درسان رئیسیان نستخلصھما مما حصل في السودان والجزائر. الدرس الاول ھو ان تحدي غیاب الحوكمة الرشیدة في اغلب اجزاء الوطن العربي ما یزال ماثلا و بقوة، و ان كافة الحروب والاضطرابات التي حلت بالمنطقة منذ العام 2011 لم تقنع الناس بعدم تكرار النزول للشارع. فحین لا یتم معالجة السبب الرئیسي وراء الثورات العربیة منذ العام 2011 ،وھو عدم الانتباه لضرورة بناء دول عصریة فیھا مؤسسات راسخة وتعتمد الحاكمیة الرشیدة واشراك الناس في صنع القرار، فان التعبیر الشعبي الغاضب یمكن تأجیله فقط ولیس تجاوزه. اشفق الیوم على كل من بشرنا بأننا تجاوزنا مرحلة ”الربیع العربي“ الى غیر عودة.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

أما الدرس الثاني و الذي لا یقل أھمیة عن الاول فھو إن غیاب المؤسسات الفاعلة في الوطن العربي، وھو نتیجة مباشرة لعدم وجود الإرادة السیاسیة لتطویر ھذه المؤسسات، یعني عملیا أن البدیل الوحید في معظم الاحیان لتغییر القیادات السابقة ھو المؤسسة العسكریة، التي یبدو انھا المؤسسة الوحیدة التي یتم التركیز على بنائھا، و التي لم یعرف عنھا الایمان بالتعددیة و الدیمقراطیة وبناء المؤسسات. وھي قادرة على الحكم فقط بسبب قوة السلاح. و بالتالي فإن التغیرات التي شھدناھا في السودان والجزائر وقبلھما مصر، لا تغیر في الواقع شیئا، ولا تعني إلا استبدال سلطویة بسلطویة، و بالتالي لا تعالج أیا من المشاكل التي دفعت الناس للنزول إلى الشارع بالدرجة الاولى.

إلى متى نبقى دافنین لرؤوسنا في الرمل؟ وإلى متى نعزو الثورات العربیة تارة لمؤامرات خارجیة وتارة لقوى متطرفة، و الحقیقة ماثلة أمامنا وواضحة وضوح الشمس.إنھا نتیجة مباشرة لغیاب الحاكمیة.

من الطبیعي في غیاب الاطر السیاسیة والمؤسسات الفاعلة ان یعبر الناس بوضوح عما لا یریدون دون ان یتمكنوا من تأطیر ما ھم بحاجة الیه. غیاب ھذا التأطیر یعني بقاءنا في دوامة السلطویة التي تتبعھا احتجاجات شعبیة التي تتلوھا سلطویة اخرى.

لقد بات واضحا ان القبضة الأمنیة لم تنجح لا في ابقاء الناس في بیوتھا و لا في حل مشاكلھا الیومیة. و بالرغم من ذلك ھناك عناد كبیر من الانظمة الحاكمة في العالم العربي ضد فتح المجال السیاسي وبناء دول عصریة یقابله احتقان شعبي اخذ بالتزاید ولم یعد بالامكان تجاھله. تكبر الفجوة بین الحاكم والمحكوم و لیس ھناك من إرادة حقیقیة لمعالجة ھذا الاختلال المخیف.

وحدھا تونس من استوعبت الدرس وباشرت، وان لم تصل لبر الأمان بعد، بالتأسیس لدولة عصریة عن طریق دستور جدید وضع بالتوافق بین كافة مكونات المجتمع، دستور یضمن حقوق كافة المكونات والأفراد،ویحقق درجة عالیة من المساواة بین المواطنین بما في ذلك المساواة بین المرأة و الرجل— بینما ننكر نحن حقوق المرأة صباح مساء. لقد صرف باقي العالم العربي جھدا كبیرا في ”إفھامنا“ ان للحالة التونسیة خصوصیة لا یمكن تكرارھا اكثر بكثیر فیما صرف لدراسة ”الخصوصیات“ الاخرى و بدء الانتقال المنھجي لدولة المؤسسات.

لن یتحقق الاستقرار في السودان و الجزائر لمجرد تغییر اسم الحاكم، و ما لم یتغیر نھج ادارة الدولة، ستبقى ھاتان الدولتان، بل اغلب دول المنطقة، في دوامة لن تجلب الا مزیدا من عدم الاستقرار والأزمات الاقتصادیة والسیاسیة . و یبقى العالم العربي یحاول تطبیق نفس الأسالیب القدیمة و یتوقع نتائج مختلفة. وتبقى الحقیقة التي ما نفتأ نحاول إنكارھا: اما ان نبني دولة المؤسسات، او یبتلعنا الفراغ الناتج عن غیاب المؤسسات.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.