المحتويات

ستصبح نسخة الpdf من هذا التقرير، إضافةً إلى الحواشي الكاملة، متوافرة على الموقع الإلكتروني في وقت قريب.

تشكل الهيئات العسكرية فاعلًا اقتصاديًّا مهمًّا في مصر، فهي تسلّم مشاريع ضخمة متعلقة بالبنية التحتية، وتنتج سلعًا استهلاكية تراوح بين الغذاء والأجهزة المنزلية، وتصنّع المواد الكيميائية الصناعية وأدوات النقل، وتستورد آلات وسلعًا أساسية للأسواق المدنية. كما توسعت هذه الهيئات إلى قطاعات جديدة متنوعة للغاية مثل إنتاج الصلب، وصناعة الأدوية، والتنقيب عن الذهب، وإدارة الحج والأوقاف الدينية. وبموازاة ذلك، استفاد الآلاف من كبار الضباط المتقاعدين من التأثير السياسي النافذ للقوات المسلحة لشغل مناصب عليا في الجهاز المدني للدولة وشركات القطاع العام، الأمر الذي عاد عليهم بالمنافع في مقابل تكملة الاقتصاد العسكري في الوقت ذاته. وقد ازداد الجزءان من الاقتصاد العسكري توغُّلًا منذ تولي القوات المسلحة المصرية السلطة في تموز/يوليو 2013، ما أدى إلى زعزعة ديناميكية السوق، ومضاهاة القطاع الخاص في القطاعات الإنتاجية المهمة، وتغيير مسار مصر نحو النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والانتقال السياسي.

تدّعي المؤسسة العسكرية القيام بدور رأس حربة تنموية وتوليد الدخل للدولة والوظائف، لكن دورها يأتي بتكلفة عالية. فعلى الرغم من التفاخر بالمهارات الإدارية الفائقة والتقدم التكنولوجي، فقد كرّرت نموذج الأعمال عند جميع الفاعلين الاقتصاديين تقريبًا في مصر منذ الاستيلاء على السلطة في عام 1952 وتأسيس الجمهورية، جنبًا إلى جنب مع تكيّفات النموذج إزاء سياسات وبيئة تنظيمية متغيرة وكرّرت معظم أوجه قصوره. كذلك فإن القوات المسلحة ليست كفؤة في تقديم المشاريع الهندسية أو جمع الإيرادات من الأراضي التي تسيطر عليها، لكنها تعمل في نظام سياسي واقتصادي مثير للمشاكل، قامت هي بتشكيله إلى حد كبير. ومهما كانت النيات على مستوى القيادة، فإن الاستراتيجيات والأنشطة العسكرية للمؤسسة العسكرية تقام في بيئة تسمح فيها المشروعية القانونية والسلطات التقديرية (الإستنسابية) والتعقيد البيروقراطي بمساحة كبيرة للافتراس والفساد على المستويات الأدنى.

تدّعي المؤسسة العسكرية القيام بدور رأس حربة تنموية وتوليد الدخل للدولة والوظائف، لكن دورها يأتي بتكلفة عالية.

لكن المؤسسة العسكرية لا تضطلع بهذا الدور بشكل مستقل. إذ إنها جزء لا يتجزأ من النظام الحالي الذي يحكم مصر، ولو إنها أحد عناصر التشكيلة البيروقراطية الأوسع نطاقًا التي تضم أيضًا كبار الموظفين الحكوميين، ومسؤولي الأمن، والقضاة، ومديري الدولة الاقتصاديين والتكنوقراط. يحكم الجميع المنطق السياسي نفسه في مقاربتهم الإدارة العامة للاقتصاد الوطني والمالية العامة، والتي تعطي الأولوية لاسترضاء دوائر وأوساط رئيسة والحفاظ على نظام الحكم، بدلًا من الاضطلاع بنوع الإصلاحات التي يمكن أن تحفز الإنتاجية الاقتصادية وتعبئة الموارد المحلية على نحو أكثر فعالية. ويسعى الجميع إلى شغل مواقع داخل الاقتصاد الوطني والمطالبة بالتمويل من القطاع العام بما يتناسب مع نفوذهم السياسي، ما يفسر الميول الواضحة نحو كلٍّ من البناء المجتزأ (الازدواجية التي تهدر الاستثمار والجهد) والتفتت.

الاقتصاد العسكري ذو وجهين. فهو يخدم نفسه، لكنه يتوافق أيضًا مع استراتيجية صيانة النظام الأوسع نطاقًا ويعيد إنتاجها. لهذا السبب، قام باستنساخ النمط الريعي السائد في الاقتصاد السياسي المصري (أي اعتماد الاستيلاء على المداخيل الموجودة بدلاً من زيادة الإنتاجية)، حيث سلكت مكوناته عن كثب سلوك الجهات الفاعلة الأخرى في القطاعين العام والخاص، واستجابت بطرق مشابهة لفرص البحث عن الريوع الجديدة التي أمنتها التحولات الكبرى في التوجه الاقتصادي للبلاد. فقد يقدم الاقتصاد العسكري كفاءات في بعض الأنشطة المدنية، ولاسيما في الأعمال الهندسية الكبرى، إلا أن ما ينجم في النهاية هو خسائر اقتصادية سلبية، إذ يجري حجب الخسائر وتتجاوز تكلفة استثمار رأس المال عائداته.

إنها الحكومة، وفي أحيان أكثر الرئاسة، التي تخلق الإطار السياساتي وتقرر الأهداف الوطنية. فمع أنّ القوات المسلحة هي منصة لتسلّق السلطة، فهي ليست شريكًا سياسيًّا كاملاً. ومع ذلك، خلال العمل من أجل تحقيق هذه السياسيات، والذي يوفّر فرصاً لأشكال لا حصر لها من البحث عن الريع على طول الطريق، تسهم المؤسسة العسكرية بشكل كبير في استنساخ المشكلات الهيكلية المزمنة للاقتصاد المصري، وتشويه تنمية القطاع الخاص، وتآكل الظروف الاجتماعية لأعداد كبيرة من المصريين. الحكومات الغربية والوكالات المانحة والمؤسسات المالية والدولية والمستثمرون الأجانب يذعنون عن علم، ويقدمون واجهة من التفاؤل المتحمس بشأن مؤشرات الاقتصاد الكلي في مصر وإمكاناتها، فيما يخفون القلق المتزايد وراء شعار "مصر أكبر من أن تفشل".

إن الاستيلاء العسكري التدريجي على سلطة الدولة منذ الانتفاضة الشعبية التي خلعت الرئيس حسني مبارك من منصبه في شباط/فبراير 2011، قد أحدث تحولات في نطاق النشاط الاقتصادي العسكري وحجمه. فتولّي المجلس الأعلى للقوات المسلحة مهام الرئيس التشريعية والتنفيذية، أعقبته بسرعة الإطاحةُ العسكرية في تموز/يوليو 2013 بخلفه محمد مرسي الذي كان أول مدني يُنتخب للرئاسة منذ تأسيس الجمهورية قبل 61 عامًا، ثم جاء انتخاب وزير الدفاع السابق اللواء عبد الفتاح السيسي رئيسًا في أيار/مايو 2014. منذ ذلك الحين، أصبحت المؤسسة العسكرية تلعب دورا رئيسيًّا في إدارة مشاريع الأشغال العامة الضخمة، وتزويد الأسواق، والتوسع في قطاعات جديدة في محاولة لزيادة إيرادات الدولة.

وتمثّل التطورات في الاقتصاد العسكري منذ عام 2013 تحولًا كبيرًا في النطاق والحجم في ما كان لعقود يشكّل جيبًا مستقلاً ولكنه محدود أساساً. حتى ذلك الحين، كانت القوات المسلحة مجرّد "جزء من الصفقة"، حيث كان للجهات المدنية الفاعلة الأخرى حصة في الكعكة الشاملة، المقاسَة بملكية الأصول المادية مثل الآلات والأراضي أو السلطة التنظيمية على ترخيص الوصول إلى قطاعات محددة، أو التحكم بها، مع ذهاب حصة الأسد منذ أوائل القرن الحالي، إلى رجال الأعمال المتنفذين سياسيًّا المقربين من الرئيس مبارك، ومن ابنه جمال وإلى المتكتّلين في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. وتحوَّل الثقل النسبي للاقتصاد العسكري في مراحل حاسمة مهمة: التحرير الاقتصادي وإعادة التوجه نحو الغرب ابتداءً من منتصف سبعينيات القرن الماضي، والتقشف المالي من منتصف الثمانينيات، والمرحلة الأولى للخصخصة في عام 1991، والمرحلة الثانية من الخصخصة في أوائل القرن الحالي. لكن هذا الاقتصاد العسكري لم يشهد تحولاً مثيراً، سواء تم قياسه من حيث نطاق وحجم أنشطته، أو من حيث صافي الدخل الظاهر والربحية، أو من حيث التأثيرات على الجهات الاقتصادية الفاعلة الأخرى (بما في ذلك قطاعا الأعمال العام والخاص) وعلى صنع السياسات.

حتى عام 2011، مارست المؤسسة العسكرية بشكل أساسي ما وصفه الباحث في الشؤون المصرية و. ج. دورْمان بأنه "جيب يعظّم ذاته". لم تقم القوات المسلحة بأي أمر في المجال الاقتصادي يعطّل أعمال النظام الحاكم الذي تطورت خصائصه الرئيسة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر مرورًا بالرئيسين اللذين خلفاه، أنور السادات وحسني مبارك، أي من عام 1952 إلى عام 2011. هذه الخصائص لا تزال تشكّل الاقتصاد العسكري، سواء في ما يتعلق بطرائقه والعلاقات العضوية بين مكوناته الرسمية وغير الرسمية، أو بالشعور بالتفوق التقني والاستحقاق المعنوي الذي يشبع كبار ضباط القوات المسلحة.

لكن الأزمة المتفاقمة في الاقتصاد السياسي المصري التي أنتجت ثورة عام 2011، إلى جانب إعادة تحديد موقع الاقتصاد العسكري منذ عام 2013، مهّدت الطريق لتغيرات أعمق في كليهما. فالسيسي الذي جرى انتخابه رئيسًا في أيار/مايو 2014، قاد المؤسسة العسكرية إلى موقع اقتصادي أكثر مركزية. ومنذ ذلك الحين، وبناءً على أوامره، تمكنت القوات المسلحة من إدارة ما يقارب ربع إجمالي الإنفاق الحكومي على البرنامج المستعجل للبنية التحتية العامة ومشاريع الإسكان، كما تدخل في معالجة نقص السلع الغذائية والإمدادات الطبية في الأسواق المدنية، وفي القطاعات الإنتاجية التي اعتبرت استراتيجية بهدف ظاهر يتمثل في تثبيت الأسعار، وهرعت عموماً إلى توليد إيرادات لخزانة الدولة.

هذه الدرجة من الاعتماد على المؤسسة العسكرية لتقديم السلع والخدمات العامة والمساعدة في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، لم يسبق لها مثيل حتى بالمقارنة مع عصر عبد الناصر الذي أسس هذا النمط. يكمن وراء ذلك شعوران يميّزان رئاسة السيسي عن سابقاتها: الاحتقار غير المقَنّع لكفاءة ونزاهة هيئات الدولة المدنية، والاعتقاد الصريح بأن القوات المسلحة وحدها هي التي تستطيع التهرب من قيود البيروقراطية الحكومية "لإنجاز الأمور". يضاف إلى ذلك الاعتقاد الموازي للرئيس بأن أداء المؤسسة العسكرية اقتصاديًّا هو أيضًا أفضل بكثير من أداء القطاع الخاص. فقد قال السيسي في افتتاح صوب زراعية بناها مهندسو القوات المسلحة، "أنا هاقول لكم بمنتهى البساطة، زي ما انتو شفتوا الإجراءات التنفيذية للوصول لحجم بالمستوى ده بالإجراءات الكثيرة اللي بتّم سواء كان الطرق المطلوبة أو مأخذ المياه الكلام ده لما ييجي القطاع الخاص يعملوا ياخد له 3-4 سنين عقبال ما يقدر يعمل الإجراءات التنفيذية علشان يعمل مشروع بالطريقة دي". تشاطره المؤسسة العسكرية تلك المشاعر، ما يجعلها الشريك الواضح لرئيس قوي يفتخر بإقرار السياسات بسرعة. إلى ذلك، من غير المرجح أن يعود العسكر طوعاً في المستقبل إلى جيبهم الاقتصادي الذي كان قائماً قبل عام 2013، بغض النظر عن الوجهة التي سيتخذها الاقتصاد والسياسة في البلاد.

الاقتصاد العسكري: نظرة عامة

لقد نبع تطوُّر الاقتصاد العسكري الراهن من التفاعل بين ثلاث دوائر أساسية:

  • الصناعة العسكرية التي تأسست في خمسينيات القرن العشرين وفروعها اللاحقة التي تتضمن الشركات العسكرية المسجلة رسميًّا وذات التوجه التجاري التي أنشئت في أوقات مختلفة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.
  • هيئات وزارة الدفاع المكلفة بتحسين الاكتفاء الذاتي لدى القوات المسلحة في ما يتعلق بالطعام والعدّة الشخصية (المهام) وغيرها من مستهلكات غير قتالية، وهيئات أخرى تؤمن خدمات مدفوعة الرسوم للمدنيين، والأهم وهي إدارات القوات المسلحة المنخرطة في الأشغال العامة. تشكّل هذه الهيئات مع الصناعة الدفاعية مجتمعةً القطاع الاقتصادي العسكري الرسمي الذي ستجري مناقشته في الفصلين الثاني والثالث.
  • "جمهورية الضباط"، كما أسميتها في دراسة سابقة، وهي تضم شبكات الضباط غير الرسمية الواسعة التي تتغلغل داخل جهاز الدولة المدني، فضلاً عن الشركات التي تملكها الدولة والهيئات الحكومية المنخرطة في توفير الأشغال العامة والبنية التحتية والخدمات العامة المختلفة وإدارة الموارد الطبيعية والتصنيع التجاري. إن عباءة الشرعية الاسمية التي يتمتع بها هؤلاء البيروقراطيون العسكريون، تمكّن من الممارسات النفعية من منح عقود والوصول إلى أراضي الدولة واستثمار الصناديق المالية الخاصة بالقوات المسلحة، وتحميها. وهنالك دائرة فرعية تتكون من ضباط تحولوا إلى رجال أعمال ومقاولين من الباطن لمشاريع تديرها المؤسسة العسكرية.

الأمر المشترك بين جميع الدوائر الثلاث هو امتياز الوصول إلى موارد الدولة والعقود العامة. ويمكن القول إن الهيئات العسكرية تقدم مساهمة ملموسة في الاقتصاد من خلال توفير البنية التحتية، إلا أن السؤال يبقى مطروحًا عن التكلفة الفعلية التي تتكبدها خزانة الدولة وعن الأثر الفعلي على إمكانيات الهيئات المدنية التي يترتب عليها إدارة المشاريع القومية أو القيام بها. كما أن المساهمة الاقتصادية الصافية للإنتاج المدني في الصناعة الحربية تدعو إلى المزيد من الشك. إن غموض المعلومات المالية أو حجبها بشكل رسمي يمنع الاستنتاجات النهائية حول الجدوى الاقتصادية، لكن الأدلة تشير إلى عدم كفاءة وإلى خسائر خفية، وهي أمور معتادة لدى العديد من المؤسسات التي تملكها الدولة في كل من حقبتيْ ما قبل الخصخصة وما بعدها في مصر.

ويمكن وصف الأسلوب الأساسي للاقتصاد العسكري بالمُصادرة المؤسساتية أو التنظيمية، فهو يقبض على حصة غير متناسبة من الإيرادات والموارد العامة التي كان يمكنها أن تذهب إلى مؤسسات الدولة والشركات الخاصة المنافسة، ويحوّل كميات هائلة من رأس مال الاستثمار عن قطاعات إنتاجية أخرى في الاقتصاد. بهذا المعنى على الأقل، فإن اختلاف الهيئات العسكرية عن هيئات الدولة المدنية أو الشركات الخاصة - التي غالبًا ما يعتبرها الجمهور العريض وأعضاء البرلمان فاسدة وغير وطنية وغير مؤهلة في سلوكها الباحث عن الريع - لهو أقل مما ترغب في الادّعاء به. والأسلوب الريعي (الاعتماد على الاستيلاء على مصادر الإيرادات بدلًا من زيادة الإنتاجية) هو نمط يمثل بشكل خاص جمهورية الضباط ورجال الأعمال العسكريين في القطاعين العام والخاص، لكنه يصف أيضًا انخراط القطاع الاقتصادي العسكري الرسمي في المشاريع الجوفاء الضخمة، مثل خطط استصلاح الأراضي وبناء سلسلة من المدن "الصحراوية" و"المليونية" الفاشلة.

الاقتصاد العسكري يقبض على حصة غير متناسبة من الإيرادات والموارد العامة التي كان يمكنها أن تذهب إلى مؤسسات الدولة والشركات الخاصة المنافسة، ويحوّل كميات هائلة من رأس مال الاستثمار عن قطاعات إنتاجية أخرى في الاقتصاد.

وبالتالي، فإن ادّعاءات المسؤولين العسكريين المستمرة بأن مشاريعهم تحفّز النمو الاقتصادي وفرص العمل، مبالغ فيها في أحسن الأحوال، وكثيراً ما تكون زائفة بوضوح. إن الإصرار الذي سعى السيسي من خلاله إلى زيادة العائدات منذ توليه منصبه، لم يؤدِّ إلا إلى تفاقم البناء المجتزأ والريعية. لكن المكانة السياسية المرموقة للمؤسسة العسكرية وقدرتها على التحكم في الخطاب العام، معزَّزة باستيلاء الهيئات العسكرية المخابراتية على مجموعة من وسائل الإعلام المصرية منذ عام 2013، تمكّنها من التغطية على القصور وعدم الكفاءة. كما أن الهيئات العسكرية الاقتصادية تحمي نفسها من التدقيق الخارجي من خلال تجميل الصورة العامة التي تسلط الضوء على مساهمتها في التنمية القومية من خلال بناء البنية التحتية الأساسية، وتوفير السلع المدنية والمواد الاستهلاكية بأسعار مخفضة، والتدخل السريع في مهلة قصيرة لحل مشكلة نقص الخبز والأزمات التموينية الأخرى، وتوزيع "شنط" غذائية من القوات المسلحة على الفقراء خلال شهر رمضان المبارك.

وما يتسم بالأهمية، أن كبار ضباط القوات المسلحة قد بدأوا منذ ثمانينيات القرن العشرين بعتبرون القطاع الاقتصادي العسكري الرسمي حقًّا لهم وكذلك تغلغلهم بشكل غير رسمي إلى الإدارات الحكومية والاقتصاد المدني. ففي عام 2012، كان اللواء محمود نصر، الذي كان حينها مساعداً لوزير الدفاع للشؤون المالية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، شديد الصراحة في حديثه: "العَرَق الذي ظلّينا ٣٠ سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح للغير أيًّا كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة". وأضاف مؤكّدا أنّ أي شخص يسعى إلى إخضاع الاقتصاد العسكري للسيطرة المدنية أو يطالب بتقليصه أو سحب الاستثمار منه، فإنه "يهدد أمن مصر القومي".

ومع ذلك، فإنه من التبسيط وغير كافٍ تصوير تطور الاقتصاد العسكري على أنه خطي، مفترس لا يتغير، تنسّقه مؤسسة عسكرية تسعى إلى تحقيق مصالح مؤسساتية واضحة، أو تصويره على أنه ممسوك من قبل شبكات ضباط من المحاسيب تلاحق مصالح أنانية ضيقة. وبالفعل، كان هناك مسار واضح للنمو والتوسع منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، لكن ذلك كان مرتبطًا بالأحداث السياسية والاقتصادية التي غيرت بنية الحوافز، والفرص، وتوافر الموارد. لقد حددت حفنة من الدراسات الرائدة بعض معالم الاقتصاد العسكري، لكن هذا التقرير يحلل مكوناته المختلفة بعمق من أجل تقديم تقييم دقيق لما يحرّك كلًّا منها، ولإسهاماتها الإيجابية، وتأثيراتها السلبية. إنّ التمكن من فهمٍ أكثر دقة لكيفية وصول الاقتصاد العسكري إلى شكله الحالي وأسباب ذلك، يتيح للتشريح الشامل والمفصّل المقدّم هنا أن يفيد مقترحات سياساتية تستهدف احتواء تلك العناصر التي تتجاوز الاحتياجات المُحدَّدة جداً للحفاظ على القدرة التشغيلية للقوات المسلحة والارتقاء بها، ولعكس تلك العناصر، وفي النهاية تفكيكها.

بحثاً عن التناسب: بين الملكية والسيطرة والتأثير

بالرغم من بروز صورته والكثير من الترويج الذاتي، فإن الاقتصاد العسكري يقوم بأقل بكثير مما يدّعيه ممثلوه أو منتقدوه على حد سواء. حتى الآن، في منتصف عقده السابع وبعد عدة سنوات من التوسع المتسارع، ما زال هذا الاقتصاد يمثل حصة صغيرة من الاقتصاد الوطني. وغالبًا ما يجري تناقل تقديرات بأن القوات المسلحة المصرية تمتلك 25 في المئة أو 40 في المئة أو حتى 60 في المئة من الاقتصاد، أو تسيطر عليها، لكن هذه التقديرات تعتمد على بيانات قليلة، وعلى أقل من ذلك من ناحية التحليل المنهجي، وهي مضخَّمة إلى حد كبير. فهي، أولاً، تخلط بين ثلاثة مجالات متمايزة:

  • المصانع والشركات والمزارع العسكرية المسجلة رسميًّا، والتي يكون إنتاجها المشترك من الخدمات والسلع العسكرية والمدنية أكثر تواضعًا بشكل ملموس من التصورات أو الأفكار السائدة عمومًا، وهيئات عسكرية أخرى مثل الهيئة الهندسية وإدراة المشروعات الكبرى في القوات المسلحة التي تدرُّ دخلًا أكبر بكثير بفضل تنفيذ العقود والأشغال العامة.
  • العدد الأكبر بكثير من الهيئات الاقتصادية في القطاع العام، والشركات التي تملكها الدولة، وشركات القطاع الخاص التي يرأسها أو يحتل فيها ضباط متقاعدون من القوات المسلحة مناصب إدارية، إلّا أن أصول هذه الشركات وأرباحها لا تعود في الواقع إلى المؤسسة العسكرية، مع أنه يمكن لهذه الأخيرة  أن تؤثر على قراراتها التجارية لمنفعتها الذاتية.
  • الولاية التنظيميةالتي تتيح الحصول على إيرادات من ترخيص استخدام الأراضي، وتأجير المنشآت العسكرية والعامة، ورسوم الطرق السريعة، والرسوم المفروضة على المحاجر والمناجم، وإزالة الألغام، وحفظ السلام في الخارج، وتخليص الواردات، وخدمات مماثلة تتطلب دفع رسوم، فضلًا عن الاستثمار في مشاريع مشتركة مع شركات خاصة محلية ودولية.

عندما قدّر السيسي ومسؤولو قطاع الدفاع الاقتصادَ العسكري الرسمي على نحو متفاوت أنه يمثل 1.0- 1.5 أو 1.5 - 2.0 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر في عام 2016، فلربما كانوا يشيرون إلى القيمة الإجمالية للسلع والخدمات التي تنتجها جميع الهيئات العسكرية: وزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع، ووزارة الدفاع والهيئات التابعة لها. ليس واضحًا ما إذا كانت هذه التقديرات تتضمن على وجه التحديد إيرادات وزارة الدفاع من عقود الأشغال العامة التي تنفذها أو تديرها أقسام إدارات القوات المسلحة. لكن هذا أمر جائز، حيث إن جميع الأموال الواردة (بما في ذلك الإيرادات من خارج الميزانية) سوف يتم تسجيلها في الدفاتر الداخلية للوزارة وإدراجها تحت البيانات الأرقام الإجمالية المقدمة إلى الرئيس. على أي حال، تتمتع المؤسسة العسكرية بإمكانية الوصول إلى تدفقات دخل كبيرة من خارج الميزانية، وإلى رساميل متراكمة. وقد تمكّنت منذ عام 2013 من إدارة حصة كبيرة من النفقات الرأسمالية العامة، لكن اقتصادها أقل شمولًا وأقل إنتاجية بكثير مما يُعتقد عادةً، كما أنّها بالتأكيد، من حيث التكلفة، أقل جدوى بكثير ممّا يصفه العسكر أنفسهم.

إن النسب المئوية التي استشهد بها السيسي وغيره تبدو قريبة من الحقيقة. ولكن حتى لو اعتبرت مؤشراً فحسب، فإنها لا تزال تشير إلى قيمة إجمالية كبيرة. إن تقدير إجمالي الناتج المحلي لمصر أمرٌ معقد بسبب التخفيضات الحادة في قيمة الجنيه المصري في آذار/مارس وتشرين الثاني/نوفمبر 2016، ولكن بمعيار القيمة الثابتة للدولار، فإن نصيب الاقتصاد العسكري من إجمالي الناتج المحلي في حينه كان يراوح بين 3.32 و6.64 مليارات دولار، إستناداً إلى نسب السيسي وتقدير صندوق النقد الدولي للناتج المحلي الإجمالي الاسمي البالغ 332 مليار دولار في السنة المالية 2015-2016. بالفعل، هذه مبالغ كبيرة عندما يؤخذ في الاعتبار الأداء الضعيف لأركان الاقتصاد العسكري مثل وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع. وقد أدى الدفع الكبير للمشروعات الضخمة المخصصة للقوات المسلحة منذ عام 2013 إلى زيادة إيرادات وزارة الدفاع من الرسوم الإدارية وهوامش الربح، وبالتالي رفع الحصة الإجمالية للمؤسسة العسكرية من الناتج المحلي الإجمالي، ولكن ربما بنقطة مئوية إضافية على الأكثر.

ثانياً، هناك تقديرات مضخمة تخلط بين الملكية والسيطرة والتأثير. فالهيئات العسكرية تمتلك بعض المؤسسات الإنتاجية والخدمية بشكل مباشر، وتتحكم قانونًا بالوصول إلى عوامل الإنتاج التي تحتاجها الجهات الفاعلة الاقتصادية المدنية كالأراضي، وهي تنفذ مختلف الأشغال العامة والمشتريات بموجب عقود حكومية رسمية، أو تديرها، وتنفق الدخل والفائض في الأموال المتأتية ممّا سبق، وفقًا لتقديرها الخاص. ومع أن القيمة الصافية للدخل العسكري من المبيعات والرسوم لا يجري نشرها بالكامل، إلا أنها على الأقل قابلة للقياس الكمي في حال جرى الوصول إلى البيانات. ومع ذلك، يمكن تجميع تفاصيل كافية لدعم الادّعاء الوارد في هذا التقرير والذي يفيد بأن صافي دخل الاقتصاد العسكري الرسمي لا يتجاوز بضع نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.

أما الدخل الذي تستمده الهيئات العسكرية من العلاقات الأكثر ضبابية مع شركات القطاعين العام والخاص ومع الهيئات الاقتصادية الحكومية، فتقديره أصعب. حتى بعد حوالي ثلاثة عقود من الخصخصة، فإن إرث تدخل الدولة في الاقتصاد وملكيتها المستمرة لمئات الشركات، وشراكتها مع ما يقارب نفس العدد من المشاريع المشتركة، قد جعل من السهل أيضًا على الهيئات العسكرية والضباط المتقاعدين الحفاظ على علاقات التصاقية وصفقات نفعية في مختلف القطاعات. فالشركات العسكرية تقيم مشاريع مشتركة أو ترتيبات رافدة مع الشركات الخاصة التي تكسب إمكانية الوصول إلى المدخلات المدعومة والحماية من المنافسين المحتملين من خلال هذه العلاقات، أو تلك التي تكون المؤسسة العسكرية عميلها الوحيد أو الأكبر. يمكن للهيئات العسكرية أو لحلفائها في الجهاز البيروقراطي للدولة والبرلمان أن تتلاعب بمنح العقود أو تراخيص الاستيراد وأن تنشئ حواجز غير جمركية مصممة خصيصاً لصالح شركات معينة أو لمنع دخول شركات أخرى (ولاسيما الشركات الأجنبية المنافسة). تتمتع "جمهورية الضباط" المكونة من آلاف ضباط القوات المسلحة المتقاعدين العاملين في جميع أنحاء جهاز الدولة بسلطة إضافية لمنح العقود إلى الهيئات العسكرية (وإلى بعضهم البعض). ولأنهم يظلون خاضعين للنظام القضائي العسكري، فإن لديهم حافزاً قويًّا لضمان امتثال الهيئات الحكومية أو شركات القطاع العام التي يرأسونها أو ينتمون إليها لتوقعات ورغبات المؤسسة العسكرية.

لقد تغيرت الصورة إلى حدٍ ما منذ عام 2013،كما يؤكّد تسارع وتيرة عمليات الاستيلاء القسرية على الشركات الخاصة (الأكثر وضوحًا في وسائل الإعلام) أو الاستيلاء الضاري على حقوق الملكية في الشركات الناشئة أو على عضوية مجالس الإدارة فيها. أما في معظم الحالات، فالسيطرة العسكرية تكون سيطرةً غير مباشرة، وغالبًا ما ينبغي اعتبارها نفوذًا. وقد أظهرت دراسات عديدة أن الترابط السياسي هو المحدِّد الرئيس في حصول الشركات (الخاصة والعامة على حد سواء) على العقود والقروض وعلى الإنتاجية الإجمالية: فقد ذهبت حصة الأسد إلى زبانية جمال مبارك نجل الرئيس مبارك الموصولين سياسيًّا في العقد الأول من هذا القرن، وليس المؤسسة العسكرية. وفي نفس الإطار، فإن العلاقات الوثيقة بين الهيئات العسكرية والشركات الخاصة المفضّلة هي ذات منفعة متبادلة، ولا يمكن اعتبارها تعكس سيطرة عسكرية بحتة. علاوة على ذلك، فإن جزءً كبيرًا من المنافع التي كسبتها الهيئات والشركات العسكرية من العلاقات مع شركات القطاعين العام والخاص، بما في ذلك السيطرة على قرارات الشراء والاستثمار الخاصة بها، أو التأثير عليها، تندرج ضمن الناتج المعلن للاقتصاد العسكري الرسمي. وفي نواحٍ كثيرة، فإن المستفيدين الرئيسيين من جمهورية الضباط هم المتقاعدون من القوات المسلحة الذين يضمنون من خلال إظهار الفوائد التي يقدمونها، ولكنهم بذلك يزيدون من دخلهم بعد التقاعد، في المقام الأول.

المصدر الثالث لتقديرات الاقتصاد العسكري المضخَّمة يأتي من التبسيط المفرط، أو التحريف، لعلاقة المؤسسة العسكرية بالأصول الرئيسة مثل أراضي الدولة. بالفعل، هذا النوع من التقدير غالبًا ما يخلط بين الأصول والدخل الذي يمكن توليده من استغلالها منها، أي من الناتج، أو من إجمالي حركة الوارد والصادر. وتؤكد تعليقات كثيرة أن وزارة الدفاع تمتلك جميع أراضي الدولة التي تقدر بحوالي 90-95 في المئة من مساحة مصر، ولكن هذا ببساطة غير صحيح. فوزارة الدفاع تتمتع بصلاحية ترخيص استخدام أراضي الدولة، ولكنها في الواقع واحدة من بين عدة من وزارات حكومية  تتمتع بسلطة تنظيمية مماثلة (وإنْ كانت هي الأقوى). لذا، مع أن التحكم في استخدام الأراضي يُعد، بلا منازع، أحد أهم المزايا الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، ومن أكثر الكوابح الضارة بالاقتصاد العام والقطاع الخاص، فإن الدخل الفعلي المستمَد لا يتناسب بشكل مباشر مع مدى السيطرة العسكرية. وكذلك لا يمكن احتسابه من خلال تقييم مفترض لقيمة أراضي الدولة، لأن هذه الأراضي لا يمكن تحديد سعر لها قبل أن يتم ترخيصها للأغراض التنموية الاقتصادية أو السكنية، فتتحول بالتالي إلى عقارات: عندها فقط تكتسب الأراضي قيمة سوقية واضحة قد تستفيد منها المؤسسة العسكرية، ولكنها لا تستطيع الاستحواذ عليها بالكامل. ومع ذلك، فإن القدرة على إعادة تحديد وجهة استخدام الأراضي التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية كانت مصدراً رئيساً من الدخل منذ ثلاثة عقود على الأقل، حيث توفِّر رأس المال الأساسي لتوسيع المزارع العسكرية منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين، ولإطلاق شركات جديدة منذ التسعينيات، أو الاستحواذ عليها، وتحقيق عائدات عالية من المضاربة بشكل عام.

بين الصون والسياسة والافتراس

من المستحيل تقدير القيمة الصافية للاقتصاد العسكري تقديرًا كميًّا. بالفعل، فإن الأرقام المتناقضة التي جرى تقديمها في أوقات مختلفة من قبل كلٍّ من وزير الدولة للإنتاج الحربي والمتحدث الرسمي باسم الوزارة عن المبيعات السنوية خلال الفترة 2014-2017، تظهر أن حتى العسكريين يواجهون مشكلات في مسك دفاترهم. ولكن، على أي حال، فإن محاولة تحديد نسبة الاقتصاد المصري التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية هي مثل ذرّ الرماد في العيون. بدلًا من ذلك، تدور الأسئلة الأهم حول سبب قيام المؤسسة العسكرية بأنشطة اقتصادية مختلفة، وما هي الآثار الجيدة أو السيئة على النمو الاقتصادي في مصر، وعلى الخدمات العامة وتطور القطاع الخاص. تكمن الأجوبة في مزيج من ثلاثة دوافع: الجهد الغريزي الذي تبذله المؤسسة الحربية لتصون القدرة الإنتاجية للصناعة العسكرية المحليّة؛ وسعي كبار مسؤولي الدفاع لخدمة الأولويات والأهداف السياسية للرئيس؛ والإستجابات الإنتهازية من قبل الفاعلين العسكريين والمدنيين للقبض على فرص الافتراس الاقتصادي التي فتحتها أمامهم المشاريع والسياسات التي تُقرّ على مستوى رفيع، بهدف النفع الذاتي وذلك في بيئة قانونية وبيروقراطية في غاية التساهل.

لا يزال صون الصناعة الحربية التي بناها الرئيس جمال عبد الناصر في خمسينيات القرن العشرين يشكّل الاستراتيجيات التجارية والاستثمارية. وغالباً ما يقدم المسؤولون شعاراً مفاده أن الإنتاج للأسواق المدنية هو مجرد وسيلة لاستخدام الطاقة الفائضة في المصانع العسكرية. ومع ذلك، سعت وزارة الإنتاج الحربي وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع مرارًا وتكرارًا في العقد الماضي إلى بناء منشآت جديدة، وتوسيع خطوط الإنتاج، وتوسيع تنوع سلعها وخدماتها للأسواق المدنية، ما يردّ الحجة القائلة بأنها تسعى فقط إلى الاستفادة من الطاقة غير المستغَلّة. نادراً ما يكون الإنتاج الدفاعي مجديًا اقتصاديًّا في أي بلد ما لم يقدر على الاستحواذ على حصة كبيرة من أسواق التصدير، وهو ما فشلت مصر في تحقيقه. والعقبة الرئيسة في هذا السياق تتمثل في الانخفاض المذهل في مستوى الاستثمار في البحث والتطوير الحقيقي، ما أدى إلى الحدّ الشديد من استيعاب التكنولوجيا الأجنبية، وتوليد التكيف والابتكار المحليين، وزيادة المحتوى المحلي (ما تسبب بانخفاض القيمة المضافة إلى الحد الأدنى). وقد عبّر وزير الإنتاج الحربي عن ذلك حين اعترف بأن غالبية الشركات العشرين في وزارته كانت لا تزال تتكبد خسائر في عام 2018، بعد عدة سنوات من الزيادات المزمعة في الإنتاج. وقد لا تكون أوجه القصور الاقتصادي في الحفاظ على الجانب المدني من الصناعة الحربية أو توسيعه أسوأ مما هي عليه في شركات مماثلة في القطاع العام في مصر، لكنها تؤدي إلى استنزاف مماثل في خزانة الدولة، وإلى رأسمال عقيم (أي أصول لايمكن الاستفادة منها في الأمد المنظور).

إن خدمة الأهداف السياسية للرئيس هي سمة مميزة للنشاط الاقتصادي العسكري في ظل إدارة السيسي، ما يفسر الزيادة الهائلة في نطاقه وحجمه منذ عام 2013. ويُعتقد أن دور الهيئات العسكرية في تقديم السلع والخدمات العامة الذي يجري الترويج له وتمجيده، يعزز الاستقرار السياسي والشرعية الداخلية للإدارة، مع إظهار مصداقيتها للحكومات الأجنبية والمستثمرين. "إننا جادّون" هي الإشارة المقصودة للجمهورين الداخلي والخارجي، وليس تحقيق الربح. إن درجة الاعتماد على المؤسسة العسكرية لقيادة هذا الجهد لم يسبق لها مثيل، حتى مقارنةً بعهد عبد الناصر، ولكن ما تتشاركه إدارة السيسي مع جميع سابقاتها، بل وتعظّمه، هو تحيز تكنوقراطي مفرط يستجيب للتحديات الاجتماعية والاقتصادية بحلول هندسية وإجراءات فنية.

إن خدمة الأهداف السياسية للرئيس هي سمة مميزة للنشاط الاقتصادي العسكري في ظل إدارة السيسي، ويفسر الزيادة الهائلة في نطاقه وحجمه منذ عام 2013.

التجسيد الأكثر تعبيراً لهذا النهج هو التشبث المستمر بحل شدة الاكتظاظ السكاني في وادي نهر النيل (وما يترتب عن ذلك من أضرار بيئية، وازدحام في النقل، وفقدان أراضٍ زراعية) من خلال استصلاح الأراضي في المناطق الصحراوية ونقل الجزء الأكبر من السكان إلى تجمعات سكنية جديدة هناك. سيطر هذا الرأي على التفكير الرئاسي والحكومي لأكثر من 60 عامًا، ووفر إطارًا لتبرير الاستثمار الضخم على الرغم من فشل جميع المخططات السابقة تقريبًا. وقد أدى ذلك أيضًا إلى ظهور "عقدة الصرح" التي ارتقى بها السيسي إلى آفاق جديدة بمشاريع ضخمة مثل توسيع قناة السويس ومخطط استعراضي لعاصمة إدارية جديدة تمامًا، وجرى وضع المشروعين تحت الإدارة والإشراف العسكريين. لا يبدو أن أيًّا من ذلك يتم بطلب المؤسسة العسكرية، ناهيك عن قيامها بفرضه، مع استثناء محتمل للبنية التحتية والتنمية الصناعية في منطقة قناة السويس التي تعتبرها تلك المؤسسة بمثابة ملاذ اقتصادي لها. ولكن من الواضح بنفس القدر أن العسكريين يشتركون في عقلية السيسي، بما في ذلك إيمانه بمهاراتهم الهندسية والإدارية.

وبالتالي، فإن المؤسسة العسكرية لا تعترض بشكل واضح على نهج السيسي لتوليد النمو الاقتصادي، الذي يدور إلى حد كبير حول إطلاق سلسلة من المشاريع الإنشائية والعمرانية التي لها كما يبدو. وفي حال فكَّر السيسي أو المؤسسة العسكرية في الاقتصاد من الناحية المفاهيمية، إنْ حصل ذلك أصلاً، فيعتبره مجرد المجموع الكلي للمشاريع المنفصلة لبناء الطرق السريعة والجسور ومحطات الطاقة ومحطات معالجة المياه والمدن الصحراوية والمنتجعات الفاخرة. في هذه الرؤية الفوقيّة، ثمة قليل من إدراك كيف تعمل الأسواق فعلياً، وكيف تزداد الإنتاجية والكفاءة، وكيف يتولد نمو مستدام في الاستثمار والوظائف، وفي تمكين القطاع الخاص من النمو الحقيقي. يضاف إلى ذلك عدم دراية بكيفية تأثُّر غالبية المصريين الذين عانى 60 في المئة منهم من الفقر أو التعرض إلى الفقر عام 2019، ناهيك عن غياب الميل إلى تطبيق استراتيجيات النمو الاقتصادي الشامل اجتماعيًّا أو السياسات التنموية التشاركية. ومن المفارقة أن التحيز التكنوقراطي عند قادة الدولة والمؤسسة العسكرية  قد أخذ مصر في اتجاه متباين عن ذلك الاتجاه الذي وصفته عالمة السياسة عائشة صديقة في باكستان، حيث "تعتمد الحكومات العسكرية أكثر على التكنوقراط، ولاسيما الخبراء في التجارة والاقتصاد، وعلى طبقة أصحاب الأعمال، من أجل كسب الجزء الأكبر من الموارد المالية الموجهة نحو التحديث العسكري، والتي يمكن استيفاؤها من الميزانيات الوطنية". ليس لدى مصر نقصٌ في التكنوقراط القادرين، ولكن عدم وجود دافع واضح للربح وراء هذا الجانب من النشاط الاقتصادي العسكري، والعلاقات المتناقضة بين المؤسسة العسكرية والشركات الكبرى قد أدّت إلى نموذج مختلف اختلافًا جذريًّا يتضمن بعض الجوانب غير الرأسمالية ويعتمد بشدة على التمويل العام (والاقتراض). ويبدو التناقض أكثر وضوحاً مع مثال تركيا، حيث الشركات المدنية المملوكة للقوات المسلحة تعمل بالكامل على قواعد تجارية داخل الأسواق التنافسية، وحيث الصناعة الحربية مملوكة للقطاع الخاص وتخضع لمنطق تجاري عادي.

ليس كل ما تفعله المؤسسة العسكرية المصرية في المجال الاقتصادي غرورًا أو ضررًا أو افتراساً. إن إزاحتها الجهات الفاعلة المدنية التي كان يفترض أن توفر الإسكان العام والبنية التحتية، تضاعف أوجه القصور في جهاز الدولة، ولكن لا يزال في مقدورها تقديم مساهمة إيجابية. علاوةً على ذلك، يبدو أن الهيئات الهندسية العسكرية تقدم نوعية جيدة متوافقة مع الميزانية وفي الوقت المحدد، على الرغم من أن هذا غير صحيح في جميع المجالات، وغالبًا ما يخفي العديد من التكاليف أو النفقات والأجور المستحقة للمقاولين المدنيين. بالأحرى، تكمن المشكلة الأساسية للاقتصاد المصري في كيفية عمل الدولة التي تشكّل في حد ذاتها انعكاساً لكيفية توليد السلطة السياسية واستخدامها. من الواضح أن القوات المسلحة جزء لا يتجزأ ومستفيد رئيس من هذا النظام، وتتحمل مسؤولية كبيرة عن ضمان بقائه. ولكن الرئاسات المتتالية، لا القوات المسلحة، هي التي أصدرت مرارًا وتكرارًا مراسيم تغرق مبالغ هائلة من رأس المال في مشروعات ضخمة تعتمد في الغالب على افتراضات خاطئة عن الفوائد والعوائد المتوقعة.

تكمن المشكلة الأساسية للاقتصاد المصري في كيفية عمل الدولة التي تشكّل في حد ذاتها انعكاسا لكيفية توليد السلطة السياسية واستخدامها. من الواضح أن القوات المسلحة جزء لا يتجزأ ومستفيد رئيس من هذا النظام.

يمكن أن ترتفع التكاليف الى مستويات طائلة. فقد بلغ إجمالي الدين الحكومي (المحلي والخارجي) ما يُقدّر بنسبة 108.7 في المئة من إجمالي الناتج المحلي بحلول حزيران/يونيو 2016، وهو أعلى مستوى في اثني عشر عامًا. بعد ذلك بثلاثة أعوام، ارتفع الدين الخارجي الوطني إلى 106.2 مليارات دولار (ما يمثل 35.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي) والديون المحلية الحكومية إلى 4.2 تريليونات جنيه مصري، ما يمثل 92.5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وقد أفيد أنّ طفرة المشاريع الضخمة والمشاريع الوطنية تحت إدارة السيسي تمثل 54 في المئة من الزيادة في الاقتراض الحكومي من البنوك المصرية والمقرضين الأجانب بين كانون الأول/ديسمبر 2016 وأيار/مايو 2019. ولقد استهلكت خدمة الدين العام ما يصل إلى 40 في المئة من ميزانية الحكومة، وكان الاستثمار الأجنبي المباشر يتناقص اعتبارًا من عام 2019.

والنتيجة هي أن القيمة المضافة الاقتصادية سلبية في العديد من المشاريع ذات الدوافع السياسية التي فرضها السيسي ونفّذتها الهيئات العسكرية، حيث إن تكلفة رأس المال الاقتصادي تتجاوز العائدات. ويمثل جزء كبير من هذا الاستثمار رؤوس الأموال العقيمة أو المعطلة التي لا يمكن إنقاذها في ظل الظروف الاقتصادية الحالية أو المتوقعة، ما يفرض استنزافًا ماليًّا طويل الأجل ويجعل من الصعب التراجع واتباع نهج مختلف في المستقبل. على سبيل المثال، بعد أربع سنوات من إطلاقها، تكافح العاصمة الإدارية الجديدة من أجل جمع المبلغ الذي تحتاجه وهو 58 مليار دولار، وشهد المشروع انسحاب مستثمرين أجانب رئيسين.

إن الدور السياسي المركزي للقوات المسلحة منذ عام 2011، ولاسيما منذ السيطرة على السلطة في عام 2013، جعلها عاملًا مساعداً لهذا النهج الاقتصادي. علاوةً على ذلك، فإن تمكينها في ظل السيسي قد يأخذها إلى النقطة حيث لا يعود ممكناً إخراجها من الاقتصاد. وبالإضافة إلى التأثيرات على الاقتصاد الوطني، فإن ذلك يخلّف آثاراً كبيرة على نمو القطاع الخاص. فالدور الإداري للمؤسسة العسكرية في مشاريع الأشغال العامة والإسكان منذ عام 2013 قد أثار الإعجاب محلياً، بما في ذلك إعجاب شركات القطاع الخاص التي تم التعاقد معها من الباطن للقيام بالتنفيذ الفعلي، إلا أن توسعها في القطاعات الجديدة أدى إلى اتهامات بسلوك اقتصادي مفترس. إن دخول المؤسسة العسكرية إلى قطاعات مثل الصلب والإسمنت، وهما قطاعان مشبعان بشكل مفرط ويجري تزويدهما بالكامل تقريبًا من قبل شركات القطاع الخاص، يحوّل الهيئات العسكرية إلى هيئات منافِسة مباشرة، مثلاً، مع إزاحة الشركات المتعثرة المملوكة للدولة التي تعمل أصلًا في هذه القطاعات، بدلًا من إنقاذها وجعلها أكثر ربحية. إلى ذلك، فإن حقيقة أنّ هذا الدخول يرتبط بتوفير احتياجات الإنشاءات التي تديرها الهيئات العسكرية، والتي بدأ يتراجع حجمها الإجمالي مع اكتمال المشاريع أو نفاد التمويل الحكومي والاستثمار الأجنبي، ما يهدد بترك أصول إضافية عالقة بيد الهيئات العسكرية على شاكلة قدرة إنتاج فائضة عن الاحتياج. العسكر مهندسون جيدون، لكنهم صناعيون سيئون واقتصاديون أسوأ.

العسكر مهندسون جيدون، لكنهم صناعيون سيئون واقتصاديون أسوأ.

مهما كان الدافع الفعلي لعملية صنع السياسة من قبل القيادة السياسية للبلاد والقيادة العسكرية العليا، فإنه يوفر سياقًا للافتراس عند المستويات الأدنى من الاقتصاد العسكري. فالنظام القانوني والتنظيمي والإداري المعقَّد في الدولة المصرية يسمح باستنسابية كبيرة وفرصة واسعة لتبادل المعلومات الخاصة وتحقيق الأرباح الطائلة بفضلها، والريعية، والتقاط مصادر الدخل غير الرسمية. ربما كان الغرض من التوسع الهائل في نطاق الاقتصاد العسكري وحجمه منذ عام 2013 هو خدمة الأجندة السياسية للرئيس، لكن هذا التوسع يعتمد أنماطًا في إدارة الأعمال جرى إرساؤها على مدى الأعوام الثلاثين الماضية على الأقل، إن لم يكن العقود الستة والنصف منذ عهد عبد الناصر. كما ولقد سارت شبكات الضباط على خطى الهيئات العسكرية الرسمية في التدخل في مجموعة واسعة من القطاعات، عاملةً في بعض الأحيان من خلال أقرباء الضباط على إنشاء شركات خاصة كواجهات بهدف الحصول على العقود (أو الفوز بها من أجل بيعها لقاء ربح). وقد يساعد هذا أيضًا في توضيح ميل الهيئات العسكرية الواضح إلى تفضيلها منح عقود أشغال عامة إلى شركات صغيرة أو متوسطة غالبًا ما تكون غير معروفة وتفتقر إلى المهارات والقدرة.

إن العلاقة بين الدائرتين الرسمية وغير الرسمية من الاقتصاد العسكري هي، في معظمها، مفيدة للطرفين. لكن تكاملهما في الغالب يشكل خدمة ذاتية بدلاً من أن يضيف قيمة إلى الموارد المالية العامة أو الاقتصاد الأوسع. ومع ذلك، فإن التمييز بين هاتين الدائرتين ضروري، لإتاحة فصلهما لو توفرت الإرادة السياسية للقيام بذلك. من الناحية النظرية على الأقل، طالما لا يمكن اختزال القوى الكلية الدافعة له بالافتراس وحده: يمكن تفكيك وتجريد أجزاء الاقتصاد العسكري التي لا تتعلق بتوفير الاحتياجات الدفاعية على وجه التحديد. لكن تطور هذا الاقتصاد منذ عام 2013 قد يؤدي إلى تحول نوعي، وليس فقط زيادة كمية خطية، ما يجعل من الصعب للغاية إزاحة التراكمات الانتهازية التي تتكدَّس وتتعمق مع كل عام يمر. كذلك، فإن التعديل الدستوري لعام 2019 الذي يمكّن القوات المسلحة من التدخل عند الضرورة من أجل "صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد"، يضمن فعليًّا عدم التمكن من الطعن في الدور الاقتصادي الرسمي للمؤسسة العسكرية وامتداداتها غير الرسمية، إلاً إذا قررت أن تفعل ذلك بنفسها.

تحديات البحث

البحث في الاقتصاد العسكري المصري يطرح تحديات. فإن أمورًا مثل التعتيم المالي وسوء نوعية البيانات تعقّد تقدير المؤشرات الاقتصادية المهمة مثل الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن التراجع المستمر في قيمة الجنيه المصري، الذي انخفض إلى نصف قيمته في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، يجعل من الصعب تحويل القيمة بالدولار الأميركي. (التحويلات المقدمة في هذا التقرير لا تعكس القيمة الحقيقية المعدلة، وبالتالي ينبغي أن تؤخذ على أنها مجرد مؤشر، بشكل خاص عندما تتعلق بتقلبات رئيسة في أسعار الصرف.) إلى جانب هذه المشكلات، فإن تجميع وتدقيق الحقائق أمر معقد بسبب الاتساع الكبير لأجهزة الدولة التي لديها بنية معقدة تضم 295 "وحدة" و2449 "كياناً إداريًّا". وفي بعض الأحيان، تبدو الهيئات الحكومية ووكالات الأنباء نفسها مشوشة ليس فقط حيال الأسماء الصحيحة لوحدات معينة، بل أيضًا حيال الوزارة أو الهيئة العامة التي تنتمي إليها. وعندما تستشهد وسائل الإعلام بمسؤولين عسكريين يتحدثون عن نشاط اقتصادي، غالبًا ما تستخدم هذه الوسائل المصطلحات بشكل تبادلي في حين تكون في الواقع لهذه المصطلحات معانٍ متمايزة، مثل الإنتاج، أو إجمالي الحركة المالية، كما يخلط الإعلام بين هذين المصطلحين وبين الربح.

ولكن فيما لا تنشر المؤسسة العسكرية سجلاتها المالية، فإنها ليست خجولة من نشاطها الاقتصادي. على العكس تمامًا، يحرص المسؤولون على وصف إنجازاتها المفترضة. وبالتالي، يعتمد هذا التقرير بشكل أساسي على مواد مفتوحة المصدر، معظمها أولي: مواقع الشركات العسكرية، والجريدة الرسمية، وسجلات الأعمال، ووسائل الإعلام الموالية للحكومة. على سبيل المثال، لقد سمح ذلك بإعداد قوائم لجميع الهيئات العامة والقومية الاقتصادية والشركات المملوكة للدولة وشركات القطاع العام السابقة التي تمت خصخصتها ولديها ضباط متقاعدون من القوات المسلحة في مجالس إدارتها، ما يلقي الضوء على مجالات التركيز والتأثير المفضلة لديها. إن التقييم النوعي ورسم خارطة الممارسات غير الرسمية تدعمهما المقابلات التي أجريت بين العامين 2008 و2018 مع عشرات من المصريين، من ضباط متقاعدين من القوات المسلحة، ووزراء حكوميين، ونواب، ورجال أعمال واقتصاديين، وصحفيين وباحثين وناشطين، ومع عدد إضافي من غير المصريين من دبلوماسيين أجانب ومسؤولين ماليين دوليين وعاملين في قطاع الدفاع ومحللين. وقد جرى حجب أسمائهم من أجل حمايتهم. وهذه المصادر مجتمعة توفّر رسم صورة شاملة للعلاقات واتجاه تدفقات الموارد.