لا يحظى موقع الجماعات الإسلامية السنّية في البحرين بالقدر الكافي من التمحيص، ضمن السياسات الداخليّة للمملكة، إذ إن معظم الأبحاث تسلّط الضوء على الصدع بين الأسرة الحاكمة السنّية من جهة، والحركة المعارضة الشيعيّة في أغلبها من جهة أخرى. هذه الديناميكيّات الطائفيّة دفعت مجموعات إسلاميّة سنّية في البحرين، كجماعة الإخوان المسلمين أو الجماعات السلفيّة، إلى الاصطفاف سياسياً مع الحكومة. وتبذل السلطات الحكوميّة جهوداً منذ العام 2011 لتعبئة هذه الجماعات ضد احتجاجات الشيعة. مع ذلك، واجه كلٌّ من الإخوان المسلمين والسلفيين صعوبة في بلورة أجندات مستقلّة عن مصالح النظام، ما أفقدهم رأسمالاً سياسياً في صفوف مؤيّديهم في المملكة. وهذا تجلّى في النتائج الضعيفة التي حصدوها في انتخابات 2014 و2018.

نتيجةً لذلك، لجأت الجماعات الإسلاميّة السنّية في البحرين بصورة مطّردة إلى ممارسة الولاء والاستكانة السياسية الشائعتين في الدول الغنيّة بالنفط. غير أنّ هذه الذهنية تقلّص احتمال ممارسة هذه الجماعات الضغط لإجراء إصلاحاتٍ في إطار كتلة سنّية موحّدة، ما قد يؤدّي إلى تسريع انحسار أهميتها في الحياة السياسيّة البحرينية. يُذكر هنا أنه غداة فوضى الربيع العربي في المملكة، جَهَد كلٌّ من جماعة الإخوان والمنظّمة السلفيّة الرئيسة لفصل نفسيهما عن النظام، كما أن نكساتهما المحلية تفاقمت بسبب ردود الفعل الدوليّة العنيفة ضدّ الجماعات الإسلاميّة السنّية (ولا سيّما عزل الإخوان المسلمين بعد إطاحة الرئيس المصري السابق محمّد مرسي، ثم اندلاع الأزمات الدبلوماسيّة في قطر وتركيا).

وفيما أثّرت المشاغل الجيوسياسيّة بالطبع في أجندات الإسلاميّين السنّة في البحرين، إلا أن هذه الأجندات غالباً ما خدمت كذلك كغطاء محلّي لحركات المعارضة الشيعيّة التي حقّقت نجاحاً أكبر في حشد الدعم. مع ذلك، لا ترتبط المظالم التي أوقدت شعلة احتجاجات ما بعد العام 2011 تماماً بالانقسامات الطائفيّة، كما لا يمكن تقسيم الأجندات السياسيّة وفق هذه الخطوط. فهناك بعض العائلات الشيعيّة التي تدعم أيضاً الحكومة، على الرغم من أن الكثير من الموالين هم من السنّة، ما يعني أنّ التهميش الاقتصادي لا يستند إلى الاختلافات الطائفيّة، بل يعكس بدلاً من ذلك مستويات النمو غير المتكافئة عموماً في البحرين، حيث يوجد "اقتصاد سياسي يقوم على إقصاء غالبيّة الشعب ومكافأة أقلّية من الموالين".1 لكن الحكومة البحرينيّة أسهمت في إعاقة التعاون السياسي بين كلّ الطوائف، من خلال تصوير انتفاضات العام 2011 على أنها بقيادة شيعية.

يُهيمن الإخوان المسلمون وجمعية الأصالة، وهي منظّمة سلفيّة بارزة، على المشهد الإسلامي السنّي في البحرين. وتبدو جماعة الإخوان المسلمين في المملكة محليّةً إلى حدٍّ بعيد، عوضاً عن كونها جزءاً من حركة عابرة للحدود الوطنيّة، ولا سيّما في أعقاب الربيع العربي. فبرامجها تتشكّل في سياقات وطنية بحكم العلاقات الطيبة مع أسرة آل خليفة الحاكمة، وليس عبر إيديولوجيا معيّنة أو أي رابط مُتصوَّر مع منظّمة عابرة للحدود الوطنيّة. في المقابل، تبدو جمعية الأصالة مُرتبطة (من حيث الإيديولوجيا والروابط الشخصيّة على الأقل) بشبكات سعوديّة سلفيّة علمية. ومع أنّ كلّ الجماعات السلفيّة ترمي إلى تنقية المجتمع ليتواءم مع التعاليم الإسلاميّة المبكّرة، تركّز السلفيّة العلمية على الطهارة الشعائرية والتثقيف حول التعاليم السلفيّة بعيداً عن القضايا السياسيّة. وعلى الرغم من هذا الفهم التقليدي للسلفيّة العلمية، أصبحت جمعية الأصالة أكثر محليّةً وازداد نشاطها السياسي، فباتت قريبة من تيارات السلفيّة الحركية المتواجدة في مناطق أخرى من الشرق الأوسط. هنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ التدقيق في المشهد السياسي السنّي في البحرين، وتعقّب جهود الحكومة لاختراق الدائرة الإسلاميّة السنّية، يفسحان المجال بشكل أفضل لفهم كيفيّة تأثير هذه الديناميكيّات في الإسلاميّين السنّة اليوم.

نبذة تاريخيّة مُختصرة عن الإخوان المسلمين في البحرين

شهدت البحرين تأسيس الفرع الأول لجماعة الإخوان المسلمين في دول مجلس التعاون الخليجي في العام 1941 تحت اسم "نادي الطلبة"، لتُعاد تسميته بـ"جمعيّة الإصلاح" في العام 1948. وحتّى مطالع القرن الحادي والعشرين، انخرطت جماعة الإخوان أساساً في الأعمال الخيريّة والتعليم، بيد أنها اتّخذت أيضاً بعض المواقف السياسية التي كانت في الدرجة الأولى مناهضة للقوميّين العرب والإسلاميّين الشيعة، ولا سيّما خلال الاحتجاجات التي نادت بإجراء إصلاحات سياسية داخلية بين عامَيْ 1994 و1999. وقد رحّب النظام بهذه المواقف آنذاك، بما أنّها دعمت موقف الحكومة في وجه تنامي حركة المعارضة المطالبة بإصلاحٍ سياسيٍّ.2 أسّست جماعة الإخوان المسلمين في البحرين "جمعيّة المنبر الوطني الإسلامي" (أو "المنبر الإسلامي" باختصار) كجناحها السياسي، وشغل المنبر مقعداً واحداً على الأقل في البرلمان لفترة دامت أكثر من عقد، لكنّه أخفق في الفوز بمقعدٍ في انتخابات العام 2018. وفي البرلمان، دعم المنبر الإسلامي غالباً الأجندة السياسيّة والاقتصاديّة للأسرة الحاكمة، وسعى أيضاً إلى تطبيق سياسات اجتماعيّة إسلاميّة، مثل فرض قيود على بيع الكحول. تشمل قاعدة دعم المنبر الطبقة المتوسّطة المدينية وموظّفي الخدمة المدنية بصورة أساسيّة، ويشغل عدد من أعضائه مناصب في هيئات حكوميّة معنيّة بصنع القرارات، ولا سيّما في مجال التعليم.3 أمّا مطالبه السياسية الرئيسة، فتتمحور أساساً حول دعم الأجهزة الأمنيّة وتحصين الوضع الراهن.

يتحدّر الكثير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من قبيلة حوالة، وكانوا تاريخياً جزءاً من نخبة التجار، وبالتالي لديهم مصلحة في الحفاظ على الوضع السياسي القائم. وغالباً ما تبوّأ أعضاء المنبر الإسلامي مناصب في البرلمان، والنظام التعليمي، والجهازين الأمني والقضائي في المملكة. ويُعتقد أن الروابط بين الحكومة البحرينية والإخوان المسلمين وثيقة جدّاً، إذ يُشاع أن الجماعة تحظى بتمويل من البلاط الملكي والقطاع المصرفي الإسلامي في البحرين، ناهيك عن أن عيسى بن محمد آل خليفة، وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق وعمّ الملك الحالي، شارك في تأسيس جمعية الإصلاح وترأسها من العام 1963 إلى العام 2013.4 أصبحت الجمعية، من خلال هذه العلاقات رفيعة المستوى، طرفاً يُعتدّ به من الصفقة الريعية، إذ قايضت الحصول على المناصب السياسية بولاء أعضائها واستكانتهم. وعلى الرغم من هذه التوجهات الموالية للحكومة، تعاون المنبر الإسلامي في العام 2005 مع جمعية الوفاق التي تمثّل أكبر كتلة شيعية معارضة، للمطالبة بإصلاح القوانين المتعلقة بملكية الأراضي. لكن هذه الخطوة كانت براغماتية في نهاية المطاف، إذ هي حرصت على حماية مصالح التجار الاقتصادية وحصصهم من الصفقة الريعية أو حزمة التقديمات التي توفّرها الدولة، بدل أن تشي بحدوث تغيير في البرامج، أو برغبة في الانخراط في تحالفات بين الطوائف، كما فعلت الكتلة السياسية السلفية الرئيسة في البحرين.

الدائرة السلفية

تأسّست جمعية الأصالة الإسلامية، وهي المنظمة السلفية الأبرز في البحرين، في العام 2002، وهي الجناح السياسي لجمعية خيرية سلفية تُدعى "جمعية التربية الإسلامية"، أُنشئت في تسعينيات القرن الماضي وحظيت بدعم من "المواطنين السنّة الأفقر والأكثر قَبَلية والمتحدّرين من مدينتَي المحرق والرفاع، فضلاً عن البحرينيين المجنّسين".5 يعمل الكثير من أعضاء الجمعية في وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف،6 وهي معروفة بقريها الإيديولوجي من السلفيين العلميين في السعودية، الذين يعارضون عموماً اتّخاذ مواقف مناهضة للحكومة، ويُعتبرون بالتالي مجرّد "بيادق تحرّكها مصالح الأسرة الملكية". مقارنةً مع المنبر الإسلامي، تحظى جمعية الأصالة بدعم أكبر من أبناء القبائل السنيّة، وخصوصاً أولئك المتحدّرين من مدن صغيرة مثل المحرق والرفاع، وأيضاً من عناصر القوى الأمنية. وهذه الفئات تُطلق عموماً انتقادات اجتماعية عوضاً عن الانتقادات السياسية. لكن، على غرار المنبر الإسلامي، وعلى عكس السلفيين العلميين الحقيقيين، انتقدت جمعية الأصالة أحياناً الحكومة، حتى أنها صوّتت مع جمعية الوفاق الشيعية للمطالبة بإجراء بعض الإصلاحات التي من شأنها الحد من صلاحيات الملك والحكومة المركزية. لكنها، في المُجمل، لم تتبنَّ قط برنامجاً مستقلّاً عن الأسرة الحاكمة، بل ركّزت على صون التمثيل السنّي في البرلمان. يُشار إلى إن مشاركتها في السلطة التشريعية لا تجعلها دعوية وعلمية بشكلٍ صرف، لكن موالاتها للحكومة أدّت إلى إدراجها إيديولوجياً ضمن معسكر السلفية العلمية.

عموماً، ظل التعاون محدوداً بين الإخوان المسلمين والسلفيين. فموقف الإخوان المسلمين الأكثر تصالحاً حيال الشيعة ولّد بعض التوتّر، الذي سُرعان ما تحوّل إلى عداء صريح في العام 2002، حين رفض السلفيون أداء يمين الولاء للدستور البحريني لاعتقادهم أن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع.7 لكن في العام 2006، قرّر المنبر الإسلامي وجمعية الأصالة عدم طرح مرشحين ضد بعضهما البعض في الدوائر نفسها، وذلك لتحقيق أكبر قدر من التمثيل السنّي، ما أدّى إلى فوز الإخوان المسلمين بسبعة مقاعد والأصالة بثمانية مقاعد.8 مع أن هذا التعاون غاب عن انتخابات العام 2010، يُشار إلى أن النظام شجّعه على نحو نشط في العام 2006، لأنه ساعد في عزل المتشدّدين في التيار السلفي، ومواجهة التحالف الشيعي-الليبرالي المتنامي. كذلك، عزّز كلٌّ من المنبر والأصالة تعاونهما لفترة وجيزة في ذروة انتفاضات الربيع العربي. وقد شجّع النظام هذا التعاون أيضاً، إذ كان يسعى إلى عزل الحركة الشيعية المعارضة من خلال إنشاء منظمة موالية له من شأنها التخفيف من وطأة النتائج الضعيفة التي حقّقتها المجموعات السنيّة خلال انتخابات العام 2010. لكن هذا التعاون مُني بالفشل في نهاية المطاف مع تبدّل الحسابات المحلية والإقليمية نتيجة الربيع العربي.

التعاون بين السنّة خلال الربيع العربي

غدا الإسلاميون السنّة قاعدة دعم مهمة للحكومة، لأن النظام البحريني صوّر المظاهرات التي ألهمها الربيع العربي على أنها مُسيَّرة شيعياً. وقد روّج النظام بشكل مكثّف لهذه الديناميكية، خصوصاً من خلال المساعدة على إنشاء منظمة من شأنها أن تلمّ شمل الإسلاميين السنّة. فقد أدّى التشجيع الحكومي إلى تأسيس تجمّع الوحدة الوطنية في شباط/فبراير 2011، الذي اعتُبر بمثابة منتدى إسلامي بديل لمظاهرات الربيع العربي، والذي طالب بإجراء إصلاحات سياسية تدريجية، بدلاً من تغييرات كُبرى وكاسحة. طرح تجمّع الوحدة الوطنية نفسه كخيار ثالث يقع بين المتظاهرين الشيعة من جهة وبين النخب السنيّة المرتبطة بالأسرة الحاكمة من جهة أخرى، مشدّداً على أن القاعدة الشعبية التي يمثّلها لديها مطالبها الخاصة.9 وفي آذار/مارس 2011، عقد تجمّع الوحدة الوطنية سلسلة اجتماعات مع مجموعات معارضة، من ضمنها جمعية الوفاق الشيعية، للمطالبة بإجراء إصلاحات سياسية وقطع دابر الطائفية، لكنه، وبضغط من الحكومة، عاد ليتبنّى مواقف موالية لها على نحو مطّرد. كذلك، فقد التجمّع الدعم الأساسي الذي كان يحظى به من المنبر الإسلامي وجمعية الأصالة، إذ لم يفز أيٌّ من أعضائهما في انتخابات الهيئة المركزية لتجمّع الوحدة الوطنية، ما أدّى إلى سحب دعمهما للمنتدى.10

أظهر ما سمّاه جاستن غنغلر بـ"الصحوة السنيّة في البحرين" أن سنّة البحرين يتوقّعون شيئاً ما مقابل "دعمهم الثابت للحكومة، ومساعدتهم في كبح لجام أعتى نقّادها". من المنطقي أن الحكومة كانت مستعدة لدعم هذه التعبئة السنيّة، نظراً إلى أنها تعزّز مصداقية السردية القائلة إن الشيعة هم من يقودون الاحتجاجات بشكل أساسي. لكن، عندما خفّ قلق الحكومة على بقائها واستمرارها، باتت أقل اعتماداً على المجموعات السنيّة الموالية لها، وبالتالي لم تبذل جهوداً تُذكر لإعادة إحياء تجمّع الوحدة الوطنية بعد أن فَقَدَ زخمه في نهاية العام 2011. وقد عكست الانتخابات البرلمانية الفرعية في العام 2011 خيبة أمل البحرينيين السنّة عموماً من جمعياتهم السياسية، فضلاً عن الجهود المبذولة في أوساط المنبر الإسلامي تحديداً لإعادة بناء الزخم عقب الهزائم التي مُني بها في العام 2010، حين فشل هو والأصالة في التنسيق مع بعضهما البعض للانتخابات. في نهاية المطاف، لم يشارك في هذا الاستحقاق لا الإخوان ولا الأصالة، بل أعلنا دعمهما الضمني لبعض المرشّحين، ما أفسح مجالاً أكبر لفوز مرشّحين مستقلّين.

هزيمة انتخابية للإسلاميين السنّة

أظهرت انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2014 مدى الضرر الذي ألحقه تقلّب أهواء السياسات المحلية والإقليمية بالناخبين السنّة في البحرين، وبالأحزاب السياسية السنيّة التي باتت عاجزة عن إيجاد موطئ قدم آمن لها في المشهد السياسي. وقد أعادت الحكومة تقسيم الدوائر الانتخابية قبل الانتخابات، في خطوة تعبّر وفقاً لمارك فاليري عن "رفض النظام وجود برلمان خاضع إلى سيطرة الإسلاميين (سواء الشيعة أو السنّة)، وعن استراتيجيته التي ترجّح كفة رجال الأعمال البراغماتيين والقادة القَبَليين المستعدّين لدعم سياسات النظام".11 ليس صدفةً، إذاً، أن إعادة تقسيم الدوائر أثّرت على ما يبدو في المجموعات الإسلامية السنيّة أكثر مما أثّرت في جمعية الوفاق. فواقع الحال أن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، التي طُبِّقت بعد أن أدرجت السعودية، ثم الإمارات، جماعة الإخوان المسلمين على قائمة التنظيمات الإرهابية، صبّت بشكل واضح في صالح الشخصيات القَبَلية المستقلة، على حساب الإسلاميين السنّة. إذ تم توسيع الدوائر الواقعة في جنوب البلاد الذي يضم أغلبية سنيّة، ما قوّض حظوظ المرشّحين الذين يحظون بقاعدة دعم محلية. كذلك، تم دمج دوائر تضم العديد من النواب الإسلاميين السنّة مع دوائر أخرى. وعلى الرغم من أن المنبر الإسلامي وجمعية الأصالة شكّلا شريكين مفيدين للنظام الذي كان مُحاصراً خلال الربيع العربي، عانت السلطات البحرينية لاحقاً صعوبة أكبر في تبرير قربها من الجماعات الإسلامية، ولاسيما الإخوان المسلمين.

إضافةً إلى ذلك، دخل لاعبٌ جديد على الساحة السياسية السنيّة. ففي كانون الثاني/يناير 2012، سعى مناصرون شباب لتجمّع الوحدة الوطنية إلى تشكيل قوة سنيّة جديدة للثورة المضادة سُمّيت صحوة الفاتح. عارضت هذه الحركة بشدّة أي حوار بين النظام وجمعية الوفاق، ووصفت هذه الأخيرة بأنها تنظيم "إرهابي"،12 في خطوة بدا أنها تعبّر عن رغبتها في أن تكون طرفاً ثالثاً أكثر صدقية بين المعارضة الشيعية من جهة، والأحزاب السنيّة المدعومة من النظام من جهة أخرى. لكن، نظراً إلى النتائج الضعيفة التي حقّقتها في انتخابات تشرين الثاني/يناير 2014، يبدو أن صحوة الفاتح فشلت في حشد ما يكفي من الدعم المستقل عن كلٍّ من الحكومة – وهذا كان هدفها المتوخّى عندما انشقّت عن تجمّع الوحدة الوطنية الذي اعتبرته موالياً للنظام – والإخوان المسلمين.

في الانتخابات، اتّفق كلٌّ من المنبر الإسلامي وتجمّع الوحدة الوطنية على عدم طرح مرشّحين ضد بعضهما البعض في الدوائر نفسها، بيد أن جمعية الأصالة لم تحذُ حذوهما، فأسفرت هذه الانقسامات الانتخابية عن نتائج كارثية للإسلاميين السنّة، إذ تكبّدت المجموعات الصغيرة هزيمة كاسحة: لم يفز أيٌّ من المرشّحين السبعة الذين طرحهم تجمّع الوحدة الوطنية؛ كذلك لم تفز صحوة الفاتح بأيٍّ من المقاعد العشرة التي خاضت الانتخابات من أجلها. في غضون ذلك، فاز المنبر الإسلامي بمقعد واحد، ونالت جمعية الأصالة مقعدين اثنين، فيما حصد المستقلّون 36 مقعداً. وأظهرت الهزيمة التي مُني بها تجمّع الوحدة الوطنية في الانتخابات أنه، على غرار صحوة الفاتح، لم يتمكّن من صياغة برنامجه المستقل في المشهد السياسي البحريني. باختصار، أماطت انتخابات العام 2014 اللثام عن مدى عجز الإسلاميين السنّة عن تلبية تطلّعات ناخبيهم، بسبب تجاذباتهم الداخلية من جهة، إضافةً إلى التداعيات (المقصودة ربما) الناجمة عن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية التي نفّذتها الحكومة، من جهة أخرى.

الانحسار السياسي للإخوان المسلمين

أدّت مرحلة ما بعد العام 2011، التي شكّلت في بداياتها بريق أمل لفروع الإخوان المسلمين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، إلى حملة قمعية واسعة، أو على الأقل حملة تشهير بحق الجماعة، في أعقاب سقوط حكومة محمد مرسي في مصر في تموز/يوليو 2013. كانت المجموعات السنيّة التابعة للإخوان المسلمين والسلفيين أساسية في حشد الدعم للحكومة البحرينية خلال مظاهرات الربيع العربي. لكن لم تكد تمر بضعة أشهر من العام 2014 حتى أدرجت السعودية والإمارات جماعة الإخوان المسلمين على قائمة التنظيمات الإرهابية، ما وضع البحرين في موقف حرج، نظراً إلى أن أعضاء الذراع السياسي المحلّي للإخوان في المملكة كانوا يشغلون مقاعد في البرلمان. وبدلاً من أن تعمد الحكومة البحرينية إلى حظر جماعة الإخوان المسلمين، منحتها "وضعاً خاصاً"، على حد تعبير وزير الخارجية البحريني في العام 2017، فيما كانت الجماعة تدعم صراحةً الكثير من القرارات الحكومية التي ألحقت ضرراً بالغاً بمصالح الإسلاميين السنّة في أماكن أخرى من العالم العربي.

في العام 2014، أوضح وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة أن بلاده لا تنظر إلى جماعة الإخوان على أنها "حركة عالمية". ومعروفٌ أن هذا التصنيف كان محور النقد الأساسي الذي وجّهته إلى الجماعة دول مثل السعودية والإمارات، اللتين حظّرتاها. وفي العام 2017، أي بعد اندلاع الأزمة الخليجية، قال وزير الخارجية البحريني إن حكومة بلاده "تعتبر الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً، وأن من سيتعاطف معهم سيُحاكَم على هذا الأساس". لكن، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، لم تتم محاكمة أحد في البحرين بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين، ربما لأن الفرع البحريني من الجماعة يتعامل بلباقة وحرص مع التغييرات التي تشهدها المنطقة. فقد أصدر المنبر الإسلامي، وهو الذراع السياسي لجماعة الإخوان في البحرين، بياناً في حزيران/يونيو 2017 أعرب فيه عن دعمه "للجهود الشاقة التي تقودها المملكة العربية السعودية لتوحيد مواقف الدول الإسلامية المشارِكة في قمة الرياض، والتي عزلت النظام الإيراني وكشفت عن تكتيكاته الإرهابية والطائفية أمام الساحة الدولية"، مؤكّداً أيضاً التزامه بالفكر الإسلامي المعتدل.

أكّدت الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البحرين في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 انحسار الإسلاميين السنّة في المشهد السياسي. فقد جرت الانتخابات في بيئة سياسية مُحكمة السيطرة، تخلّلتها مقاطعة المعارضة بعد أن مُنع الكثير من أعضائها عن المشاركة في الانتخابات. والمُلفت أن المنبر الإسلامي، الذي كان يشغل مقعدين في المجلس النيابي السابق، لم يتمكّن من الفوز بأي مقعد للمرة الأولى منذ تأسيسه، فيما نجحت الأصالة في حصد ثلاثة مقاعد، وفاز تجمّع الوحدة الوطنية بأول مقعد في تاريخه، وبالتالي كانت هذه المقاعد الأربعة الممثّل الوحيد للكتل السنيّة المنظّمة. يضم البرلمان المُنتخب حديثاً ثلاثة نواب فقط من البرلمان السابق، وعدداً كبيراً من المستقلّين، ويشكّل خير دليل على الفشل الملموس للمجموعات السياسية القائمة، على الرغم من أن هذه النتيجة تجازف أيضاً بجعل مجلس النواب أكثر خضوعاً إلى سيطرة الحكومة. فبعد أسبوعين فقط من الانتخابات، قاد نواب من جمعية الأصالة حملة ضد "مقاهٍ للشيشة يرتادها مثليون"، ما أوحى بأن الكتل السنيّة في البرلمان، مهما كان حجمها، ستركّز على القضايا الاجتماعية، لا السياسية.

الآن، إلى أين؟

إن القانون الصادر في أيار/مايو 2016، والذي يحظّر كل من يعتلي المنبر الديني من الانتماء إلى أي جمعية سياسية أو الانخراط في أنشطة سياسية، خير دليل على الجهود التي تبذلها الحكومة البحرينية للفصل بين الدين والسياسة، ما يعكس المخاوف التي تساورها من قوة الفكر الإسلامي، سواء الشيعي أو السنّي. لقد كانت الجماعات الإسلامية السنيّة الموالية مفيدة للنظام خلال فترة الانتفاضات، بيد أنها "عجزت عن طرح برنامج إسلامي سنّي في مرحلة ما بعد العام 2011 يبقى في منأى عن مناورات النظام"، على حد تعبير فاليري.13 إذن، يمكن القول إن "الإسلام السنّي خدم غايته المتمثّلة في ضعضعة زخم المظاهرات المعارضة للنظام في العام 2011"، وبالتالي بات من الممكن الاستغناء عنه. فكلّما طالت مدة عمل هذه الجماعات السنيّة العابرة للإيديولوجيا، كلّما زاد احتمال تبنّيها أجندات مستقلة ومعارضة للحكومة.

كذلك، يسلّط فاليري الضوء على أن تركيز النظام البحريني على الانقسام الطائفي خلال الربيع العربي، ساهم في تعزيز زخم السلفية الجهادية التي تكنّ عداءً شديداً للشيعة.14 لقد خضعت جمعية الأصالة إلى مجهر المراقبة بسبب دعمها مجموعات متشدّدة في سورية، خاصة حين زار وفد من نواب ينتمون إلى جمعية الأصالة سورية في آب/أغسطس 2012 لتقديم تبرّعات إلى لواء صقور الشام، ثم الجبهة الإسلامية. ومع أن حملة تقديم المساعدات إلى سورية خفّت في السنوات الأخيرة، إلا أن الخطاب المعادي للشيعة يتواصل على قدم وساق.

يبدو أن الكتل الإسلامية السنيّة البارزة انكفأت إلى حضن الولاء للنظام، بدل الترويج لوحدة سنيّة تشكّل قوة ضغط من أجل إجراء إصلاحات سياسية جوهرية. وهكذا، عادت هذه المجموعات مجدّداً لتكون جزءاً من النظام الريعي، حيث تقايض استقلاليتها السياسية بمناصب سياسية وامتيازات اقتصادية، في بيئة إقليمية يزداد فيها موقع الإسلاميين السنّة هشاشة. وكما يقول جاستن غنغلر، "تحظى الطائفة السنيّة بحصّة غير متناظرة من سخاء الدولة، لأنها ضرورية جدّاً لبقاء النظام واستمراره. وبالتالي، هي الخاسر الأكبر من جرّاء تخفيض رواتب موظفي القطاع العام والمنافع الأخرى".

وإضافةً إلى الحسابات الريعية، ارتبطت المعارضة على نحو مطّرد بالتعبئة الشيعية، ما صعّب عملية حشد مجموعات سنيّة ضد النظام.

النموذج الريعي لايزال حيّاً يُرزق في البحرين، على الرغم من المطالب المحدودة في البرلمان الراهن بتغيير السياسات الاجتماعية.

كورتني فرير باحثة في مركز الشرق الأوسط في كليّة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. لها كتاب صدر في العام 2018 عن منشورات جامعة كامبريدج، بعنوان Rentier Islamism: The Influence of the Muslim Brotherhood in Gulf Monarchies (الإسلام الريعي: دور جماعة الإخوان المسلمين في دول الخليج).

هوامش

1 Toby Matthiesen, “Sectarianization as Securitization: Identity Politics and Counter-Revolution in Bahrain,” in Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East, eds. Nader Hashemi and Danny Postel (Oxford: Oxford University Press, 2017), 213.

2 Marc Valeri, “Islamist Political Societies in Bahrain: Collateral Victims of the 2011 Popular Uprising,” in Islamists and the Politics of the Arab Uprisings: Governance, Pluralisation and Contention, eds. Hendrik Kraetzschmar and Paola Rivetti (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2018), 168.

3 المصدر السابق، ص. 168.

4 المصدر السابق، ص. 168.

5 المصدر السابق، ص. 169.

6 المصدر السابق، ص. 169.

7 Frederic M. Wehrey, Sectarian Politics in the Gulf: From the Iraq War to the Arab Uprisings (New York: Columbia University Press, 2014), 62.

8 Valeri, “Islamist Political Societies in Bahrain,” 170.

9 المصدر السابق، ص. 172.

10 المصدر السابق، ص. 174.

11 المصدر السابق، ص. 176.

12 المصدر السابق، ص. 175.

13 المصدر السابق، ص. 178.

14 المصدر السابق، ص. 175-176.