح بحكم الواقع سياسياً. فماذا يحدث إذا ما رفض فرد ما ممارسة سلوك وفق ماتقتضيه مواقف المؤسسة الدينية؟ وأي قضايا رعاية اجتماعية (كالتعليم، والصحة، والأمهات الوحيدات، وإدمان المخدرات، أو مخصصات البطالة) لها الأفضلية؟  كما يمكن للأعمال الخيرية التي تديرها المؤسسات الدينية أن تكون ضمناً قمعية وإقصائية، ما يقوّض مبدأ المساواة.

ثمة مشكلة ثانية بالنسبة إلى الأحزاب السلفية، وهي أنها تشطب عدداً مهماً من أدوات السياسة العامة من برامج عملها الاقتصادية. على سبيل المثال، لاتتضمّن هذه البرامج أي شيء تقريباً عن السياسات المالية والنقدية، ولا عن الضرائب. هذا علاوةً على أن الإصلاحات والسياسات التي تحبّذها الأحزاب السلفية لاتتضمّن تقديرات مفصلّة عن الأكلاف. والحال أن برنامج 2011 الذي وضعه حزب البناء والتنمية المصري، كان واحداً من حفنة ضئيلة من الأطر التي أتت على ذكر الضرائب، لكن حتى حينها جرى ذلك بصورة ضبابية عبر الاكتفاء بالإشارة إلى أن الضرائب العادلة قد تساعد على تحقيق العدالة الاجتماعية. عدا ذلك، لم يتم التطرق إلى إجراءات مالية محددة، ما ترك السؤال معلّقاً في الهواء حول كيفية تأثير فرض الضرائب على إعادة توزيع الدخل. وهذا يكشف مجدداً عن مدى محدودية إطلالة الأحزاب السلفية على  القضايا الاقتصادية. ولعل هذه الأحزاب تشعر بأن هذه الإطلالة يجب أن تبقى عامة قدر الإمكان، لتسهيل اجتذاب أكبر عدد من الناخبين وحصد نسب أعلى من الأصوات الانتخابية.

هناك قصور ثالث في البرامج الاقتصادية السلفية هي الاستعارة من مصادر متباينة، وغالباً ما تطرح أحزابها وصفات متضاربة في السياسة العامة. وما يفاقم إشكالية هذا الأمر الحقيقة بأن البرامج تفشل مراراً وتكراراً في الأخذ بعين الاعتبار القيود أو الوقائع الاقتصادية العالمية، كما أنها قد تتبنى سياسات قد لاتكون قادرة على تنفيذها بنفسها. مثلاً، دعوة الأحزاب السلفية إلى دمج الأسواق الإقليمية، لايمكن مواءمتها مع فكرة الاكتفاء الذاتي الداعية إلى عدم تحرير قطاعات اقتصادية برمتها لأنها تُعتبر استراتيجية. وعلى المنوال نفسه، كيف يمكن لدولة أن تُباشر في تطبيق برنامج كبير لخلق الوظائف والإنفاق الاجتماعي، حين تكون خزائنها خاوية؟ هذا علماً أن الاستدانة من المؤسسات المالية الدولية تترافق في غالب الأحيان مع شروط تفرض تطبيق إجراءات معاكسة، كخفض عدد موظفي القطاع العام أو تخفيض الموازنة.

لذا، ومن أجل تحقيق المكاسب الانتخابية، تركّز الأحزاب السلفية على خلق فرص العمل وتحسين التقديمات الاجتماعية، إضافةً إلى تعزيز عملية تحرير الأسواق والاستثمار الأجنبي المباشر. لكن من المستبعد أن تتكلّل اقتراحات السلفيين بالنجاح، طالما أن رؤيتهم الاقتصادية ترتكز على مقاربات متناقضة، ناهيك عن أنهم يقلّلون من شأن صعوبة قلب التداعيات الناجمة عن الخيارات الاقتصادية السابقة والقيود الدولية.

النقطة الأخيرة، والأهم ربما، هي أن العيوب التي تشوب برامج السلفيين الاقتصادية تنبع من اعتقادهم أن الأخلاق الدينية قادرة على تخطّي الصعوبات التي تعترض عملية إدارة الاقتصاد الوطني. فالسلفيون العرب المنخرطون في العملية السياسية، يعتقدون فعلاً أن السمات الأخلاقية الشخصية والوجود الأكبر للمؤسسات المالية الإسلامية، مثل المصارف المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، ستؤدّي إلى زيادة معدلات النمو ورفع مستويات المعيشة. وتُشدّد الأحزاب السلفية كذلك على أن تراجع النمو يُعزى إلى الفساد المُستشري. فهي تعتبر أن جذور سوء الإدارة الاقتصادية تعود إلى السلوكيات اللاأخلاقية، لأن القرارات الفردية الأنانية – أي غير المنبثقة عن التزامٍ بالثوابت الدينية - تقوّض الجهود الرامية إلى تحقيق النمو. إذن، ترى هذه الأحزاب، على حدّ تعبير حزب البناء والتنمية، أن "نشر المفاهيم السياسية والقيم الإسلامية" في المجتمع والاقتصاد هو السبيل للانعتاق الاجتماعي والاقتصادي.

برامج السلفيين الاقتصادية في تونس ومصر خير دليل على هذا الموقف، حيث مُنِحت الأحزاب السلفية للمرة الأولى في هاتين الدولتين، فرصة خوض غمار سباق انتخابي يتّسم بالحرية والتعدّدية، وتقديم خطة اقتصادية عَقِب إطاحة الأنظمة السلطوية في فترة 2010-2011. فقد أفسح سقوط الحكّام السلطويين المجال أمام طرح نماذج اقتصادية بديلة. وفي البلدين، ربطت الأحزاب السلفية برامجها بالأخلاق الإسلامية، إذ اقترحت إصلاح القوانين الاقتصادية القائمة لتتماشى والمبادئ الإسلامية، كما وضعت تصوّراً لمأسسة بعض أركان الإسلام، مثل إيتاء الزكاة وتعزيز المؤسسات المالية الإسلامية.

لكن ما قدّمته هذه الأحزاب كان ينمّ، في أفضل الأحوال، عن سذاجة اقتصادية. لقد نهلت السياسات السلفية على نحو مُربِك من المبادئ النيوليبرالية والاجتماعية-الديمقراطية، إلا أن نجاحها بقي رهناً بتدخّل المؤسسات الإسلامية وبالتقوى الفردية. إذن، من جهة، يتمثّل هدف المؤسسات الإسلامية والممارسات الدينية في تنقية الثروات الخاصة وإعادة توزيعها، باعتبار أن التقوى الفردية تعزّز النجاح الاقتصادي، مثلما تحرّك يد آدم سميث الخفية خيوط السوق الحرة. لكن، من جهة أخرى، يعتمد التكافل الاجتماعي وإعادة توزيع الثروات وتحقيق مساواة أكبر في المداخيل على أفراد يحترمون واجباتهم الدينية، وليس لأن الدولة تنسّق الأمور وتتدخّل في الاقتصاد.

من هذا المنطلق، تبدو مشاركة المسلمين المتديّنين في العجلة الاقتصادية أساسية للاقتصاد الإسلامي نفسه، ما يؤدي إلى توسيع القطاع الخاص. تُعدّ هذه المقاربة غير معقّدة في أفضل الأحوال. فاقتصاد السوق الاجتماعي، وهو الاقتراح الذي قدّمته الأحزاب السلفية، لايزال يستند إلى فكرة الربح – وحينما يكون الربح أساس الممارسة الاقتصادية، يُرجّح أن تحتلّ الأخلاق مكانة ثانوية. وكما هي حال الإخفاقات البنيوية، حيث لم يكن الجشع وحده هو الذي أدّى إلى اندلاع الأزمة المالية العالمية في العام 2008، من المُستبعد أن تؤول الأخلاق وحدها إلى تحسين الأداء الاقتصادي بشكلٍ ملحوظ، والحؤول دون وقوع أزمات أخرى في المستقبل.

خاتمة

أرغمت الانتفاضات العربية السلفيين على إبداء اهتمامٍ ببلورة السياسات الاقتصادية. لكن هذا الأمر شكّل تحدّياً خاصّاً لسببين اثنين على الأقل: أوّلاً، سلّط الضوء على واقع أن الشأن الاقتصادي لم يكن قط في صُلب أولويات السلفيين، الذين يتمحور انخراطهم السياسي أساساً حول مسألة الهوية والقضايا الاجتماعية. ثانياً، واجهت الأحزاب السلفية صعوبة في صياغة برنامج اقتصادي، بسبب اعتمادها على قواعد شعبية فضفاضة مكوّنة من طبقات اجتماعية مُتباينة. فالسلفيون يحظون بدعم من الطبقة الوسطى بسبب تركيزهم على مسألة الهوية ورؤيتهم الاجتماعية المُحافِظة، بيد أنهم يتمتعون أيضاً بدعم الفقراء بسبب الخدمات التي توفّرها الجمعيات الخيرية السلفية. ولذا، من الصعب وضع برامج محدّدة، الأمر الذي قد يقوّض نجاحهم السياسي.

شكّل الغياب الظاهري لنماذج اقتصادية بديلة من شأنها أن تحلّ محل النيوليبرالية مشكلة للأحزاب السلفية، إذ كانت تعقد آمالها على طرح إطار عمل اقتصادي يلبّي تطلّعات المواطنين. ويُرجَّح أن تسفر التدابير السياسية مثل الخصخصة، والقيود على الموازنة، والأسواق المفتوحة، وانعدام الأمن الوظيفي، عن زيادة الأمور سوءاً في معظم الدول العربية – في المدى القصير على الأقل – ولاسيما أن هذه السياسات نفسها التي ساهمت في إشعال جذوة انتفاضات 2010-2011. لذا ركّزت الأحزاب السلفية، بدلاً من ذلك، على خلق فرص العمل، وزيادة التقديمات الاجتماعية، وتحقيق التحرير الفعلي للأسواق، ووضع حد للنهج الليبرالي الفاسد الذي كان سائداً في ظل الحكم السلطوي.

في غضون ذلك، يبدو من الضروري إجراء الإصلاحات لإحياء الاقتصادات المُحتَضِرة، حيث تتعايش البطالة المرتفعة جنباً إلى جنب مع ضعف الإنتاجية، فيما تبقى إعادة التوزيع العادل للثروات مجرّد أضغاث أحلام. لذا، تشتدّ الحاجة إلى اتّخاذ إجراءات طارئة لمحاربة الفقر والظلم الاجتماعي. مع أن ثمة عوامل عدة قد تقوّض المصداقية الانتخابية للسلفيين، مثل تناقضاتهم السياسية، وتوقّعاتهم غير الواقعية، وموقفهم الأخلاقي المتشدّد، يُرجَّح أن تستمرّ جاذبية الأحزاب السلفية طالما أنها لم تخضع إلى الاختبار في موقع المعارضة.

حول المؤلفين

فرانشيسكو كافاتورتا أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة لافال في مدينة كيبيك. تركّز أبحاثه على ديناميكيات الدمقرطة والسلطوية، والأحزاب والمجموعات السياسية، وحراك المجتمع المدني في العالم العربي.

فاليريا ريستا أستاذة مشاركة في قسم العلوم السياسية في جامعة سابينزا في روما. تركّز أبحاثها على السياسات الحزبية وعملية تغيير الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.