طرحت الحركة الإسلامیة (الإخوان المسلمون وحزب جبھة العمل الاسلامي) قبل عدة أسابیع مبادرة سیاسیة للإصلاح ارادت من خلالھا فتح حوار وطني حول الإصلاح السیاسي في البلاد. ولم تتعد المبادرة عناوین عریضة لا أعتقد ان الكثیر یعارضھا مثل إقرار مبدأ الحكومات البرلمانیة والتوافق على قانوني انتخاب واحزاب عصریین، والتمسك بثوابت الأمة من القضیة الفلسطینیة، وھكذا.

بالتأكید، فإن أي مبادرة تدعو لتوافق وطني حول الإصلاح السیاسي ھي دعوة محمودة، ولو أنھا بحاجة للخوض في تفاصیل كثیرة وعمیقة. إلا أن الحوار الوطني المفقود الیوم لا یقتصر على الإصلاح السیاسي، بل أزعم انھ بدرجة أھمیة ھذا الإصلاح، فإن ھناك حوارا وطنیا مطلوبا بین الجھات الدینیة والمدنیة سواء حول الأمور المجتمعیة وماھیة المجتمع الذي نرید.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

في التفصیل، ھل یقود ھذا الحوار الوطني المطلوب لتوافق حول تعریف المواطنة؟ ھل تعترف الحركة الإسلامیة بمواطنة متساویة لكل الأردنیین والأردنیات لا تفرق بین المسلم والمسیحي أو الرجل والمرأة؟ ھل یقبل الإسلام السیاسي بالمساواة مع غیره؟ وھل تعترف كل الحركات المدنیة ایضا بمواطنة متساویة لكل الأردنیین والأردنیات بغض النظر عن الأصل كما جاء في المادة السادسة من الدستور؟

ھل یقود مثل ھذا الحوار الوطني لتوافق حول مفھوم التعددیة؟ ھل تعترف الحركة الإسلامیة بتعددیة المجتمع وتطبق فعلیا المبدأ الإلھي الوارد في القرآن الكریم أن لا إكراه في الدین دون تكفیر للناس؟ أم انھا تنوي تطبیق تفسیرھا للدین على المجتمع بأكمله، مسلم أو مسیحي؟ ھل یترك المفطر مثلا دون عقاب طالما أنه لا إكراه في الدین؟ وھل تؤمن الحركة بفرض الحجاب بالقوة مثلا كما ھو الحال في إیران؟ وھل تعترف الحركات المدنیة أیضا بتعددیة المجتمع، أم انھا تنكر حریة العمل السیاسي على الأحزاب الإسلامیة؟ وھل یعترف الاثنان بحق كلیھما في التواجد المجتمعي ولیس السیاسي فقط دون تخوین أوتكفیر؟

ھل من الممكن الوصول إلى توافق وطني حول حقوق المرأة؟ ھل تنظر الحركة الاسلامیة للمرأة نظرة متساویة من النواحي التشریعیة على الأقل؟ وھل تنظر كافة الحركات المدنیة أیضا للمرأة نظرة تشریعیة متساویة؟

ھل الحركة الاسلامیة السیاسیة الیوم دینیة أم سیاسیة؟ ھل تؤمن بالفصل الكامل بین الدعوي والسیاسي؟ ھل تھدف، كما قال المفكر السوري برھان غلیون، ”إلى بناء الدولة الدینیة، أم تجدید أسس الدولة القطریة“؟ وإلى الجھتین، ما مدى الالتزام بالدیمقراطیة في كافة الأحوال؟ أم انه التزام انتقائي ما دام یخدم جھة من الحركتین؟

ھل من الممكن الوصول لتوافق وطني جاد حول مفھوم مدنیة الدولة، أم نصر على ھذا اللغط من البعض من كلتا الحركتین حول ھذا المفھوم؟ یفسر بعض غلاة المنتسبین للحركات الاسلامیة خطأ أو عن قصد مدنیة الدولة على انھا دعوة للالحادیة، بینما یتھم البعض الآخر ھذه المدنیة بأنھا دعوة لتفكك المجتمع أو حتى للتوطین في تسطیح معیب. ویتناسى الاثنان اننا نعیش الیوم في دولة مدنیة، وان لم تكتمل فیھا عناصر الدیمقراطیة والتعددیة الحقة.

نعم، نحن بحاجة لمثل ھذا الحوار الوطني أیضا، لأن مثل ھذه الأسئلة ھي ما تحتاج لإجابات واضحة. لقد تجنبنا الخوض في مثل ھذه المواضیع متذرعین بحساسیة بالغة كان لھا أثر مباشر في تقوقع المجتمع. توجد ھذه الحوارات في كل المجتمعات الحیة القادرة على النقد الذاتي والتجدید المستمر دون الوجل من مجرد النقاش. نحن بحاجة ماسة لتحریر العقل والنقاش الحر وطرح كافة ھذه الآراء في العلن، ثم ترجمة توافقاتنا في الدستور والقوانین.

ھل لدینا الشجاعة لذلك؟ بل السؤال المطروح: ھل نستطیع تحقیق التقدم والازدھار دون ان نفعل ذلك؟

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.