عدت مؤخرا من زیارة للولایات المتحدة، حیث وجدت جوا مشحونا للغایة وتخوفا كبیرا من حرب مع إیران، وذلك بعد تصریحات استفزازیة للرئیس ترامب أوحت بفكرة أن الحرب قادمة. ومع ذلك، فمن المستبعد جدا أن تقوم الولایات المتحدة بحرب تعرف أنھا لن تحظى بأي قبول شعبي أمیركي، وھو قبول یحتاجه ترامب بشدة وھو على أبواب انطلاق حملته لفترة رئاسیة ثانیة. لذا، فقد بدأت الإدارة الامیركیة تھدئ من تصریحاتھا السابقة وتعلن ان لیس في نیتھا الدخول في حرب مع إیران.

بالنسبة لنا، فإن موضوع صفقة القرن ھو ما یتصدر اھتمام المنطقة عكس الأجواء في واشنطن، حیث لا یحظى بنفس الاھتمام من وسائل الإعلام. ومع ذلك، فھناك إدراك داخل مراكز صنع القرار الرسمیة، باستثناء البیت الأبیض ووزارة الخارجیة، من أثر ھذه الصفقة على الأردن. ومع حل الكنیست الاسرائیلي والتحضیر لانتخابات جدیدة في شھر تشرین أول القادم، فمن الواضح ان الشق السیاسي من الصفقة قد تم تأجیله مرة أخرى، وھو تأجیل قد یفضي إلى عدم الإعلان عنھا نھائیا، خاصة مع قرب تحول اھتمام الإدارة نحو الانتخابات الرئاسیة الامیركیة في العام المقبل. لكن ھناك عاملا لا یجب ان نتجاھله، وھو إن فشل مؤتمر البحرین الذي یتناول الشق الاقتصادي للصفقة قد یزید من إضعاف شھیة الإدارة الامیركیة للإعلان عن الشق السیاسي للصفقة. ومن ھنا، فإن افشال مؤتمر البحرین مصلحة استراتیجیة فلسطینیة وأردنیة على حد سواء للمساھمة في اجھاض الصفقة. وفي حین أتفھم تماما الضغوط الأمیركیة على الأردن لحضور المؤتمر، وقد شھدت العدید منھا أثناء عملي في الحكومة، إلا انني آمل ألا یستجیب الأردن لھذه الضغوط، فلا مصلحة لدینا في نجاح المؤتمر ولو جزئیا، كما أن حضورنا سیضعف الرسالة القویة التي أرسلھا الأردن بقیادة جلالة الملك من خطر ھذه الصفقة على الفلسطینیین وعلى الأردن أیضا. ولا بد من إفھام الرئیس الأمیركي انه لا یستطیع التعامل مع الأردن باعتباره مجرد damage collateral أو“ أضرار جانبیة“ نتیجة ھذه السیاسة الامیركیة الرعناء.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

كما لا بد من الإشارة إلى أن الأردن لیس معزولا داخل مراكز صنع القرار الأمیركیة المتعددة، فالكونغرس الأمیركي بشقیه ومعظم دوائر الإدارة الأمیركیة تتفھم الموقف الأردني وتدعمه، ویستطیع الأردن توظیف ذلك لصالحه في حالة وجود ردة فعل من الإدارة.

تشكل الانتخابات الاسرائیلیة القادمة فرصة لإضعاف نتنیاھو وربما لإخراجه من الحكم، باعتبار أنھا ستضعف جھوده الحالیة لتحصین نفسه ضد قرار قضائي بتقدیمه للمحاكمة، وان من المحتمل ان یحافظ الیمین الاسرائیلي على اغلبیته داخل الكنیست. وبالرغم من ذلك، فان استمرار وجود قائمتین عربیتین خطیئة لا یجوز ان تتكرر، فقد أدت في الانتخابات الأخیرة إلى تشرذم الأصوات العربیة وعزوف عدد كبیر من الناخبین العرب عن التصویت، ما ادى إلى انخفاض عدد اعضاء القوائم العربیة من ثلاثة عشر إلى عشرة مقاعد فقط. فإذا ما نجحت الجھود للرجوع إلى قائمة واحدة وتجاوز النزعات الشخصیة، وان تم تكثیف الجھود لاقناع الناخبین العرب بالذھاب إلى صنادیق الاقتراع، فھناك فرصة لیس فقط لاستعادة المقاعد الثلاثة عشر، بل زیادتھا لخمسة عشر مقعدا. بذلك یعزز فلسطینیو الداخل مقاومتھم لمحاولات إسرائیل إقامة دولة أبارتھاید لا تعترف قوانینھا بالمواطنة الكاملة للفلسطینیین.

كل ھذه التطورات تحتاج منا الوقوف صفا واحداً وراء جلالة الملك ضد المحاولات الاسرائیلیة والامیركیة لتصفیة القضیة الفلسطینیة، كما نحتاج لمطبخ سیاسي وطني یدرس كافة الخیارات ویقدم حلولا تسند الموقف الرسمي الحكومي لتعدي مرحلة سیتم فیھا وضع ضغوط كبیرة على الأردن.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.