فى أول رحلة للرئيس دونالد ترامب للخارج، زار العاصمة السعودية، الرياض، فى 21 مايو 2017، حيث دعا العالم إلى أن يتضامن من أجل «عزل إيران، وحرمانها من القدرة على تمويل الإرهاب، والصلاة من أجل اليوم الذى يكون فيه للشعب الإيرانى حكومة صالحة يستحقها».

ومنذ ذلك الوقت، أيدت المملكة العربية السعودية الولايات المتحدة فى انسحابها من الاتفاق النووى مع إيران وشجعتها على المضى قدما فى سياستها لتحقيق «الضغط الأقصى« عليها. لكن مع التصاعد الخطير للتوترات فى الخليج، فقدت الرياض القدرة على التأثير على الطريقة التى تطبق بها الولايات المتحدة هذه السياسة، فى حين أصبح على المملكة العربية السعودية أن تتحمل عبء تداعيات التصعيد العسكرى الأمريكى ــ الإيرانى. لذا أصبح على المملكة العربية السعودية أن تنتهز الأزمة الحالية كفرصة لتعيد النظر فى السياسة الخاصة بها تجاه إيران.

وضع مصالح المملكة فى المقدمة والمركز

ياسمين فاروق
ياسمين فاروق باحثة زائرة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
More >

ينبغى على المملكة أن تبدأ بالسؤال عما إذا كان النهج الأمريكى الحالى يخدم المصالح السعودية أم لا. سياسة الرياض الحالية التى تشترط أن تتوقف إيران عن جميع الأفعال التى تستهدف مصالح المملكة كشرط لاستئناف الانخراط فى محادثات تتطابق مع الموقف المبدأى للولايات المتحدة. وقد عبر ولى العهد السعودى محمد بن سلمان عن هذا الموقف حينما صرح أنه على إيران أن تصبح «دولة طبيعية« قبل أن تبدأ السعودية بإعادة التعامل معها.

لكن المملكة العربية السعودية ستتحمل تكاليف ردات الفعل الإيرانية على الضغوطات الأمريكية فى جميع الأحوال. لذا فإن محاولة الحد من تأثير الصراع الأمريكى ــ الإيرانى على الأراضى والمياه السعودية يعطى المملكة حافزا قويا كى تتبنى سياسة أكثر براجماتية. لقد حان الوقت لأن يغير السعوديون من طريقة تعاملهم مع الأزمة الحالية فى الخليج من خلال تقليص دورهم فى الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، مع محاولة منع قيام حرب ستضر المملكة ومصالحها.

إن الهجمات على السفن السعودية فى الخليج والهجمات المتصاعدة على الأراضى السعودية ليست بالمصادفة. فالنظام الإيرانى لديه أوراق قليلة يستخدمها من أجل استثارة الضغوط الدولية على الولايات المتحدة لكى تتراجع، لكن تلك الأوراق جميعها تجىء على حساب المملكة العربية السعودية. كما تعتقد إدارة ترامب أن سياستها فى الضغط على إيران ناجعة، وتتوقع الدعم السعودى الكامل لها، بغض النظر عن العواقب. وقد تحقق سياسة الضغط إلى أقصى مدى على إيران بعض المكاسب للمملكة على المدى القصير، إلا أن الطريق نحو الحرب مازال طويلا. وإذا استمر الوضع الراهن، فقد تغرق المزيد من السفن السعودية، وقد يُقتل المزيد من المدنيين والجنود السعوديين.

ولى العهد السعودى قال مؤخرا أن «المملكة لا تريد حربًا فى المنطقة«. لكن حتى يتم تجنب الحرب، سيكون على الحكومة السعودية والحكومة الإيرانية التحدث مع بعضهما البعض. وقد تكون هذه هى أول خطوة لبدء عملية تدريجية طويلة يتم من خلالها التعامل مع التهديدات الإيرانية للمملكة العربية السعودية كل على حدة.

أخطار الشريك الأمريكى المتقلب

لن تستطيع الولايات المتحدة معاتبة المملكة العربية السعودية إذا اختارت الأخيرة أن تدخل فى محادثات مع إيران. فترامب نفسه قام مرارا بتغيير موقفه تجاه قادة كان يعتبرهم أعداء للولايات المتحدة، حتى أن وزير الخارجية مايك بومبيو صرح بأن الولايات المتحدة «مستعدة للانخراط فى محادثات مع إيران بدون أى شروط مسبقة«. ومن شأن اتخاذ الرياض خطوة فى نفس هذا الاتجاه منحها القدرة على التأثير فى المفاوضات اللاحقة بين الولايات المتحدة وإيران. وبالفعل اقترح وزير الخارجية الإيرانى، جواد ظريف، توقيع اتفاقية عدم اعتداء مع دول الخليج، والتى من الممكن أن يقوم أصدقاء المملكة العربية السعودية الجدد فى موسكو بتسهيل إبرامها.

حتى وإن اندلعت حرب بين الولايات المتحدة وإيران، فقد أثبت ترامب أنه حليف متقلب. كما تعد سياسة ترامب تجاه إيران برهانا على عقليته التى تضع «أمريكا أولا« والتى تعتبر أمن الحلفاء من الأضرار الجانبية. ويرى ترامب أن القوى الأخرى التى تعتمد بشكل كبير واستراتيجى على نفط الخليج يجب أن تتحمل هى مسئولية الحفاظ على مصالحها هناك. فلن تذهب استثمارات الولايات المتحدة فى أمن الخليج أبعد من صفقات السلاح، ما لم يكن هناك هجمات تهدد بطريقة مباشرة مصالح الولايات المتحدة المحددة بدقة هناك. كما أن أى عملية عسكرية أمريكية من شأنها الدفاع عن المملكة العربية السعودية سوف تتطلب مساعى جادة فى الكونجرس لإقناعه بها، أخذا فى الاعتبار آراء المشرعين حول سجل حقوق الإنسان فى المملكة. ومع ذلك فقد تعزز خطوة دبلوماسية سعودية جريئة من موقف المملكة فى الكونجرس.

كل الأعين تتجه نحو الخليج

يراقب الشركاء الأوروبيون والآسيويون الموقف فى الخليج عن كثب. ولكن قد يتردد البعض فى تقديم مساعدة لمنع التصعيد فى غياب ضمان أمنى أمريكى. قد تؤدى المحادثات المباشرة بين المملكة العربية السعودية وإيران إلى إيجاد مخرج آمن للمملكة من الأزمة الراهنة يعزز أيضا من مصداقية مزاعمها حول عدم الرغبة فى الدخول فى حرب ضد إيران.

سيرحب الأصدقاء الإقليميون للمملكة العربية السعودية بسياسة سعودية جديدة تجاه إيران تكون ذات أهداف تدريجية وواقعية. كما قد تحصل المملكة العربية السعودية على الدعم الإقليمى والعالمى اللازم لتحقيق أمنها إن هى أظهرت رغبة حقيقة فى النأى بنفسها عن التصعيد العسكرى الحالى. وقد يفتح هذا التحول أيضًا الباب أمام خروج سعودى مشرف ومدعوم إقليميا من اليمن، وإلى تنفيذ واقعى لمشروع الولايات المتحدة للتحالف الاستراتيجى فى الشرق الأوسط.

لقد حاولت المملكة العربية السعودية وإيران الانخراط فى هذا النوع من التفاعل التدريجى من قبل. وباستثناء الولايات المتحدة، فإن الدول الموقعة على الاتفاق النووى مع إيران على استعداد لاعتبار هذا الاتفاق مجرد خطوة أولى نحو انخراط أكثر شمولا مع إيران يتعامل مع باقى التهديدات الإيرانية لأمن المملكة العربية السعودية والمنطقة واحدا تلو الآخر. إن مثل هذا الاقتراب فى التعامل مع التهديدات الإيرانية سيوفر خارطة طريق للخطوات المتتالية فى التعامل مع إيران، وهو ما لا تقدمه السياسة الحالية للرئيس ترامب.

قد تدفع المملكة العربية السعودية ثمنا باهظا للحملة التى تقودها الولايات المتحدة ضد إيران. لذا حان الوقت لأن تختار المملكة طريقًا أكثر حكمة تمتلك فيه هى زمام التحكم فى مصيرها.

تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق.