نزل آلاف الشباب في الشرق الأوسط إلى الشوارع هذا الشهر، احتجاجاً على الحوكمة السيئة والفساد والظلم الاجتماعي. لكن ذلك لم يحدث من خلال رفع أصواتهم وحسب، بل لجأ البعض أيضاً إلى استخدام أداة أكثر هدوءاً، لكن تعادل الهتاف تأثيراً، للمطالبة بالتغيير وزرع الأمل، ألا وهي الكتابة على الجدران أو الغرافيتي.

من الصعب أن تسير في وسط مدينتيْ الجزائر وبيروت من دون أن تلاحظ الكلمات والصور الجريئة المتناثرة على الجدران. البعض يستعيد ذكريات الماضي لإظهار تاريخ طويل من المعاناة، في حين يلجأ آخرون إلى استخدام الاستعارات والشتائم لتوحيد الشعب في وجه "الظالمين".

في الجزائر، حيث بقيت الساحات العامة محظورة بشكل كبير طيلة عقود، يسعى فنانو الغرافيتي إلى إثارة المشاعر الوطنية. وتعيدنا الكثير من هذه الصور والرسائل بالذاكرة إلى حرب الجزائر للاستقلال عن الحكم الاستعماري الفرنسي، حيث لايزال الناشطون اليوم يستخدمون رموزاً مستمدّة من شعارات الحرب وأبطالها وشهدائها.

أما في لبنان، فيبدو أن الفنانين يستخدمون الغرافيتي كشكل من أشكال التعبير الانفعالي ولتأجيج نيران الثورة. وتحوي الصور على مصطلحات سياسية واقتباسات وأحياناً إهانات. كما تتضمن العديد من الرسائل شتائم وتعابير فظّة، في محاولة لتجريد الأطراف المستهدفة (مثل الوزراء) من شرعيتهم ومصداقيتهم الأخلاقية. ولد هذا الفن على حين غرّة في لحظة غضب واشمئزاز من النظام.

مع ذلك، تقوّض الغرافيتي، في الدولتين، سيطرة الدولة وتستعيد الساحات العامة. في هذا الإطار، يصعب تحديد التأثيرات التعبوية أو التعليمية للغرافيتي، لكن ربما شكّلت مصدر إلهام. ففنانو الشوارع ليسوا وحدهم من يستخدم الكلمات المكتوبة والصور للضغط من أجل التغيير الجذري. في بيروت مثلاً، قام مئات من المتظاهرين مؤخراً بربط قصاصات ورق على الأسلاك الشائكة لإيصال سلسلة من الرسائل التي تطالب، من بين جملة أمور أخرى، بتشكيل حكومة تكنوقراط إلى حين إجراء الانتخابات.

في الختام، وبغض النظر عن محاولات إخماد التظاهرات، يعمل الشباب على تجاوز المؤسسات والأحزاب السياسية والإيديولوجيات لشقّ طريق نحو تطبيق الإصلاحات الضرورية.

دالية غانم باحثة مقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، كما أنها مديرة مشاركة في الشؤون المتعلّقة بالجندر في برنامج العلاقات المدنية-العسكرية في الدول العربية، حيث تتمحْور أبحاثها حول العنف والتطرّف السياسيين، والتعصّب، والإسلاموية، والجهادية، مع تركيز خاص على الجزائر.

لؤلؤة الرشيد خبيرة في الشؤون العراقية وباحثة غير مقيمة سابقة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.

صبري بن علي شريف مصوّر وثائقي مستقل ومساهم في استوديو هانس لوكس.