مقدّمة

ترى كلٌ من إيران وجماعة الإخوان المسلمين فوائد في تنمية العلاقات بينهما، على رغم أنهما يتموضعان على الضفتين المتعارضتين للإنقسام السنّي- الشيعي. فإيران تعتبر التواصل مع الجماعة، خصوصاً مع فرعها المصري، استثماراً قليل التكلفة ويمكن أن يساعدها على توسيع دائرة نفوذها في المنطقة. وفي المقابل، من المفيد لجماعة الإخوان أن تكون على علاقة مع إيران، (وهي قوة إقليمية تتشاطر معها الجماعة إيديولوجيا متشابهة، وإن لم تكن متطابقة، حول دور الإسلام في السياسة والمجتمع)؛ وهي (الجماعة) تستخدم هذه العلاقة لممارسة نفوذ سياسي على لاعبين مُهمين آخرين في الشرق الأوسط. لكن، وفي حين أن إيران حريصة على تطوير علاقات أعمق مع الجماعة بهدف دعم أجندتها الإقليمية، لاتزال هذه الأخيرة مُترددة حيال التحرّك نحو مجالات تتعدّى الاتصالات الودّية، وهذا يعود إلى طبيعة الأولويات الأساسية للجماعة، خاصة منها عدم تنفير العالم العربي السنّي.

على رغم أن الطرفين ينسجان علاقات غير رسمية منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران العام 1979، إلا أن هذه العلاقات دخلت مرحلة جديدة حين وصلت الجماعة إلى السلطة في مصر غداة انتفاضة 2011. فحين انتُخب مرشح الجماعة محمد مرسي رئيساً لمصر في العام 2012، شهدت الاتصالات بين القاهرة وطهران تزايداً مطّرداً. لكن مرسي، الذي أجبرته المؤسسة العسكرية المصرية والحلفاء التقليديين على الانصات إلى مواقفها، أثبت خلال سنته الأولى والوحيدة في سدّة الحكم، أنه غير مستعد لاستئناف العلاقات الدبلوماسية التي قطعت في 1979. بدلاً من ذلك، انتهجت إدارته الجديدة مقاربة تدريجية في مجال تدفئة العلاقات مع إيران.

والآن تواصل طهران، على رغم الإنقلاب الذي أطاح جماعة الإخوان من السلطة في العام 2013، التواصل مع كوادر هذه الأخيرة وتعتبرها حليفاً محتملاً لترقية أهدافها الإقليمية. وفي هذه الأثناء، تُواصل الجماعة ممارسة توجهات براغماتية وتنخرط في اتصالات مع إيران، لكن من دون أن يؤدي ذلك إلى تقويض جهودها للتواصل مع قوى إقليمية نافذة أخرى. بيد أن الوهن الراهن الذي ألمّ بالإخوان، والصورة السلبية التي سادت عن إيران بين العديد من العرب السنّة، تمثّلان عقبة كأداء أمام أي تعاون أوسع.

جماعة الإخوان وإيران: أكثر من متحاورين

في العام 1979، أرسلت فروع جماعة الإخوان في بلدان عربية وغير عربية وفوداً لتقديم الدعم والتهنئة إلى آية الله روح الله الخميني زعيم الثورة الإيرانية. يذكر هنا أن كتابات المفكر الإيديولوجي البارز في الجماعة سيد قطب، خاصة تلك التي وصف فيها الإسلام بأنه نظام حوكمة سياسي واجتماعي ثوري، حظيت باحتفاء واسع من قِبَل الزعيم الإيراني الحالي علي خامنئي، الذي ترجم أعماله من العربية إلى الفارسية.

في غضون العقود اللاحقة، توالت الاتصالات غير الرسمية فصولاً عبر مبعوثين من التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، وهي هيئة مسؤولة رسمياً عن التنسيق بين أذرع الجماعة في كل أنحاء العالم وعن صياغة علاقاتها الخارجية. وقد عملت إيران مع مكتب التنظيم في لندن لترتيب حوارات دينية مشتركة بين المسلمين السنّة والشيعة، وهذا شمل منتدى الوحدة الإسلامية المدعوم إيرانياً الذي تأسس العام 2007 بالتعاون مع الأمين العام للتنظيم العالمي إبراهيم منير. مثل هذه النشاطات سمحت لإيران بالحفاظ على الاتصالات وتطويرها مع أعضاء جماعة الإخوان في مصر، وهي الجماعة التي تُعتبر جذر هذه الحركة ولها باع كبير من النفوذ على التنظيم العالمي. كما أنها عملت تقليدياً كمرجعية لباقي أذرع الإخوان في العالم.

والحال أن الأساس المشترك المتمحور حول الإسلام السياسي بين الجماعة، إحدى أكبر الحركات الإسلامية السنّية وأكثرها نفوذا، وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيعية، سهّل وشائج التعاون بين الطرفين. فعلى الصعيد الإيديولوجي، يُحبّذ الطرفان إقامة دولة إسلامية، والقيام بالدعوة والإرشاد الدينيين، ويدعيان إلى الوحدة الإسلامية. هذا علاوة على أنهما يتشاطران بعض الأهداف الجيوسياسية المشتركة، على غرار الحاجة إلى مجابهة إسرائيل وتحرير فلسطين.

بيد أن الاختلافات الإيديولوجية الأساسية قائمة أيضا. فجماعة الإخوان ترفض على وجه الخصوص ممارسة التكتيكات الثورية للوصول إلى السلطة، وهي سعت عوض ذلك إلى الحصول على نفوذ سياسي عبر الانتخابات، في الوقت نفسه الذي كانت تركّز فيه أمام القوى الغربية التي تشك بنواياها على أنها تعارض إقامة نموذج إيراني للحوكمة الإسلامية. ومع ذلك، المشتركات الإيديولوجية، تفوق الاختلافات مع طهران، التي ترى في الجماعة شريكاً سنّياً مثالياً، في سياق مساعيها لـ"توحيد العالم الإسلامي سياسياً".1

علاوة على ذلك، ترى إيران في الإخوان جسر عبور لتحسين علائقها مع العالم الإسلامي السنّي. وحين نضع في الاعتبار صلات الجماعة وامتداداتها الواسعة، سندرك أنها يمكن أن تكون نصيراً مقنعاً في "محور المقاومة" الإيراني ضد النفوذ الأميركي في المنطقة، وأن تكون أيضا (وهنا الأهم) الوسيط مع الجماعات الإسلامية السنّية الأخرى التي تناصب إيران العداء.2 معروف أن العديد من الأنظمة العربية والحركات الدينية ذات التوجهات السلفية، تُطل تاريخياً على إيران الشيعية بوصفها قوة شريرة في الشرق الأوسط. ومثل هذه المدركات السلبية لم تنفك تتنامى طيلة السنوات الأخيرة، بسبب الدعم الإيراني المباشر لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، على رغم المعارضة السنّية أساساً له خلال النزاع السوري.

في هذه الأثناء، كانت المجابهة مع الولايات المتحدة هي البوصلة الموجّهة للسياسة الخارجية الإيرانية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية. وبهدف استقطاب الحلفاء، عمدت طهران تاريخياً إلى انتهاج مقاربة من القاعدة إلى القمة في العالم العربي، مركّزة على تنمية العلاقات مع أطراف غير دولتية ومجتمعات محلية، بما في ذلك جماعات إسلامية سنّية. فالتحالفات مع الإسلاميين السنّة ضرورية في نهاية المطاف لتعزيز الطبيعة اللاطائفية لـ"جبهة المقاومة" التابعة لإيران في المنطقة. ومصر، بكونها أكبر دولة عربية من حيث تعداد السكان، ولها حدود مع إسرائيل، وأيضاً لأنها عضو في المعسكر الإقليمي المدعوم أميركياً منذ العام 1979 تقريبا، لاتزال بالنسبة إلى إيران موقعاً إستراتيجياً فائق الأهمية يجب الاشتباك معه.

من وجهة نظر جماعة الإخوان، تخدم العلاقة مع إيران لتظهير الدور القيادي الذي أسبغته الجماعة على نفسها كرائدة لتحقيق الوحدة الإسلامية في العالم. لا بل يمكن أن تُستخدم العلاقات الجيدة مع إيران كورقة مساومة لانتزاع تنازلات من قوى إقليمية أخرى تعارض طهران، على غرار السعودية ودولة الإمارات. لكن، وبالمقارنة مع الإيرانيين، لم تُظهر الجماعة حماسة كبيرة لزيادة التعاون، بسبب حذرها من حقيقة عزلة إيران الدولية وصورتها غير الإيجابية عموماً في أوساط المسلمين السنّة. وقد عمدت الجماعة، بدلاً من ذلك، إلى الانخراط في إتصالات مع إيران حين كانت ترى ذلك خدمة لمصالحها العامة، كما حدث في أعقاب الصعود السياسي للحركة في مصر.

توقعات غير مُتطابقة بعد الانتفاضات العربية

دشّن صعود جماعة الإخوان إلى السلطة غداة الانتفاضة المصرية مرحلة جديدة من الانخراط المباشر في العلاقات بينها وبين إيران. وكان المسؤولون الإيرانيون يأملون بأن يكون التقارب مع مصر في عهد الإخوان خطوة أولى نحو استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ووضع حد لعزلة إيران الإقليمية. (بدلاً من العلاقات الدبلوماسية الطبيعية الكاملة، كان لكلٍ من إيران ومصر فقط مكتبي مصالح في البلدين). بيد أن هذا الطموح لمّا يتحقق ولم يدخل في حسابات الإخوان الخاصة بالحاجة إلى الموازنة بين العديد من الاعتبارات السياسية، خاصة منها وجهات نظر القوى المحلية المصرية النافذة كالجيش المصري، والسعودية. ونتيجة لذلك، اختارت مصر بقيادة الإخوان انتهاج تعاون محدود مع طهران.3

حكم الإخوان يؤدي إلى علاقات دافئة

أسبغ توصيف إيران للانتفاضات العربية على أنها "يقظة إسلامية"، طابعاً دينياً على المتغيرات في مصر. وهذا أسّس لأرضية مشتركة مع المنظمات الإسلامية التي كانت تدخل المعترك السياسي رسمياً خلال هذه الفترة. وفي نيسان/أبريل 2011، أعلن وزير الخارجية المصري آنذاك نبيل العربي أن مصر مُنفتحة على استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران. آنذاك، بدا أن آفاق قيام علاقات إيرانية- مصرية أكثر ودية تتحسّن بعد نجاحات حزب الحرية والعدالة المرتبط بالإخوان في الانتخابات البرلمانية والرئاسية عامي 2011 و2012.

وحين انتُخب مرسي رئيساً في حزيران/يونيو 2012، أقدمت الحكومة الجديدة على تحسين العلائق مع إيران، بهدف التشديد على أن رؤية الجماعة تتمحور حول سياسة خارجية جديدة ومستقلة. كما كان قرار مرسي بضمّ إيران إلى جدول أعمال مبادرته الدبلوماسية الكبرى الأولى (التوسّط لحل النزاع السوري)، مؤشراً على أن مصر في عهد الإخوان مستعدة لممارسة نهج يتناقض مع سياسة عزل طهران. وهكذا، اقترحت حكومة مرسي تشكيل فريق عمل يتكوّن من مصر وتركيا والسعودية وإيران لمناقشة وسائل وقف العنف في سورية. وفي حين أن هذه المبادرة الدبلوماسية لم تر النور قط، إلا أنها أظهرت أن جماعة الإخوان تعتبر إيران لاعباً إقليمياً نافذاً ويستأهل مقعداً إلى الطاولة، جنباً إلى جنب مع حلفاء مصر التقليديين الموالين للولايات المتحدة.

في آب/أغسطس 2012، سلّم مرسي رئاسة حركة عدم الانحياز إلى مسؤولين إيرانيين في طهران، وأصبح أول رئيس مصري يزور إيران منذ 30 سنة. يومها، قام الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد برد التحية بمثلها من خلال حضور القمة الإسلامية في القاهرة في شباط/فبراير 2013. كما حاولت إيران تعزيز العلاقات عبر اقتراح صفقات لدعم الاقتصاد المصري المتباطىء، شملت صفقة لترقية سياحة الإيرانيين لمصر، وتقديم شحنات نفط، واتفاقات تجارية متنوّعة.4

لكن، وبدلاً من اغتنام هذه الفرصة فوراً لزيادة التعاون الاقتصادي مع طهران، يُقال إن مرسي سعى إلى استخدام هذه العروض الإيرانية لتحسين علاقات حكمه مع السعودية التي كانت تشعر بالقلق بعد انتخاب مرسي من أن الإخوان قد يقوّضون التحالف المصري- السعودي القائم لصالح إيران، خصمها اللدود في المنطقة. وهكذا، وخلال تفاوضها مع طهران، أطلعت حكومة مرسي السعودية على تفاصيل العروض الإيرانية، آملة أن تقدِّم لها هذه الأخيرة في المقابل صفقات اقتصادية موازية.5 وفي خطوة بدا أنها تهدف إلى نسف التقارب المصري- الإيراني المتبرعم، أبلغ السعوديون إيران بأن مصر مررت لهم المقترحات التجارية الإيرانية.6 وعلى رغم أن هذا وضع حكومة مرسي في موقف حرج، إلا أنه لم يوقف الاتصالات، إذ استمر تطبيع الأعمال، وفي آذار/مارس 2013، حطّت أول رحلة جوية تجارية بين مصر وإيران منذ 34 سنة في مطار طهران.

كان على جماعة الإخوان، في إطار إقامة علاقات مع طهران، أن تأخذ في عين الاعتبار المصالح المتجذرة للجيش وأجهزة الأمن المصرية. ذلك أن هذه المؤسسات القوية كانت أقوى أنصار التحالف التقليدي في السياسة الخارجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج. ووفقاً لعضو في الجماعة عمل في القصر الرئاسي، كان الجيش وأجهزة الاستخبارات يعارضون التطبيع الكامل مع طهران، هذا مع إشارتهم إلى أنهم لايعتبرون إيران "عدوا".7 بيد أن مدير مكتب إيران في مديرية المخابرات العامة نصح حكومة مرسي بالفعل بانتهاج تعاون اقتصادي معها.8 وعلى أي حال، ليس من الواضح ما إذا كان هذا يعكس اهتماماً حقيقياً من جانب المؤسسة الأمنية بتعميق الروابط الاقتصادية المصرية مع طهران، أم أنه كان فخاً قد يبدو حكم جماعة الإخوان منحازاً سياسياً إلى إيران.

إضافة إلى ذلك، فرض أنصار جماعة الإخوان وحلفاؤها المحليون قيوداً إضافية عل جهود التواصل هذه مع طهران. إذ لم تكن هناك رغبة لدى بعض قواعد الحركة بتطوير علاقات أعمق معها، فيما هي مُتورطة في قمع الانتفاضة السورية. وفي هذه الأثناء، كان التيار السلفي وذراعه السياسي، حزب النور، المتحالف مع الإخوان، معارضاً أيضاً لتحسين روابط القاهرة مع طهران، بفعل مواقفه الإيديولوجية وأيضاً لما يقال أن له روابط مالية مع السعودية. وهذا وشى بوجود درجة من التنسيق في السياسة العامة في هذه المسألة بينه وبين داعميه السعوديين.

حين نعود قليلاً إلى الوراء، سنرى أن المحللين والمسؤولين الحكوميين الإيرانيين أنحوا باللائمة لفشل عملية التقارب مع مصر إلى عدم استعداد مرسي للابتعاد عن آراء السعودية والجيش وأجهزة المخابرات المصرية.9 لتوضيح هذه النقطة، روى مسوؤل إيراني الطرفة التالية حول زيارة للقصر الجمهوري: "رأيت الحرس الأمنيين أنفسهم خلال عهد مبارك حين وصلت، فماذا تغيّر؟"10 مرسي لم يكن قادراً على تغيير السياسة الخارجية المصرية بشكل جذري وشق طريق جديد. والواقع أن إنقلاب تموز/يوليو 2013 ضد مرسي وجماعة الإخوان سجّل عودة الحكم العسكري إلى مصر. وقد أشادت السعودية بالقوات المسلحة المصرية لقيامها بالاستيلاء على السلطة، مؤكدة بذلك أن حكمه فشل في نيل ثقة الرياض ودعمها. وفي هذه الأثناء، كان الموقف الرسمي لإيران هو التنديد بالانقلاب، ما وضع خاتمة على احتمال ستئناف العلاقات الدبلوماسية بينها وبين مصر.

تواصل إيراني مع الإخوان في المنفى

على رغم الفشل في إقامة علاقات دبلوماسية وإطاحة الإخوان من السلطة، إلا أن إيران واصلت الاتصالات مع هذه المنظمة في المنفى، وهي تستخدم الآن القواعد نفسها التي طبّقتها قبل 2011، أي توظيف التجمعات المتمحورة حول الإسلام، على غرار منتدى الوحدة الإسلامية، للحفاظ على التواصل بين ممثلي الحكومة الإيرانية وبين شخصيات الإخوان. ومع ذلك، لازالت جماعة الإخوان مترددة في التحرّك إلى ما يتجاوز الاتصالات العَرَضِيَة بسبب وهنها الراهن والامتعاض المتواصل في العالم العربي السنّي من النشاطات الإيرانية في سورية. بيد أن الجماعة أدركت بالفعل أن التطورات السياسية يمكن أن تدفع كلا الطرفين نحو تقارب وثيق، خاصة في ضوء المنحى المتنامي ضد الإسلاميين في المنطقة.

لقد أدى زج آلاف أعضاء جماعة الإخوان في السجون بعد الإنقلاب المصري، إلى شلّ هذه المنظمة مؤقتا. وفي أعقاب إطاحة مرسي، ذُكر أن مسؤولين في مكتب المصالح الإيرانية تواصلوا مع محمد علي بشر، عضو مكتب الإرشاد في الجماعة. كان بشر قد نجح في الإفلات من قبضة السلطات بعد استلام الجيش للسلطة، لكن من غير الواضح ما إذا كان قد تم عُقد إجتماع بين الطرفين.11 في ذلك الوقت، ربما أدركت الجماعة أن إيران تفتقد إلى النفوذ المطلوب لحل أزمتها في مصر، التي تتطلب بالأحرى التواصل مع واشنطن وبروكسل وبلدان الخليج.

كان أعضاء جماعة الإخوان الذين أفلتوا من قبضة السلطة، تمكّنوا من إعادة تنظيم أنفسهم في شباط/فبراير 2014، من خلال تشكيل اللجنة الإدارية العليا، التي شملت المكاتب الإدارية الداخلية والخارجية، بهدف توجيه الأعضاء والنشاطات في مصر والمنفى على التوالي. لكن، برز صراع على السلطة داخل اللجنة الإدارية العليا، بين القيادة التقليدية للحركة، ومعهم رئيس التنظيم العالمي إبراهيم منير، وبين فصيل من الأعضاء الشبان، بما في ذلك بعض من يحبّذون المقاومة العنيفة ضد النظام المصري الجديد ويرون في طهران داعماً محتملا.12 بيد أن القيادة التقليدية إعادت فرض سيطرتها في نهاية المطاف، بعد أن استتبعت أو طردت الأعضاء المنافسين من الجماعة.

هذه المرحلة من الانقسامات الداخلية وفّرت لإيران فرصة لإستئناف الاتصالات مع أعضاء من مختلف فصائل الجماعة، من دون تواجد سلطة مركزية قد تمارس الفيتو (حق النقض) ضد هذه الاتصالات. ففي اسطنبول، حيث مركز الإسلاميين المنفيين، غازلت إيران أعضاء الجماعة وإسلاميين آخرين، من خلال تنظيم زيارات إلى طهران وعرض منح جامعية. ومنذ العام 2016 على الأقل، دعت منظمتان إيرانيتان وثيقتا الصلة بالحكومة الإيرانية (مؤسسة أبحاث محافظة في قم تدرس الحركات الإسلامية، ومجموعة مجتمع مدني مركزها في طهران) أعضاء حاليين وسابقين في الجماعة إلى حضور مؤتمرات.13 كما كانت مؤسسة الأبحاث تسعى إلى افتتاح فرع لها في اسطنبول للتعرّف أكثر على المنفيين من ذوي الميول الإسلامية، لكن اعترضت هذه الخطة مشاكل تمويل نتيجة لتجدّد العقوبات الأميركية.14 صحيح أن دفء العلاقات الذي طرأ مؤخراً على العلاقات بين إيران والحكومة التركية، التي تعتبر إحدى أهم داعمي الجماعة، ساعد على تسهيل الاتصالات مع الاسلاميين المقيمين في تركيا، إلا أن هذا التطور الإيجابي بالنسبة إلى إيران قوبل من جانبها بالحذر لئلا تثير حنق الحكومة التركية، التي لاتريد أن ترى نفوذها على الجماعة يتداعى.

في تموز/يوليو 2017، انخرطت إيران وجماعة الإخوان في أبرز اجتماع رفيع المستوى بين الطرفين منذ إطاحة مرسي. فقد التقى آية الله محسن أراكي مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، إبراهيم منير على هامس اجتماع لمنتدى الوحدة الإسلامية. وقد أثار هذا اللقاء ردود فعل عنيفة من جماعة الإخوان المسلمين السورية التي انتقدت منير لمشاركته في الاجتماع الذي وصفته بأنه "خيانة لدم الشهداء الذي أهرقته الميليشيات الإيرانية". ولذا، في حين أن المحادثات بين كبار المسؤولين يمكن ان تكون مؤشراً إيجابياً على التوجهات المستقبلية للعلاقات، إلا أن التدخّل الإيراني في سورية يبقى عقبة أمام تحسّن العلاقات الثنائية.

على رغم معارضة الدوائر الإسلامية السنّية لإيران، إلا ان اتصالات جماعة الإخوان مع طهران تخدم كصمام أمان مهم لها، في خضم الغموض المطّرد الذي يلف الوضعين الإقليمي والدولي. إذ لو أن الانقلاب العسكري في تركيا العام 2016 وحصار قطر في 2017 بقيادة السعودية نجحا في الحفز على تغيير النظامين، لكانت جماعة الإخوان ستُجرّد من داعميها الرئيسيين في الشرق الأوسط. ونتيجة لذلك، تمثّل العلاقات مع إيران على نحو متزايد بوليصة تأمين مفيدة للجماعة، خاصة في وضع قد يتطلّب منها توفير ملاذ لها في إيران. وكما في عهد مرسي، لاتزال الجماعة متنازعة بين كلٍ من مراكز النفوذ المتنافسة وبين الحالات الطارئة، حين تكون في معرض دراسة مسألة انخراطها مع أشقائها الإسلاميين في طهران.

خلاصة

على رغم أن جماعة الإخوان وإيران تتشاطران مشتركات إيديولوجية ونقاط تقاطع سياسية، إلّا أن ثمة العديد من العقبات التي تقف حجر عثرة أمام إقامة علاقات أعمق بينهما. ثم إن افتقاد الجماعة إلى خريطة طريق واضحة لإعادة الظهور كقوة سياسية، يعيق أي جهد لتخطيط تحالفات بعيدة المدى، بما في ذلك مع طهران. وفي ظل الأوضاع الراهنة، تبدي الجماعة حذراً من أن يجري التلاعب بها من جانب أطراف أقوى كإيران. أما في الجانب الإيراني، فقد تؤدي القيود المالية الناجمة عن العقوبات الأميركية، جنباً إلى جنب مع العداء المستمر لدور طهران في سورية، إلى نسف جهود التودد والتقرّب من أعضاء الجماعة في المنفى.

علاوة على كل ذلك، ربما تدفع العزلة الإقليمية المديدة إلى تغيير حسابات جماعة الإخوان وتحفزها على تقارب أكثر عمقاً من إيران. وكما في الماضي، سيعتمد هذا على كيفية إطلالة الطرفين على أولوياتهما الاستراتيجية، في خضم الظروف الجيوسياسية المتغيّرة. لكن حتى الآن، لاتزال العلاقة بينهما تتحدّد في سياق توقعات غير مُتطابقة.

ثم: على رغم الخذلان الذي تسببّت به سياسة مرسي إزاء إيران، إلا أن طهران ستنتهج بحذر إقامة روابط أكثر كثافة مع الجماعة، بأمل أن تكون هذه الأخيرة في موقع يوماً ما يمكّنها من خدمة المصالح الإيرانية. وفي هذه الأثناء، تُبقي الجماعة خياراتها مفتوحة وتنخرط في اتصالات مع كل الأطراف، بما في ذلك إيران، فيما هي تنتظر السياق السياسي المناسب لإعادة الظهور في مصر.

حول المؤلفين

تامر بدوي زميل في برنامج القيادة السياسية في كليّة الحوكمة الانتقالية في معهد الجامعة الأوروبية. تركّز أبحاثه على السياسة الخارجية والتجارية الإيرانية إزاء البلدان العربية والأطراف غير الدولتية، إضافة إلى مبادرات الحوار بين النخب الإيرانية والعربية. لمتابعة بدوي عبر تويتر: TamerBadawi1@

أسامة الصياد صحافي وباحث مصري. تتمحور دراساته حول حركات الإسلام السياسي والعلاقات المدنية- العسكرية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لمتابعته عبر تويتر: ElsayadOsama@

هوامش

1 مقابلة أجراها المؤلفَين مع محلل إيراني، طهران، آب/أغسطس 2017.

2 المصدر السابق.

3 مقابلة أجراها المؤلفَين مع عضو سابق قي لجنة الشؤون الخارجية في حزب الحرية والعدالة، اسطنبول، تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

4 المصدر السابق.

5 المصدر السابق.

6 المصدر السابق.

7 مقابلة أجراها المؤلفَين مع عضو في جماعة الإخوان عمل في القصر الرئاسي، اسطنبول، تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

8 مقابلة أجراها المؤلفَين مع عضو سابق في إدارة مرسي، اسطنبول، كانون الثاني/يناير 2018.

9 مقابلات أجراها المؤلفَين مع محللين وصنّاع سياسة إيرانيين، طهران، آب/أغسطس 2017.

10 مقابلة أجراها المؤلفَين مع صانع سياسة إيراني، طهران، آب/أغسطس 2017.

11 مقابلة أجراها المؤلفَين مع عضو في جماعة الإخوان المصرية عمل في القصر الرئاسي، اسطنبول، تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

12 مقابلة أجراها المؤلفَين مع عضو في جماعة الإخوان المصرية، اسطنبول، كانون الأول/ديسمبر 2017.

13 المنظمتان طلبتا عدم تحديد هويتهما.

14 مقابلة أجراها المؤلفَين مع عضو سابق في جماعة الإخوان المصرية، اسطنبول، كانون الأول/ديسمبر 2018.