تتوالى التحلیلات عن الأسباب التي ادت للتغییرات الأمنیة الأخیرة، وتركز بشكل خاص على مفردات وأسباب غیر مسبوقة ساقھا جلالة الملك في رسالته لعطوفة مدیر المخابرات الجدید.

ولئن درجت العادة في الرسائل الملكیة ان ترسل إشارات ضمنیة دون الإفصاح المباشر عن الدوافع التي ادت للتغییر، فلا بد من التوقف عند بعض المفردات التي وردت في خطاب جلالة الملك.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

من الواضح ان جلالة الملك كان مستاء من ”عناصر قلیلة في المخابرات مارست استغلال الوظیفة و“قدمت المصالح الخاصة على الصالح العام“، بل واوحت الرسالة انه لم یتم التمسك ”بمرتكزات الدستور“. وان لم تعرف الرسالة ھذه المرتكزات، فیفترض ان تكون واضحة للجمیع من ناحیة تعریف دور المؤسسات التنفیذیة والتشریعیة والقضائیة. رسالة جلالة الملك واضحة من ناحیة التمسك بمرتكزات الدستور كافة، والإیحاء بان ھناك من سمح لنفسه داخل السلطة التنفیذیة بالقفز فوق مؤسسات الدولة. وقد أشار جلالة الملك انه بالنسبة لھذا النفر القلیل، فقد تم ”التعامل الفوري في حینه وتصویبه“ مع ھذه الفئة.

في الرسالة الملكیة إشارات مھمة عدیدة من ان المسؤولیة تتلازم مع المساءلة، مع التشدید على العمل ”لضمان صون حقوق وكرامة المواطن وحمایتھا لأننا نفخر في الأردن دوما، بأننا دولة مؤسسات ودولة قانون، كان وسیبقى الاستمساك فیھا بالدستور والقانون، واحترامھما مصدرا أساسیا لاستقرار بلدنا ومنعته“. ھذا كلام یجب ان یفتخر به كل اردني، كما في توجیه جلالة الملك لمدیر المخابرات الجدید ”لإرساء بیئة محفزة وممكنة تقودنا إلى تعزیز وتدعیم مرتكزات الدولة الحدیثة الأمر الذي من شأنه بالنتیجة أن یدعم الاقتصاد الوطني ویوجد حلولاً لمعالجة البطالة وتوفیر متطلبات العیش الكریم لشبابنا الغالي“.

لیس ھناك افضل من تعریف الدولة الحدیثة من الأوراق النقاشیة لجلالة الملك من ناحیة بناء نظاممن الفصل والتوازن وضمان عدم تغول سلطة على اخرى وارساء للتعددیة بكامل اوجھھا ولحریة الرأي والتعبیر.

لقد ظھرت بعض التحلیلات التي توحي بان ھذه التغییرات قد تكون مقدمة لتشدید القبضة الأمنیة، وانا لا ارى ذلك إطلاقا. ان المفردات المستعملة، بما في ذلك عبارة الامن السیاسي، توحي بان ھناك إرادة سیاسیة على اعلى المستویات بانتھاج سیاسة اكثر انفتاحا تؤسس لدولة حدیثة لا تتغول فیھا سلطة على اخرى ولا یتم فیھا العبث بالمرتكزات الدستوریة.

لا بد من ربط ھذه التغییرات بالتحدیات التي یتعرض لھا الاردن خارجیا وتحدیدا من الولایات المتحدة واسرائیل فیما یتعلق بتداعیات صفقة القرن ودعم الإدارة الأمیركیة الواضح ضد إنھاء الاحتلال الإسرائیلي وإقامة الدولة الفلسطینیة، وما یشكله ذلك من خطر على الأمن القومي الأردني. كما لا بد من ربطھا بالتحدیات الداخلیة المتمثلة في الوضع الاقتصادي والانغلاق السیاسي الذي شھدناه من بعض ضعفاء النفوس في الحقبة الماضیة والذي لم یرتق الى رؤى جلالة الملك، ما جعل الأوراق النقاشیة في جھة وسلوكیات بعض عناصر السلطة التنفیذیة في جھة اخرى، وھو ما شكل مفارقة عجیبة كان لا بد لتدخل ملكي من اجل معالجتھا.

الأمل كبیر أن یؤشر كل ذلك للبدء إلى انفتاح سیاسي داخلي یحصن الجبھة الداخلیة ویتیح وقوف كل القوى السیاسیة وراء جلالة الملك في مواجھة أي ضغوط مباشرة اوغیر مباشرة قد یتعرض لھا الأردن. ان لقاء جلالة الملك بالإخوان المسلمین مؤخرا مؤشر جید على مثل ھذا الانفتاح الداخلي، ومن المرجح ان یتبع ذلك لقاء جلالتھ بجمیع الفعالیات التي لھا آراء متعددة في مواضیع الاصلاح السیاسي والاقتصادي والاجتماعي. وتحیة لجلالة الملك.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.