المحتويات

ستصبح نسخة الpdf من هذا التقرير، إضافةً إلى الحواشي الكاملة، متوافرة على الموقع الإلكتروني في وقت قريب.

يستند الاقتصاد العسكري بمجمله إلى قدرة القوات المسلحة المصرية على الاستفادة من دورها الرسمي الأساسي في الدفاع عن الوطن، والسلطات الرسمية وغير الرسمية التي تتمتع بها داخل الدولة المصرية. وهذه القدرة والسلطات مُرسّخة في القوانين ولوائحها التنفيذية والمراسيم الرئاسية وغيرها من الصكوك التي تفوِّض وزارة الدفاع والهيئات التابعة لها (بما في ذلك القوات المسلحة وفروعها المختلفة)، ووزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع من الانخراط في أشكال متنوعة من النشاط الاقتصادي خارج المجال المحدد والأضيق من الإنتاج العسكري. وهذا الإطار القانوني والتنظيمي يسبغ على الفاعلين في الاقتصاد العسكري ثلاثة امتيازات بالغة الأهمية: الجواز القانوني، والسلطات الإستنسابية أو التقديرية، ونقص الشفافية.

إن المساحة بين ما يأذن به الإطار القانوني بشكل صريح وما لا يحظره حرفياً قد سمحت بأشكال وطرق جديدة من الانتفاع الواضح دون أن تخرج عن الصفة القانونية تمامًا. لكن القشرة القانونية لما يجوز مع أنه غير مستحب قانونيًّا، قد تآكلت بشدة بمرور الوقت، ما أدى إلى تعدٍّ كبير على المقدّرات والأصول العامة والخاصة وإلى ممارسات غير قانونية بشكل فاضح. وفي الوقت نفسه، تواطأت المؤسسة العسكرية مع آخرين في التحالف البيروقراطي الحاكم الذي تعد جزءًا منه، من أجل إصدار صكوك قانونية أو النظم الإدارية (مثل الحواجز غير التعريفية أمام التجارة) لغرض محدد هو الالتفاف على القوانين المحلية أو الاتفاقات التجارية الدولية التي تُهَدد بتقييدها، مع البقاء رسميًّا ضمن القانون.

إن المساحة بين ما يأذن به الإطار القانوني بشكل صريح وما لا يحظره حرفياً قد سمحت بأشكال وطرق جديدة من الانتفاع الواضح دون أن تخرج عن الصفة القانونية تمامًا.

إلى ذلك، فإن المؤسسة العسكرية التي تتضمن بشكل عام كافة الهيئات المذكورة أعلاه، تمارس صلاحيات تقديرية واسعة جدًّا . فخلال العقود الأربعة الماضية، اكتسبت، أو استملكت في بعض الحالات، الحق في منح العقود التجارية والقيام باستثمارات كبيرة، وتقديم "هدايا" مالية أو مادية أخرى، كالأراضي والجسور والطرق السريعة والأغذية، إلى هيئات حكومية أخرى ومنظمات شبه حكومية وإلى الجمهور العام، من دون الحاجة إلى موافقة مسبقة أو تصديق لاحق من أي سلطة خارجية. كما أن الهيئات العسكرية لا تضطر إلى التنسيق مع أي هيئة حكومية مسؤولة عن الإدارة أو التخطيط الاقتصادي عند تصميم أو تنفيذ استراتيجياتها التجارية والإنتاجية والاستثمارية الخاصة، أو تشكيل الشراكات التجارية، أو التصرف في الإيرادات.

إن قدرة المؤسسة العسكرية على حجب أنشطتها باسم الأمن القومي قد فاقمت غموض المعلومات المتعلقة بالمعاملات المالية، في ظاهرة مشتركة مع العديد من مؤسسات الدولة في مصر، ما يفسّر تصنيف مصر السيئ في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، حيث انخفض ترتيب مصر إلى 117 من بين 180 دولة في عام 2017 (بعد أن كان 94 في عام 2014). إلا أن غياب الشفافية لعب دوراً مؤثراً في تطور الاقتصاد العسكري الجانح بشكل خاص. فالقطاع الاقتصادي العسكري الرسمي قد يطلق ادّعاءات تتعلق بكفاءته مقارنةً بالمنافسين المدنيين في القطاع العام أو الخاص، لكن هذه الادّعاءات لا يمكن تأكيدها أو الطعن فيها بشكل مستقل. كما أن غياب الشفافية قد أسهم في إحداث بيئة يمكن أن يجري فيها داخلي وتحويل موارد الدولة وعمليات إجرامية.

وقد تسارعت هذه الاتجاهات بفضل ضمان الإفلات من العقوبة. فالجزء الأكبر من القطاع الاقتصادي العسكري الرسمي لا يقع ضمن اختصاص هيئات التدقيق ومكافحة الفساد في مصر، أكان ذلك بحكم القانون أم بحكم الواقع. وبالفعل، فإن أقوى هذه الهيئات، أي هيئة الرقابة الإدارية، يرأسها ويعمل فيها عدد كبير من الضباط السابقين من القوات المسلحة، ما يضمن وقاية إضافية من التفتيش. علاوة على ذلك، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في أيار/مايو 2011 مرسوما نقل سلطة تحديد ما إذا كان يجب محاكمة ضباط القوات المسلحة المتهمين بمكاسب غير مشروعة في المحاكم العسكرية أو المدنية، إلى النيابة العامة في وزارة الدفاع، حتى لو كان المشتبه بهم قد تركوا الخدمة. وعلى خلفية الاقتصاد الليبرالي الجديد والخصخصة القائمة على المحسوبية منذ أوائل القرن الحالي، التي فتحت فرصًا جديدة لمَن هم في مواقع متنفذّة، كانت النتيجة تسارعًا حادًّا وتحولًا نوعيًّا في آن في الاقتصاد العسكري.

إعادة إنتاج النظام الريعي في مصر: المسار التاريخي

أورد قادة المؤسسة العسكرية المصرية تبريرات متنوعة للانخراط العسكري في الاقتصاد المدني. فَهم يشددون على الحاجة إلى استخدام السعة الإنتاجية الفائضة في الصناعة الحربية، وهم قبل كل شيء يصرون، مرارًا وتكرارًا، على قدرة الشركات العسكرية وإدارات القوات المسلحة على توفير المنتجات والخدمات (لاسيما الإنشاءات) بتكلفة أقل، وكسر احتكارات السوق في سلع معينة، والمساهمة بشكل مباشر في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وفي التجارة. ومع أن المساهمة في توفير البنية التحتية العامة والوظائف هي مساهمة حقيقية، فإن بقية هذه الادّعاءات خاطئة إلى حد كبير وتتوقف على خفة يد في كيفية حساب التكاليف والفوائد.

بدلًا من ذلك، فإن نموذج الاقتصاد العسكري هو في المقام الأول ريعي. وهو يكرر منطق النظام المتمثل في استخدام الموارد العامة لاسترضاء فئات وشرائح رئيسة متركزة بشكل كبير في القطاع العام ومؤسسات الدولة، في الوقت الذي يسعى فيه أيضاً لتحقيق دخل الريع لنفسه. وخلافاً للإيحاء بأن الفكر الاقتصادي التجاري السليم هو الذي دفع الاقتصاد العسكري في أي مرحلة من المراحل، فإنه، في الواقع، قد تطور أساساً عبر الاستيلاء على مصادر الدخل المتولّدة عن امتيازه في الوصول إلى المقدّرات والعقود العامة التي تسيطر عليها الدولة. وجنبًا إلى جنب نظيراتها المدنية في القطاعين العام والخاص، فقد سعت جهات مؤسساتية وجماعات مصالح عسكرية إلى استغلال الفرص التي أتاحتها التطورات السياسية في المحيطين الدولي والمحلي لمصر من أجل تعزيز وتوسيع امتيازاتها البنيوية ضمن الاقتصاد.

إن نموذج الاقتصاد العسكري هو في المقام الأول ريعي. وهو يكرر منطق النظام المتمثل في استخدام الموارد العامة لاسترضاء فئات وشرائح رئيسة متركزة بشكل كبير في القطاع العام ومؤسسات الدولة، في الوقت الذي يسعى فيه أيضاً لتحقيق دخل الريع لنفسه.

إن مسار الاقتصاد العسكري يشهد على صحة ذلك. فقد جرى بناء الصناعة الحربية المصرية الحديثة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، في السياق المزدوج للصراع مع إسرائيل وفي حقبةٍ كانت فيها النزعة القومية الاقتصادية واستراتيجيات التصنيع للإحلال محل عن الاستيراد تحظى بشعبية في البلدان النامية. كانت هذه أيضاً فترة طُلب فيها من ضباط القوات المسلحة المصرية القيام بأدوار إدارية في الجهاز البيروقراطي للدولة، وذلك، جزئيًّا، لتوفير مهارات تقنية ولتقليص اعتماد النظام الجمهوري الناشئ على الخدمة المدنية التي ورثها من النظام الملكي. إلا أن انخراط الصناعة الحربية في الإنتاج المدني الذي بدأ في أواخر الخمسينيات أثبت فشله، ولم تنخرط المؤسسة العسكرية، في الأشغال العامة والاقتصاد المدني طيلة ما تبقى من عهد عبد الناصر وحتى وفاته في عام 1970.

أما رئاسة خَليفة عبد الناصر، أنور السادات، فقد تميزت بدايةً بصراعه لاحتواء وتفكيك الفئات و"مراكز القوى" المناوئة له في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية. ولكن ذلك تحول في النصف الثاني من السبعينيات إلى تخفيف عبء الدفاع عن مصر، وحل مشكلة النقص الدائم في رأس المال، وتقليص الحضور العسكري في الميدان السياسي والحكومة. إلى ذلك، حصل هذا التحوّل وسط التوجه الاستراتيجي الجديد في العلاقات العسكرية والاقتصادية بعيدًا عن الاتحاد السوفييتي، وباتجاه الغرب، وعملية السلام مع إسرائيل.

هذه الأولويات هي التي شكّلت الاقتصاد العسكري. ففي عام 1975، أطلق السادات الهيئة العربية للتصنيع، وهي شركة تجارية عسكرية بتمويل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر والإمارات العربية المتحدة كوسيلة لجذب استثمارات كبيرة إلى مصر وجعل البلاد مركزًا صناعيًّا إقليميًّا. بعد أربع سنوات، سمحت معاهدة السلام مع إسرائيل بتخفيضٍ كبيرٍ في القوات المسلحة وميزانية الدفاع. وقد قادت القوات المسلحة عملية إعادة بناء وإعادة تأهيل المدن والبنية التحتية في منطقة قناة السويس، بتمويل جزئي من المساعدات الدولية، ما سمح لها بوضع اليد على الأصول والأنشطة الاقتصادية هناك لاحقًا. وقد جرى تفويض وزارة الدفاع لإنتاج الاحتياجات الأساسية من الغذاء والمعدات غير القتالية والخدمات للقوات المسلحة، وقد أنشأ السادات لهذا الغرض هيئات اقتصادية عدة، وتحوّل تركيز النشاط الاقتصادي من استرضاء ضباط القوات المسلحة في أعقاب اتفاقية كامبْ ديفيد مع إسرائيل إلى ضمان مستويات معيشتهم في زمن تقليص الميزانية.

وبحسب أحد التقديرات، كان قد جرى أصلًا تخفيض الإنفاق الدفاعي من 16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1970 إلى 9 في المئة في عام 1978، لذلك جاءت التخفيضات الإضافية شكلية إلى حد كبير، وتحققت أساسًا من خلال إبعاد نفقات مختارة عن الدفاتر الحكومية. إلا أنّ تلك التخفيضات مهّدت الطريق لصعود وتنويع اقتصاد عسكري موازٍ في عهد حسني مبارك الذي تولى الرئاسة في عام 1981. وخلال السنوات الثلاثين التالية، مر الاقتصاد العسكري بثلاث مراحل متمايزة، تشكّلت كل منها عبر تقاطع متشابه بين العوامل السياسية والاقتصادية، معتمدةً بالقدر نفسه على مكانة القطاع الاقتصادي العسكري كجَيبٍ محصور يتمتع بحماية الدولة.

في عقده الأول، أيّد مبارك مقاربة وزارة الدفاع نحو الدعم الذاتي كوسيلة لتأمين النفوذ السياسي بين الضباط المتململين، في حين حوّل نفقات الدفاع في وقتٍ تعمّق فيه التقشف المالي. أمّا المساعدات الاقتصادية الأميركية التي بلغت 250 مليون دولار سنويًّا، وغيرها من خطوط الائتمان الغربية، فلم تعوّض بشكل كامل عن وقف المساعدات المالية الرسمية وقروض التنمية العربية في عام 1978 أو عن انخفاض عائدات صادرات النفط حين انخفضت أسعار النفط العالمية بشكل حاد خلال الثمانينيات. وكان الضغط من جانب المؤسسات المالية الدولية لخفض ميزانية الدفاع قد شجع، من دون قصد، على نمو اقتصاد عسكري خارج الميزانية إلى حد كبير. وكذلك فعلت المنافسة خلف الكواليس على السلطة بين مبارك ووزير الدفاع آنذاك، المُشير عبد الحليم أبو غزالة، الذي استخدم الإنتاج العسكري من السلع والخدمات المدنية وعائدات تصدير فائض الأسلحة والذخيرة إلى العراق، في أثناء حربه مع إيران، من أجل تعزيز مكانته الخاصة داخل القوات المسلحة ومع المواطنين عموماً.

استثمرت وزارة الدفاع في الإنتاج الغذائي، وبناء الإسكان والبنية التحتية، وأجّرت مرافق تملكها الدولة موضوعة تحت سلطتها (مثل الموانئ في منطقة قناة السويس)، واستفادت من سيطرتها على المناطق العسكرية حول العاصمة والمدن الأخرى للحصول على عائد مالي عند الموافقة على استخدام الأراضي للمشاريع التي تمولها الدولة. ويُذكر أن الدخول العسكري إلى قطاعات الغذاء مثل المعكرونة أو الألبان أو المياه المعبأة كان يحاكي سلوك أعداد كبيرة ممّا سُمي "شركات الانفتاح" التي ظهرت تجاوبًا مع سياسة التحرر الاقتصادي التي كان قد أدخلها السادات في العقد السابق. ربما كانت الحصة العسكرية في السوق أقل بكثير مما يُفترض عادةً، وبالتالي فإنه من شبه المؤكد أن قيام وزارة الدفاع بتأجير أراضٍ وبترخيص استخدام الأراضي هو ما أمدّها برأس المال الأساسي للتوسع في المرحلة التالية.

جاءت إقالة مبارك لأبو غزالة في عام 1989 علامة على مرحلة ثانية تتمحور حول مقايضة بسيطة: تستطيع المؤسسة العسكرية أن تزيد مشاركتها الاقتصادية مقابل أن تبقى خارج السياسة. وكان مبارك قد اضطر في عام 1986 إلى الاعتماد على القوات المسلحة لقمع تمرد قوات الأمن المركزي، وهي هيئة شبه عسكرية كبيرة تابعة لوزارة الداخلية، ما أدّى إلى تمكين أبو غزالة. في المقابل، اعتمد الرئيس بشكل أساسي على أجهزة الأمن الداخلي من أجل مواجهة التمرد الجهادي المتنامي في التسعينيات. فزاد عديد القوى العاملة في وزارة الداخلية وميزانيتها بمعدلات تفوق بكثير معدلات وزارة الدفاع، وكلّف جهاز مباحث أمن الدولة التابع لوزارة الداخلية بمراقبة ضباط القوات المسلحة والتأثير على ترقيتهم.

قام خليفة أبو غزالة في وزارة الدفاع، الفريق أوّل يوسف صبري أبو طالب، بكبح توسع الاقتصاد العسكري. لم تدم فترة ولايته سوى عامين، إلا أن الفريق محمد حسين طنطاوي الذي خلفه في عام 1991 أثبت امتثاله التام لهدف مبارك بتهميش القوات المسلحة سياسيًّا. لقد أشرف وزير الدفاع الجديد على تفشٍّ حقيقي لجمهورية الضباط فيما كان يعمل على احتواء كبار الضباط: خلال فترة ولايته التي استمرت عشرين عامًا وهو أمر غير مسبوق، أصبح من المعتاد أن ينتقل متقاعدو القوات المسلحة إلى مناصب في الجهاز البيروقراطي للدولة وشركات القطاع العام، غالبًا في قطاعات متعلقة بتلك التي خدموا فيها (مثل الطيران أو النقل البحري)، ما أصبح يشكّل حِكراً مضموناً لهذه الفروع من القوات المسلحة.

كان التوقيت مناسبًا، إذ جاء شطب جزء من الديون المصرية البالغة 50 مليار دولار للدول الغربية مقابل تأييد مصر التدخل الذي قادته الولايات المتحدة في أزمة الخليج 1990-1991 ليخفّف ضغوط الميزانية على الحكومة، في تزامن مع إطلاق برنامج الخصخصة الشامل للشركات التي تملكها الدولة، ما أدى إلى زيادة الإيرادات. وقد سمح ذلك بتحول المصانع والشركات العسكرية إلى شركات أعمال عامة تحكمها القواعد والنظم التجارية، ما أدى فعليًّا إلى خصخصة الأرباح مقابل نقل الخسائر إلى الدولة. وقد قامت هذه الشركات وهيئات عسكرية أخرى بتنويع أنشطتها وشركائها التجاريين على مدى العقد التالي، لكن ليس من دليل مقنع بأن حجم تداولها أو نسبتها المئوية من الناتج المحلي الإجمالي نما بشكل كبير في هذه الفترة. كانت النتيجة الأهم لإعادة التوجه الاقتصادي هذه أنها ساعدت في توسيع الحصة العسكرية من عقود الأشغال العامة، وتكرار نمط المضاربة العقارية والمتاجرة من الداخل الذي اتسم به الاقتصاد الأوسع نطاقًا، الأمر الذي خدم جمهورية الضباط فعليًّا أكثر مما خدم الاقتصاد العسكري الرسمي.

وقد كان استئناف برنامج الخصخصة في أوائل هذه الألفية بمثابة إشارة إلى مرحلة ثالثة، ما أتاح للمؤسسة العسكرية فرصة للتوسع أكثر في الاقتصاد المدني. لقد فعل ذلك جزئيًّا عن طريق الاستحواذ على بعض الشركات الفاشلة المملوكة للدولة، أو عبر إنشاء شركات عسكرية جديدة، ولكن أيضاً من خلال البحث عن شراكات ومشاريع مشتركة مع الشركات الخاصة المصرية والأجنبية. ومع أن المؤسسة العسكرية تمكنت من توطيد جيبها الاقتصادي، فإن هذه الفترة لم تتسم بالنمو الجامح. فالاقتصاد العسكري الرسمي اعتمد اعتمادًا كبيرًا على إدارة وزارة الدفاع للأشغال العامة مثل استصلاح الأراضي وبناء المدن الجديدة. بدلًا من ذلك، كان رجال الأعمال الطفيليون المقربون من مبارك وابنه جمال والحزب الوطني الديمقراطي الحاكم هم الذين يجنون المنافع الرئيسة من الخصخصة، مستحوذين على حصة السوق في قطاعات مهمة من الاقتصاد، ليحلّوا محل المؤسسة العسكرية كمصدر للروابط السياسية التي تسعى إليها كل من الشركات العامة والخاصة للفوز بالعقود. كان فقدان النفوذ هذا عاملاً في انزعاج المؤسسة العسكرية، ومعارضتها العلنية أحياناً، حيال خصخصة أصول الدولة الرئيسة وتهيئة جمال مبارك لخلافة والده، ما مهد الطريق لانحيازها ضد مبارك خلال ثورة 2011.

لحق فاصل وجيز خلع مبارك في شباط/فبراير 2011. فبدا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى سلطات الرئيس لم يكن لديه خطط واضحة لتوسيع الاقتصاد العسكري، لكنه كشف عن عزمه على الحفاظ على ما كان لديه أصلًا، ما اعتبره ضروريًّا لتلبية احتياجات القوات المسلحة، بمجملها، واحتياجات ضباطها ومنتسبيها، على حد سواء. كان هذا هو جوهر كلام مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة في نيسان/أبريل 2012، وهو أن المؤسسة العسكرية لن تسمح لأي شخص "بالتدخل في مشاريع القوات المسلحة". وقد تكشَّف مدى إصرار المؤسسة العسكرية على الدفاع عن حصتها عندما أجبرت وزارة الدفاع الرئيس محمد مرسي (المنتخب في عام 2012) على التخلي علناً عن خططه لوضع التنمية في منطقة قناة السويس، التي اعتبرها العسكر محمية اقتصادية حصرية، تحت هيئة مدنية جديدة ملحقة بالرئاسة في ربيع 2013.

جاء هذا التحدي المكشوف قبل بضعة أشهر فحسب قبل الإطاحة بمرسي في تموز/يوليو2013. بعد أن جربت القوات المسلحة تعديلات دستورية متعاقبة تُجسِّد استقلاليتها المالية والعملياتية عن أي سلطة مدنية، تولّت هذه القوات موقع السلطة الكاملة واكتسبت فرصة غير مكبوحة. وإذ بدا لوهلة أنّ ثورة عام 2011 تهدد المكانة المحمية للاقتصاد العسكري، فإن أي قيود متبقية عليه قد أزيلت بالفعل. وفي عهد السيسي الذي انتخب رئيسًا في أيار/مايو 2014، برزت المؤسسة العسكرية كوسيط ومدير اقتصادي رئيس.

إطار العمل القانوني

لقد تطور الإطار القانوني التمكيني للاقتصاد العسكري بشكل مستمر في ظل الإدارات الرئاسية المتعاقبة التي حكمت مصر منذ أن استولى الضباط الأحرار على السلطة في عام 1952. وضعت الأسس في عهد عبد الناصر، حيث جرى إعفاء المؤسسة العسكرية من دفع الضرائب والرسوم والجمرك، وكان محميًّا من النظم الحكومية المتعلقة بالمشتريات وغيرها من جوانب الإدارة والتقارير المالية التي تخضع لها بقية القطاع العام. التعديلات اللاحقة في ظل رئاسة السادات ومبارك والسيسي أكدت هذه الإعفاءات أو وسّعتها، وعززت استقلالية المؤسسة العسكرية وسلطاتها الإستنسابية، كما عززت استثناءها من كشف المعلومات للسلطات المدنية أو الخضوع للتدقيق الخارجي للحسابات في ما يتعلق بأمورها المالية، كما مددت سيطرتها على الأصول العامة مثل الأراضي، ووسّعت بشكل عام نطاق نشاطها الاقتصادي والتجاري. جرى تأكيد المكانة الخاصة للمؤسسة العسكرية بعد أن أصبح ناصر رئيسًا للجمهورية في عام 1956 بفترة وجيزة. فالمرسوم رقم 263 لعام 1956، الذي أصدره وهو لا يزال رئيس الوزراء، استثنى "المخازن السرية" العسكرية من التفتيش من قبل ديوان المحاسبة ووزارة المالية والاقتصاد، وفوَّض وزارة الدفاع القيام بهذا الدور بالنيابة عنهما وتقديم تقاريرها إليهما بدلاً عن ذلك. والأرجح أنَّ هذا المرسوم قد شكَّل الأساس لاستثناء جميع الهيئات والأصول العسكرية من الرقابة والتدقيق المحاسبي المدنيين منذ ذلك الوقت وحتى الآن. ثمَّ جاءَ القانون 204 لعام 1957 ليعفي وزارة الدفاع والكيانات المرتبطة بها، وعلى رأسها القوات المسلحة في ذلك الوقت، من "الضرائب والرسوم واللوائح والقوانين المعدلة لها" في ما يتعلق بعقود التسلح والرسوم الجمركية على الواردات. ومع أنه جرى تعيين أعداد كبيرة من ضباط القوات المسلحة في مناصب عليا في الجهاز البيروقراطي للدولة (1500 بين العامين 1954 و1962 وفقًا لتقدير عالم الاجتماع المصري أنور عبد الملك)، فإن المؤسسة العسكرية لم تكن بعد قد لعبت دورًا مباشرًا رسميًّا في الاقتصاد الوطني. حتى إن وزارة الإنتاج الحربي، التي جرى إنشاؤها في عام 1954، تمَّ إلغاؤها في عام 1969 بسبب ضعف أدائها.

وضعت الأسس في عهد عبد الناصر، حيث جرى إعفاء المؤسسة العسكرية من دفع الضرائب والرسوم والجمرك، وكان محميًّا من النظم الحكومية المتعلقة بالمشتريات وغيرها من جوانب الإدارة والتقارير المالية.

أما الزخم الحقيقي لتطور الاقتصاد العسكري الرسمي وإطاره القانوني، فقد أتى في ظل السادات، وإن كان ذلك على مراحل. فالدستور الجديد لعام 1971 أعطى الرئيس سلطة الإشراف والموافقة على عقود الدفاع، وقد جرى توسيع ذلك في القانون 29 لعام 1972 ليشمل واردات الأسلحة والمخصصات الدفاعية المتصلة و(الخاضعة للمصادقة من قبل البرلمان) وليمنح سلطة إضافية للتصريح بالإنفاق بما يتجاوز الميزانية المعتمدة. استخدم السادات فيما بعد القانون 29 لتوسيع صلاحياته الرئاسية بطرق أخرى، فاستند قانون التأمين الاجتماعي والمعاشات التقاعدية للقوات المسلحة المعدّل رقم 90 لعام 1975 إلى سلطات الرئيس بموجب القانون 29 على سبيل المثال، ليمنع أفراد القوات المسلحة الذين استلموا وظائف مدنية من تلقي معاشاتهم التقاعدية العسكرية في الوقت نفسه الذي يحصلون فيه على رواتبهم الجديدة. (وفي عام 1995، أي بعد حوالي 14 عامًا من وفاة السادات، قضت المحكمة الدستورية بأن استخدامه للقانون 29 لتعديل هذه المادة من قانون التأمين والتقاعد والمعاشات للقوات المسلحة كان غير دستوري. ولكن القانون والمادة بقيا سارييْن.) وفي عام 1980، أنهى السادات إعفاء الهيئة العربية للتصنيع شبه العسكرية من تطبيق هذه المادة من القانون 90 على موظفي القوات المسلحة المتقاعدين الذين كانت توظفهم. وفي القانون 146 لعام 1981، اعتبر السادات مرة أخرى القانون 29 أساسًا لتوسيع سلطاته في الإشراف والموافقة لتشمل الصادرات العسكرية.

الزخم الحقيقي لتطور الاقتصاد العسكري الرسمي وإطاره القانوني، فقد أتى في ظل السادات، وإن كان ذلك على مراحل.

لم تكن القوانين السابقة تتعلق بالاقتصاد العسكري بشكل مباشر، لكنها أرست نمطًا من الصلاحيات والتدخلات الرئاسية التي جعلته في اتجاه تصاعدي في النصف الثاني من رئاسة السادات، ووضعت الأساس لتوسعه المتسارع في عهد خليفته مبارك. كان السادات قد أعاد تنصيب وزارة الإنتاج الحربي في عام 1971، لكنها ظلت خاملة إلى حد كبير. وبالتالي، فإن إعلان الهيئة العربية للتصنيع في عام 1975 كان بمثابة الخطوة الأولى المهمة في بناء الاقتصاد العسكري. في الواقع، كانت الهيئة العربية للتصنيع خروجًا على المألوف: لقد أنشأها القانون رقم 12 ليس كشركة مصرية بل باعتبارها "منظمة دولية"، لأنها أُنشئت بالشراكة مع عدة دول خليجية. وبالتالي، كانت تحتكم بلوائحها الداخلية بدلاً من اللوائح الحكومية. لكن السادات دفع الهيئات العسكرية الرسمية في نفس الاتجاه. وكان قد سبق أن أعفاها من رسوم أخرى ثانوية، مثل "ضريبة الجهاد" المفروضة بموجب القانون 117 لعام 1973، لدعم عبء الدفاع الوطني. ثمَّ مدد بعد ذلك إعفاء وزارة الدفاع من دفع الرسوم الجمركية بموجب القانون 204 لعام 1957 ليشمل كلًّا من وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع. وعندما أسس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية في عام 1979، فإنه فوّضه تنظيم نفسه بشكل مستقل عن وزارتي الدفاع والمالية، وحرره من الامتثال للّوائح الحكومية المتعلقة بالمشتريات والمحاسبة والتدقيق.

لكن الأهم من ذلك هو الأساس القانوني الذي وضعه السادات للسيطرة العسكرية الرسمية على استخدام أراضي الدولة، التي تبين أنها من أهم أصوله منذ ذلك الحين. سبق أن استوجب القانون رقم 38 لسنة 1977 على الوكالات السياحية الحصول على تصريح من وزارة الدفاع للعمل في المناطق الحدودية، التي تشمل سواحل البلاد، وهي مقصد سياحي رئيس. والمرسوم الرئاسي 143 لعام 1981 وسّع هذا الشرط ليشمل جميع "الأراضي الصحراوية"، ما يعني أي منطقة غير مسجلة سابقًا في السجلات العقارية على أنها "ذمم"، أي مملوكة لأشخاص أو كيانات اعتبارية، عامة أو خاصة، وتخضع للضريبة العقارية. وقد شمل ذلك ما يقدّر بـ90-95 في المئة من المساحة الكلية لمصر، وبالتالي أدى إلى توسيع المنافع العسكرية الاقتصادية المحتملة بشكل كبير. وأتْبع السادات ذلك بالقانون رقم 531 لعام 1981 بإنشاء جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة، الذي سُمح له بتوليد الدخل من العقارات العسكرية، الواقعة في أحيان كثيرة في المناطق الصحراوية والحدودية.

وسّع عهد مبارك الصلاحيات والتوجهات الموضوعة في عهد السادات، ما وضع الاقتصاد العسكري على مسار نموٍ متسارع. وقد مدد القانون رقم 186 لعام 1986 الإعفاء الجمركي المذكور في القانون 204 لعام 1957 ليشمل جميع واردات المعدات، ومركبات النقل، والأدوية، وغيرها من المواد غير القتالية، فضلًا عن الأسلحة. منذ ذلك الحين، في الواقع، أصبحت كافة السلع والمواد التي تستوردها الهيئات العسكرية معفاةً من الرسوم، بما في ذلك المواد الغذائية المعدة للبيع في الأسواق المدنية. كما أعفى القانون رقم 11 لعام 1991 وزارة الدفاع وجميع الفروع والهيئات التابعة لها من ضريبة المبيعات، وهو إعفاء جرى تمديده في عام 2001 حتى يشمل جميع قادة كافة صنوف القوات المسلحة وأقسامها وهيئاتها وصناديقها، وكذلك الشركات التابعة للهيئة العربية للتصنيع ووزارة الإنتاج الحربي. إلى ذلك، جرى تجديد جميع الإعفاءات بشكل دوري. على سبيل المثال، أعيد التأكيد على الإعفاء من الرسوم الجمركية في القانون 91 لعام 2005، وتمّ إعفاء جميع مرافق القوات المسلحة التي تقدم خدمات تجارية (الفنادق والنوادي والمستشفيات والعيادات ودور السينما ومخازن السوبر ماركت) من الضريبة العقارية المفروضة بموجب القانون 196 من 2008.

وسّع عهد مبارك الصلاحيات والتوجهات الموضوعة في عهد السادات، ما وضع الاقتصاد العسكري على مسار نموٍ متسارع.

في موازاة ذلك، أُعيد تصنيف شركات وزارة الإنتاج الحربي في عام 1991 وفقًا لقانون هيئات القطاع العام وشركاته رقم 97 لعام 1983 الذي ينص على تكوين شركات مساهمة. بعد ذلك بعامين، أصدر مجلس الوزراء قرارًا بإعفاء شركات وزارة الإنتاج الحربي من نفقات الإنتاج الدفاعي على أن تتحملها خزانة الدولة بدلاً من ذلك. (من الناحية النظرية، على الأقل، لا ينطبق هذا المرسوم على إنتاجها المدني، ولكن من الناحية العملية، لا يبدو أن التمييز قد جرى تطبيقه، إذا ما كانت الحسابات السنوية التي تم الكشف عنها في عام 2011 دليلًا على الممارسات المحاسبية لديها.) في غضون ذلك، جرى إعفاء الشحنات الواردة إلى الشركات العسكرية كذلك من التفتيش في الموانئ عند دخول البلاد. ربما في هذا الوقت أيضاً، جرى السماح لشركات وزارة الإنتاج الحربي بترحيل فوائض الميزانية، أي نقلها إلى السنة المحاسبية التالية، وجرى إيداعها في صناديق "خاصة" احتفظت بها، تبعًا لذلك، كرأسمال يمكن التصرف به.

هذه التطورات القانونية عززت المكانة الخاصة للمؤسسة العسكرية ومهدت الطريق لتوسعها الاقتصادي. لكن تطورين برزا اتّسما بأهمية خاصة: القانون رقم 89 لعام 1998 بشأن العطاءات والمناقصات، وسلسلة من القوانين التي تمنح سيطرة واسعة النطاق لوزارة الدفاع على أراضي الدولة، وبلغت هذه السيطرة ذروتها في المرسوم الرئاسي رقم 152 لعام 2001 الذي يحدد "المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية في الأراضي الصحراوية".

في الحالة الأولى، مصر عضو في منظمة التجارة العالمية، لكنها ليست طرفًا في اتفاقية المشتريات الحكومية الصادرة عن المنظمة. وهذا ما يفسر أهمية القانون 89 الذي منح الوزارات والهيئات الحكومية صلاحية واسعة لمنح العقود التي تصل إلى قيمة معينة وفي نطاقات محددة من خلال ما يُعرف عادة بالأمر أو "الإسناد" "المباشر، على أساس غير تنافسي ومن دون مناقصات. الأهم من ذلك أن القانون منح الصلاحية نفسها لوزارة الدفاع ووزارة الإنتاج الحربي. وبالتالي، فإن جميع أقسام الاقتصاد العسكري الرسمي يمكنها أن تتبع ما يطلق عليه تسميات متنوعة مثل "العروض المحدودة" أو "العروض المحلية" أو "الممارسة المحدودة" أو "الاتفاق المباشر" مع المقاولين، ويجوز لها تفويض هذه الصلاحيات في ما يتعلق بأي عقد أو نشاط يقع ضمن اختصاصها من دون الالتزام بعتبات في القيمة القصوى للعقود.

جرى توسيع السلطة العسكرية على أراضي الدولة رسميًّا في عام 1988، عندما صدر مرسوم عن رئاسة الوزراء طالب وزارات الزراعة واستصلاح الأراضي، والإسكان والمرافق والتنمية العمرانية، والسياحة، الحصول على تصريح من وزارة الدفاع للعمل في المناطق التي تعتبرها ذات أهمية عسكرية. وقام القانون رقم 7 لعام 1991 بتوطيد هذه الصلاحية وتحديثها من خلال مطالبة الهيئات العامة الاقتصادية، المنشأة حديثًا، أيضاً بتنسيق استخداماتها المخططة للأراضي وتقسيم المناطق مع وزارة الدفاع، كما منح القانون الرئيسَ سلطة إضافية في تحديد مناطق صحراوية على أنها مناطق استراتيجية وذات أهمية عسكرية. ولم يكن القانون رقم 5 لعام 1996 يتعلق بالدفاع تحديداً، لكنه مهّد الطريق للمضاربة المتفشية في العقارات التي أتت لاحقًا والتي انخرط العسكريون فيها أيضاً، وذلك عبر تمكين الرئيس من وضع القواعد والإجراءات التي تحكم إتاحة أراضي الدولة للمستثمرين مجانًا أو مقابل إيجار رمزي.

غير أن أهم تطور جاء في المرسوم الرئاسي رقم 152 لعام 2001 الذي مكّن الرئيس من تحديد "المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية من الأراضي الصحراوية". هذا حدد المعاييرَ التي يجب أن تفي بها أي هيئة مدنية أو شخص يسعى إلى القيام بالبناء أو أي نشاط آخر، سواء فوق الأرض أو تحت الأرض، أو بمحاذاة الطرق، أو قبالة شواطئ البحار والبحيرات، في جوار المنشآت العسكرية. في الواقع، منح المرسومُ وزارةَ الدفاع حرية الاستنساب في تعيين الأراضي للاستخدام التجاري. حيث فوّض وزارة الدفاع تحديد المناطق الاستراتيجية وكذلك تحديد المسافات الفاصلة التي يجب الحفاظ عليها بين المناطق الاستراتيجية وبين البناء المدني الجديد، والارتفاعات المسموح بها للهياكل التي تُبنى في جوارها، والمواصفات الفنية للأعمال المنتِجة للنفايات (الصلبة أو الغازية أو السائلة) القائمة في مكان قريب منها. وأعقب ذلك على الفور القرار الرئاسي رقم 153 بإنشاء المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة الذي سعى إلى جرد واستخدام جميع أراضي الدولة بالتنسيق مع إدارة المساحة العسكرية، مع وجود ممثل عن وزارة الدفاع في مجلس إدارة المركز الجديد. إلى ذلك، فإن على رئيس المركز أن يحظى بموافقة الوزارة وغالباً ما يكون ضابطاً متقاعداً.

يُلحظ أن هذه القوانين المختلفة تزامنت مع عملية الخصخصة الجزئية التي مرت بمصر على مراحل بين عامي 1991 و2009، ومع زيادات موازية حادة في المضاربة العقارية والفساد. إن منح العقود بالأمر المباشر يعزز قدرة الشركات العسكرية على بيع منتجات ذات جودة متدنية أو بأسعار مبالغ فيها للهيئات الحكومية، ويمكّن الهيئات العسكرية من منح عقود المشاريع الحكومية التي يديرها إلى مقاولي القطاع الخاص المفضَّلين (أو من هم على استعداد لدفع رشاوى باهظة، كما تؤكد مقابلات عديدة أُجريت لهذا التقرير). وقد زعم عضو سابق في حكومة رئيس الوزراء القصيرة الأمد هشام قنديل (2012-2013) فيما بعد، على سبيل المثال، أن كبار المسؤولين في وزارته أمروا قسم المشتريات في الوزارة بدفع مبلغ 400 مليون جنيه مصري (حوالي 63 مليون دولار عندها) لشركة عسكرية من أجل هواتف محمولة تساوي حوالي 50 مليون جنيه مصري في السوق المفتوح.

وبالمثل، استخدمت وزارة الدفاع سلطتها الفعلية على استخدام أراضي الدولة وعلى إمكانية الوصول إلى مناطق تحتوي على موارد طبيعية قابلة للاستغلال، من أجل انتزاع رسوم الترخيص والرشاوى، وذلك من كلِّ من مستثمري القطاع الخاص والهيئات الحكومية - مثل وزارتي الإسكان والنقل اللتين تعتمدان اعتمادًا كبيرًا على استخدام أراضي الدولة. وينطوي ذلك على بمبالغ غير قابلة للتحديد الكمّي لكنها بالطبع كبيرة. وقد ادعى مسؤولون كبار، بمن فيهم مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، مرارًا وتكرارًا، أن وزارة الدفاع تطلب فقط تعويضًا عن المنشآت العسكرية التي يجب تفكيكها أو نقلها، أو مقابل التنازل عن الأراضي المخصصة للاستخدام العسكري. لكن هذا التخصيص يجري في الواقع بأثر رجعي دائمًا، ولا يمكن إثباته بما أن الخرائط التي يستند إليها تبقى سرية. وترأس وزارة الدفاع "تسلسلًا هرميًّا للسيطرة بحكم القانون على الأراضي العامة غير المخصصة"، كما أشار تقرير للبنك الدولي في عام 2006. ويمكن أن يستغرق الحصول على تصريح عسكري لطلبات استخدام الأراضي أكثر من عام، ما يخلق حافزًا قويًّا عند مقدمي الطلبات لدفع رشاوى من أجل استعجال العملية أو اختراق قائمة الانتظار. إلى ذلك، فإن الدور الخاص لوزارة الدفاع في إدارة الأراضي زوّد شبكات الضباط بالمعلومات الداخلية، الأمر الذي مكّنهم من شراء الأراضي الصحراوية بأسعار زهيدة للغاية قبل أن تؤدي خطط تطويرها إلى رفع قيمتها. وربما استجابةً لتهديد الإجراء القانوني الذي ظهر بعد ثورة عام 2011، أصدر رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الجمهورية بالوكالة القرار الرئاسي رقم 45 موكلاً إلى المدعي العام العسكري تحديد ما إذا كانت الاتهامات الموجهة إلى ضباط القوات المسلحة تُحال إلى المحاكم العسكرية أو إلى الهيئات المدنية، ما يؤدي فعليًّا إلى انتزاع هذه السلطة من مكتب النائب العام.

وكما هو متوقع، جرت إعادة تأكيد الصلاحيات والإعفاءات والامتيازات العسكرية وتوسيعها منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في تموز/يوليو 2013. ومن الأمثلة على ذلك التعديل الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور على القانون رقم 89 لعام 1998 بشأن العطاءات والمناقصات في أيلول/سبتمبر 2013، الذي رفع الحدود العليا لقيمة العقود التي يمكن أن يصدرها الوزراء والهيئات الحكومية مباشرة للمقاولين الذين يختارونهم من دون تقديم عطاءات مفتوحة، "في حالات الطوارئ". حصلت وزارة الدفاع ووزارة الإنتاج الحربي والهيئات التابعة لهما على صلاحيات مماثلة، ثم لحقت الهيئة العربية للتصنيع بعد بضعة أشهر- ومن الأهمية أن القانون المعدل لم يلزم أيًّا من هذه الهيئات العسكرية بعتبة للمعاملات من دون مناقصات. علاوة على ذلك، فمع أن المادة 9 من القانون المعدل تتعلق على وجه الخصوص بعقود التسلح على النحو المحدد في القانون 204 لعام 1957، طبّقت على جميع العقود الصادرة عن الهيئات العسكرية للموردين المدنيين والمقاولين من الباطن، بما في ذلك للأشغال العامة التي تمولها الحكومة.

وكما هو متوقع، جرت إعادة تأكيد الصلاحيات والإعفاءات والامتيازات العسكرية وتوسيعها منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في تموز/يوليو 2013.

إن النفوذ السياسي الصاعد للقوات المسلحة المصرية بعد عام 2011 ودورها المتنامي في الإدارة الاقتصادية بعد عام 2013 جرت ترجمتهما زيادةً حادة في منح العقود بالأمر المباشر إلى القطاع الخاص المصري، الذي يستمد جزءًا كبيرًا من دخله من الأشغال العامة وعقود الشراء الحكومية، ما وسّع نطاق الفساد والمحسوبية. والمرسوم الرئاسي رقم 32 لعام 2014 الذي منع طعن أطراف ثالثة في العقود التي تمنحها هيئات حكومية عزّز قدرة الجهات الفاعلة المتمركزة جيدًا، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، على الحصول على مصادر دخل مربحة وعلى حماية نفسها من التفتيش والملاحقة القضائية في الوقت نفسه. كان الغرض الرئيس منع الطعون القانونية في منح العقود العامة، وحماية كلٍّ من المسؤولين الحكوميين الذين يمنحونها والمقاولين. في الوقت نفسه، وبموجب القانون رقم 5 لسنة 2015، جرى إعفاء الهيئات العسكرية من الامتثال لشرط تفضيل السلع الصناعية المصرية في عقود المشتريات الحكومية، ما يسمح لها بالاستعاضة عنها بالواردات الأجنبية إذا رغبت في ذلك.

اتصلت عدة قوانين لاحقة اتصالاً مباشر أكثربالمؤسسة العسكرية. أهمها القرار الرئاسي رقم 446 لعام 2015 الذي خوّل هيئة مشروعات أراضي القوات المسلحة المصرية استخدام أصولها كحصتها من رأس المال في تكوين مشاريع مشتركة مع شركات محلية وأجنبية. بعد شهر واحد تمامًا، سمح القرار الرئاسي رقم 127 لأي كيان عام بإنشاء شركات مساهمة بعد الحصول على موافقة مجلس الوزراء، ما مهّد الطريق لمزيد من الشركات العسكرية والمشاريع المشتركة. ظهر أثر منح الاستخدامَ التجاري العسكري لأراضي الدولة والاحتفاظ، بحكم الواقع، بكافة الإيرادات المتأتية عن ذلك، عندما أوعز القرار الرئاسي رقم 57 لعام 2016 بتأسيس شركة مساهمة لهيئة مشروعات الأراضي (إلى جانب جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان) من أجل إدارة مشروع العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة الشيخ محمد بن زايد القريبة. وبموجب ذلك، لا تدفع الهيئات العسكرية ضريبة القيمة المضافة على السلع والمعدات والآلات والخدمات والمواد الخام التي تحتاج إليها لأغراض التسليح والدفاع والأمن القومي، ولا على السلع والخدمات التي تبيعها الهيئات والمنافذ العسكرية مثل الفنادق التي تملكها وزارة الدفاع أو محطات الوقود التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية. عززت هذه المراسيم نطاق المضاربات العقارية. وهذا الأمر انعكس، على سبيل المثال، في تحول اهتمام المقاولين التجاريين من المناطق الرغوبة سابقًا، مثل القاهرة الجديدة، إلى العاصمة الجديدة.

كما جرى التأكيد على الإعفاءات الضريبية العسكرية أو تمديدها. ففي عام 2016، جرى إعفاء الهيئات العسكرية مرّة أخرى عندما تم تحويل ضريبة المبيعات إلى ضريبة قيمة مضافة. وعندما فرض السيسي ضريبة قيمتها 25 في المئة على الفوائض المرحَّلة المتعلقة "بالهيئات العامة والقومية الخدماتية والاقتصادية " الحكومية، لصالح خزينة الدولة في السنة نفسها، أعفى الهيئة القومية للإنتاج الحربي التي تدير مصانع وزارة الإنتاج الحربي. في أيار/مايو، أتى المرسوم الرئاسي 233 ليحدد 21 "طريقًا قوميًّا" باعتبارها "مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية"، الأمر الذي أدى، إلى جانب القوانين السابقة، إلى منح الامتياز التجاري الحصري لوزارة الدفاع على طول هذه الطرق. بعد خمسة أشهر، جعلت تعديلات على قانون القضاء العسكري جميعَ الحوادث التي تقع في المناطق والمرافق المدنية التي تديرها الهيئات العسكرية، مثل محطات الوقود التي تخدم المواطنين، ضمن اختصاص المحاكم العسكرية. وكان التشريع المُقَر في عام 2014 قد وضع أصلًا جميع "المرافق العامة والحيوية"، مثل الوزارات والجامعات، ضمن اختصاص المحاكم العسكرية لمدة عامين. وفي عام 2016، مُدد هذا القانون حتى عام 2021. وتلت امتيازات أخرى، مثل إعفاء قطاع الدفاع من الزيادة التي فرضتها الحكومة وقيمتها 43 في المئة على أسعار الكهرباء المفروضة على المنتجين الصناعيين في عام 2018.

أخيرا وليس آخرًا، تمتع الاقتصاد العسكري أيضاً بالحماية من التدقيق الخارجي. فإن الاستثناء الفعلي للمؤسسة العسكرية عامة من التفتيش من جانب هيئة الرقابة الإدارية، وهي وكالة التدقيق الرئيسة في مصر، أصبح بحكم القانون عندما تم إقتصار اختصاص الهيئة على الأفراد والكيانات المدنية على وجه التحديد، في القانون 207 لعام 2017. وبنفس الأهمية، فإنَّ القانون ذاته جعل هيئة الرقابة الإدارية خاضعة للمساءلة مباشرة أمام رئيس الجمهورية، الذي منح نفسه أيضاً سلطة تعيين رئيس الهيئة، ما أكد فعليًّا أن الهيئة أداة للسلطة الرئاسية، ووطّد نفوذه على المؤسسة العسكرية. يضاف إلى ذلك، أنَّ رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم محلب كان قد اعتبر قبل سنتين أن الهيئة جهة حكومية تصُنّف عقودها بالسرية "لأسباب الأمن القومي"، ما يعفيها عمليًّا من القانون رقم 5 لعام 2015 الذي يشترط على الهيئات الحكومية "شراء المنتجات المصرية" وزيادة تعزيز تميزها واستقلالها عن الهيئات المدنية.

توسيع القواعد والالتفاف عليها

إنَّ الإطار القانوني الذي جرى إيجازه أعلاه يوفِّر مجموعة من الامتيازات التي تبدو مؤّكدة بحكم الأمر الواقع بقدر ما هي ممنوحة بحكم القانون، وتنبثق عنها ممارسات تراوح بين الشكل الرسمي وغير الرسمي والمخالف للقانون صراحة. يعمل الاقتصاد العسكري ضمن كتلة معقدة من القوانين واللوائح الداخلية التي تتسم بعدم التجانس والتعارض في كثير من الأحيان.إذ أنها تراكمت عبر عقود من الزمن، في الوقت الذي صارعت فيه بقوة دوائر مؤسساتية واجتماعية نافذة للحصول على مكاسب اقتصادية أو الحفاظ عليها، كلما فيما قامت الحكومة بإجراء تغييرات كبيرة في التوجه الاقتصادي: من النموذج الرأسمالي إبان النظام الملكي قبل عام 1952، مرورًا بالتأميم الاشتراكي، إلى التحرير الاقتصادي الجزئي، ووصولًا أخيراً إلى نظام السوق الحرة الإسمي الذي يجمع في الواقع بين الدور المتبقي الواسع للدولة في المُلكية والإنفاق الرأسمالي مع رأسمالية المحسوبيات. الهيكل الإداري المعقد، والمجزأ بنفس القدر، في إدارة الشؤون المالية والأصول العامة يجعل من الصعب للغاية تطبيق القواعد واللوائح التي تشمل العديد من الإجراءات المتمايزة وغير الشفافة، والمعقدة، والتعسفية، استناداً الى تقرير البنك الدولي لعام 2006 المذكور سابقًا.

يتمتع الاقتصاد العسكري الرسمي بعدد من الأفضليات القانونية، منها الوصول إلى مواد البناء والبنية التحتية العامة والطاقة المدعومة، والأهم وهو الحصول على العملة الصعبة بأسعار مخفضة. تنصّ قوانين التأسيس على بعض الأفضليات، وقد تتمتع بها أيضاً الهيئات العامة والشركات الخاصة المدنية (مثل الطاقة المدعومة). ولكن قد يجري وضع بعض تلك الأفضليات في اللوائح الداخلية كما في قانون التعدين والمحاجر المنقح 198 لعام 2014، الذي يتطلب موافقة وزارة الدفاع على استخراج الثروة المعدنية في أي مكان في مصر، ويمكّن الوزارة من فرض الرسوم على جميع ما يُستخرج في مواقع الإنتاج. إلى ذلك، تستطيع الكيانات الاقتصادية العسكرية أن تحتفظ بالودائع في البنوك التي تختارها بنفسها، على عكس الهيئات الحكومية المدنية التي يُسمح لها بالاحتفاظ بحسابات لدى البنك المركزي المصري فحسب، كما يمكن للكيانات العسكرية الاحتفاظ بحسابات من العملات الأجنبية والحصول على تمويل من خارج الميزانية من دون إشراف حكومي.

يتمتع الاقتصاد العسكري الرسمي بعدد من الأفضليات القانونية، منها الوصول إلى مواد البناء والبنية التحتية العامة والطاقة المدعومة، والأهم وهو الحصول على العملة الصعبة بأسعار مخفضة.

هذا ويستفيد الاقتصاد العسكري أيضاً من درجة ملحوظة من الغموض. وقد ادّعى كبار مسؤولي الصناعة الحربية من وقت إلى آخر أن هذا القطاع يخضع للضرائب بشكل اعتيادي، لكن هذا بالتأكيد غير صحيح. ففي كانون الثاني/يناير 2017، قدّم وزير الإنتاج الحربي اللواء محمد العصّار تمييزًا واضحًا حيث ذكر أن المصانع "تدفع مستحقات الضرائب والجمارك والتأمينات الاجتماعية على مستلزمات الإنتاج المدنية مع إعفاء المستلزمات الحربية من الجمارك". ولكن لا تزال هناك بلبلة حول الوضع القانوني للشركات العسكرية المسجلة كجزء من قطاع الأعمال العام، والمشاريع المشتركة مع الشركات الخاصة، المحلية والأجنبية على السواء، وهي التي سُمح للهيئات العسكرية بإنشائها بموجب القرار الرئاسي 127 الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2015. من الناحية النظرية، يجب أن تخضع هذه للقواعد الضريبية العادية، لكنها في الممارسة لا تخضع لها، كما أقر بذلك اللواء العصار. ولا يقل أهمية عن ذلك أن جميع الكيانات والمرافق والأصول العسكرية تخضع حصرًا لسلطة المحاكم/العسكرية، وبالتالي فإن حقوق الشركاء من رجال الأعمال المدنيين المنخرطين في المشاريع المشتركة أو حتى كمقاولين من الباطن تقع في مساحة قانونية رمادية ينبغي على المشرّعين أو صانعي السياسة المصريين التطرق إليها.

جميع الكيانات والمرافق والأصول العسكرية تخضع حصرًا لسلطة المحاكم/العسكرية، وبالتالي فإن حقوق الشركاء رجال الأعمال المدنيين المنخرطين في المشاريع المشتركة أو حتى كمقاولين من الباطن تقع في منطقة قانونية رمادية.

وبالمثل، أكد القانون رقم 6 لعام 1984 الذي أنشأ الهيئة القومية للإنتاج الحربي التي تشرف على شركات وزارة الإنتاج الحربي ومصانعها أنّ مجالس إداراتها ستتلقى مكافآت وحوافز وحصة من الأرباح. وسار إدخال الحوافز التجارية على خطى الممارسة في بقية قطاع الأعمال العام بعد عام 1983، لكن غياب الرقابة الخارجية على الصناعة الحربية يعني أنه لم تكن هناك طريقة للتحقق من الأداء أو الأرباح الفعلية (أي بعض خصم التكاليف والاحتياطي). والميزانيات السنوية للهيئة التي جرى إعلانها في عام 2011 لم تُظهر أي ربح، وقد أقر العصار مرارًا بأن معظم شركات الوزارة يتكبد خسائر، يوحي أن مكافآت وأسهم الأرباح المفترضة يتم توزيعها على المدراء قبل احتساب الأرصدة الصافية. ويقضي مرسوم صادر عن السيسي في أيلول/سبتمبر 2016 بأن يحصل موظفو الهيئة القومية للإنتاج الحربي وشركاتها الفرعية على "ما لا يقل عن 25 في المئة من صافي الأرباح" (التشديد مضاف)، إلا أن انعدام الشفافية حول الحسابات واللوائح المالية للهيئة يمنع التقييم الحاسم ليس فقط لقدرتها الاقتصادية بل أيضاً للامتثال القانوني.

وكما ذُكر سابقًا، فإن القانون يخوِّل الاقتصاد العسكري الرسمي أن يعمل خارج حيّز كبير من الإطار التنظيمي الذي ينطبق على سائر مؤسسات الدولة. في بعض الحالات، كما هو الحال في قطاع التعدين المذكور أعلاه، تحكم لوائح داخلية محددة قيام المؤسسة العسكرية بتوليد الدخل من الأصول العامة أو الموارد الطبيعية. الأمر الأقل وضوحًا هو ما ينظّم تقاضي الرسوم أو الأرباح والاحتفاظ بها من الأشغال العامة والامتيازات التجارية والاستثمارات في الشركات التجارية، وتوزيع أرباحها، واستخدام المجندين كعمالة رخيصة، سواء في الأنشطة الأخيرة أو في أنشطة جني الأرباح. والمثال الأخير سافر بشكل خاص إذ يجري استخدام المجندين في القوات المسلحة المصرية كعمالة رخيصة في جميع قطاعات الاقتصاد العسكري تقريبًا. بدأت هذه الممارسة في عام 1986 عندما أعلن وزير الدفاع عندها، المشير عبد الحليم أبو غزالة، أنه سيتم تنظيم 30 ألفًا من المجندين في ما يسمى "كتائب إنشاء المشروعات المدنية" من أجل المساهمة في الاقتصاد الوطني. وبعد أكثر من ثلاثين عامًا، لا تزال هذه الكتائب تُستخدم لتنفيذ المشاريع المموَّلة من القطاع العام، ولاسيما في مجالات البناء والزراعة واستصلاح الأراضي، سواء قام بها مقاولون من القطاع العام أو القطاع الخاص. كما أن شركات وزارة الدفاع، ووزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع، تستخدم المجنَّدين الذين هم في الأشهر الستة الأخيرة من الخدمة، وأحيانًا لفترات أطول بكثير، وتؤكّد المقابلات أن المجندين الماهرين "يعارون" بشكل دوري إلى شركات القطاع الخاص.

وأخيرًا وليس آخرًا، فإنَّ الوجود العسكري القانوني في بعض هيئات الدولة والعلاقات غير الرسمية التي يتمتع بها الضباط، مع المسؤولين المدنيين والمشرّعين، يمكّنان الالتفاف على القواعد النظامية لصالح الاقتصاد العسكري الرسمي. وقد لاحظ عالم السياسة، روبِرت سبرينغبورغ، كيف استخدم أبو غزالة منصبه كرئيس للجنة السياسات الوزارية خلال الثمانينيات، ليمنح عقود استصلاح الأراضي للهيئات العسكرية أو ليحجبها عن منافسيها في القطاع العام (وليقدّم صفقات ميسّرة لضباط القوات المسلحة المتقاعدين ورجال أعمال القطاع الخاص). وأكدت ورقة عمل صادرة عن البنك الدولي، نُشرت في عام 2018، أن هذه الروابط السياسية ظلت مهمة في الحصول على عقود حكومية لشراء السلع أو الخدمات، بعد مرور ثلاثين عامًا تقريبًا. وبصورة أعم، وكما اشتكى رجل الأعمال الكبير نجيب ساويْرِس، فالمؤسسة العسكرية تتمكن من أن تنجز العمل لأنه "عندما ينخرط الجيش، تكون التصاريح غير مهمة، ولا يتعين عليه دفع رشاوى، ويمكنه التغلب على جميع المشكلات التي نتمنى جميعًا أن نتغلب عليها".

كما تستفيد الهيئات العسكرية والشركات التابعة لها أو شركاء القطاع الخاص من أدوات قانونية أخرى مثل الحواجز غير التعرفية أمام التجارة التي يمكن تصميمها لصالح شركات معينة واستبعاد المنافسين، بما في ذلك الشركات الأجنبية. وكما لاحظ علماء الاقتصاد إسحاق دِيوان وفيليب كِيفير ومارْك شيفْباور، فإن الحماية التجارية مصممة لتخدم الشركات المفضَّلة وليس القطاعات المحددة في مصر، التي شهدت أحد أعلى معدلات الحواجز غير التعرفية في العالم في عام 2010. ويمكن للهيئات الحكومية أن تحرف الأسواق بطرق إضافية: فبعد ثلاثة أشهر من قيام وزارة الإنتاج الحربي بعقد شراكة مع شركة غالانتز الصينية لتصنيع مكيفات الهواء محليًّا في حزيرن/يونيو 2016، مثلًا، فرضت السلطات قيودًا على استيراد مكيفات الهواء أجنبية الصنع. وتمكنت الهيئات العسكرية من الحصول على تعديل تشريعي مماثل أدى إلى مَنع المنافسة من جانب الشركات الهولندية الأكثر تخصصًا في مشاريع المياه الكبيرة. ومن المعروف أنّه عندما تفشل الوسائل القانونية فإن القوات المسلحة تلجأ إلى وسائل بديلة مثل منع دخول الآلات المستوردة إلى مصر من أجل إجبار الشركات على قبول شروطها، كالحصول على حصة من إنتاج المصنع على سبيل المثال، مقابل إصدار التراخيص اللازمة التي تسمح لها بالإنشاء في مناطق جغرافية أو قطاعات صناعية معينة.

تستفيد الهيئات العسكرية والشركات التابعة لها أو شركاء القطاع الخاص من أدوات قانونية أخرى مثل الحواجز غير التعرفية أمام التجارة التي يمكن تصميمها لصالح شركات معينة واستبعاد المنافسين، بما في ذلك الشركات الأجنبية.

كشف حساب قانوني

لا تتمتع الهيئات العسكرية وحدها بهذه الامتيازات التي يوفرها القانون. فقد تم أيضاً إعفاء العديد من أجهزة الدولة والشركات العامة من دفع الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة في عهد عبد الناصر، وقد أعيد التأكيد على هذه الإعفاءات لاحقاً في القانون 91 لعام 1983. وسمح كذلك لمستوردي البضائع والخدمات لأغراض التجارة والتصدير، والسلع الغذائية الأساسية، والطعام، والغاز الطبيعي، والكتب والمجلات، والأدوات العلمية والتعليمية والثقافية. وسُمح للقطاع الخاص باستيراد مواد البناء بلا رسوم بدءاً من عام 1977، ما شكّل ميزة رئيسة، لأن قطاع البناء الذي استأثر بجزء كبير من العقود العامة الممنوحة للقطاع الخاص، لم يتم تأميمه بالكامل. إلا أن استمرار القطاع العام في احتكار توزيع مواد البناء مكّن المسؤولين من تعجيل أو تأخير الحصص في أجل الحصول على الرشاوى وبيع الحصص إلى السوق السوداء. وبقيت أغلبية هذه الأفضليات قائمة. إلى ذلك، كما أشار خبير الاقتصاد السياسي المصري عمرو عدلي، فإن مساهمة القطاع الخاص في إيرادات الدولة من خلال فرض ضرائب على المكاسب الصناعية والتجارية والرأسمالية هي أيضاً صغيرة، فهي لم تتجاوز 7 في المئة في الفترة بين عامي 2008 و2012، وذلك بسبب التهرب الضريبي من قبل الشركات الصغيرة والمتوسطة، والإعفاءات الضريبية الواسعة والحوافز الحكومية للشركات الكبيرة.

وبالمثل، بلغ متوسط الضرائب على الممتلكات من جميع المصادر 2.9 في المئة من إيرادات الدولة في الفترة نفسها. بالتالي فإن استثناء الهيئات العسكرية من الضرائب يشكّل جزءًا من مشكلة أكبر في إيرادات الدولة، وقد لا يُحدث انخفاضًا ملموسًا في عجز الموازنة بحد ذاته.

في الواقع، تستفيد جميع الجهات الاقتصادية الفاعلة في مصر من ثغرات واسعة النطاق في الإطار التنظيمي، كما وصف تقرير للبنك الدولي في عام 2003:

مع أن القانون واللّوائح التنفيذية يوفّران مفاهيم مهمة لمشتريات القطاع العام، ويقومان على مبادئ سليمة، إلا أنهما فضفاضان وغير واضحيْن دائمًا بشكل كافٍ للتطبيق المتّسق. وللتعويض عن هذا النقص في الوضوح وفي اكتمال القانون المكتوب واللّوائح المتاحة لهم، أنشأت وزارات مختلفة "قواعد" شراء غير مكتوبة خاصة بها. وأصبحت هذه "القواعد" غير المكتوبة معروفة لمقدمي العروض فقط من خلال التطبيق على الحالات الفعلية، ويمكنها أن تتباين. وبالتالي، فقد أصبحت القرارات الاستنسابية عند السلطة المختصة هي القاعدة لا الاستثناء، كما، على سبيل المثال، في اختيار طريقة الشراء القابلة للتطبيق أو قبول تعديلات العروض بعد فتح المناقصة.

ليست الشركات العسكرية وحيدة أيضاً في الاستفادة من التفضيل القانوني الذي يسمح بمنح العقود الحكومية إلى شركات القطاع العام التي تكون عروضها في حدود 15 في المئة من المناقصات المُتنافِسة.

يؤكّد ما سبق أن المشكلة بالنسبة لمصر، إلى حد كبير، ليست في أن العسكر يختلفون عن نظرائهم المدنيين، بل في أنّهم متماثلون إلى حد كبير. إن الأفضليات التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية متجذرة في القانون، لكنها، إلى جانب آخرين كُثر في الجهاز البيروقراطي للدولة، تستخدم سلطتها التقديرية الكبيرة لثني القواعد وتأكيد الحقوق التي لا ينص عليها القانون صراحة أو التي تتجاوز أحكامه بوضوح، إنْ لم تكن تنتهكها بصراحة. ويؤمّن الإطار القانوني والتنظيمي مجالًا واسعًا لتعزيز مصالحها الاقتصادية فيما تبقى ظاهريًّا ملتزمة بالقانون.

المشكلة بالنسبة لمصر، إلى حد كبير، ليست في أن العسكر يختلفون عن نظرائهم المدنيين، بل في أنّهم متماثلون إلى حد كبير.

وما يحدد التوازن بين الرسمي، وغير الرسمي، وغير الشرعي إنما هو درجة التأثير السياسي أو العلاقات التي تتمتع بها كل جماعة مصالح. هذا الأمر لم يعطِ الجيش الأفضلية دائمًا. ففي عهد السادات، تحوّل الميزان نحو ما سمي "برجوازية الانفتاح" الجديدة، فيما كان قادة الحزب الوطني الديمقراطي ورجال الأعمال المتحالفين من المحاسيب المستفيدين الرئيسين في العقد الأخير من حكم مبارك. غير أن إسقاطه في عام 2011 والتحول اللاحق في الحظوظ السياسية للقوات المسلحة منذ عام 2013، قد غيّر الموازين في المستقبل المنظور. إن الاستقلالية العسكرية الكاملة، القانونية والدستورية، عن أي شكل من أشكال السلطة المدنية، سواء التنفيذية منها أو التشريعية أو القضائية، يؤمّن بقاء الاقتصاد العسكري حتى عندما يتطفل على نظيره المدني.