یمر الحزب الدیمقراطي الامیركي بعملیة تغیر متدرجة بالنسبة لموقفه من اسرائیل. وبعد ان كان ھذا الحزب یتخذ مواقف شبه عمیاء في تأییده لاسرائیل، یدعمه في ذلك وقوف اكثر من ثمانین بالمائة من الناخبین الأمیركیین الیھود الى جانب ھذا الحزب. نشھد الیوم عملیة تحول تدریجیة تحاول الابتعاد عن المواقف الاسرائیلیة المتطرفة، وبخاصة الابتعاد عن رئیس الوزراء الاسرائیلي بنیامین نتنیاھو، وھو تطور لافت ما كان من الممكن الحلم بھ قبل سنوات قلیلة. وقد وصل الامر في ھذا التحول المتدرج الى اعلان عشرة من مرشحي الحزب للانتخابات الرئاسیة العام القادم نیتھم عدم حضور المؤتمر السنوي لمنظمة الضغط الیھودیة ایباك قبل یومین، بعد ان كان كبار أعضاء الحزب یتسابقون لإظھار حضورھم في السابق كسبا للأصوات الیھودیة. ومن ھؤلاء المرشحین الذین أعلنوا عدم نیتھم حضور المؤتمر أعضاء مجلس الشیوخ كامیلا ھاریس وكریستین غیلیبرد وإلیزابیث وارن وبیرني ساندرز والنائب السابق بیتو أوروك وحاكم واشنطن جاي انسلي وغیرھم.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

في الماضي، كانت ھناك مدرستان سیاسیتان أمیركیتان تحكمان العلاقة مع اسرائیل، مدرسة تساند اسرائیل بشكل شبه اعمى بغض النظر عن اي سیاسة اسرائیلیة، تقابلھا مدرسة ”عقلانیة“ تحاول ایجاد نوع من التوازن مع العلاقات الامیركیة العربیة. وكان من أنصار المدرسة الثانیة بعض كبار أعضاء مجلسي النواب والشیوخ أمثال ولیم فولبرایت وفرانك تشیرش ولي ھاملیتون وریتشارد لوغر وغیرھم. ثم انقرضت ھذه المدرسة تدریجیا، حتى بات التأیید الأعمى لاسرائیل خاصة في الكونغرس لا یقتصر على حزب بذاته او مدرسة فكریة معینة. واصبح الاتجاه الیمیني المحافظ الذي سیطر على الحزب الجمھوري منذ ما یقرب من الثلاثین عاما ممتدا لیشمل تأییدا مغالیا في شدتھ نحو اسرائیل حتى سبقت مواقف الحزب الجمھوري في تأییدھا تلك من الحزب الدیمقراطي.

لكن التأیید الأعمى لاسرائیل، خاصة لدى ابناء الجیل الجدید من الامیركیین، بدأ بالتخلخل بعد ان اصبح واضحا لھذا الجیل عدم اتساق مبادئه بشكل عام مع السیاسات الاسرائیلیة. واذكر حین كنت ادرس مادة عن الصراع العربي الاسرائیلي في جامعة ییل العریقة قبل تسع سنوات ان سألت بعض التلامیذ الأمیركیین الیھود ماذا یدفعھم لأخذ مادة عن الصراع یعلمھا أستاذ عربي، وكان الجواب مفاجئا لي في حینھ، اذ قال لي معظمھم انھم نشؤوا في بیئة تنظر لاسرائیل على انھا في صلب تكوینھم منذ الصغر، وكانوا ینظرون لھذا الصراع من وجھة نظر واحدة فقط، حتى اذا كبروا واصبحوا غیر مرتاحین لدولة تُمارس الاحتلال والتمییز ضد شعب آخر، شعروا بضرورة سماع وجھة النظر الاخرى. كما أضافوا ان الجیل الجدید من الأمیركیین الیھود لم یعد ینظر لاسرائیل على أساس انھا في صلب تكوینھم، ولم تعد تعني لھم ما كانت تعنیھ لوالدیھم.

لقد بدأنا نشعر بھذا التحول داخل المجتمع الامیركي الیوم. وھناك قلق اسرائیلي متزاید یتعدى مواقف النائبتین الدیمقراطیتین رشیدة طالب والھان عمر لیشمل الیوم مواقف عدد كبیر من أعضاء الكونغرس الدیمقراطیین المعارضة لقانون حظر التعامل مع الشركات الامیركیة الملتزمة بحملة BDS ضد المنتجات الاسرائیلیة، وان كان بحجة تعرض ھذا القانون لحریة الرأي والمعتقد. ما كان من الممكن قبل عدة سنوات لأي من أعضاء الحزب اتخاذ موقف معاد لاسرائیل تحت اي مسوغ بدون التعرض لخطورة السقوط في الانتخابات.

من الضرورة متابعة ھذه التحولات التي تجري داخل المجتمع الامیركي و داخل الحزب الدیمقراطي، وعدم تجاھلھا بحجة ان امیركا بكاملھا تقف مع اسرائیل دون تمییز. ھناك تحول یجب رصده في عالم السیاسة، خاصة وان استطلاعات مؤسسة غالوب الاخیرة تظھر ان التأیید لاسرائیل بین الدیمقراطیین اللیبرالیین الأمیركیین وصل لأدنى مستویاته.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.