يواصل الحكم في مصر ذلك النهج المستند إلى السيطرة الشاملة على الإعلام وإسكات الصوت الآخر، بينما تتمسك قطاعات شعبية ليست بالصغيرة بدعمها له إن اقتناعا بحتمية «الاعتذار» عن تجربة التحول الديمقراطي التي بدأت في كانون الثاني/يناير 2011 وانتهت في صيف 2013 بعد خطايا كبرى للقوى السياسية الإسلاموية والعلمانية أو تقريرا بضرورة «الاعتراف» بعدم ملاءمة الديمقراطية والحقوق والحريات لأوضاعنا المصرية أو تسليما بأن منع تحول مصر إلى «سوريا أو ليبيا جديدة» يستدعي تأييد الحاكم القادم من المؤسسة العسكرية. ولمقولات الخوف من أن تلحق المصائر الإقليمية بمصر ولآمال «الخروج من عنق الزجاجة» تروج وسائل الإعلام المسيطر عليها بكثافة بالغة، بل لا يلحظ إعلام الجنرالات أن «الحالة المصرية» صارت في سياقات الحراك الشعبي في الجزائر والسودان جوهر مقولة خوف مضادة تحذر من خطر التفاف المؤسسات العسكرية والأمنية على آمال التحول الديمقراطي والتحايل على طلب التداول السلمي للسلطة.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

بيد أن وجود قطاعات شعبية مؤيدة للسلطوية الجديدة لا يلغي أبدا حضور قطاعات شعبية معارضة وقطاعات أخرى ربما كانت قبل سنوات في خانات تأييد ودعم الحكم السلطوي وتبدو عليها اليوم مظاهر التململ والتأرجح بين العزوف والرفض الصامت للهجمة السلطوية وبين الجهر بالرفض ومعارضة انتهاكات الحقوق والحريات التي يتحمل مسؤوليتها الحكم. كما ترتفع أصوات بعض القطاعات الطلابية والشبابية مطالبة بإنهاء «وضعية الأمة معطلة الضمير والعقل» السائدة في بلادنا بسبب المظالم المتراكمة وسيادة القانون المتراجعة والعدل الغائب. أنصار الديمقراطية بين الطلاب والشباب يدعون إلى العودة إلى مسار تحول ديمقراطي، وينادون برفع المظالم وإنهاء انتهاكات الحقوق والحريات وإيقاف الإجراءات العقابية التي أنزلت بالناس خلال السنوات الماضية في إطار منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية تضطلع أيضا بمهام توثيق الانتهاكات والمكاشفة والمساءلة والمحاسبة. إلا أنهم وبجانب القمع الذي ينزل بهم يوميا يقفون أمام تحدي ترجمة مبادئ الديمقراطية إلى قائمة واقعية من الرؤى والأفكار والتوجهات والمطالب القابلة للتداول في الفضاء العام، والقادرة على تقديم بديل واضح المعالم للحكم ولهجمته السلطوية بقوانينها وممارساتها الكثيفة، والراغبة أيضا في استعادة الثقة الشعبية في إمكانية إدارة تحول ديمقراطي ناجح في مصر. دون الاشتباك الإيجابي مع الرأي العام واستعادة اهتمام العازفين بين المواطنين بمطالب الديمقراطيين، ستتواصل الهجمة السلطوية وسيواصل الحكم شيطنة الفكرة الديمقراطية ودفع الناس إلى مواصلة الاعتذار عن تجربتها بين 2011 و2013.

في مواجهة الارتفاع النسبي لأصوات أنصار الديمقراطية، يوظف الحكم في مصر استراتيجية إضافية سبقته إلى توظيفها نظم استبدادية وسلطوية أخرى، تسفيه السياسة. والمقصود هنا هو المحاولات الممنهجة من قبل دوائر الحكم والإعلام المسيطر عليه أمنيا لتشويه الحياة السياسية المدنية في مجملها، وتعزيز الاعتقاد بأن فقط الجنرالات وأصحاب الخلفيات العسكرية والأمنية والاستخباراتية هم القادرون على إدارة شؤون البلاد وتحقيق الصالح العام. لكي تموت السياسة بالتسفيه، تختزل الدولة إلى المؤسسات العسكرية والأمنية ويوصم المكون المدني للدولة بأمراض العجز والقصور وعدم الانضباط التي تتطلب هيمنة العسكريين والأمنيين عليه ووصايتهم على عمليات صنع القرار في سياقاته. تلغى أيضا استقلالية الهيئات التشريعية والقضائية والإدارية الرقابية المنوط بها إخضاع رئيس الجمهورية وكذلك المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية للمساءلة والمحاسبة ويحال عملا بينها وبين ممارسة هذه المهام، ولنا في التعديلات الدستورية التي أقرت برلمانيا وشعبيا في ربيع 2019 الدليل الأبرز على ذلك الإلغاء. لكي تموت السياسة بتسفيهها يظل رأس السلطة التنفيذية دون بديل، تظل السلطوية الحاكمة بهيمنة العسكريين والأمنيين دون بديل، تظل النخب المدنية التي ارتضت التبعية للمكون العسكري-الأمني عاجزة بالمطلق عن الابتعاد عن استدعاءات الجنرالات. لكي تموت السياسة بتسفيهها تظل وسائل الإعلام إن ذات الملكية العامة أو الخاصة مسخرة للاغتيال المعنوي لكل فكرة بديلة أو رمز بديل أو شخصية عامة بديلة.

ثم تتمثل استراتيجية إضافية أخرى للحكم في مصر من جهة في فرض القيود المتصاعدة على مساحات فعل وعمل المنظمات الحقوقية ومبادرات المساعدة القانونية والدفاع عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، ومن جهة أخرى في الضغط المستمر على الأصوات والأقلام الرافضة للانتهاكات إن بالقمع المباشر أو من خلال إلغاء حضورها في الفضاء العام (مقص الرقيب الأمني الذي عاد إلى الصحافة المصرية مثالا). بسرعة هائلة، تراكمت انتهاكات الحقوق والحريات في بر مصر على نحو أجبر الحكم الذي يرى في إخضاع الناس ضرورة للاستقرار وفي تغييب أصوات الديمقراطيين دفاعا عن الأمن القومي وفي إنزال العقاب بالمختلفين وغير الممتثلين ضمانة لإدارة شؤون البلاد بكفاءة، أجبره على تكثيف غير مسبوق لاستخدام الأدوات القمعية التي تستطيع أن تطول الجميع وعلى تحويل صناعة الخوف إلى المشروع الوطني الأكبر.

وفي صناعته للخوف لا يبدي الحكم في مصر انزعاجا من ردود الأفعال الدولية. وهو هنا يستند إلى قراءة واقعية للتحولات السياسية والاجتماعية في بلاد الغرب التي يتزايد بها عدد الحكومات الشعبوية والأغلبيات الشعبوية في البرلمانات (نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي التي أجريت يوم الأحد الماضي دليلا)، والتي تعاني أيضا الأمرين في بلاد العرب إن من عصابات الإرهاب أو من أزمة اللاجئين أو من انهيار الدول الوطنية وتفسخ المجتمعات. لا يريد الغرب لمصر سوى البقاء بعيدة عن خطر الانهيار، حتى وإن تمثل «الثمن» في حكم ديكتاتوري.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.