الكثير منا لا يقرأ التاريخ، ويشكل انطباعات معينة عن تطور الحياة السياسية في الأردن غير مبنية على المعلومات والوثائق، بل في بعض الأحيان تأتي مخالفة تماما لما كان يجري في أروقة الحكم. من هذه الانطباعات ما يردده العديد من قادة الرأي من أننا لسنا جاهزين للديمقراطية، وأن المطالبة بالديمقراطية حديثة العهد ونخبوية، وأن المطالبة بعقد اجتماعي جديد بدعة اخترعها حديثا المؤمنون بمدنية وديمقراطية الدولة. كل ذلك، ببساطة، غير صحيح.

أدعوكم لقراءة كتاب “وقفات” لمعالي الدكتور سعيد التل، أخ الشهيد وصفي، وفيه شهادات حية عاشها شخصيا عن الدولة الأردنية، وهي شهادات تدل على اهتمام جلالة المرحوم الحسين كما على اهتمام وصفي التل بمأسسة العمل السياسي في البلاد، ومنذ الستينيات.

مروان المعشّر
مروان المعشّر نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي، حيث يشرف على أبحاث المؤسسة في واشنطن وبيروت حول شؤون الشرق الأوسط. شغل منصبَي وزير الخارجية (2002-2004)، ونائب رئيس الوزراء (2004-2005) في الأردن، وشملت خبرته المهنية مجالات الدبلوماسية والتنمية والمجتمع المدني والاتصالات.
More >

ويؤرخ الكتاب لجهود وصفي التل لوضع ميثاق وطني (هو ذاته العقد الاجتماعي) إبّان رئاسته للوزارة العام 1966، أي قبل نصف قرن، الذي كان سيشمل “نظرية الدولة الأردنية ومرجعيتها الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية”. ويضيف الشهيد وصفي التل أن الحكومة متى ما وضعت هذا الميثاق “سوف تتقدم بقانون جديد للانتخابات يقوم على أساس القوائم الحزبية"

جاءت حرب 1967 لتجهض هذا المشروع ولكنها لم تجهض الفكرة لدى وصفي، ليقول لمجموعة من السياسيين التقاها بعد الحرب “إن جميع السياسيين الأردنيين المحافظين ضد هذه التوجهات، وبأي صورة طرحت، ويعملون وبكل السبل والإمكانات لإحباطها مع كل محبتهم لشخصي وثقتهم بسياستي”. ويضيف وصفي “إن حاجة الشعب والدولة والنظام لأحزاب سياسية منتمية إلى الشعب والدولة والنظام ضرورة لأمنه واستقراره وتقدمه مثل حاجته للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية”.

ما أشبه الأمس باليوم.

تشاء الظروف أن يتأخر موضوع الميثاق لأسباب عدة حتى أعاد المرحوم الشريف عبد الحميد شرف العمل من أجل مأسسة العمل السياسي العام مع بداية توليه رئاسة الوزراء، إلا أن الموت حال دون تنفيذه لهذا المشروع الوطني. ثم أحيا جلالة الملك الحسين المشروع حين عهد للجنة ملكية ضمت كافة الاتجاهات صياغة ميثاق وطني العام 1990. وخلال ترؤسه الاجتماع الأول للجنة، قال جلالته “ولكي يكون لحرصنا على حماية الديمقراطية بوجهها المشرق معنى ويكون هذا الحرص مضمونا، فلا يجوز أن يقتصر علي شخصيا، ولا بد أن يكون عاما ومرفودا من قبل الجميع، وحتى يتحقق ذلك لا بد أن يتخطى هذا الحرص دائرة العاطفة والنوايا الحسنة إلى دائرة المأسسة، ليشمل الجميع ويلتزم به الجميع، وهذا يعني انتظام المجتمع بعقد اجتماعي يتمحور حول الديمقراطية”.

ما أشبه الأمس باليوم.

إذا كان المغفور له جلالة الملك الحسين طالب بعقد اجتماعي قبل ثلاثين عاما على الأقل، وشدد على ضرورته لمأسسة العمل السياسي العام والديمقراطية، وإذا كانت شخصية وطنية مثل وصفي التل حملت هذا الفكر منذ أكثر من خمسين عاما، فهل تصمد حجج السياسيين التقليديين الذين يقفون اليوم ضد نفس هذه الأفكار وينعتونها بصفات ظاهرها الحفاظ على مصلحة البلد وحقيقتها الحفاظ على مصالحهم هم لا غير؟

مأسسة العمل السياسي العام ليست بدعة، بل ضرورة وطنية، والعقد الاجتماعي ليس غايته الوقوف ضد الدولة، بل حمايتها بما في ذلك من الذين يُعلُون مصالحهم الخاصة على مصلحة الوطن.

تم نشر هذا المقال في جريدة الغد.