تتعدد نقاط الانتفاضات الشعبية في عالم اليوم، ويتداخل بها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. من شيلي وفنزويلا وبوليفيا في أقاصي الغرب إلى هونغ كونغ في أقاصي الشرق، مرورا بالشرق الأوسط المشتعل في العراق ولبنان والآن في إيران وشمال إفريقيا وبه تتواصل احتجاجات الجزائريين للأسبوع التاسع والثلاثين على التوالي وبعض البلدان الأوروبية كالجمهورية التشيكية وفرنسا وبهما تجددت تظاهرات المواطنين. فهل نحن إزاء موجة جديدة من الحراك العالمي تتشابه مع ثورات الطلاب في ستينيات القرن العشرين ومع الانتفاضات الديمقراطية الأوروبية التي اجتاحت في الثمانينيات والتسعينيات الكتلة الاشتراكية السابقة وكانت لها امتداداتها خارج أوروبا؟

في ستينيات القرن الماضي، خرج «التلامذة» إلى الشارع للمطالبة بتغييرات مجتمعية شاملة. كان الطلاب في بلدان الغرب الأمريكي والأوروبي قد سئموا نفاق حكوماتهم «الحرة» التي لم تكف عن ممارسة العنف خارج أراضيها، كما جسد ذلك العدوان الأمريكي على فيتنام والهند الصينية ومن قبله التدخلات العسكرية المتكررة للإمبراطوريات الاستعمارية الآفلة (بريطانيا وفرنسا) في المستعمرات السابقة (العدوان الثلاثي على مصر 1956 مثالا والحرب الفرنسية طويلة الأمد على حركة التحرر الوطني في الجزائر والتورط العسكري البريطاني في مناطق مختلفة تحت يافطة دعم الولايات المتحدة الأمريكية في احتواء الشيوعية). كان الطلاب قد ضاقوا ذرعا من عنف حكوماتهم في الداخل، كما في الولايات المتحدة التي وجهت بها حركة «الحقوق المدنية» بعنف ممنهج مارسته مؤسسات رسمية وغير رسمية وأيضا في بعض البلدان الأوروبية التي أحجمت قواها السياسية «الديمقراطية» عن التعامل مع إرث الفاشية والعنصرية والعداء للسامية وتعقب المهمشين (الغجر نموذجا) الذي سبق التأسيس الجديد لأوروبا الغربية في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945).

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

وتواكب رفض الحركات الطلابية لعنف وحروب حكومات الغرب في الخارج والداخل مع تمرد الشباب على الثقافة المحافظة المهيمنة آنذاك التي حالت واقعا دون مساواة النساء بالرجال واضطهدت المثليين جنسيا وانتقصت دوما من حقوق الفقراء والأجانب. في 1968، خرجت الحركات الطلابية إلى الشارع محتجة على الأوضاع القائمة، في فرنسا وألمانيا الغربية السابقة وبريطانيا وفي الولايات المتحدة. ثم تلتهم بلدان أخرى خارج الغرب، كما في تشيكوسلوفاكيا السابقة التي قاد بها الطلاب «ربيع براغ» الباحث عن الحرية التي وأدتها الحكومة الشيوعية وفي مصر التي شهدت مظاهرات طلابية متتالية رفعت شعارات ديمقراطية في وجه ديكتاتورية الحكم الناصري.

لم تقتصر، إذا، ثورات الطلاب في ستينيات القرن الماضي على الغرب الأمريكي والأوروبي. بل امتدت عالميا، ولم يمنع تنوع السياقات السياسية والمجتمعية من توافق «التلامذة» على رفض عنف وحروب الحكومات والبحث عن انتزاع المساواة والحرية من نخب حكم ومؤسسات رسمية وغير رسمية كان الاضطهاد وانتهاك الحقوق والتعقب والتمييز نهجها. مثلت ثورات الطلاب حراكا عالميا حقيقيا تفاوتت نتائجه، بين نجاح الأمريكيين في تسريع إنهاء حرب حكومتهم على فيتنام وانفتاح الأوروبيين على حريات شخصية ومجتمعية غير مسبوقة منذ السبعينيات وبين القمع العسكري السوفييتي لربيع براغ في 1968 وتحايل الناصرية على المطالب الديمقراطية بخليط من العنف الأمني ضد الطلاب المحتجين والإصلاحات الشكلية. تفاوتت النتائج، غير أن عالمية ثورات الطلاب والتقاء مطالبها على التطلع إلى المساواة والحرية والإنسانية وشجاعة «التلامذة» في فضح نفاق الحكومات ظلت جميعا ماثلة في الأذهان واختزنها الوعي الجمعي للشعوب.

واستنسخت الانتفاضات الديمقراطية في شرق ووسط أوروبا في خواتيم الثمانينيات وبدايات التسعينيات مشهد الحراك العالمي لثورات الطلاب. انهار جدار برلين في 1989، وانهارت الحكومات الشيوعية الواحدة تلو الأخرى على وقع احتجاجات المواطنين السلمية. لم يكن للمواطنين الذين تحدوا جمهوريات الخوف والتلصص بين بوخارست وبرلين الشرقية من هدف غير استعادة حريتهم المنتهكة والانتصار لحقهم في الاختيار الحر لحكامهم. وجرف حراك الأوروبيين في شرق ووسط قارتهم معه حكومات غير ديمقراطية احتلت مواقع العنف والقمع في مجتمعات أخرى على نحو تبلورت معه موجة عالمية للتحول الديمقراطي والتأسيس لاحترام حقوق الإنسان من خلال حكم القانون وللتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الدورية امتدت من الفلبين وماليزيا وإندونيسيا في الشرق إلى عديد الجمهوريات في أمريكا اللاتينية مرورا ببعض الدول الإفريقية. تفاوتت أيضا نتائج الانتفاضات الديمقراطية، من نجاحات سريعة هنا إلى إخفاقات وتراجعات هناك. غير أن الطابع العالمي للحراك الديمقراطي وتماثل مطالب المحتجين على امتداد رقعة جغرافية واسعة وانتشار «عدوى الأمل» في حكومات تحترم الحقوق والحريات لم تكن لتقبل الإنكار.

واليوم، وبعد انتفاضات 2011 الباحثة عن المساواة والكرامة والحرية في الشرق الأوسط، تعود بلداننا العربية لتنخرط في موجة عالمية جديدة من الحراك الذي ترتبه المظالم الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة للسياسات النيوليبرابية (شيلي ولبنان وفرنسا وجمهورية التشيك) وللحكومات الفاسدة (فنزويلا والعراق ولبنان) وتسببه أيضا ممارسات العنف والقمع والاضطهاد التي تتورط بها مؤسسات رسمية وغير رسمية لا تريد الاعتراف بحق المواطنين في التعبير الحر عن الرأي وفي الاختيار الحر للحكام (من المتسلط الصيني في هونغ كونغ إلى بوليفيا وفنزويلا مرورا بكافة الحالات العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ستتفاوت مسارات ونتائج حراك «المساواة والكرامة» العالمي الراهن، غير أن رقعته الجغرافية مرشحة للاتساع مثلما سيطول سياقه الزمني شأنه في ذلك شأن ثورات الطلاب والانتفاضات الديمقراطية في القرن العشرين.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.