إنھا أغرب خطة اقتصادیة قرأتھا في حیاتي، فقد كتبت وكأن الفلسطینیین یعیشون في أوتوبیا سیاسیة ویملكون قرارھم السیاسي المستقل. ما من خطة اقتصادیة یمكن أن یكتب لھا النجاح، مھما كانت أرقامھا براقة، دون الاستقلال السیاسي.

أما خطة ورشة البحرین، فكل الشعارات الرنانة والصور الجمیلة والبیانات التوضیحیة التي تضمنتھا الوثیقة لا یمكن أن تغلف حقیقة أساسیة، وھي أن ھذه الخطة لا یمكن أن یكتب لھا النجاح تحت الاحتلال حتى لو افترضنا ان احدا سیقبل مقایضتھا بالقدس والدولة الفلسطینیة وحق الفلسطینیین في تقریر مصیرھم.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

إما ان الخطة تفترض اننا جھلة أو اغبیاء، أو ان من كتبھا یفتقر إلى الحد الأدنى من فھم طبیعة المنطقة والشعب الفلسطیني، بل أي شعب في العالم یتوق إلى الحریة، أو یقبل بمقایضة حریته بالمال. تضع الخطة كل ذلك جانبا، وتتجاھل الشق السیاسي تماما، وكأن فصل السیاسة عن الاقتصاد ممكن في أي بقعة من الأرض، فتتحدث عن مشاریع وارقام في مناخ سوریالي لم یسبق لأي إدارة أمیركیة سابقة، مھما كانت درجة انحیازھا لإسرائیل، أن أظھرت مثله، أو مثل ھذا التساذج والفذلكة التي لا یجب أن تنطلي على أحد.

بطبیعة الحال، فإن ھذه الخطة لیست نتاج سذاجة سیاسیة، بل مواقف أیدیولوجیة ممن كتبوھا (كوشنر، غرینبلات وفریدمان) في محاولة مكشوفة لمقایضة القضیة الفلسطینیة بإغراءات اقتصادیة وكأن الموضوع بیع قطعة أرض.

تتحدث الخطة عن فتح الضفة الغربیة وغزة للاستثمارات والأسواق الخارجیة ولا تذكر مرة واحدة الاحتلال الاسرائیلي أو الـ650 حاجزا امنیا في الأراضي الفلسطینیة المحتلة. وتضع أھدافا طموحة للغایة مثل خلق ملیون فرصة عمل وتخفیض معدل الفقر إلى النصف دون ان تشرح كیف یمكن تحقیق ذلك تحت الاحتلال. وتعد بخمسین ملیارا نصفھا من القروض، وان تحدثت تقاریر سابقة عن توقع الإدارة ان تدفع الدول الخلیجیة جل ھذا المبلغ، ونعرف جمیعا ان ھذا لیس واقعیا. كما ان ھذه الخمسین ملیارا موزعة على عشر سنوات وبحسب تقدیرات الدكتور مصطفى البرغوثي لن تتجاوز حصة الفلسطینیین ثمانمائة ملیون دولار سنویا، أي اقل مما كان الفلسطینیون یحصلون علیه من المجتمع الدولي قبل سنوات قلیلة. أما حصة الأردن من منح وقروض، فستبلغ سبعة ملیارات ونصف على مدى عشر سنوات، أي سبعمائة وخمسین ملیون دولار سنویا وھو نصف ما تقدمه الولایات المتحدة للأردن الیوم!

كما تسرد الخطة نماذج لدول عدة تمكنت من تحقیق الرخاء الاقتصادي لشعوبھا مثل كوریا الجنوبیة وتایوان والیابان وسنغافورة مغفلة تماما ان كل ھذه كانت دولا مستقلة صاحبة قرارھا السیاسي والاقتصادي ولیست تحت الاحتلال.

ومن اخطر ما جاء في الخطة استخدامھا لتعابیر تدل على نیة الإدارة الامیركیة تصفیة القضیة الفلسطینیة سیاسیا، فتتكلم الخطة عن ”المجتمع الفلسطیني“ وتتجنب أي إشارة إلى دولة فلسطینیة وعن ”الطموح الفلسطیني“ ولیس حق تقریر المصیر أو السیادة الفلسطینیة.

لیس في ھذه الخطة أي ایجابیات واقعیة، بل ھي مؤامرة واضحة على الشعب الفلسطیني. سأتجاوز التعلیق على القرار الأردني الذھاب إلى البحرین. أما وقد فعلنا، فإنني آمل ان نقف ضد الخطة بنفس الصلابة التي أظھرھا جلالة الملك في الأشھر الماضیة، وان نرفضھا جملة وتفصیلا، فمحاولة فصل الاقتصاد عن السیاسة وتقدیم خطة اقتصادیة ظاھرھا تحسین حیاة الفلسطینیین وباطنھا تصفیة القضیة الفلسطینیة مكشوفة بامتیاز، ولا یصح أن یتم إعطاء أي إشارة إیجابیة نحو مثل ھذه المحاولة البائسة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.