منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر، كان التأخر التنموي النسبي للعالم العربي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يحتل المقام الأول على نحو شبه دائم في الاهتمامات الدولية. وكان تقرير محوري لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) العام 2002 قد وصل إلى خلاصة مفادها أن البلدان العربية متخلّفة عن ركب معظم العالم في مؤشرات التنمية كالحرية السياسية، والتقدّم العلمي، وحقوق المرأة. وقد ساعد هذا التقرير في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش على بلورة "أجندة الحرية" التي هدفت إلى دمقرطة الشرق الأوسط- بالقوة إذا ما لزم الأمر- في سبيل استئصال التخلّف والسلطوية التي أيقن بعض المسؤولين في واشنطن أنهما الجذران الرئيسيان للإرهاب. ثم جاء خَلَف بوش، الرئيس باراك أوباما ووجّه سهام انتقاداته إلى إحدى ركائز أجندة الحرية- وهي الغزو الأميركي للعراق العام 2003-، لكنه شاطر بوش تشخيصه للوضع. ففي أول خطاب بارز له عن السياسة الخارجية كرئيس ألقاه في القاهرة العام 2009، دعا أوباما حكومات الشرق الأوسط إلى إحراز تقدّم "في مجالات الديمقراطية، والحرية الدينية، والمساواة الجندرية، والتنمية الاقتصادية، والفرص المتساوية". كان واضحاً بين سطور ملاحظاته سيادة الرأي الشائع على نطاق واسع في أوساط المراقبين الغربيين للشرق الأوسط الذي يقول أن الخلل في العالم العربي هو حصيلة ترتيبات اجتماعية وسياسية أثبطت القدرات البشرية، وعمّقت اللامساواة، وانحازت إلى حفنة نخب ضئيلة على حساب غالبية السكان.

خلال العقد الأول من هذا القرن، كان التقدم بطيئاً ومتثاقلاً، لكن تحت السطح، كان السخط يغلي بقوة ثم ما لبث أن طفا على السطح في احتجاجات 2010-2011 التي أُطلق عليها عموماً تسمية "الربيع العربي". وهكذا، وفي بلدان متباينة كمصر وليبيا وسورية وتونس، نزل المواطنون العاديون إلى الشوارع لتحدي الحكام السلطويين والمطالبة بالكرامة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية. آنذاك، بدا لبرهة وكأن التغيير حطّ رحاله أخيراً في الشرق الأوسط.

مهى يحيَ
يحيَ مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركّز أبحاثها على المواطنة، التعددية والعدالة الاجتماعية في أعقاب الانتفاضات العربية.
More >

بيد أن الوضع كان بعد ذلك حتى أسوأ مما قبل الربيع العربي مع توقّف التغيير والتطور. وعلى رغم أن بعض البلدان، مثل تونس، استطاعت تعزيز الأنظمة الديمقراطية، إلا أن القادة السلطويين في شطر كبير من المنطقة نجحوا في هجومهم المضاد. ففي مصر، قاد الجيش انقلاباً في العام 2013 لإطاحة الحكومة المُنتخبة ديمقراطياً. وفي ليبيا وسورية، ردّ الزعماء الديكتاتوريين على المظاهرات السلمية بإعمال سيف العنف في الرقاب، ما أشعل حروباً أهلية وحشية سرعان ما تحولّت إلى صراعات دولية بالوكالة. وحتى في البلدان التي لم تنحدر إلى وهدة العنف، أطبق الاستبداديون على المعارضة وأنفقوا الموارد بكثافة لقمع شعوبهم وتقويض عمليات الانتقال الديمقراطي في طول الشرق الأوسط وعرضه. وفي هذه الأثناء، كان التقدّم في حقل مؤشرات التنمية البشرية الذي احتلّ الأولوية لدى الخبراء الدوليين وصانعي السياسة الأميركيين يراوح في مكانه أو ينقلب إلى عكسه.

واليوم، وبعد عشر سنوات من هذه الأحداث الجسام، يبدو الشرق الأوسط، كما أسلفنا أعلاه، أسوأ حتى مما كان عليه قبل الربيع العربي: فالقمع السياسي عنيف وثقيل الوطأة، والنمو الاقتصادي في حالة ركود ويفتقد إلى المساواة، والفساد لايزال متفشياً، وباتت المساواة الجندرية مجرد أضغاث أحلام.

مع ذلك، ثمة أمر أساسي تغيّر: فالحكومات العربية كانت تستند عادة إلى ما يسمّيه علماء السياسة "الصفقة السلطوية"، التي توفّر الدولة بموجبها الوظائف والأمن والخدمات، في مقابل حصولها من المواطنين على الولاء السياسي. هذه الصفقة استندت إلى الافتراض بأن الناس العاديين سيبقون هامدين وساكنين، لكن هذه الفرضية تتداعى الآن. فالمواطنون لم يعودوا خائفين من حكوماتهم، واليوم، وأكثر من أي وقت مضى، ينخرط المواطنون العاديون في الشرق الأوسط في الشأن السياسي وباتوا مستعدين للإفصاح عن معارضتهم وتبرّمهم. وكما دلّت التظاهرات الجماهيرية في الجزائر والسودان في وقت سابق من هذا العام، لايزال المواطنون على أهبة الاستعداد للنزول إلى الشارع للمطالبة بمستقبل أفضل حتى ولو تعرّضوا إلى مخاطر القمع والعنف. وهذا يعني أن الربيع العربي، وعلى رغم أنه لم يحقق الإصلاحات الفورية التي داعبت آمال الكثيرين، إلا أنه على المدى الطويل ربما أنجز بالفعل شيئاً مهماً: إيقاظ الطاقات السياسية للعالم العربي، وإطلاق عملية الإحياء والتجدّد العربي.

قُبيل الربيع

خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كان موقف واشنطن من مسألة التطور العربي يتّسم أساساً بالبراغماتية وتغليب المصالح الذاتية. وعلى رغم أنها حبّذت النمو الاقتصادي للشرق الأوسط، إلا أنها اعتقدت أن المنطقة تُحكم على نحو أفضل من قِبَل استبداديين موالين لها، على غرار أنور السادات في مصر ومحمد شاه بهلوي في إيران، على افتراض أن هؤلاء يُوفرون الاستقرار السياسي ويحمون المصالح الغربية.

هذا الموقف تغيّر بعد 11 أيلول/سبتمبر. فقد استنتج صناع القرار الأميركيون، استناداً إلى دراسات الخبراء الدوليين على غرار أولئك في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن التطرّف المُنطلق من الشرق الأوسط هو جزئياً حصيلة كلٍ من السِجِل الكئيب للتنمية، والحكومات القمعية، واللامساواة المترسّخة، والجمود، والاقتصاد الذي تُديره الدولة في العالم العربي. كل ذلك حرم المواطنين العرب العاديين من الفرص.

لقد صوّرت إدارة بوش دمقرطة الشرق الأوسط وفك الأغلال المُقيّدة للقدرات البشرية لمواطني هذه المنطقة على أنهما تبرران حروبها فيها. وبعد أن غزت الولايات المتحدة أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003، سوّقت احتلالها لكلا البلدين بوصفه مزاولة إضافية لعملية بناء الديمقراطية. وهكذا، أعلن بوش أجندة الحرية الأوسع للشرق الأوسط، ووضع برامج مثل مبادرة منطقة التجارة الحرة للشرق الأوسط بهدف تعزيز الأسواق الحرة وتنمية المجتمع المدني.

لم تسر أجندة الحرية كما كان مخططاً لها. فبعد أن أطاحت الولايات المتحدة الديكتاتور العراقي صدام حسين العام 2003، غرق العراق في لجج عقدٍ من الصراع الأهلي الذي زاوج بين التمرّد المناوئ للولايات المتحدة وبين الحرب الإقليمية بالوكالة. وهذا أدى إلى تدهور العديد من مؤشرات التنمية الرئيسة التي حددها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أنها مصدر مشاكل العراق. بيد أن صعوبات الشرق الأوسط تنحو منحىً أصعب من هذا الانكسار الذي استقطب الاهتمام. إذ طيلة العقد الأول من هذا القرن، بدأت الصفقة السلطوية، التي لطالما كانت حجر زاوية سلطة الحكومات العربية، تتداعى. وخلال هذه الحقبة، كانت المنطقة تتشكّل وفق ثلاثة توجهات: نمو من دون رخاء، ومعيشة من دون كرامة، وتحرير من دون حرية.

وعلى الجبهة الاقتصادية، باشر العديد من البلدان العربية، بحفز من خبراء مؤسسات كصندوق النقد الدولي، بخصخصة المؤسسات التي تملكها الدولة، وتحرير سياساتها التجارية، ووضع حد لإدارة الأسعار، في مسعى منها لحفز النمو وتقليص ضغوط الموازنة على الدولة. في مصر، على سبيل المثال، هبطت نسبة المواطنين الذين توظّفهم الدولة من 32 في المئة العام 1998 إلى 26 في المئة العام 2006.

ومع ذلك، وعلى رغم أن هذه السياسات أثمرت بعض النمو، إلا أنها لم تؤد إلى نوع من رفاهية " الأثر الانتشاري" الذي وعد به مخططوها. بدلاً من ذلك، حصدت الأطراف الداخلية التي تتمتع بصلات سياسية زبائنية كل مزايا وفوائد هذه الاصلاحات. ففي تونس، سيطرت 220 شركة تتبع عائلة الرئيس زين العابدين بن علي على ما يقارب الـ 21 في المئة من كل أرباح الصافية للقطاع الخاص في الفترة بين العام 2000 والعام 2010، وهي حقيقة لم يكشف النقاب عنها إلا حين تمّت مصادرة هذه الشركات بعد الثورة التي بدأت في أواخر 2010. كما تمكّنت الشركات المرتبطة بالدولة من التهرّب من 1.2 مليار دولار من ضرائب الاستيراد بين سنتي 2002 و2009. وساد نمط مماثل في مصر ولبنان، حين كان في مقدور الشركات التي لها ارتباطات سياسية حصد عقود مدرارة للأرباح في مشاريع الإسكان والبناء، كما حصلت على أذونات حكومية للاستثمار في قطاعات أساسية مثل النفط والغاز والمصارف.

بالنسبة إلى معظم الشرق الأوسط، لم يُسفر الاقتصاد الأكثر ليبرالية عن فضاء سياسي أكثر ليبرالية. ذلك أن الدول العربية عمدت، كجزء من اندفاعها لتحرير اقتصاداتها، إلى وضع حدٍ أيضاً لضمانات التوظيف وخفض توفير الخدمات العامة، والتعليم، والعناية الصحية. كل هذا أدى إلى تراجع مستويات المعيشة بين قطاعات واسعة في المنطقة، خصوصاً الطبقة الوسطى التي تتكوّن أساساً من الموظفين في القطاع العام والقطاع الأمني، والتي كانت تاريخياً أكبر مدافع عن الوضع القائم. وهكذا، وعشية العام 2010، كان 40.3 مليون شخص في المنطقة العربية إما عرضة إلى الانكشاف أو يعانون من فقر متعدد الأبعاد وفق معايير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و"مبادرة أوكسفورد للفقر والتنمية البشرية(OPHI) ". وفي الفترة بين العامين 2000 و2009، انحدرت مستويات المعيشة العامة عبر المنطقة، ومعها مستويات الصحة والتعليم. ففي مصر، قفزت نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر من 16.7 في المئة سنة 2000 إلى 22.0 في سنة 2008. وفي اليمن، ارتفعت معدلات الفقر من 34.8 في المئة في 2006 إلى 42.8 في المئة في 2009.

أسفر سحب ضمانات التوظيف في القطاع العام وتراجع نوعية الخدمات العامة عن عدد من التحديات المترابطة التي تواجهها التنمية. فعلى رغم أن محو الأمية والالتحاق بالمدارس ازداد عموماً، إلا أن التعليم لم يُترجم نفسه في مجال توفير الفرص. إذ في الفترة بين 1998 و2009، ازدادت أعداد الشبان العاطلين عن العمل في الشرق الأوسط بنحو 25 في المئة، وتركّزت هذه الطفرة في أوساط الأشخاص الأفضل تعليماً. وفي العام 2010، كان واحد من كل أربعة أشخاص من شبان المنطقة مُتبطّل، وهي النسبة الأعلى في العالم. علاوة على ذلك، أجبر شح فرص التوظيف ملايين الرجال والنساء على اللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي، حيث يحصل العمال إجمالاً على رواتب منخفضة، وعلى مداخيل غير ثابتة، ويفتقدون إلى معايير حماية اجتماعية أساسية على غرار الضمان الصحي والرواتب التقاعدية. وفي العام 2009، كان 40 في المئة على الأقل من العمال غير الزراعيين في الجزائر ومصر والمغرب وتونس يعملون في القطاع غير الرسمي. وفي سورية كان المعدل 20 في المئة. وهكذا، وبالنسبة إلى معظم الشرق الأوسط، لم يتمخض، كما أسلفنا، الاقتصاد الأكثر ليبرالية عن فضاء سياسي أكثر ليبرالية. ثم أن حكومتي مصر وسورية سرعان ما خنقت الاحتجاجات المتواضعة والمبادرات المدنية، فيما جرى تشجيع جمعيات خيرية إسلامية ومنظمات أخرى تستند إلى الدين، خاصة في مجالات المساعدات الطارئة والاجتماعية، وتخفيف الفقر، وبرامج التمويل الصغير. أما بالنسبة إلى القادة في هذه الدول، فلم يكن هدفهم من التحرير الاقتصادي ترقية الأسواق الحرة وإطلاق حرية العقول، بل أطلّوا عليه كوسيلة للحفاظ على تماسك وولاء النخبة للنظام. وحين وقعت موارد الدولة تحت وطأة الضغوط، أصبحت الخصخصة بمثابة استراتيجية لضخّ الأصول إلى أهل السلطة.

شكّلت هذه التطورات الخلفية التي أفضت إلى اندلاع شرارة الربيع العربي. ففي كانون الأول/ديسمبر 2010، أقدم بائع متجوّل تونسي على إضرام النار في نفسه احتجاجاً على سوء المعاملة التي لقيها من إحدى الشرطيات. وقد أدّت خطوته هذه إلى انطلاق موجة عارمة من الاحتجاجات. وفي الأشهر اللاحقة، نزل المواطنون في مختلف أنحاء المنطقة – في الجزائر والبحرين ومصر والعراق والأردن والكويت ولبنان وليبيا وموريتانيا والمغرب وسلطنة عمان والسودان وسورية وتونس واليمن والأراضي الفلسطينية – إلى الشارع للمطالبة بالعدالة والمساواة وسقوط الأنظمة السياسية القمعية في بلدانهم.

المشهد نفسه يتكرّر

الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي كانت وراء انطلاقة الربيع العربي، ازدادت تدهوراً في الأعوام الأخيرة. ففيما خلا تونس، حيث نجحت المعارضة في إنشاء نظام سياسي ديمقراطي لايزال قائماً حتى يومنا هذا، شهدت بلدانٌ عدّة في الشرق الأوسط عودة النظام السلطوي منذ العام 2011. ففي مصر، أطاح الجيش في العام 2013 بأول حكومة منتخَبة ديموقراطياً في البلاد، واستبدلها بنظام ديكتاتوري خاضع إلى سيطرة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يحكم البلاد منذ تسلّمه السلطة، بقبضة من حديد. وفي الفترة الواقعة بين عامَي 2013 و2018، تسبّبت القوى الأمنية باختفاء مايزيد عن 1500 مصري. وفي تموز/يوليو 2019، أقرّ مجلس النواب المصري قانوناً قمعياً يحدّ من نفوذ المنظمات غير الحكومية عبر تقييد نطاق عملها وحرية حركتها.

المثال الأوضح عن تجدّد السلطوية كان في سورية. إذ في العام 2011، شهدت البلاد احتجاجات حاشدة ضد النظام الديكتاتوري الذي يرأسه بشار الأسد. لكن الأسد، وبدلاً من التنحي أو تلبية المطالب الشعبية بالإصلاح، أصدر الأوامر لجنوده بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين، فاندلعت على إثرها حربٌ أهلية دموية أسفرت عن مقتل أكثر من نصف مليون شخص ونزوح الملايين. وبعدما كان نظام الأسد يتهاوى في السابق، ها هو يتخلّص من آخر فلول المعارضة ويفرض سيطرته من جديد، وبات آلاف المعتقلين السياسيين في عداد المختفين أو القابعين في سجون النظام، وتمنع الحكومة نحو 5.6 ملايين لاجئ و6.2 ملايين نازح داخلياً من العودة إلى ديارهم.

في غضون ذلك، عمد النظامان السعودي والإماراتي، في إطار مواجهة الانتقادات الداخلية لحربهما المتعثّرة في اليمن، إلى سجن المدوّنين ونشطاء حقوق الإنسان والصحافيين والمحامين على خلفية انتقادهم الحكومة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وفي مثالٍ قد يكون الأشهر عن اللاتسامح المتزايد في التعاطي مع المعارضين، أقدم عملاء سعوديون على قتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول في تشرين الأول/أكتوبر 2018. وفي لبنان، الذي غالباً مايُصوَّر بأنه منارةٌ للحرية في المنطقة، بدأت الحكومة بقمع حرية التعبير: في العام 2018، تعرّض 38 شخصاً إلى الملاحقة القضائية بسبب مداخلاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا العدد يزيد بأربعة أضعاف عما كان عليه العام 2017. وقد وجّهت معظم هذه المداخلات انتقادات إلى السياسيين أو رئيس البلاد أو الأجهزة الأمنية اللبنانية. ووفق مؤسسة "فريدوم هاوس"، تراجعت حرية الصحافة في 18 من أصل 21 بلداً شرق أوسطياً بين عامَي 2012 و2017. وهذا التراجع الإقليمي سلّط عليه الضوء مؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة الإيكونوميست، والذي يُظهر أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي الأدنى أداءً في العالم في مختلف معايير الديمقراطية، أي الحريات المدنية، والعملية الانتخابية والتعددية، وسير العمل الحكومي، والثقافة السياسية، والمشاركة السياسية.

شهدت بلدانٌ كثيرة في المنطقة عودة النظام السلطوي منذ العام 2011. فمع تدهور الحريات السياسية، تراجعت أيضاً المكاسب الإنمائية التي تحققت في العقود القليلة الماضية. وكشف تقرير عالمي عن الفقر متعدد الأبعاد صدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية في العام 2018 عن أن نحو خُمس سكان الدول العربية، أو 65 مليون شخص، يعيشون في الفقر المدقع، ويُعرِّفهم البنك الدولي بأنهم الأشخاص الذين يكسبون أقل من 1.9 دولار في اليوم. كما يُصنَّف ثلث سكان الدول العربية في خانة "الفقراء" أو "ذوي الهشاشة". والحال أن المنطقة العربية كانت الإقليم الوحيد في العالم الذي شهد زيادة في الفقر المدقع بين عامَي 2013 و2015، مع ارتفاع نسبة الفقر من نحو أربعة في المئة إلى 6.7 في المئة. وفي مصر، تشير البيانات الأخيرة إلى أن معدّل الفقر ارتفع من 28 في المئة العام 2015 إلى 33 في المئة راهناً، ولاسيما بسبب إجراءات التقشّف وتراجع قيمة الجنيه المصري في العام 2016. وكان أكثر من 15 مليون طفل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خارج المدارس في العام 2016، مايعني تراجعاً إلى مستويات 2007. وعند أخذ عدم المساواة على صعيدَي الجندر والثروات في الاعتبار، يتبيّن أن الظروف في المنطقة هي الأكثر سوءاً، إذ بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية، يُصنَّف 11 بلداً في الشرق الأوسط – الجزائر ومصر وإيران والعراق والأردن ولبنان والمغرب والسعودية وسورية وتونس واليمن – في فئة البلدان الأسوأ أداء في مؤشر التنمية الجنسانية الصادر عن الأمم المتحدة، والذي يقيس الفارق بين أداء الذكور وأداء الإناث في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية الذي هو عبارة عن قياس مركَّب لإحصاءات التنمية.

وقد سُجِّلت مستويات التراجع الأسوأ في بلدان مثل سورية واليمن اللتين شهدتا نزاعات عنيفة خلال العقد المنصرم. فسورية تراجعت 27 مرتبة في مؤشر التنمية البشرية بين عامَي 2012 و2017، فيما تراجع اليمن 20 مرتبة. ويعيش نحو 85 في المئة من السوريين و80 في المئة من اليمنيين في حالة الفقر راهناً. وفي العام 2018، كان 10.5 ملايين سوري و20 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

يقترن هذا الركود أو التراجع في مؤشرات التنمية الأساسية مع بطء في النمو الاقتصادي. وبحسب وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجموعة الإيكونوميست، يشهد النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراجعاً مطّرداً بعد حدوث هبوطٍ في أسعار النفط بين عامَي 2014 و2016. إذ بلغ معدّل النمو 3.6 في المئة في 2015-2016، لكنه تراجع إلى 1.6 في المئة في العام 2017 و1.3 في المئة في عام 2018. وقد سبّب هذا الركود في النمو ضغوطاً على مالية الحكومات.

يبلغ الدين العام في لبنان أكثر من 153 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي راهناً، وهو ثالث أعلى مستوى في العالم. وهذا التأثير يطال أيضاً البلدان الغنية بالموارد، على غرار السعودية، حيث تنوي إصدار سندات دين تفوق قيمتها 31 مليار دولار هذا العام، بهدف ملء صناديق الدولة من جديد وتمويل عجز الموازنة المتنامي. وفي وقت سابق من العام الجاري، خفّضت وكالة "موديز" التصنيف الائتماني لسلطنة عمان إلى فئة "الخردة"، وعزت ذلك إلى تدنّي أسعار النفط وتضخُّم العجوزات في البلاد.

ليس انهيار ثقة المواطنين العرب بالحكومات أمراً مفاجئاً. ولذلك، تُشدّد بعض الحكومات في المنطقة، في مواجهة التحديات الاقتصادية المتعاظمة، على الحاجة إلى ريادة الأعمال في القطاع الخاص. وبالفعل، تحوّلت الإمارات العربية المتحدة إلى وجهة للشركات الناشئة، وتتباهى راهناً بتسطيرها قصص نجاح كبرى على غرار تطبيق "كريم" لخدمات النقل، ومنصة "سوق" للتجارة الإلكترونية، والمنصة العقارية Property Finder. وتُعَدّ مصر أيضاً مركزاً إقليمياً متنامياً. فوفقاً لتقرير صادر عن منصة MAGNiTT الإلكترونية للشركات الناشئة في الشرق الأوسط، كانت مصر البلد الأسرع نمواً في المنطقة في العام 2018 "لناحية عدد الصفقات". وقد أعلنت الحكومات بدءاً من البحرين مروراً بلبنان ووصولاً إلى السعودية، عن مبادرات، على غرار "رؤية المملكة 2030"، لتشجيع الاستثمار في القطاع الخاص.

لكن هذا التوسع المتواضع الذي شهده القطاع الخاص لم يكن كافياً لتوفير فرص عمل جيدة للمواطنين. فمعدّلات البطالة لاتزال مرتفعة في العالم العربي، وبلغ متوسّطها 7.3 في المئة في العام 2018، و10.8 في المئة إذا ما استثنينا الدول الغنية بالنفط، أي البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة. في غضون ذلك، لايزال الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول العربية ضعيفاً، إذ لم يبلغ سوى 2.4 في المئة من المجموع العالمي في العام 2018، بحسب صندوق النقد الدولي.

لذا، من غير المستغرب أن يفقد المواطنون العرب باطّراد ثقتهم بحكوماتهم. ووفقاً لاستطلاعات أجرتها شبكة البارومتر العربي شملت أشخاصاً يمثّلون ست دول عربية (الجزائر ومصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس) والأراضي الفلسطينية، يبدو أن ثقة الشعوب بحكوماتهم تضاءلت خلال العقد الأخير. ففي العام 2016، أفاد أكثر من 60 في المئة من المُستطلعة آراؤهم أنهم يثقون "إلى حدٍّ ما" بحكوماتهم أو "لا يثقون أبداً" بها، مقارنةً مع 49 في المئة في العام 2011. ووفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة زغبي في كانون الأول/ديسمبر 2018، قال معظم الأشخاص المُستطلعة آراؤهم في مصر والعراق وتونس إنهم أسوأ حالاً مما كانوا عليه قبل خمسة أعوام. وفي وقت سابق هذا العام، أظهر استطلاع أجرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، شمل عشر دول عربية، أن أكثر من نصف الأشخاص المُستطلعة آراؤهم الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يرغبون في الهجرة. والآلاف غيرهم تم تجنيدهم لخوض حروب المنطقة.

السلطة للشعب

أظهرت مؤشرات عديدة تُعنى بقضايا التنمية أن الشرق الأوسط أصبح أسوأ حالاً مما كان عليه قبل عشر سنوات على أكثر من صعيد. لكن لا بدّ من الإشارة إلى اختلاف جوهري يتمثّل في أن تظاهرات الربيع العربي نجحت في بناء ثقافة حراك سياسي ومعارضة لاتزال قائمة حتى اليوم في صفوف المواطنين العرب، ولا سيما الشباب منهم، على الرغم من أنها لم تحقّق الإصلاحات المأمولة. فالحكومات اليوم لم تعد تسلّم باستكانة مواطنيها.

شهد العام 2018 اندلاع تظاهرات واحتجاجات في كلٍّ من العراق والأردن ولبنان والمغرب والسودان وتونس. وقد أرغم المتظاهرون في الجزائر والسودان حاكميهما عبد العزيز بوتفليقة وعمر البشير على التنحّي. وقد حرص المحتجّون في البلدين على الحفاظ على سلمية الاحتجاجات، حتى عندما واجهوا ردوداً حكومية عنيفة، وطالبوا بإجراء إصلاحات ديمقراطية نزيهة، بدلاً من إرساء شكل جديد من الحكم العسكري. ويبدو أن المتظاهرين في البلدين استقوا الدروس والعبر من عمليات الانتقال الديمقراطي التي مُنيت بالفشل في مصر وسورية.

في السودان، واصل المتظاهرون الدعوة إلى انتقال سياسي سلمي وتشكيل حكومة مسؤولة، حتى بعد المجزرة التي وقعت في حزيران/يونيو وأسفرت عن مقتل 100 شخص على الأقل وإصابة العشرات. وفي 17 آب/أغسطس، توصّل الجيش السوداني والمعارضة إلى اتفاق ينصّ على البدء بمرحلة انتقالية مدّتها ثلاث سنوات، يتناوب خلالها المدنيون والعسكريون على السلطة.

في الجزائر، وعلى الرغم من استقالة بوتفليقة العليل في نيسان/أبريل، واصل المواطنون في المطالبة بإطاحة شخصيات رئيسة من طاقم الحكم القديم. كما استقال بعض الأفراد المقربّين من بوتفليقة من مناصبهم أو أُلقي القبض عليهم، وتمّ تحديد موعد لإجراء الانتخابات في كانون الأول/ديسمبر. بيد أن عدداً كبيراً من المتظاهرين يشكّكون في الانتخابات، التي يرون فيها محاولة من الجيش لإيصال رئيس مطواع إلى سدّة الحكم. مع ذلك، فقد أوضحوا أساساً أنهم غير مستعدين للإذعان والقبول بنسخة معدّلة من النظام القديم.

تظهر ثقافة التظاهر الجديدة هذه أيضاً في سورية، التي شهدت موجة من التظاهرات المدنية في معاقل المتمردين السابقة الخاضعة الآن إلى سيطرة نظام الأسد. فعلى سبيل المثال، وفي وقت سابق من العام الجاري، تظاهر مئات السوريين في مدينة درعا الجنوبية - مهد التظاهرات المناهضة للأسد في العام 2011 – للاعتراض على وضع تمثال لوالد الأسد، الديكتاتور حافظ الأسد الذي دام حكمه وقتاً طويلاً. ربما يكون النظام قد انتصر في الحرب الأهلية، لكن هذه التظاهرات تشير إلى أنه سيواجه صعوبات عدّة لاستعادة سلطاته.

في الواقع، يشهد الشرق الأوسط حالياً عاصفة كاملة: ففي ظل تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية، ومضاعفة الأنظمة للسياسات القمعية التي أطلقت أساساً شرارة الربيع العربي، يظهر على الساحة جيل جديد اعتاد شبابه العرب التعبير عن استيائهم وعدم رضاهم. فهؤلاء شهدوا كلاً من الوعود وحالات الفشل في ثورات 2010-2011، ويقاومون محاولات التلاعب التي يقوم بها قادتهم. علاوةً على ذلك، لم يعد هؤلاء القادة يمتلكون الوسائل لرشوة المواطنين. وما يبدو اليوم كأنه تقهقر إقليمي منذ العام 2011، قد يوصف في المستقبل على أنه المرحلة الأولى من عملية إحياء أطول أمداً للشعوب العربية. قد تكون الطريق إلى هذا التجدُّد وعرة ومليئة بالمشقات والآلام. لكن إذا كانت الشعوب العربية تدرك شيئاً واحداً، فهو أن الوضع القائم لا يمكن أن يدوم.

تم نشر هذا المقال في فورين أفاريز.