إزاء الصعود الانتخابي والسياسي غير المسبوق لليمين المتطرف ممثلاً في حركة «البديل لألمانيا»، وإزاء تراجع نسب التأييد الشعبي للحزب المسيحي الديمقراطي الذي تقوده المستشارة، أنجيلا ميركل، على خلفية دفاعها عن سياسات استقبال اللاجئين في صيف 2015، وبسبب تواصل أزمة أحزاب اليسار التقليدي، تمر ألمانيا بلحظة عدم استقرار سياسي واضحة.

على خلاف بلدان أوروبية أخرى تعاني من تراجعات اقتصادية حادة وتنهار حكوماتها المنتخبة على وقع غياب الرضاء الشعبي في ظل ارتفاع معدلات البطالة وجمود مداخيل الطبقات الوسطى، يستمر الأداء القوي للاقتصاد الألماني ويترجم نفسه في معدلات بطالة منخفضة وموازنة فيدرالية لا استدانة واسعة بها وميل ميزان العلاقات التجارية مع البلدان الكبرى لمصلحة ألمانيا (باستثناء العلاقات التجارية مع الصين).

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

لا يمكن، إذاً، تفسير الصعود الراهن لليمين المتطرف أو أزمة الأحزاب اليمينية واليسارية التقليدية بالاستناد إلى العوامل الاقتصادية. وتتناقض هذه الحقيقة مع ما سبق وشهده المجتمع الألماني من صعود لليمين المتطرف في تسعينيات القرن العشرين، عقب انهيار سور برلين وإنجاز الوحدة بين الشرق والغرب.

حينذاك ارتبط الأمر بالمعاناة الاقتصادية والاجتماعية في الولايات الشرقية التي ارتفعت بها معدلات البطالة واعتماد السكان على الإعانات العامة، واستغل اليمين المتطرف ظرف الأزمة للوصول إلى برلمانات بعض الولايات كما استغلته أيضاً بعض الحركات النازية الجديدة للاعتداء على الأجانب وطالبي اللجوء والمقيمين من ذوي الأصول الأجنبية. وبينما تركز صعودهم في تسعينيات القرن العشرين جغرافياً في الولايات الشرقية، تنتشر حالياً أحزاب وحركات اليمين المتطرف في عموم ألمانيا ولا تجد صعوبة في الفوز بأصوات انتخابية تضمن تمثيلها في برلمانات بعض الولايات الغربية التي استقرت إجراءاتها الديمقراطية وتقاليدها البرلمانية منذ أربعينيات القرن العشرين.

اليوم ترتكز أجندة اليمين المتطرف إلى خطابين للكراهية، كراهية الغريب وكراهية أوروبا. أما كراهية الغريب فتتجه إلى مئات الآلاف اللاجئين الذين وفدوا ألمانيا خلال العامين الماضيين وملايين المقيمين ذوي الأصول الأجنبية، وتروج بين الناس للخوف منهم على الرخاء الاقتصادي والسلام الاجتماعي والنظام العلماني والهوية الحضارية ـ الثقافية في ألمانيا. أما كراهية أوروبا فترتبط بالترويج لرفض السياسات الاقتصادية والمالية والقانونية للاتحاد الأوروبي التي يرى بها اليمين المتطرف ومعه قطاعات شعبية ليست بالمحدودة ظلماً فادحاً لألمانيا التي تختزل علاقتها بأوروبا في إنقاذ الاقتصاد اليوناني وإنقاذ بلدان أخرى من أزمات متتالية وفي فتح سوق العمل الألماني أمام عمالة رخيصة من وسط وشرق أوروبا على نحو يضر بأجور الألمان. ثم يترجم اليمين المتطرف خطابي الكراهية إلى مطالبة مباشرة بترحيل اللاجئين وإغلاق الأبواب أمام المهاجرين، وإلى تبني مقولات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي والتوقف عن الإنفاق على «الكسالى وغير الراغبين في العمل» في عموم أوروبا.

موضوعياً، يتجاهل خطاب الكراهية ضد اللاجئين والمقيمين ذوي الأصول الأجنبية القدرة الاقتصادية والاجتماعية لألمانيا على استيعاب لاجئين لم يقترب عددهم الإجمالي أبداً من الملايين الذين يتوزعون على بلدان مثل تركيا ولبنان والأردن لا تمتلك الإمكانيات الاقتصادية والمالية لألمانيا، وينكر كذلك الإسهام الإيجابي لملايين الأجانب الذين يشاركون في صناعة التفوق الألماني ويقدمون نموذجاً لألمانيا جديدة متنوعة ومنفتحة على العالم. موضوعياً أيضاً يتجاهل خطاب الكراهية ضد أوروبا الاستفادة الاقتصادية والتجارية الكبرى لألمانيا من الاتحاد الأوروبي والتي تدركها بوضوح نخب السياسة ومجتمع الأعمال مثلما تدرك خطورة انهيار الاتحاد، خاصة بعد اختيار أغلبية البريطانيين الخروج من الاتحاد.

يخصم صعود اليمين المتطرف على نحو مقلق من شعبية يمين الوسط في ألمانيا ممثلاً في الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي (الشريك الإقليمي للمسيحي الديمقراطي والمقتصر تنظيمياً على ولاية بافاريا الجنوبية) والحزب الديمقراطي الحر. هذه الأحزاب الثلاثة تتحمل العبء السياسي المباشر لصعود اليمين المتطرف. فمن جهة، تتراجع بانتظام نسبة الأصوات الانتخابية التي يستحوذ عليها يمين الوسط. ومن جهة أخرى، تحت وطأة خطابات الكراهية ومقولات الخوف على ألمانيا التي ينشرها اليمين المتطرف تنحرف الأجندات السياسية ليمين الوسط تدريجياً باتجاه أكثر تشدداً وتخرج من بين صفوفها أصوات تطالب أيضاً بترحيل اللاجئين وإغلاق أبواب الهجرة والامتناع عن «الإنفاق» على بلدان أوروبا المأزومة. والنتيجة هي من جهة تراجع معدلات تأييد الناخبين للمستشارة ميركل، ومن جهة أخرى تكرر الانتقادات الموجهة لسياساتها بشأن استقبال اللاجئين من داخل حزبها وشريكه الإقليمي المسيحي الاجتماعي، ومن جهة ثالثة إجبار ميركل على تغيير بعض سياساتها بشأن استقبال اللاجئين وقبولها للإغلاق النسبي لأبواب الهجرة دون أن يوقف ذلك المنحنى الهابط لشعبيتها.

أما اليسار التقليدي ممثلاً في الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب اليسار، فيدفع ثمناً فادحاً لصعود اليمين المتطرف وللرفض الأخلاقي والسياسي لليسار لمجاراة خطابات الكراهية. انتخابياً، تنجرف بعض القطاعات المهنية والعمالية والمجموعات السكانية محدودة الدخل إلى التصويت الانتخابي لليمين المتطرف بعد أن استمرت لعقود طويلة على ولائها لليسار. ولا ينجو من مقصلة صعود اليمين المتطرف سوى حزب الخضر الذي يحصد تأييد الشباب والعديد من سكان المدن الكوزموبوليتية كالعاصمة برلين. يقترب حزب الخضر تدريجياً من الحلول محل الحزب الاشتراكي الديمقراطي «كالحزب الكبير الثاني»، والسبب هو أجندته القاطعة في تقدميتها الليبرالية المدافعة عن الحقوق والحريات والقيم الإنسانية وواقعية طرحه الاقتصادي الذي لم يعد به من الرؤى اليسارية التقليدية الشيء الكثير.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.