إذا كان العلمانيون المصريون قد سقطوا في اختبار الديمقراطية بعد ثورة 2011، فإن التيارات الإسلامية أخفقت هي الأخرى. فقد قاربت جماعة الإخوان المسلمين وبعض الجماعات السلفية التي لم تصطنعها الآلة الأمنية قضايا السياسة انطلاقا من اتهام عام للعلمانيين ولدعاة الدولة الحديثة مفاده أنهم يصطفون دوما مع المستبدين ضد إرادة الناس ومؤداه حتمية إبعادهم عن مؤسسات الحكم، خاصة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، والتمكين للسيطرة الإسلامية البديلة. لم يقتصر الاندفاع لإقصاء العلمانيين على مؤسسات الحكم، بل امتد إلى المجتمع المدني باتحاداته الطلابية ونقاباته العمالية والمهنية التي اخترقها الإسلاميون منذ ثمانينيات القرن العشرين.

هكذا نظرت جماعة الإخوان ومعها بعض الجماعات السلفية إلى ثورة 2011، وشرعت في المشاركة بها بعد تردد البدايات. بين 2011 و2013، وظف الإسلاميون التجربة الديمقراطية في مصر لكي ينفذوا إلى المؤسسات التنفيذية والتشريعية والمجتمع المدني على نحو يتجاوز ما تمكنوا من انتزاعه من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. تدريجيا، اختزل الإسلاميون استخدامهم لخطاب الديمقراطية إلى مضمون وحيد هو حث الناس على المشاركة في الاستفتاءات والانتخابات بكافة أنواعها من رئاسية وتشريعية وانتخابات النقابات والاتحادات المهنية. أما إقرار حقوق المواطنة المتساوية لجميع المصريين وحماية حقوق الأقليات وسيادة القانون، وهي جميعا قيم ديمقراطية مركزية، فقد تم تهميشها بوضوح. سياسيا، توقف الإخوان عن القليل من التعاون الذي كان لهم مع العلمانيين قبل 2011 (حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير كنموذجين) واقتربوا من السلفيين ورحبوا بالتنسيق مع المؤسسة العسكرية التي كانت تدير البلاد انتقاليا بعد رحيل مبارك.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

ولم تكن نتيجة اختيارات الإسلاميين، ومعها عجز العلمانيين عن تجاوز مخاوفهم التقليدية من شعبية الإخوان والسلفيين ومن استغلالهم الممنهج للدين في السياسة، غير تفجر الخلاف الإسلامي-العلماني أمام مراكز الاقتراع في الاستفتاءات والانتخابات وفي المجتمع المدني ومن ثم تعثر بناء التوافق اللازم لإدارة انتقال ديمقراطي بعد عقود من الحكم السلطوي. لم تكن النتيجة غير اتجاه الإخوان إلى شراكة بائسة مع السلفيين الذين كانوا من جهة يرفضون الاعتراف بالمساواة بين المرأة والرجل وبين المواطنين المسلمين والأقباط ومن جهة أخرى يعملون على تديين الإطار الدستوري المصري (الشروح التي أضيفت في دستور 2012 إلى النص على كون مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع). لم تكن النتيجة غير تنافس محموم بين الإخوان والسلفيين على التنسيق مع المؤسسة العسكرية، وفي سياقه أنكر من ادعوا «القصاص للشهداء» الانتهاكات المفزعة لحقوق الإنسان التي وقعت بين 2011 و2013 (أحداث محمد محمود مثالا).

وحين تصاعدت حدة الاحتجاجات الشعبية ومعها انهار التنسيق بين الإخوان والمؤسسة العسكرية أثناء عام الرئيس الأسبق محمد مرسي (2012-2013)، لم تجد الجماعة لها حلفاء لا في الحياة السياسية ولا في المجتمع المدني. فقد كانت أغلبية العلمانيين تلهث لحمل العسكريين على انتزاع الحكم وإلغاء التجربة الديمقراطية، وكان العديد من السلفيين (الدعوة السلفية وحزب النور في المقدمة) كشأنهم دوما على استعداد للتخلي عن الإخوان في سبيل الحصول على رضاء المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. أما النفر القليل من العلمانيين الذي رفض الانقلاب على الديمقراطية فقد افتقد للثقة في الإخوان بعد اختياراتهم بين 2011 و2013 ولم يكن في استطاعته غير الإفصاح عن احتياج مصر لبديل للطرفين، العسكريين والإسلاميين.

في صيف 2013، صارت الديمقراطية دون أنصار في بر مصر. دفع الناس ثمن عجز العلمانيين والإسلاميين عن بناء توافق لإدارة انتقال ناجح وثمن لهاثهم للزج بالمؤسسة العسكرية في السياسة. وبالقطع، وجد العسكريون ومعهم حلفائهم في الأجهزة الأمنية أوضاع البلاد مواتية لانتزاعهم الحكم مجددا وإعادتهم عقارب الساعة إلى ما قبل 2011. في صيف 2013، صارت الديمقراطية دون أنصار في بر مصر. وفي أعقابه، ومثلما تواصل أغلبية العلمانيين السقوط الأخلاقي والسياسي بالامتناع عن ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بتخلي الأحزاب الليبرالية واليسارية والناصرية عن الآمال الديمقراطية للمصريين، تصر جماعة الإخوان على البقاء في خانة «الضحية» باستدعاء انقلاب العلمانيين وانقلاب العسكريين والأمنيين عليها وترفض تحمل مسؤولية اختياراتها غير الديمقراطية بين 2011 و2013.

فقد انتهكت حقوق وحريات مواطنين مصريين قبل 2013 وصمت الإخوان طلبا للتنسيق بل والتحالف مع المؤسسة العسكرية، وبعد 2013 انتهكت حقوق وحريات مواطنين مصريين وصمت العلمانيون طلبا لإزاحة الإخوان بعيدا عن المؤسسات التنفيذية والتشريعية وللتحالف مع العسكريين. فهل هناك من ضحايا غير المصريين الذين دفعهم سقوط العلمانيين والإسلاميين إلى التراجع عن طلب الديمقراطية والوقوع مجددا في شرك السلطوية والرئاسات الأبدية؟

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.