كثر الحدیث في الآونة الأخیرة عن تقاعس المسؤولین السابقین عن الحدیث حول القضایا العامة. ولكن یبدو أن ھناك نظرة ضیقة من قبل البعض مفادھا أن حدیث المسؤولین السابقین یجب أن یقتصر على المدیح والدفاع عن كل المواقف الحكومیة بغض النظر عن رأیھم فیھا، وأن كل من لا یفعل ذلك جاحد ُ أو طالب منصب.

صحیح أن رجال ونساء الدولة، ولا أحد یذكر النساء بالمناسبة، تجمعت لدیھم خبرة توجب علیھم بالتالي المساھمة في النقاشات العامة. لكن تسفیه الموضوع بالمطالبة أن تكون آراء المسؤولین السابقین نسخا كربونیة محصورة بالتسحیج، فیه فھم مغلوط لدور من خدم في الدولة، وإنكار للخبرة المتراكمة التي اكتسبوھا أثناء وجودھم في الحكم والتي قد تؤدي إلى تطویر بعض مواقفھم، ومساھمة خطیرة لوأد الحیاة السیاسیة في البلاد وإبقائھا دون تطور ذات معنى. إن مثل ھذه المطالبات الساذجة لا تخدم الدولة ولا تخدم المجتمع.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

یعایر الكثیرون من أصحاب ھذه المدرسة الموغلة في ضحالتھا كل مسؤول سابق لدیه رأي مختلف بقلة المعلومات لدیه أو لدیھا، متجاھلین أن الدولة ھي المسؤولة عن غیاب المعلومة، ولا تستطیع أن تطالب بالدفاع عن المواقف الحكومیة في غیاب تقدیم المعلومة. في ھذا تقصیر في حق الناس بالحصول على المعلومة، وتجن كبیر على الرأي الحر، وھو لیس خدمة لا لجلالة الملك ولا للدولة بأسرھا. لا یعیب من خدم بكل شرف في الدولة أن تكون له أو لھا آراء مخالفة، ومن حق صانع القرار أن تقدم له آراء متعددة. ھذا من أبجدیات الحیاة السیاسیة في أي مجتمع، وھي أبجدیات لا زالت للأسف غائبة عن الكثیر من المسؤولین لدینا. فمن الطبیعي في كل بلاد العالم، إلا نحن، أن تتبدل أدوار المعارضة والموالاة بتبدل الحكومات.

الدولة الأردنیة قادرة على استیعاب كافة الآراء، وبدون تعددیة الرأي لن نصل لمراجعات حقیقیة ولا لتصحیح الأخطاء ولا لتقدم الدولة. الأصل أن یتم وضع كافة القناعات على الطاولة، ولتكن الغلبة للحجة والمنطق، أما الدفاع الأعمى فقد تجاوزه الزمن. نحن لسنا ولا یجب أن نكون دولة شمولیة لا مجال فیھا للرأي والرأي الآخر، لأن البعض یریدنا كذلك، وھو لیس مقبولا، فالأردنn یستحق منا أكثر بكثیر من ذلك. ھناك ثابت واحد یلتف حوله جمیع الأردنیین وھو جلالة الملك، وبغیر الوقوف صفا واحدا ضد بعض القضایا المصیریة التي تھدد وجودنا جمیعا كصفقة القرن مثلا، ینبغي أن یترك المجال مفتوحا لكافة الآراء دون تھدید ولا تخوین.

لقد رأینا ماذا حل بالدول الشمولیة التي تكمم الأفواه، بینما كانت لدینا دائما مساحة من الحریة تفوق الكثیر من جیراننا. ھذه المساحة مقدسة ویجب توسعتھا ضمانة لمستقبل أفضل لبلدنا، ولیس التضییق علیھا بحجة تقویة الدولة، وما كان التضییق إلا سببا في زیادة الاحتقان وبالتالي إضعاف للدولة.

یذھب البعض إلى اتھام كل صاحب رأي مخالف بأنه یرید منصبا. ھذا تسفیه للرأي یصور الأردنیین جمیعھم أنھم طلاب مناصب. الحمد أن ھناك الكثیرین ممن قلوبھم على بلدھم لا عیونھم على أي مناصب حكومیة. ومن ناحیة شخصیة، فإنني أشارك العدید ممن یعتقدون أن واجبھم نحو بلدھم وملیكھم قول كلمة الحق كما یرونھا. أما دفن الرؤوس في الرمال والدفاع الأعمى والتغاضي عن الحقائق فلا یمت للواجب بصلة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.