تصاعدت حدّة التوترات في محافظة المهرة عند الحدود اليمنية منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2017، بين القوات العسكرية السعودية والسلطات المحلية التي تدعمها هذه القوات، من جهة، وبين القبائل الحدودية المدعومة من سلطنة عمان والمناهضة للانتشار العسكري السعودي، من جهة أخرى.

نشر السعوديون قواتهم في محافظة المهرة لأسباب عدة. فهم يعتبرون أنها تُستخدَم ممراً للأسلحة التي ترسلها إيران، إلى القوات الحوثية في اليمن. لكن لهم مصالح أخرى كما للعمانيين كذلك. فالسعودية تريد على مايبدو بناء خط أنابيب يمتد من المملكة إلى بحر العرب، بغية تصدير نفطها من دون الاضطرار إلى المرور عبر مضيق هرمز الذي يتعرّض إلى الهجمات الإيرانية.

أحمد ناجي
أحمد ناجي باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركز أبحاثه على الشؤون اليمنية.
More >

وقد أسفرت التوترات عن اندلاع صدامات في بعض المناطق في المحافظة. ولكن اللافت أنه على الرغم من تزايد العسكرة بين الطرفَين، بقي العنف قيد الاحتواء نسبياً حتى الآن، مع سقوط أربعة قتلى فقط في أماكن متفرقة منذ بداية الأحداث. بيد أن الوضع قد يتجه نحو التصعيد في أي لحظة.

تسيطر السعودية حاليًا على المهرة من خلال الاستعانة بقواتها العسكرية وبعض زعماء القبائل الموالية لها، بالإضافة إلى السلطات المحلية ومنها المحافِظ الذي عُيِّن بطلب من السعوديين. وتستخدم القبائل المناهضة للسعوديين، بدورها، علاقاتها القبلية من أجل تعبئة أبناء المهرة ضد القوات التي تقودها السعودية، وذلك من خلال تنظيم احتجاجات ومسيرات، فيما تستفيد أيضاً من الدعم الذي تقدّمه لها سلطنة عمان. وهكذا، تحوّلت محافظة المهرة إلى بؤرة للصراع بالوكالة.

نظراً لضعف الحكومة المركزيّة في اليمن، لاتزال القبائل في محافظة المهرة، سواءً كانت موالية للسعودية أو مناهضة لها، عاملاً مهماً يحدد نمط الحياة العامة، ويملك ديناميكيات أساسية للتحكّم بطابع الصراع البيني. يتوزّع سكان المهرة عند الحدود اليمنية والعمانية والسعودية (وأبعد منها أيضاً)، وتسعى السعودية باتباع سلوك عُمان من خلال الاستفادة من الروابط القبليّة لأبناء المهرة المقيمين في أراضيهما إلى توسيع نفوذهما في المحافظة اليمنية.

وظّفت الدولتان المتجاورتان جهودهما في المهرة في إطار هذا التنافس على النفوذ، وانعكس هذا التنافس كاهتمام برز في تبدُّل أحوال المحافظة بعدما كانت تعاني من التهميش، وإلى تنفيذ عشرات المشاريع الإنمائية لتحسين صورتهما في المحافظة. فضلاً عن ذلك، تعمد السعودية إلى تجنيد مزيد من الأشخاص من القبائل المحلية، ويحصل عدد كبير من أبناء القبائل راهناً على رواتب وأتعاب من الدولتَين المتجاورتين. كما فُتِحت أيضاً أسواق عدة في المهرة، ولاسيما على مقربة من المنطقة الحدودية، نظراً إلى أن المحافظة تقع بجوار المجتمع الحدودي في منطقة تنعم نسبياً بالسلام في اليمن. وقد دفع ذلك بعدد كبير من اليمنيين من محافظات عدة إلى الانتقال إلى المهرة بحثاً عن معيشة أفضل.

رغم التدخل الإقليمي الكبير فيها، مازال مستقبل المهرة مرهونًا بالحوكمة الاجتماعية لقبائل المهرة، التي تدير صراعاتها بصورة أقل عنفًا. إذ تتشابه جميع القبائل في المهرة على الرغم من اختلاف توجهاتها الإقليمية، في عاداتها القبلية ونُظمها الاجتماعية، الأمر الذي سيساعد على تخطّي الانقسامات – وهذا العامل كان مفيداً لقبائل المهرة في السابق عندما طالتهم تداعيات الصراعات في المناطق المحيطة. هذا ما يشكّل بصيص أمل نادر في محافظة أُسقِط عليها فجأةً دورٌ صعب في إطار الصراعات بالوكالة التي تشهدها حرب اليمن.

في إطار مشروع X-Border، أجرى الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط أحمد ناجي أعمالاً ميدانية لدراسة الديناميكيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأمنية على طول الحدود اليمنية-العُمانية. كما زار العديد من المحافظات، بما فيها مأرب والمهرة وجزيرة سقطرى. نشر أولى مقالاته، من سلسلة مقالات مصوّرة، حول رحلته الأخيرة إلى اليمن – عن مدينة ومحافظة مأرب.1

1 أحمد ناجي، "مأرب: مدينة خلف خطوط الحرب"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، بيروت، تموز/يوليو 2019. يمكن الاطلاع على المقال عبر زيارة موقع: http://www.carnegie-mec.org/

نشر هذا المقال أساساً في بيرفيريل فيجون (Peripheral Vision).

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.