نزل آلاف الشباب في الشرق الأوسط إلى الشوارع هذا الشهر، احتجاجاً على الحوكمة السيئة والفساد والظلم الاجتماعي. لكن ذلك لم يحدث من خلال رفع أصواتهم وحسب، بل لجأ البعض أيضاً إلى استخدام أداة أكثر هدوءاً، لكن تعادل الهتاف تأثيراً، للمطالبة بالتغيير وزرع الأمل، ألا وهي الكتابة على الجدران أو الغرافيتي.
من الصعب أن تسير في وسط مدينتيْ الجزائر وبيروت من دون أن تلاحظ الكلمات والصور الجريئة المتناثرة على الجدران. البعض يستعيد ذكريات الماضي لإظهار تاريخ طويل من المعاناة، في حين يلجأ آخرون إلى استخدام الاستعارات والشتائم لتوحيد الشعب في وجه "الظالمين".
في الجزائر، حيث بقيت الساحات العامة محظورة بشكل كبير طيلة عقود، يسعى فنانو الغرافيتي إلى إثارة المشاعر الوطنية. وتعيدنا الكثير من هذه الصور والرسائل بالذاكرة إلى حرب الجزائر للاستقلال عن الحكم الاستعماري الفرنسي، حيث لايزال الناشطون اليوم يستخدمون رموزاً مستمدّة من شعارات الحرب وأبطالها وشهدائها.

الأمير عبد القادر، الملقّب بقائد المؤمنين، كان قائداً دينياً وعسكرياً، وهو من قاد الصراع الأول في وجه الاستعمار الفرنسي في منتصف القرن التاسع عشر. تصوير: صبري بن علي شريف

العربي بن مهيدي، أحد أبطال حرب الاستقلال في الجزائر، وعضو مؤسس لجبهة التحرير الوطني. يُعتقد أنه العقل المدبّر وراء معركة الجزائر في القصبة ضد الفرنسيين. ويعتقد كثيرون أنه توفي بعد تعرضه للتعذيب على يد القادة العسكريين الفرنسيين في العام 1957. تصوير: صبري بن علي شريف

شعار من حرب الاستقلال في الجزائر "بطل واحد.. الشعب"، يبقى من دون تغيير بعد مرور ستة عقود، ولايزال يشكّل أحد شعارات الثورة. تصوير: صبري بن علي شريف

"الحايك"، وهو لباس المرأة الجزائرية التقليدي، لايزال رمزاً من رموز المقاومة. خلال الحكم الاستعماري، ارتدته العديد من الجزائريات على الرغم من سياسة سفور الجسم والوجه التي فرضتها فرنسا تحت عنوان تحرير المرأة. كانت المجاهدات (مناضلات حرب التحرير) تخفين السلاح تحته. تصوير: صبري بن علي شريف

اقتباس من كلام للرئيس الجزائري السابق محمد بوضياف: "Ce régime a peur de la clarté, comme les oiseaux de nuit qui ne peuvent voler que dans l'obscurité. Il n’y aura d’état que lorsque le peuple prendra conscience, et que cet état emanera de lui…" (هذا النظام يخاف من الوضوح، مثل طيور الليل التي لا يمكنها الطيران سوى في الظلام. لن تكون هناك دولة إلا عندما يصبح الشعب واعياً، وستنشأ تلك الدولة منهم). ويعتقد الكثير من الجزائريين أن الجيش وراء اغتيال بوضياف في العام 1992. تصوير: صبري بن علي شريف

كلمة "الشعب" تشير إلى كيان سياسي بارز وروح جماعية في أوساط الجزائريين. تصوير: صبري بن علي شريف
أما في لبنان، فيبدو أن الفنانين يستخدمون الغرافيتي كشكل من أشكال التعبير الانفعالي ولتأجيج نيران الثورة. وتحوي الصور على مصطلحات سياسية واقتباسات وأحياناً إهانات. كما تتضمن العديد من الرسائل شتائم وتعابير فظّة، في محاولة لتجريد الأطراف المستهدفة (مثل الوزراء) من شرعيتهم ومصداقيتهم الأخلاقية. ولد هذا الفن على حين غرّة في لحظة غضب واشمئزاز من النظام.
فنان شاب يكتب كلمة "الثورة" على مبنى البيضة في وسط بيروت. يعود تاريخ هذا الهيكل الضخم المتداعي إلى العام 1965، ويُعتبر ندبة من ندوب الحرب الأهلية (1975 - 1990). تصوير: دالية غانم
"شوارع الثورة: من بيروت إلى اليمن- فلسطين - العراق - الأمازون - إكوادور - برازيل - ليبيا". يرسم المتظاهرون اللبنانيون من سردية ثورية عالمية وعربية. تصوير: لؤلؤة الرشيد
في لبنان، يُستمد بعض الغرافيتي من شخصيات خيالية مثل الجوكر، وهو غريب أطوار يسعى إلى إحداث اضطراب في المنظومة الاجتماعية. تصوير: دالية غانم
"#أنا_مندس. كلاب الزعيم". صنّفت الطبقة السياسية في لبنان المتظاهرين على أنهم مندسون يخدمون مصالح أجنبية. فردّ المتظاهرون بالقول إن المندسين الحقيقيين هم بلطجية القادة السياسيين والطائفيين. تصوير: لؤلؤة الرشيد
"يا ثوار الأرض. جوليا بطرس زوجة وزير الدفاع الياس بو صعب". يأسف هذا المتظاهر من أن المغنية اللبنانية الشهيرة جوليا خانت أغنيتها "يا ثوار الأرض" بسبب زواجها بسياسي لم يُقدم يوماً على تبنّي أي قضية ثورية علناً، وبقائها صامتة وسط ما يحصل من تظاهرات حاشدة حالياً. تصوير: لؤلؤة الرشيد
مع ذلك، تقوّض الغرافيتي، في الدولتين، سيطرة الدولة وتستعيد الساحات العامة. في هذا الإطار، يصعب تحديد التأثيرات التعبوية أو التعليمية للغرافيتي، لكن ربما شكّلت مصدر إلهام. ففنانو الشوارع ليسوا وحدهم من يستخدم الكلمات المكتوبة والصور للضغط من أجل التغيير الجذري. في بيروت مثلاً، قام مئات من المتظاهرين مؤخراً بربط قصاصات ورق على الأسلاك الشائكة لإيصال سلسلة من الرسائل التي تطالب، من بين جملة أمور أخرى، بتشكيل حكومة تكنوقراط إلى حين إجراء الانتخابات.
في الختام، وبغض النظر عن محاولات إخماد التظاهرات، يعمل الشباب على تجاوز المؤسسات والأحزاب السياسية والإيديولوجيات لشقّ طريق نحو تطبيق الإصلاحات الضرورية.
دالية غانم باحثة مقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، كما أنها مديرة مشاركة في الشؤون المتعلّقة بالجندر في برنامج العلاقات المدنية-العسكرية في الدول العربية، حيث تتمحْور أبحاثها حول العنف والتطرّف السياسيين، والتعصّب، والإسلاموية، والجهادية، مع تركيز خاص على الجزائر.
لؤلؤة الرشيد خبيرة في الشؤون العراقية وباحثة غير مقيمة سابقة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.
صبري بن علي شريف مصوّر وثائقي مستقل ومساهم في استوديو هانس لوكس.
تعليقات القراء
سياسة التعليقات
التعليقات التي تتضمن لغة غير لائقة، وحملات شخصية، أو أي مواد أخرى غير لائقة، ستحذف. فضلاً عن ذلك، المدرجات غير الموقعة أو التي تحتوي على "توقيعات" من شخص آخر غير المؤلف الحقيقي، ستحدف. وأخيرا، ستتخذ خطوات لحجب المُستخدمين الذين يخرقون أي معيار من معايير النشر وشروط الاستخدام، وسياسات الخصوصية أو أي سياسات أخرى تحكم هذا الموقع. أنت مسؤول كلياً عن مضمون تعليقك.