نحن شعوب قلقة. فحين نعجز عن حسم الاختيارات الأساسية بشأن حقوق وحريات المواطن وهوية المجتمع والدولة، وحين تطغى التقلبات وحسابات المدى الزمني القصير على ممارسات وإجراءات الحكم وتغيب الرؤية الواضحة بشأن الحاضر والمستقبل، حين تحتكر قلة حق الحديث باسم الناس والإرادة الشعبية والمصلحة الوطنية وتتورط في الطقوس المعهودة للسلطوية بينما السياسة أميتت والإعلام جرد من المهنية والموضوعية والتعددية، حين تهمش قطاعات واسعة أو يفرض عليها إما الامتثال للإرادة الرسمية أو الصمت والتهجير من الفضاء العام؛ حينها نكون شعوبا قلقة لا سبيل لتعافيها دون توعية بالعجز الحادث وبأخطار التقلبات الكثيرة والحسابات القصيرة والتهميش المتصاعد.

أي مواطنة نريد وعن أي مواطن نبحث؟ هل نريد المواطن الذي تقر له المواد الدستورية والقانونية حتمية صون كرامته الإنسانية وحقوقه وحرياته في إطار المساواة الكاملة ومناهضة التمييز، إذن لماذا نترك السلطويات العربية والمصالح والنخب الاقتصادية والمالية والإعلامية والحزبية المتحالفة معها تنتهك يوميا كرامة وحقوق وحريات الضعفاء والفقراء وكذلك الخارجين على الرأي الواحد والصوت الواحد والعازفين عن احتفاليات الحشد الأحادي لتأييد الرؤساء والملوك والأمراء؟ هل نريد المواطنة الباحثة عن المبادرة الفردية والمتمسكة بحرية الاختيار والاعتقاد والإبداع والفكر والتعبير عن الرأي والمطالبة بالتداول الحر للمعلومات والحقائق إيمانا بالمعرفة والعلم والعقل والمهتمة سلميا بالشأن العام وبالمشاركة في العمل الطوعي والاضطلاع بمسؤولياتها الاجتماعية، إذن لماذا نتجاهل عصف مؤسسات وأجهزة الدولة بسيادة القانون وتغييبها للمعلومة والحقيقة وتورطها في المظالم والقمع أو تهديدنا الدائم به على نحو يدمر المبادرة الفردية وينتهك الحقوق والحريات ويقضي على حيوية وفاعلية منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية التي يتهددها هي أيضا القمع؟

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

وكيف نقبل النظر بمعايير مزدوجة لانتهاكات الحقوق والحريات، ويزج بنا إلى مواقع وخانات الاستعلاء باتجاه أناس تسلب حقوهم وحرياتهم بل وتسلب حياتهم لأنهم ينشدون العدل والديمقراطية بسلمية ويرفضون الاستبداد والسلطوية وإسكات الأصوات؟ كيف لم تفيقنا مأساة الاستبداد والتطرف في سوريا التي فتكت وتفتك بالناس؟ وإذا كنا جماعيا نراوح بين ترك للمصالح وللنخب الكبرى وهي تنتهك حقوقنا وحرياتنا وبين تجاهل للعصف الرسمي بسيادة القانون أملا في تفعيل بعض حقوقنا الاقتصادية والاجتماعية وتحسين ظروفنا المعيشية ومحاربة الفساد وتطبيق الحكم لبعض إجراءات العدالة الاجتماعية، فلماذا لا نعيد النظر في تاريخ العرب البعيد والقريب لنتثبت من أن حقوق الناس في التعليم والعمل والرعاية الصحية والاجتماعية والحياة الكريمة يستحيل إقرارها دون تمييز وتفعيلها دون تقلبات ما لم تستقر مبادئ سيادة القانون وقواعد الرقابة القانونية والشعبية على الممارسات والإجراءات الرسمية وحيادية الخدمة العامة والشفافية كشرطين لمحاربة الفساد؟ وإذا كنا نصمت هنا ونتجاهل هناك تارة خوفا من القمع وتارة طمعا في وهم المنح عند الامتثال واستسلاما لجاذبية العطايا السلطانية، فما هي أسباب تخاذلنا عن الانتصار لكرامة الإنسان ولحقوقه وحرياته الأساسية في مواجهات قيمية وفكرية وضميرية مع تطرف يعادي القيم الإنسانية ويكره الحياة وإزاء الاستخدام السلطوي الزائف للمقولات الكبرى كالوطنية والدين بغية القضاء على حقنا في الاختيار ورغبتنا في التحرر؟

أي مجتمع نريد؟ هل نريد مجتمع التنمية الشاملة والتقدم، إذن فكيف لا نتألم على ضياع قيمة المعرفة والعلم والعقل وعلى امتهان قيم العمل الجماعي والقيادة الجماعية وتهميش الشراكة الجادة بين فعاليات المجتمع وبين مؤسسات وأجهزة الدولة في مقابل طغيان الجهل وعنفوان النهج الانفرادي وسطوة المبررات التي لا تنضب صياغاتها ولا يغيب أبدا مروجوها بشأن هيمنة الدولة على المجتمع وسيطرة الحاكم الفرد على الدولة؟ هل نبحث بالفعل عن المساواة والكرامة والحق والحرية في كافة مساحات وقطاعات المجتمع، فلماذا نتورط جماعيا في انتهاكات بشعة لكرامة الناس وفي الإيقاع بالمختلفين معا ونذبحهم بالإدانة الشاملة وهيستيريا العقاب الجماعي؟ هل بالفعل نبتغي كعرب مجتمعات سيادة القانون والسلم الأهلي، فكيف لا نخرج القانون ومؤسساته وإجراءاته من عثرتهم الراهنة باستعادة الثقة في العدالة العمياء وكيف لا يسمع بعضنا بعضا في إطار كامل الالتزام بالسلمية والعلنية؟

أي دول وطنية نريد، وكيف السبيل لإكسابها القوة والمنعة اللازمتين لصون كرامة المواطن وحقوقه وحرياته ولتحقيق سلم المجتمع والحفاظ على فرص فعلية في التنمية والتقدم؟ هل نبحث عن الدول القامعة التي تلغي وجود المواطن الفرد وتستتبعه كما تلغي وتستتبع التنظيمات الوسيطة وتهيمن على المجتمع وتشهر في وجهنا جميعا أدوات قمعها أو تهددنا بها أم نبحث عن الدولة القوية بالعدل المستمد من سيادة القانون ومن رفع المظالم ومن صون كرامة الإنسان وحقه في الاختيار ومن تمكين الناس من حقوقهم وحرياتهم ونصيبهم العادل في الحياة الكريمة والثروة؟ هل نريد دول الحاكم الفرد وطغيان المكون العسكري-الأمني وتحالفات دوائر الحكم مع النخب الاقتصادية والمالية والإعلامية التي أبدا لن تأتي لا بتنمية مستدامة ولا تقدم فعلي وليس لها غير أن تطيل عمر الاستبداد وتراكم انتهاكات الحقوق والحريات أم نريد دولا تتوازن مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وتعرف ديمقراطيا علاقاتها المدنية-العسكرية فتبتعد عن الاستبداد وتحمي سيادة القانون في إطار مواطنة الحقوق والحريات المتساوية والشراكة المتكافئة مع المجتمع؟ هل توافقنا على دول يتواصل بها الخلط بين المكون الديني ودوائر الحكم ومسارات بناء الشرعية وتستمر بها غلبة قيود الاختيار في الاعتقاد والفكر والتعبير الحر عن الرأي على قيمة الحرية أم نسعى إلى دول علمانية ديمقراطية مرجعية الحكم بها تتمثل في أطر دستورية وقانونية عادلة وتلتزم بالحيادية إزاء تنوع هويات الناس الدينية والمذهبية فلا ترى فيهم إلا مواطنات ومواطنين لهم حقوق وحريات متساوية لا تقيدها إلا سيادة القانون؟ هل نريد دولا تخلط بين الدين والحكم والسياسة أم دولا تحول علمانيتها دون الانزلاق إلى الفاشية الدينية وتمنع ديمقراطيتها كارثة ديكتاتورية الأغلبية؟ أيهما نريد؟ تلك هي الأسئلة التي ما لم نجب عليها كعرب بوعي وبوضوح وبتوافقات مجتمعية واسعة، لا فكاك لنا من الوهن الراهن ولا خلاص من وضعية الشعوب القلقة.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.