لا شك في أن العالم العربي يحتاج إلى بنية إقليمية للأمن الجماعي. ويمكن لمشروع التحالف الأميركي الذي يحمل مسمّى "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي (ميسا)" أن يمثل خطوة إلى الأمام في هذا الاتجاه، خاصة أنه يربط الأمن العسكري بالأمنين السياسي والاقتصادي. لكن، يسود حالياً انطباع بأن مشروع "ميسا" يخدم الأهداف الأميركية في المنطقة، وهي استهداف إيران وتقليص الوجود الإقليمي الأميركي من دون السماح للصين أو روسيا بحصد النفوذ، فيما يهمل الأولويات والقيود التي تخص الأعضاء المحتملين من الدول العربية.

يعترف المسؤولون العرب والأميركيون بأن مشروع تحالف "ميسا" عمل جماعي قيد الإنجاز. وتستمر مجموعات العمل المتخصصة في عقد الاجتماعات للتشاور حوله. لذلك، ثمة ضرورة حاسمة للتطرّق إلى العناصر التي من شأنها تمكين مشروع "ميسا" من الإسهام في بناء الأمن الإقليمي، بدلاً من أن يتحول إلى مصدر جديد يغذّي سباق التسلّح في المنطقة.

ما هو مشروع "ميسا" ولماذا اقترحته الولايات المتحدة؟

كُشف النقاب للمرة الأولى عن تحالف "ميسا" خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السعودية في أيار/مايو 2017. حينها نص "إعلان الرياض" على أن التحالف "سيساهم في تحقيق السلام والأمن في المنطقة والعالم". ويشمل التحالف دول مجلس التعاون الخليجي (البحرين، والكويت، وعُمان، وقطر، والسعودية والإمارات العربية المتحدة)، بالإضافة إلى مصر والأردن والولايات المتحدة. وتتمحور فكرته أساساً حول الأمن والدفاع. لكن مؤخراً تمت إضافة مجالات اقتصادية وسياسية للمشروع. وبذلك، فهو ينضم إلى حقل يعج بالتحالفات الإقليمية المسطّرة على الورق، أو التي لاتزال قيد البحث والتمحيص.

ياسمين فاروق
ياسمين فاروق باحثة زائرة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

يتوافق مثل هذا التحالف تماماً مع تفكير ليس فقط إدارة ترامب (أنظر، مثلاً، استراتيجية الأمن القومي في كانون الأول/ديسمبر للعام 2017، واستراتيجية الدفاع القومي العام 2018) بل أيضاً إدارة باراك أوباما. فكلتاهما بلورتا رغبة في خفض التموضع الأمني الأميركي في الشرق الأوسط. إذ تدعو استراتيجية الدفاع لإدارة ترامب إلى "توسيع آليات التشاور الإقليمي" و"تعميق قابلية العمل البَيني" لتقاسم أعباء الدفاع عن حلفاء ومصالح أميركا حول العالم. وتتطابق هذه الاستراتيجية في الشرق الأوسط مع تصميم الرئيس ترامب على تقليص المساهمة الأميركية في الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، وجعل الدعم الأميركي مساوياً لما تدفعه الدول الخليجية. فمن الآن وصاعداً، سيكون على الدول الخليجية أن تدفع أكثر لتأمين نفسها، بالإضافة إلى"تعويض" الولايات المتحدة عن كلفة الدفاع عنها طيلة العقود السابقة. كما تتوقّع إدارة ترامب من البلدان العربية، بقيادة السعودية، أن تواصل ضبط أسعار النفط وأن تدعم السياسات الأميركية ضد روسيا والصين في مقابل الرعاية الأميركية لمشروع التحالف الجديد.

يستند التصور المبدئي لتحالف "ميسا" إلى اعتباره وسيلة لبناء قدرات دول الخليج في مواجهة إيران من دون الحاجة إلى تدخل الولايات المتحدة، ومن دون أن تحل التدخلات الروسية أو الصينية محل الدعم الأميركي في هذا الإطار. ولكن بدأ مسؤولو وزارة الخارجية الأميركية مؤخراً في إعادة تشكيل هذا التصور المبدئي ليشمل أهدافاً استراتيجية أوسع. فقد أشار تيم ليندركينغ، نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الخليج العربي إلى أن التحالف يستهدف "إيران، والتهديدات السيبرانية، والهجمات على البنى التحتية، وتنسيق عمليات إدارة النزاع من سورية إلى اليمن"، جنباً إلى جنب مع مكافحة انتشار الأسلحة ومكافحة الإرهاب. كما أعلن وزير خارجية البحرين خالد بن احمد آل خليفة أن "(تحالف) ميسا ليس ضد أحد".

كيف تتصوّر الولايات المتحدة تحالف "ميسا"؟

يستمر المسؤولون الأميركيون في تطوير مفهوم "ميسا" من خلال تطعيمه بالوسائل المختلفة التي تسمح للولايات المتحدة بتقليص وجودها العسكري في المنطقة، من دون خسارة سطوتها عليها. فبالإضافة إلى تحفيز الدول العربية على الاستثمار أكثر في منظوماتها الدفاعية الفردية والجماعية، سيحاول المسؤولون الأميركيون استخدام تحالف "ميسا" لمواجهة نفوذ روسيا والصين المتنامي في المنطقة، بما في ذلك دعمهما لإيران.

الركيزة الأمنية

يسعى تحالف "ميسا" إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين الأنظمة الدفاعية للدول الأعضاء، ربما عبر "مراكز القدرات الإقليمية" التي تغطي "المجالات البحرية، والسيبرانية، والجوية، والصاروخية"، وكذلك أمن الحدود، والحروب غير المتناظرة، والقيادة والسيطرة. ومن غير المطروح حالياً تشكيل قوة عسكرية مشتركة أو إدراج بند مشابه للبند الخامس في معاهدة حلف شمال الأطلسي، وهو الأمر الذي لا يزال مثيراً للجدل في داخل المجموعة. ووفقاً لآخر استراتيجية دفاع وطني أميركية، تنطوي قابلية التشغيل البيني لأنظمة الدفاع بين الحلفاء على الاشتراك في وتبادل "المفاهيم العملياتية، والعناصر المعيارية، والاتصالات، وتبادل المعلومات، والمعدات بشكل يسرّع من تحديث (منظومات وأسلحة) الشريك الأجنبي وقدرته على الاندماج مع القوات الأميركية". كما أن الدعم الأميركي من خلال التدريب والأنظمة الأميركية قد يسمحلأعضاء "ميسا" بالاعتماد على بعضهم البعض لملء الثغرات في منظومات الدفاع الوطنيلكل دولة على حدة.

لا شك في أن بناء قدرات التشغيل البيني لأنظمة الدفاع بين الدول الأعضاء في تحالف "ميسا" ستفرض حدوداً على مشتريات المنطقة المتزايدة من الأسلحة الأوروبية. ولعل الأكثر أهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة في هذا النطاق هو الحد من مشتريات دول الشرق الأوسط من الأسلحة الروسية والصينية. لقد ازدادت أهمية هذه المسألة بشكل كبير في السنوات الأخيرة. فبالإضافة إلى مشتريات كل دولة، تعاونت السعودية والإمارات لتمويل مشتريات الأسلحة لجيوش عربية من دول أخرى غير الولايات المتحدة الأميركية. كما باعت الصين صواريخ بالستية وأيضاً طائرات مسلّحة من دون طيار لبلدان الخليج، وأقامت أول قاعدة عسكرية خارج أراضيها في جيبوتي، على مرمى حجر من الوجود العسكري الأميركي في هذه الممرات المائية الاستراتيجية.

كما يأتي التعاون الدفاعي والأمني مع روسيا في وقت يشمل الوجود العسكري والسياسي الروسي في الشرق الأوسط حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة.  فصحيحٌ أن شراء أسلحة روسية ليس بالجديد بالنسبة إلى دولة كمصر، لكن دولاً مثل قطر والإمارات والسعودية ربما تستغل شراءها المحتمل لنظام الدفاع الروسي من طراز "أس- 400" للضغط على الولايات المتحدة لتفتح المجال أمام هذه الدول لشراء أسلحة أميركية أكثر تطوراً، أو لغير ذلك. وأياً كان الهدف، فمن المعروف أن استخدام هذا النظام خارج نطاقه الحالي في سورية يهدّد الولوج والسيطرة الأميركية على المجال الجوي في المنطقة. ووفقاً لما قاله الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأميركية، فإن الصين وروسيا - ومعهما إيران - تتسابقان "كي تكونا الشريك العسكري والسياسي والاقتصادي لحلفاء واشنطن".

وقد يسمح تحالف "ميسا" للولايات المتحدة بالسيطرة على خروقات الدول العربية لشروط الاستخدام النهائي للأسلحة الأميركية التي في حوزتها، خاصة تلك الخروقات التي تتضمن الكشف عن التكنولوجيا الأميركية لروسيا والصين وكوريا الشمالية، أو تلك المتعلّقة باستخدام أسلحة أميركية لضرب المدنيين.

الركيزة السياسية

يحتوي الإطار التنظيمي لتحالف "ميسا" على العناصر التي تحدد آليات الحوكمة الخاصة به والتزامات الدول الأعضاء تجاه بعضها البعض. كما يتضمن آلية لحل النزاعات بين الدول الأعضاء، علاوةً على توفير منصة - تشتدّ الحاجة إليها حالياً - لتنسيق العمل الجماعي في الأزمات الإقليمية، بشكل يمنع الإرهابيين والصين وروسيا من ملء الفراغ الذي سوف يخلّفه التراجع الأميركي عن الانخراط في هذه الأزمات. وإن نجحت الولايات المتحدة في بناء هذا الكيان السياسي، فإنه سيمكّنها من الاعتماد على العمل الجماعي في إطار ميسا" من أجل دعم "صفقة القرن" في الصراع العربي- الإسرائيلي، والمضي قدماً في التقارب العربي مع إسرائيل التي قد تنضم إلى "ميسا".

يختلف الأعضاء المحتملين لتحالف "ميسا" حول كيفية تأثير الأزمة الخليجية (بين قطر، من ناحية، والبحرين ومصر والسعودية والإمارات، من ناحية أخرى) على "ميسا". فقد أعلن وزير خارجية قطر أن "التحدي الحقيقي الذي يُواجه التحالف بقيادة الولايات المتحدة هو حل أزمة الخليج". ويبدو أن استقالة الجنرال أنتوني زيني، المبعوث الأميركي المكلّف بحل الأزمة الخليجية وإقامة "ميسا"، وكذلك البيانات الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، تؤكّد وجهة النظر القطرية تلك. ومع ذلك، تواصل الإدارة الأميركية السعي لاستيلاد "ميسا".

ركائز الطاقة والاقتصاد

لم تضع التقارير الصحفية والتصريحات السياسية ركائز الطاقة والاقتصاد في دائرة الضوء بقدر ما وضعت الركيزة الدفاعية، على الأقل حتى مؤخراً. ووفقاً لوزير خارجية البحرين، سيقوم تحالف "ميسا" "بتعزيز التجارة والاستثمارات الخارجية المباشرة بين الدول الأعضاء فيه". والواقع أن هذه الركائز تساعد على تخفيف الهوية السياسية والعسكرية لـ"ميسا"، وتشجّع الدول العربية الأقل ثراء والأكثر تردّداً على الانضمام إليه. فمن خلال هذه الركيزة الاقتصادية، يغدو "ميسا" وسيلة لتخطيط وتنسيق التنمية الاقتصادية الإقليمية ودمج قطاعات الطاقة بين الدول، بمساعدة من جهات أميركية مثل المؤسسة الأميركية للاستثمار الخاص عبر البحار (OPIC)، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، ومكتب الممثل التجاري الأميركي (USTR)، ومكتب مساعد وزير الخارجية لمصادر الطاقة.

تحظى مشاريع إصلاح، وربط، وعزل أسواق الطاقة في المنطقة بالأولوية في إطار تحالف "ميسا". لذلك، سيتحدّى "ميسا" الاستثمارات الصينية والروسية المتنامية في مشاريع البنى في المنطقة، خاصة في قطاعات النفط والغاز والطاقة النووية. وفي الوقت نفسه، سيمثل "ميسا" منصة لتنسيق وإحلال البدائل العربية للمساهمات المالية الأميركية في برامج إعادة الاستقرار وبرامج المساعدات في مناطق النزاعات في المنطقة.

عقبات أمام نجاح "ميسا"

شهد تحالف "ميسا" ولادة متعثّرة، بحيث أظهرت الدول العربية المعنية مستويات متباينة من الحماسة له. وفي ما يلي بعض التحديات والتحفظات التي تشترك فيها هذه الدول:

"ميسا" يفتقد إلى إطار أمني مقنع يتعدّى مواجهة إيران

لا توافق كل الدول الأعضاء في "ميسا" على كون إيران هي الخطر الداهم على أمنها، كما لا يتوافقون على أن القوة العسكرية هي الوسيلة الفضلى للتعاطي معها. وفي حين أن التصريحات الرسمية الأميركية والسعودية والإماراتية والبحرينية تُعرب عن الحاجة إلى "ميسا" للوقوف في وجه إيران، لم يبدِ القادة المصريون والأردنيون والقطريون استعدادهم لذلك. كذلك، لم تُظهر الكويت وعُمان حماساً متقّداً تجاه "ميسا". وما عدا السعودية والإمارات والبحرين، لايدعم أي بلد معنّي آخر العمل العسكري ضد إيران. فالكويت وعُمان وقطر اختارت أن تنادي وأن تنتهج التفاعل مع إيران بدلاً من التصادم معها. أما مصر والأردن فيميلان إلى عدم معارضة الخطاب الأميركي والسعودي حول "ميسا"، على الأقل علناً، في سبيل ضمان دعم نظاميهما، وأيضاً للحصول على المزايا والفوائد التي قد تكون عصيّة على المنال في إطارٍ آخر.

الدول العربية ترى في "ميسا" خدمةً للمصالح الأميركية والسعودية بشكل أساسي

يشكّك بعض الشركاء الإقليميين في إقامة تحالف جديد بدلاً من بناء قدرات الآليات الأمنية العربية وآليات مجلس التعاون الخليجي القائمة. فهذه الآليات تنطوي على رؤية أشمل وأكثر توافقية للأمن الجماعي بشكل يتعدّى مسألة التصدي لإيران. فإن "ميسا" حتى الآن هو بشكل أساسي صناعة أميركية، ويعتبره الشركاء المشكّكون محاولة لتحويلهم إلى مجرّد أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية - بدلاً من أن يكونوا "حلفاء" - في إطار الاستراتيجية الأميركية ضد إيران. يُظهر الجدول 1 الهياكل والآليات الأمنية الجماعية الراهنة التي تعكس الرؤى العربية للأمن الجماعي. كما أنه يُظهر أن دول الخليج حقّقت بالفعل تقدّماً على مستوى التشغيل البيني والقيادة الموحّدة لأنظمة الدفاع داخل إطار مجلس التعاون الخليجي، بدعم من الولايات المتحدة. صحيحٌ أن هذه الآليات الجماعية محلية المنشأ غير فعّالة إلى حد كبير، لكنها تعكس المدى الذي تُعدّ دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن على استعداد للوصول إليه في مجال الأمن والدفاع الجماعي.

يجسّد "ميسا"، في مرحلته الحالية، كل العقبات التي جعلت من هذه الآليات غير فعّالة. ومن أبرز هذه العقبات هي سعي المملكة العربية السعودية الدائم للهيمنة على منظومة الأمن والدفاع في الخليج، وهو أمر تقاومه دول الخليج الأخرى منذ سنوات، ولكنه مرشّح للاحتدام مع دخول تحالف "ميسا" حيز التنفيذ، حيث ستحظى مثل هذه الهيمنة بالدعم الأميركي.

مشروع تحالف "ميسا" يتجاهل المسبّبات المحلية لعدم الاستقرار

لايتضمن مشروع التحالف مجابهة التهديدات الكامنة في السياسات المحلية والإقليمية للدول العربية المعنية. وهذا التحدي يجعل "ميسا" غير متّسق مع هدف الولايات المتحدة لإقامة "شرق أوسط لا يشكّل ملاذاً آمناً أو بيئة راعية للإرهابيين الجهاديين". فوفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي، توفر كل من الصراعات المسلّحة والمستويات العالية من الإرهاب السياسي البيئتين الحاضنتين الأساسيتين للإرهاب. ويمكن القول إن جميع أعضاء "ميسا" منخرطون في واحد منهما أو كلاهما. إذ يعرّف المؤشر الإرهاب السياسي بأنه "القتل خارج إطار القانون، والتعذيب، والسجن من دون محاكمة". هذا الإرهاب السياسي، الذي يطبَّق أحياناً باسم مكافحة الإرهاب، بات يحوّل بعض السجون العربية إلى ما أسماه البروفسور حامد السعيد "جامعات الإرهاب"، حيث يتم دفع الشبان إلى لُجج التطرف، بدلاً من العمل على إعادة تأهيلهم. كما يدعم بعض أعضاء "ميسا" الأطراف الإسلامية المتطرفة ضد أعضاء آخرين وضد دول أخرى في المنطقة. وبالتالي، فإن تقليل إدارة ترامب من شأن التهديدات التي تفرزها مثل هذه السياسات يقود إلى الاعتقاد المخطئ بأن رفع مستوى التسلّح سوف يولّد مستوى أعلى من الأمن والعمل الجماعي بشكل يدعم السياسات الأميركية في المنطقة. وقد تجلّى هذا المنطق في خطاب بومبيو في القاهرة الذي قدّمه خلال جولته في البلدان العربية في كانون الثاني/يناير 2019، إذ لم يُشر فيه قط إلى هذه السياسات العربية المضرّة.

في هذا السياق، يمكن بسهولة رؤية مشروع تحالف "ميسا" على أنه مثال آخر على الدعم الأميركي للأنظمة العربية ضد شعوبها، بما يجعل من الولايات المتحدة، وكذلك من حلفائها ومصالحها الإقليمية، هدفاً للحنق الشعبي بل الإرهاب. ولعل من أهم الدروس المستفادة من حالات تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية الإرهابيين أنه من غير السهل احتواء الإيديولوجيات المتطرفة في جيوب محلية صغيرة. كما تمتد شبكات الإرهاب حالياً في طول المنطقة وعرضها، لتصل من سورية وليبيا واليمن ومصر والقرن الأفريقي إلى منطقة الساحل. كما أن الإرهاب السياسي يعزز انتشار الفكر المتطرف في المنطقة بشكل سيحدّ من قدرة "ميسا" على استهداف "نشاطات إيران الشريرة"، كما وصفها وزير الخارجية الأميركي بومبيو. إذ تجد نشاطات إيران المُزعزعة للاستقرار في البحرين والسعودية أرضاً خصبة في المظالم السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية للطائفة الشيعية داخل هذه الدول.

إن تساهُل الولايات المتحدة مع الأنظمة السلطوية في العالم العربي لن يضمن لها قيام هذه الدول بردّ الجميل من خلال الاصطفاف مع السياسات الأميركية، خاصة في ضوء النية الأميركية المعلنة للتراجع عن الانخراط في مشاكل المنطقة. وتشكّل إعادة العلاقات بين البحرين والإمارات والأردن مع سورية مؤشراً على ذلك. كما أن هذا التساهل الأميركي أيضاً لايتوافق مع سياسات أميركية أخرى تهدّد بإلهاب مشاعر الرأي العام العربي ضد أي تحالف جديد مع الولايات المتحدة. فهذا هو الحال بوضوح  في ما يتعلق بسياسة الإدارة الأميركية إزاء الملف الإسرائيلي- الفلسطيني، والتي بالكاد تحظى بدعم حلفائها العرب. إن المقالات التي نُشرت في المنابر الإعلامية الرسمية العربية حتى الآن حول "ميسا"، تلمح إليه على نحو سلبي بأنه مشروع أميركي آخر لدفع الدول العربية إلى التحالف مع إسرائيل. كما تشير الخطوات السعودية والمصرية الأخيرة للتخفيف من وطئة انكشاف دفء علاقاتها مع إسرائيل على الرأي العام المحلي، إلى أن الأنظمة العربية لاتزال حذرة من ردود فعل الشعوب العربية حيال هذه القضية. وبالطبع، مثل هذا الصد يعيق الخطط الأميركية لضم إسرائيل إلى تحالف "ميسا".

وعلى الصعيد العربي، سيكون من الصعب تبرير الانضمام لهذا التحالف أمام الرأي العام في دول الرباعية المقاطعة لقطر وفي قطر ذاتها، حيث ولّدت الحملات الإعلامية المتبادلة عداوات شعبية عميقة بين هذه الأطراف. كما أن تدخل الدول العربية في الصراعات الإقليمية تحت عباءة تحالف تقوده الولايات المتحدة من شأنه أن يستنفر الرأي العام العربي إزاء المواجهات العسكرية بين الدول العربية والإسلامية. وسبق أن ظهر مثل هذا الاستنفار خلال حقبة الستينيات والحروب الراهنة في اليمن، وفي حرب الخليج العام 1991، وفي السنوات الـ29 للوجود العسكري السوري في لبنان، وفي مساهمة بعض الدول العربية في التدخّل في العراق بقيادة الولايات المتحدة عام 2003. وقد ارتبط تحرك الرأي العام في كل هذه الحالات بعداء مستعر تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، مع تحوّل الاستياء في نهاية المطاف إلى مظاهرات ضد بعض الأنظمة العربية القائمة.

يعاني "ميسا" من فروق هائلة في مستوى التوقعات والثقة بين الدول الأعضاء

لا تتشارك الدول الأعضاء في "ميسا" في مستوى ومضمون توقعاتها من هذا التحالف، إضافةً إلى وجود أزمات ثقة بين الأعضاء العرب بعضهم البعض، وبينهم وبين الولايات المتحدة. فالدول العربية نظرت إلى "ميسا" في البداية على أنه تحالف عسكري، ثم تفاعلت معه على هذا الأساس. إذ تعتقد الدول المشكّكة في مشروع "ميسا" أنه قد يجرّهم إلى الانخراط في صراعات مسلّحة هم في غنى عنها، لأن ثمة أعضاء في التحالف المحتمل، تحديداً السعودية والإمارات، أكثر ميلاً لمعالجة التهديدات الإقليمية بالقوة العسكرية. ويُعدّ الانخراط المحدود لكل من مصر والكويت والأردن في الحرب الدائرة في اليمن مؤشراً ودليلاً على هذا الموقف. كما لم تكن عُمان قط طرفاً في حرب اليمن. أما السعودية، فقد تدخلت عسكرياً في اليمن والبحرين، وهدّدت بالتدخل في قطر، وشجّعت تدخلاً عسكرياً في سورية، وتدعم العمل العسكري ضد إيران. أما الإمارات فقد انضمت إلى التدخّل العسكري في اليمن وزادت وجودها العسكري في القرن الأفريقي. كما تعمل كلٌّ من السعودية والإمارات على بناء استقلاليتهما الاستراتيجية، ما سيتمخض عنه تقليل السيطرة الخارجية على الاستخدامات النهائية لأسلحتهما.

من غير الواضح لماذا قد يحقّق "ميسا" مستوى أعلى من الثقة، وبالتالي مستوى أرفع من الالتزام، بين أعضائه من الدول العربية، بما يتجاوز الالتزام الانتقائي واللفظي الراهن بالدفاع عن أمن دول الخليج. إن هذه القضية تُعتبر حاسمة في ضوء حقيقة أن الولايات المتحدة تعيد تموضعها بهدف الانسحاب تدريجياً من مشاكل المنطقة، وبالتالي لاتستطيع أن تكون الضامن النهائي لأي التزام جديد. كما أن مشروع تحالف "ميسا"، بهيئته الحالية، لايتطرق إلى مسألة القيادة أو السيطرة المشتركة أو الموحدة، على الرغم من كونها السبب الرئيس لفشل كل المحاولات الإقليمية لبناء منظومة فعالة للدفاع الجماعي. فالدول العربية الأعضاء في مشروع تحالف "ميسا" لا تتبادل الثقة الضرورية من أجل تبادل المعلومات بالمستوى الذي يجعل دفاعاتها البحرية والسيبرانية والجوية والصاروخية أكثر قابلية للتشغيل المتبادل. كما أن الأطراف الرئيسة في مجال القيادة والسيطرة على المستوى الجماعي، وهي مصر والسعودية والإمارات على وجه الخصوص، لا تتنافس فقط فيما بينها، بل لا تثق في قدرة بعضها البعض سواء على مستوى القيادة أو السيطرة.

والواقع أن مستوى الثقة المطلوب من أجل اعتماد قابلية التشغيل البيني بين الجيوش العربية قد يكون غير موجود حتى على المستوى الوطني في داخل هذه الدول. إذ إن بعض الدول العربية الأعضاء في مشروع تحالف "ميسا" تحظّر قابلية التشغيل البيني بين مكونات المنظومة العسكرية الوطنية سعياً إلى خفض احتمالات الانقلاب على الأنظمة الحاكمة. وحتى كانون الثاني/يناير 2018، كانت المؤسسة العسكرية المصرية لاتزال تعتبر أن قابلية التشغيل البيني مع الجيش الأميركي ذاته تمثل تعدّياً على السيادة الوطنية. كما يُعتبر تسييس المؤسسة العسكرية المصرية، والتي تمثّل خزان القوات البرية بالنسبة إلى دول الخليج، مصدراً دائماً للأرق للأنظمة الحاكمة في دول الخليج. ثم إن التدريبات العسكرية العربية والعضوية المشتركة في الائتلافات العسكرية الإقليمية والدولية لاتزال عاجزة عن بناء مستوى الثقة الذي تطلبه كل من "قابلية التشغيل البيني العملية والحقيقية" والتوحيد الضروريين من أجل القيام بعمليات الدفاع الجماعي دون الحاجة إلى قيادة أميركية. ولدى المنطقة باعٌ تاريخي مديد من التجارب الفاشلة والمريرة التي ترجح استمرار أزمة الثقة. ولعل أبرز التجارب العربية التي قد تكون بمثابة درسٍ مهم لمشروع "ميسا" هي مشروع إعلان دمشق العام 1991 والذي استند إلى زخم عملية تحرير الكويت. فهذا المشروع دمج الركائز الاقتصادية والسياسية والعسكرية معاً، وجرى تنسيقه مع كلٍّ من الولايات المتحدة وإيران، وشمل سورية ولكن ليس الأردن. مع ذلك، جوبه هذا المشروع الواعد بتفضيل البلدان الخليجية للولايات المتحدة بدل الاعتماد على الحماية العسكرية العربية، ما خلّف وراءه شعوراً بالغدر لايزال مستعّراً حتى اليوم.

على المستوى الاقتصادي، بدت الدول العربية متردّدة أيضاً. فعُمان استضافت في 9 كانون الثاني/يناير"الاجتماع رفيع المستوى حول التنمية الاقتصادية والتعاون الاستراتيجي في مجال الطاقة بين الولايات المتحدة والشركاء في منطقة الشرق الأوسط"، وهو الاجتماع الذي حظي بتشجيع مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون. وقد ربطت البيانات العُمانية وبيانات عربية أخرى، عدا البحرين، هذا الاجتماع بمجلس التعاون الخليجي لا بـ"ميسا"، ما يشكّك في قدرة "ميسا" على إنتاج أي محصّلات إضافية على الصعيد الاقتصادي. فالعالم العربي لايزال غير جذّاب لقطاع الاستثمارات الخاصة بسبب هيمنة الدولة على الاقتصاد القومي، والفساد، والقيود القانونية والتنظيمية، وعدم الاستقرار السياسي، والاختلالات الاجتماعية- الاقتصادية، والعقوبات، والتهديد الدائم بنشوب مواجهات مسلحة. فإن مثل هذه المعوقات البنيوية تتطلّب رؤى للتنمية الاقتصادية تتجاوز النمو الاقتصادي الإقليمي المستند إلى تعظيم الريع.

إن كل التقارير الاقتصادية تعزو تعطّل التكامل الاقتصادي الإقليمي إلى القرارات السياسية لدول المنطقة. علاوةً على ذلك، تشير تقارير البنك الدولي إلى أن بلدان الخليج تواصل استخدام صناديق الثروة السيادية لضمان الاستقرار المحلّي، وللاستثمار في الاقتصادات الناشئة. ولذا، لايجب اعتبار هذه الصناديق مصادر مطمئنة لنجاح مشاريع "ميسا".

في قطاع الطاقة، تُواجه المشاريع الأميركية في إطار "ميسا" تحديات جمّة. أولأ، إن الرباعي العربي الذي لايزال يقاطع قطر مصمّم على الحد من استهلاك الغاز القطري والتنافس معه في سوق الطاقة. ثانياً، يعمد الكونغرس الأميركي ، وبشكل استباقي، إلى عرقلة التعاون السعودي- الأميركي في مجال الطاقة النووية. ثالثاً، إن أزمة الثقة الراهنة بين الولايات المتحدة والأعضاء العرب في "ميسا" لاتشجّعهم على وقف شراكاتهم السياسية والاقتصادية الواعدة مع شركائهم السلطويين في روسيا والصين. رابعاً، سيحتاج "ميسا" إلى اللحاق بالتحولات الاستراتيجية المتتالية في قطاع الغاز في شرق المتوسط.

أخيراً، يحُتمل أن تفشل الولايات المتحدة في دمج السيطرة على أسعار النفط في المساومات الاستراتيجية التي تقف وراء "ميسا". فقد سبق أن ثبت فشل التوقعات بأن السعودية ستضبط أسعار النفط  وفق رغبات الرئيس ترامب. إذ إن قرار المملكة العربية السعودية في شهر كتنون الثاني/يناير بتزعم عملية خفض الإنتاج في "أوبك بلس" بغرض توفير الأموال لمواصلة إنفاق الدولة على الإذعان الشعبي، هو مؤشر على ذلك. إضافةً إلى ذلك، ستُعيق ديناميكيات السوق والانقسامات داخل أوبك ومجلس التعاون الخليجي أي التزامات قُدّمت مؤخراً  بخفض أسعار النفط. والواقع أن بلدان أوبك وروسيا تشعر فعلاً بالقلق بعد أن تجاوز إنتاج النفط الأميركي انتاجهم، مادفع موسكو والرياض إلى التركيز أكثر على التعاون بينهما. أما ما ذُكر عن موقف الكويت من دور شيفرون في الحقول المحايدة والقانون الأخير للإمارات حول الاستثمار الأجنبي المباشر، فهما تذكرة إضافية بأن بلدان الخليج ستواصل اعتبار النفط طوق نجاتها ومسألة سيادة وطنية.

تغييرات مُقترحة من أجل تعظيم فرص نجاح مشروع "ميسا"

يمكن إدخال تغييرات على "ميسا" قد تعطيه فرصة أفضل وزيادة قدرته على المساهمة الفعلية في الأمن الإقليمي، بدلاً من كونه دافعاً لمستوى أعلى من مشتريات السلاح:

البناء على الجهود السابقة والحالية

يتعيّن على الولايات المتحدة أن تبدأ بدعم الجهود الراهنة لبناء آليات الأمن الجماعي ودرع الدفاع الصاروخي الجماعي لدول الخليج القائم على قابلية التشغيل المتبادل، قبل الدعوة إلى  إبرام تحالف عسكري جديد للدفاع.

وعلى الجانب العسكري، يجب على الولايات المتحدة أن تتبحّر في الدروس المُستقاة من العمليات البحرية المشتركة للقيادة المركزية الأميركية ومن التدريبات العسكرية العربية المشتركة. إذ تنبع أهمية هاتين التجربتين من الاهتمام العربي المتزايد بأمن البحر الأحمر والقيادة التناوبية التي سمحت للبلدان العربية بقيادة العمليات المشتركة. فالدروس المستفادة هنا قد توفّر مرجعاً واقعياً للتوقعات الأميركية حيال أي تحالف استراتيجي عربي لا تلعب فيه الولايات المتحدة دور القيادة.

معالجة الأسباب الفورية لفقدان الشعور بالأمن في المنطقة

يجب أن تسبق تسوية الأزمة الخليجية أي محادثات حول إقامة تحالف إقليمي. ويتعيّن أن تكون القاعدة الأساسية لمثل هذه التسوية هي التزام كل البلدان بوقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية لبعضها البعض ولكل الدول العربية الأخرى.

وفي سبيل استئصال شأفة الإرهاب، يجب على إدارة ترامب أن تتراجع عن سياستها في تجميد المشروطية التي تقيّد مبيعات الأسلحة للدول العربية، كما يجب أن تربط فوائد ومزايا "ميسا" بما تسميه "الإصلاحات التدريجية" في داخل الدول العربية. تُعتبر الإصلاحات السياسية والاجتماعية- الاقتصادية وإصلاح التعليم الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهداف الإدارة في "الأمن من خلال الاستقرار" في الشرق الأوسط. ويجب على الولايات المتحدة أيضاً أن تضمن بأن الدول العربية لن تستخدم التكنولوجيا والأسلحة الأميركية المتعلقة بـ"ميسا" في تكميم أفواه معارضيها في الداخل والخارج.

يجب على كل الأعضاء العرب في مشروع تحالف "ميسا" أن يساهموا في تطوير المبادئ المؤسِّسة، ومجالات العمل، وأهداف هذا المشروع، وألا يقتصروا على التفاعل مع المقترحات الأميركية. وما لم يفعلوا ذلك، فلن يحصل "ميسا" على الزخم المطلوب لنجاحه.

تحسين مستوى الثقة بين الدول العربية والولايات المتحدة

تحتاج إدارة ترامب إلى سياسة شرق أوسطية أكثر اتساقاً وتصريحات أكثر تناغماً، جنباً إلى جنب مع التقليل من القرارات المفاجئة - على غرار الانسحاب من سورية وإعفاء دول بعينها من الالتزام بالعقوبات النفطية على إيران - مع خفض معدل تغيير الكوادر الأميركية المسؤولة عن هذه السياسة. فكل ذلك يفاقم أزمة الثقة بين الدول العربية والإدارة الأميركية حتى أنها باتت تشبه تلك التي أفسدت منتدى التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي في عهد إدارة أوباما.

أظهرت الولايات المتحدة التزامها بالسعي إلى مواصلة العمل من أجل تحقيق "ميسا" من خلال عقد اجتماعات لمجموعات العمل المتخصصة في الركائز المختلفة للمشروع، على رغم التوترات الأخيرة في العلاقات السعودية- الأميركية. فإضافةً إلى اجتماع 13 شباط/فبراير في وارسو حول مستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط، عقدت الولايات المتحدة أيضاً اجتماعاً لمجموعة العمل حول الركائز الأمنية والسياسية لـ"ميسا" في الشهر نفسه. تقاطع هذان الاجتماعان في المضمون والأهداف، ووفّر كلاهما عدداً من المؤشرات حول مدى أخذ الولايات المتحدة للتحديات الإقليمية أمام أي هيكل إقليمي فعال للأمن الجماعي في الاعتبار.