في شباط/فبراير 2019، بدأ ملايين الجزائريين بالنزول إلى الشارع احتجاجاً على القرار الذي اتخذه الرئيس المريض عبد العزيز بوتفليقة، 82 عاماً، بالترشح لعهدة خامسة بعد عقدَين من وجوده في سدّة الحكم. وقد وافق بوتفليقة على التنحّي، لكن المواطنين من مختلف أنحاء البلاد يستمرون في التظاهر سلمياً للمطالبة بإصلاح المنظومة السياسية.1

وفي حين أن أسباباً كثيرة شكّلت مبرراً للاحتجاجات ضد بوتفليقة والنظام، إلا أن استمرار الوضع القائم كان العامل الأكثر تأثيراً في أبناء المناطق الواقعة عند الحدود الجغرافية للبلاد. فأوجه التفاوت بين المناطق كبيرة، ويعاني أبناء الداخل والمناطق الحدودية بسبب ذلك.

تُراقب المجتمعات المحلية التي تعيش في المناطق المهمّشة، ولاسيما على مقربة من الحدود مع تونس، الوضع عن كثب. في العقد الأخير، حققت السلطات الجزائرية تقدّماً كبيراً في دفع التنمية الاجتماعية والبشرية نحو الأمام. لكن على الرغم من إقرار اعتماد السياسة الوطنية للتخطيط المكاني والتنمية المستدامة (2000-2015)، لاتزال اختلالات التوازن الإنمائي على مستوى المناطق تطرح تحدّياً كبيراً.

تقع أكثرية الولايات الجزائرية، وتحديداً 36 من أصل 48، في الشمال، بين الساحل والهضبة العالية. ويعيش مايزيد عن 70 في المئة من السكان في الشمال، في حين أن الولايات الاثنتَي عشرة المتبقية في الجنوب، والتي تؤلّف مجتمعةً 89 في المئة من مساحة البلاد، تضم أقل من 13 في المئة من السكان.

السبب الرئيس خلف هذا التفاوت في التوزيع الجغرافي للسكان هو تركُّز الأنشطة الاقتصادية في المناطق المدينية. ففي العام 2015، كانت نحو 719000 شركة على الأقل، من أصل 1.6 مليون شركة في الجزائر، تتخذ من المدن الساحلية مقراً لها.[2] بعبارة أخرى، يتجمّع 46 في المئة من الشركات في منطقة لاتتجاوز مساحتها نسبة أربعة في المئة من مجمل مساحة البلاد.

في بعض المناطق الحدودية، ونظراً إلى غياب الفرص الاقتصادية، وارتفاع البطالة، لايبقى أمام المجتمعات المحلية بديلٌ سوى العمل في التهريب عبر الحدود. مثالٌ على ذلك بلدتا مداوروش والونزة شرق البلاد. فعلى الرغم من وجود آثار رومانية رائعة في مداوروش يمكن أن تكون حجر الزاوية في تطوير سياحة محلية، وعلى الرغم من وجود منجم لخام الحديد في الونزة يُزوّد مصنع الفولاذ الكبير ArcelorMittal في عنابة بالمواد الأولية، لا يستفيد أبناء البلدتين من الإمكانات الاقتصادية التي يؤمّنها الموقعان.

ولهذا يعمل عددٌ كبير من الأشخاص في مجال التهريب مع تونس، معظمهم من الشباب الذين يبحثون عن وسيلة لسدّ الرمق، علماً بأن موظفين، ومنهم موظفون في الخدمة المدنية، يعملون أيضاً في التهريب لكسب مدخول إضافي يُضاف إلى رواتبهم المتدنّية. ومن المناطق الحدودية الأخرى التي يُعرف عنها انخراطها في التهريب تبسة وبئر العاتر والصفصاف وأم علي.

قد تكون المناطق الحدودية بعيدة عن مركز النشاط السياسي أو الاقتصادي في الجزائر، لكن هواجس سكّانها تقع في صلب الأهداف التي تدفع بالجزائريين إلى التظاهر. ربما قدّم بوتفليقه، من خلال تنحّيه، نصراً مؤقتاً لمنتقديه، إنما لايزال يتعيّن قطع أشواط كبيرة لتحقيق تنمية أكبر في المناطق الجزائرية المهمّشة.

في إطار مشروع X-Border، أجرت الباحثة المقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط دالية غانم عملاً ميدانياً على طول الحدود الجزائرية- التونسية، وقطعت مسافة تناهز 600 كيلومتر من الجزائر العاصمة إلى مدينتي الونزة ومداوروش شرقاً، وأجرت مقابلات إثنوغرافية مع السكان المحليين والمسؤولين إضافةً إلى المهرّبين، حيث شاهدت عن كثب التباينات الجغرافية المتزايدة التي تؤثّر على هذه المناطق الحدودية.

1 انظر: Dalia Ghanem, ‘A Protest Made in Algeria’, Carnegie Middle East Center: Beirut, April 2019; and Dalia Ghanem, ‘”Bouteflika out”: Why Algerians are demanding change’, Carnegie Middle East Center: Beirut, March 2019. يمكن الاطلاع على المقال عبر زيارة موقع: http://www.carnegie-mec.org/

نشر هذا المقال أساساً في بيرفيريل فيجون (Peripheral Vision).

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.