بدت التعددیة، بمعنى احترام الاختلافات الفكریة والدینیة والجندریة والاجتماعیة داخل المجتمعات، ھي التطور الطبیعي والضروري لبناء المجتمعات القویة والمزدھرة. وبطبیعة الحال، فإن احترام التعددیة ھو اللبنة الأساسیة لبناء مجتمعات دیمقراطیة تحترم حقوق الأغلبیة والأقلیة داخلھا. كما بدت الدلائل الحسیة واضحة على ذلك، فمن بین اكبر خمسة وعشرین اقتصادا في العالم، تتبع عشرون دولة بینھا نظما دیمقراطیة تعددیة، أي ان العلاقة بین التعددیة والدیمقراطیة والازدھار الاقتصادي راسخة وواضحة.

إلا أن التعددیة في العالم تتعرض الیوم لھجمة غیر مسبوقة من شعبویة تعتمد على الإقصاء وتسفیه الآراء المعارضة حد التخوین، وتنصیب أنفسھا الحارس الأمین على مقدرات شعوبھا وازدراء كافة الآراء الأخرى. نرى ذلك بوضوح الیوم في دول كالولایات المتحدة والبرازیل وھنغاریا وبولندا والنمسا وفرنسا. ان صعود الأحزاب الاقصائیة الشعبویة في أوروبا كالیمین المتطرف الفرنسي والنمساوي والھنغاري ادى بالبعض للاعتقاد ان أوروبا تعیش الیوم في العام 1932 قبیل صعود النازیة الألمانیة والفاشیة الإیطالیة. قد یكون في ذلك مبالغة، ولكن ما من شك ان الیمین المتطرف والشعبویة یتمددان في أوروبا والعالم. ولیس ادل على الاقصائیة ما یمارس في إسرائیل من سیاسات ضد الفلسطینیین لا یمكن وصفھا بأقل من نظم أبارتھاید العنصریة.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

ما موقفنا من التعددیة في الأردن الیوم؟ وھل البعض الذي یقف ضد الشعبویة الأمیركیة والعنصریة الاسرائیلیة خارجیا یؤمن حقا بالتعددیة السیاسیة والجندریة داخلیا؟ ھل الإیمان بالتعددیة والدیمقراطیة یفترض مثلا الإلتزام بمبدأ المواطنة المتساویة لكافة الأردنیین والأردنیات؟ وھل تعني التعددیة في الأردن حق المواطنین والمواطنات الاختلاف في أفكارھم؟ أم أن ھناك خطوطا متعددة الألوان تفرض سقوفا من كل نوع وتسفھ، إن لم أقل تخون أو تكفر، من یفكر خارج ”الصندوق الأردني“ حسب ما یرید البعض تفصیل ھذا الصندوق على مقاسه؟ ھي أسئلة من الجائز، بل الضروري ان تطرح، في زمن یجیز البعض لنفسه الایمان بالشيء خارجیا ونقیضه داخلیا، فیسمح لنفسه الإیمان بالدیمقراطیة والتعددیة وحقوق الإنسان طالما لا تعبر ھذه القیم حدودنا للداخل الأردني.

حقیقة الأمر أن المجتمع الأردني مجتمع تعددي بامتیاز، اثنیا وجندریا ودینیا وفكریا، ولكن الوقت قد حان كي نتساءل جمیعا، من كافة الاتجاھات، إن كنا نحترم حقا ھذه التعددیة، أو إن كنا حتى نؤمن بضرورتھا، خاصة عندما لا تتفق آراء البعض مع آرائنا؟ ھل نحن، من سیاسیین ومفكرین وقادة رأي عام، على قدر من الوعي والثقافة یسمح بحوار وطني عالي المستوى بعیدا عن التكفیر والتخوین والاتھامات المعلبة، وأسمح لنفسي أن أقول السخیفة، بحیث نتوصل لقواعد اشتباك تتیح الاختلاف دون الإسفاف والشخصنة؟ أم أن ثقافتنا السیاسیة والإنسانیة تحول دون ذلك؟ حین تكبر ھموم الوطن، لا بد من طرح الأسئلة الصعبة دون مواربة ولا تغلیف.

ھل الدیمقراطیة في العالم في طریقھا للأفول؟ بالتأكید لا. لا شك أن التعددیة تتعرض لھجمة عالمیة، ولكن حین تتخذ الإدارة الامیركیة مثلا قرارات إقصائیة، وحدھا الدیمقراطیة ومؤسسات الدولة القضائیة والتشریعیة من تستطیع الوقوف ضد ھذه القرارات. لا تستطیع الشعبویة ولا یقدر التطرف على الوقوف أمام التعددیة إلى الأبد، لأن الأخیرة متجذرة في الطبیعة الإنسانیة. وحده الحوار الجاد والھادف ما سیقود لسیاسات تنھض بمستقبل ھذا البلد الحبیب.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.