جاء الحراك الديمقراطي للشعبين الجزائري والسوداني في لحظة عربية فاصلة.

باستثناء تونس، لم تفض ثورات وانتفاضات ٢٠١١ إلى تداول سلمي للسلطة وظل الأمل في التأسيس لحكم القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات بعيدا. خلال السنوات الماضية، دفع إما خليط من القمع وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، أو انهيار السلم الأهلي وتفكك مؤسسات الدولة (سوريا) أو الخوف على الاستقرار والرغبة في الحفاظ على معدلات تنمية مجتمعية مرتفعة (بلدان الخليج) الأغلبيات العربية إلى التراجع عن طلب الديمقراطية.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

ووظفت نخب الحكم السلطوية، جمهورية وملكية، ذلك التراجع لتجديد أدوات إخضاعها للمواطن وسيطرتها على المجتمع وهيمنتها على مؤسسات الدولة. فأضافت إلى القمع، من جهة، الترويج لنظرة سلبية للانتفاضات الديمقراطية ترادف بينها وبين الفوضى. وعملت، من جهة أخرى، على تمرير العديد من القوانين والتعديلات القانونية والدستورية، التي تجعل من التعبير الحر عن الرأي مخاطرة غير مأمونة العواقب ومن منظمات المجتمع المدني المستقلة كيانات معادية تهدد الأمن القومي ومن المؤسسات الأمنية قلب بنية الدولة.

ولم يغب عن نخب الحكم السلطوية الانفتاح على تعاون إقليمي تحركت في سياقاته الأموال والجهود الدبلوماسية (وأحيانا السلاح) إن لتثبيت التراجع عن طلب الديمقراطية أو لإعادة تأهيل حكام عرب ذهبت انتهاكات حقوق الإنسان التي تورطوا بها بمصداقيتهم أو لمواصلة الترويج للمرادفة غير الأمينة بين الديمقراطية والفوضى على نحو يبقى الناس بعيدا عن ساحات وميادين الحرية.

خلال السنوات الماضية، بدت أوضاع بلاد العرب وكأن الشعوب قد استكانت لبقاء نخب الحكم السلطوية في مواقعها أو قبلت بعودتها إليها بعيد اهتزازات محدودة. خلال السنوات الماضية، سيطر على مخيلة الناس الخوف من استنساخ كارثة انهيار السلم الأهلي وتفكك مؤسسات الدولة التي عانت منها وما زالت سوريا وليبيا واليمن. خلال السنوات الماضية، عادت إلى الارتفاع أسهم الرؤساء والملوك والأمراء الذين صوروا كأبطال منقذين جاءت بهم العناية الآلهية للحيلولة دون المزيد من تهور الشعوب ولضمان الحفاظ على الاستقرار.

ثم كان أن جاء الحراك الديمقراطي للشعبين الجزائري والسوداني ليصنع مشهدا عربيا مغايرا قوامه قدرة الناس على مواجهة القمع بالخروج السلمي إلى الفضاء العام طلبا للتغيير، وقدرتهم أيضا على الربط الواعي بين تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والظروف المعيشية وبين التأسيس للتداول السلمي للسلطة ولحكم القانون.

في الجزائر والسودان، يبدو المواطنون المشاركون في الحراك الراهن وكأنهم استفادوا من دروس انتفاضات ٢٠١١ التي اختصرت تجاوز نخب الحكم السلطوية في التخلص من الحكام ومن بعض الفاسدين ولم تتعامل بجدية مع تحديات إرث الاستبداد الطويل وصعوبات بناء المؤسسات الديمقراطية. في الجزائر والسودان، تحضر دلائل واضحة على إدراك الناس لضرورة التفاوض الجاد مع المؤسسات العسكرية والأمنية لكي تتراجع عن شىء من هيمنتها على السياسة والدولة وتقبل شراكة حقيقية مع المدنيين عمادها رؤية متكاملة لإدارة الانتقال الديمقراطي على نحو لا يستنسخ أخطاء بلدان انتفاضات ٢٠١١.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.