نشرت الأسبوع الماضي نتائج الاستطلاع الذي یقوم به مشروع البارومیتر العربي منذ العام 2006 في العدید من الدول العربیة متناولا قضایا عربیة عدة. ویتمیز الاستطلاع بمصداقیته العالیة ودقة اسئلته وتمثیل عیناته الدقیق للمجتمعات التي تجرى فیھا ھذه الاستطلاعات.

نتائج الاستطلاع لا تبشر بالخیر، وتشیر إلى تراجعات حادة في عدد من الأمور یجب أن تؤرق نوم أي مسؤول عربي أو أردني، بل إن معظم ھذه النتائج تشیر إلى مستقبل مظلم إن لم یتم عكس العدید من السیاسات المتبعة.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

من أخطر ما یشیر إلیه الاستطلاع ھو الأعداد المتزایدة من الشباب العربي الذي یفكر في الھجرة من المنطقة. فقد وصلت ھذه النسبة إلى 52 ٪ ھذا العام بین الشباب من فئة 18 – 29 عاما. أما نسبة من یفكرون في الھجرة من المنطقة من كافة الفئات العمریة في الأردن فقد ارتفعت من 25٪ عامي 2012-2013 إلى 38 ٪ الیوم. ھذا رقم في غایة الخطورة، إذ یشیر بالإحصاءات إلى ما نلمسه كل یوم من ھذا العدد المتزاید من ”القتیبیین“ الذین فقدوا الأمل في مستقبل مشرق لھم في بلادھم٠ فإذا ما أدركنا ان الأسباب الرئیسة لھذا التفكیر بالھجرة ھي الوضع الاقتصادي والفساد حسب الاستطلاع، أدركنا حجم العمل المطلوب لتغییر نھج لم یعد یحاكي تطلعات الجیل الجدید. فإن أردنا وقف ھذا النزیف الھائل قبل فوات الأوان، لا یمكن لنا الاستمرار بمعالجة الأمور بالقطعة وتوقع أن یؤدي ذلك لاستقرار وازدھار منشود.

ولعل بارقة الأمل الوحیدة في ھذا الموضوع أن الأراضي الفلسطینیة لم تظھر ازدیادا في عدد من یرغب بالھجرة خلال الأعوام السبعة الماضیة رغم كل الإجراءات الاسرائیلیة وھذا مؤشر ممتاز للمستقبل.

من النتائج الداعیة للقلق أیضا تراجع الحریات بشكل كبیر في المنطقة العربیة عموما والأردن خصوصا. فقد تراجع عدد من یشعر أن حریة التعبیر في الأردن مضمونة إلى درجة كبیرة أو متوسطة من 76 ٪ إلى 54 ،٪ كما تراجع من یشعر ان حق الاحتجاج مضمون في البلد من 56 ٪ إلى 43 ،٪ وھو ما یشیر إلى أننا لم نتعلم الكثیر من دروس الربیع العربي، فلا انتبھنا إلى تحسین حیاة الناس الاقتصادیة، ولا أولینا الشق السیاسي ما یستحق. وأتساءل مرة أخرى كم من صفارة إنذار نحتاج لیس فقط لندرك الدرجة التي وصلنا الیھا، بل لنعقد العزم أیضا لعكس الحال فعلیا ولیس شعاراتیا؟

تجدر الإشارة إلى ان الثقة العامة بالحركات الإسلامیة الرئیسیة في المنطقة، كالإخوان المسلمین وحماس وحزب الله، تشھد تراجعا مستمرا منذ انطلاق الثورات العربیة العام 2011 ،كما ان الثقة في القادة من رجال الدین بشكل كبیر أو متوسط انخفضت في الأردن من 35 ٪ إلى 14 ،٪ ولعل ذلك یعكس فجوة الثقة بین الناس وكافة المسؤولین، ولعله أیضا یحفز الأحزاب الدینیة والعقائدیة للإكثار من البرامجیة والتقلیل من الایدیولوجیة، خاصة في ظل توقعات الجیل الجدید بعد الربیع العربي.

ما یزال لدینا أشواط نقطعھا بالنسبة لمكانة المرأة. معظم المستطلعین یعتقدون بحق المرأة أن تترأس الدولة في العالم العربي، ولكنھم یعتقدون أیضا ان القول الفصل في شتى القرارات العائلیة یجب ان یعود للزوج. بمعنى آخر، یؤمن المواطن العربي على المرأة لقیادة البلاد، ولكنه لا یؤمنھا على الأسرة!

ھناك العدید من النتائج المھمة الأخرى التي یشیر الیھا الاستطلاع. لكن المؤسف انه بالرغم من وجود ھذا الاستطلاع منذ العام 2006 ،لیس ھناك ما یؤشر ان حكومة عربیة واحدة انتبھت الیه أو حاولت معالجة الثغرات التي یشیر الیھا. وتستمر الصفارات بإطلاق أبواقھا. وعلى بال مین یا اللي بترقص في العتمة.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.