المحتويات

تشكّل الصناعات الحربية المملوكة من الدولة أقدم جزء من الاقتصاد العسكري الرسمي في مصر. حتى إن المصادر المصرية تعيد أصولها عمومًا إلى محمد علي الذي حكم البلاد في أوائل القرن التاسع عشر، وأسّس مصانع حديثة بمساعدة فرنسية لإنتاج الأسلحة والذخائر.  لكن قادة هذه الصناعة اليوم، مثل وزير الدولة للإنتاج الحربي محمد العصّار، يعيدون الفضل بشكل أصحّ إلى الرئيس جمال عبد الناصر في إطلاق ما يسمونه "هذه المنظومة العملاقة" في خمسينيات القرن الماضي.  أما شكلها الحالي، فيعود بشكل أكبر إلى النصف الثاني من السبعينيات، عندما رأى أنور السادات، خليفة عبد الناصر، أنها وسيلة لخفض تكلفة تلبية احتياجات مصر من الأسلحة، وحلٌّ لمشكلة النقص الدائم في رأس المال. ومنذ ذلك الحين، تطور القطاع ليشمل مجموعتين رئيستين من المصانع والشركات التابعة لوزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع، مع مساهمة بسيطة من شركات تابعة لوزارة الدفاع (ما تجري مناقشته في الفصل 3).

على الرغم من تاريخها العريق، فقد واجهت الصناعة الحربية عقبةً مزمنةً بسبب عدم كفاية التمويل وقلة الاستثمار في البحث والتطوير. وبالتالي، فإن قدرتها على التكيف التكنولوجي، والابتكار، وزيادة الإنتاجية، وإضافة القيمة تبقى قدرةً محدودة، الأمر الذي يؤدي إلى تدني الجودة وضعف القدرة التنافسية وعدم الكفاءة بشكل ملحوظ. وقد ادّعى مسؤولو الصناعة مرارًا وتكرارًا تحقيق زيادات في نسبة المحتوى المحلّي من المعدات العسكرية (والمدنية) المنتجة في مصر، أو التي تُجمع فيها، ووعدوا بالمساهمة في الاقتصاد الوطني عن طريق خفض الواردات وتعزيز الصادرات وتوفير العملة الصعبة. أما في الواقع، فقد عانى هذا القطاع من تأخيرات شديدة في تشغيل خطوط الإنتاج، والقصور الكبير في استخدام السعة الإنتاجية الكاملة للمصانع والآلات، وإقرار الاستثمارات التي لا تستند إلى الأداء أو الكفاءة. لقد نجا القطاع فقط عن طريق السماح له بتكبيد خزانة الدولة خسائره، والاستيلاء على العقود العامة من المنافسين المدنيين من القطاعين العام والخاص، ولاسيما منذ عام 2013.

وزارة الإنتاج الحربي: ريادة صناعية أم بقايا الهيئات الاقتصادية المملوكة للدولة؟

تجسد وزارة الإنتاج الحربي كُلاّ من آمال الصناعة الحربية وأوجه قصورها. فتأسيسها في عام 1954 عكس تبني الحكومة استراتيجية التصنيع للإحلال محل الواردات، الأمر الذي شهد إطلاق مصنع ضخم للحديد والصلب، إلى جانب خطوط تجميع السيارات ومصنع للطائرات الحربية.  لكن فعاليتها مقابل الكلفة كانت متدنية وتوسعها مفرط السرعة والطموح، في الوقت الذي كانت فيه مصر تستورد كميات هائلة من الأسلحة السوفييتية، ما طغى على الوزارة وأدّى إلى إلغائها في عام1969.  ثم أُعيد إحياؤها رسميًّا في عام 1971 بعد اتفاق سمح لمصر بالمشاركة في إنتاج الأسلحة السوفييتية، وهو ما لم ينفَّذ. استأنفت وزارة الإنتاج الحربي إنتاج المواد الاستهلاكية العسكرية ذات التكنولوجيا المنخفضة، كالأسلحة الخفيفة وقذائف الدبابات والمدفعية والمشغولات المعدنية وبطاريات السيارات، في أثناء العقد الذي تلا.  إلا أن ورقة بحثية لوكالة المخابرات المركزية في الولايات المتحدة في عام 1985، لاحظت أن هذه الأنشطة تُوجهها، إلى حدٍّ كبير، "الشخصيات، والمعارف، والإكراميات المتبادلة بين شبكات "الرفاق القدامى" في صفوف القوات المسلحة... بقدر ما توجهها الاحتياجات طويلة المدى أو القصور المتوقع في القدرات". 

كان نقص التمويل مشكلة مزمنة كذلك. وتشير التقديرات إلى أن الصناعة الحربية كانت تحتاج إلى ما بين أربعة وستة مليارات دولار أميركي من الاستثمارات الجديدة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، لكن كبّلتها الديون الخارجية الهائلة لمصر (وهي كانت تقارب حينئذ 50 مليار دولار)، ومن ضعف التصنيف الائتماني.  وكما لاحظ محلِّلتا  الشؤون الدفاعية فلورِنس غاوب وزوي ستانْلي - لوكْمان، فقد حال هذا الأمر دون إقامة مشروعات جديدة، وأعاق نقل التكنولوجيا والمعرفة العملية الصناعية من خلال الإنتاج بموجب تراخيص من الدول الصناعية المتقدمة، ما أدّى إلى تأخير المشروعات أو إلغائها.  وقد أكّدت ورقة البحث نفسها الصادرة عن وكالة المخابرات المركزية الأميركية والمذكورة أعلاه هذه العوائق. وسلطت الضوء على معيقات أخرى: الافتقار إلى التخطيط المتماسك والمركزي، والبرمجة، وعمليات وضع الميزانية، وعدم وجود تنظيم للتسويق يستهدف أسواق التصدير، والإفراط في التوظيف، وسوء الإدارة، ونقص المهارات، والإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية. 

وبعد مرور 34 عامًا، لا يزال معظم هذه المشكلات، إن لم يكن كلها، يعصف بالشركات التي تزيد عن العشرين التابعة لوزارة الإنتاج الحربي والمصانع السبعة عشر الملحقة بها، علمًا أن مجموع القوى العاملة المعلن فيها جميعها كان في عام 2016 يراوح بين 35 و40 ألفًا.  وقد أعيد تصنيف الشركات التابعة للوزارة التي كانت قد أُنشئت في خمسينيات القرن الماضي وفقًا لقانون شركات القطاع العام 97 لعام 1983 الذي جعلها، نظريًّا على الأقل، خاضعة لتدقيق الحسابات من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات.  بعد سنة من ذلك، تمَّ تجميعها تحت إطار الهيئة القومية للإنتاج الحربي، التي لا تزال تشرف عليها.  وجرى السماح للهيئة، بموجب القانون، بالاحتفاظ بالأموال تحت عنوان "العملة الحرة"، أي أنها يمكن أن تحصل على عملات أجنبية بأسعار الصرف التجارية وليس الرسمية، من أجل استيراد احتياجاتها من المواد الوسيطة وإجراء الاستثمارات، وتسوية المستحقات غير المتوقعة في العملات الأجنبية. كما سُمح لها بفرض رسوم على إدارة المشروعات نيابة عن الهيئات المدنية.

على الرغم من هذه المزايا، ظلت وزارة الإنتاج الحربي تعاني الضائقة المالية. وفي عام 1993، أصدر مجلس الوزراء مرسومًا يقضي بإعفاء شركات الوزارة من تكاليف الإنتاج الحربي، على أن تتحملها خزينة الدولة بدلًا من ذلك. ولكن بقيت حاجة الوزارة إلى إعانات سنوية من وزارة المالية. ووفقًا للجهاز المركزي للمحاسبات، بلغت هذه المساعدات حوالي 3,6 مليارات جنيه مصري (190 مليون دولار في حينه) بين السنة المالية 2010-2011 والسنة 2014-2015. وفي حزيران/ يونيو 2014، قامت وزارة المالية بخصم 1,15 مليار جنيه مصري من الديون المتراكمة منذ السنة المالية 1994-1995، وسمحت لوزارة الإنتاج الحربي بترحيل الخسائر المتبقية، لكن الوزارة الأخيرة عادت وراكمت متأخرات قدرها 960 مليون جنيه مصري خلال العام التالي. 

هذا السجل الباهت لم يردع كبار المسؤولين في الصناعة الحربية عن الادّعاء أنها وسيلةً ناجعة لاستخدام الموارد الطبيعية للبلاد، والمساهمة في خطط التنمية الوطنية والنمو الاقتصادي، وتحقيق التآزر التجاري مع القطاع الخاص المحلي بطريقة تفيد الطرفين، والحصول على مصادر الائتمان والتكنولوجيا والأسواق الأجنبية. تم الإعلان عن برامج رئيسة لتحديث قدرات وزارة الإنتاج الحربي وترقيتها في سياق الخطط الخمسية المتتالية للفترتين 2003-2007 و2007-2012.  وفي كانون الأول/ديسمبر 2017، أفادت وسائل الإعلام المحلية عن خطة لبناء استراتيجية جديدة تمتد حتى عام 2052، تهدف مرحلتها الأولى المستمرة حتى عام 2030 إلى رفع المستويات التكنولوجية، وزيادة المحتوى والقيمة المضافة الحاليتيْن من خلال زيادة الاستثمار في البحث والتطوير، ودمج الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الروبوتات (الأجهزة الآلية) في خطوط الإنتاج، واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بفعالية. 

الخطط الطموحة

تواجه الاستراتيجية عقبات متعددة.عانت وزارة الإنتاج الحربي من تأخيرات مستمرة، وتضليل في البلاغات، وعدم كفاءة متأصلة. ويتضح ذلك من خلال مسار "مجمّع الصناعات الدفاعية" الذي أُطلق في أوائل العقد الأول من القرن الحالي من أجل نقل جميع مصانع ووحدات إنتاج وزارة الإنتاج الحربي إلى موقع واحد. في الظاهر، كان هدفه تزويد القطاع بأكمله بالبنية التحتية الحديثة وإنشاء مجمع لوجستي يمكن للصناعة من خلاله توفير الإمدادات إلى الزبائن، بمَن في ذلك مَن هم في الخارج. ولكنه ربما كان أيضًا محاولةً لإعداد الأساس لإنشاء منطقة اقتصادية خاصة للإنتاج الصناعي الحربي (على غرار نموذج الأردن والإمارات العربية المتحدة). 

عانت وزارة الإنتاج الحربي من تأخيرات مستمرة، وتضليل في البلاغات، وعدم كفاءة متأصلة.

كان مفترضاً في البداية نقل 28 وحدة بين عامي 2007 و2010 إلى منطقة أبو زعبل، شمال شرقي القاهرة مباشرة، وهذه المنطقة كانت أصلًا موطنًا لعدد من مصانع الوزارة. وكان من المقرر أيضًا أن يبدأ البناء في تشرين الأول/ أكتوبر 2010 في موقع ثانٍ في "بلبيس" القريبة التي وصفها وزير الإنتاج الحربي آنذاك، اللواء سيد مشعل، بأنها "هدية" للرئيس، وكان من المقرر تسميتها "مجمّع مبارك للصناعات الدفاعية 2".  كما ورد أنه جرى نقل مصنعيْن إلى ما كان يشار إليه عادة باسم مجمّع مبارك 1 في عام 2007. ثم في عام 2013، أكّد تعليق من قبل القوات الخاصة المصرية على موقع فيسْبوك أن 28 مصنعًا نُقلت بالفعل إلى هناك بحلول نهاية عام 2012، وهو التاريخ الأصلي الذي كان قد أعلنه اللواء مشعل، مع وجود خطط تشمل 34 وحدة صناعية أخرى.  كما زعم التعليق أن مجمّع مبارك 2 كان سيفتح أبوابه للعمل في بداية عام 2014. 

لكن لم يكن لكل ذلك أي أساس من الصحة. فمن بين ثلاثة مصانع دفاعية تقرر انتقالها في عام 2007، جرى نقل مصنع واحد فقط، هو شركة شبرا للصناعات الهندسية (المصنع 27)، إلى مجمع الصناعات الدفاعية (الذي لم يعد اسمه تيمنًا بمبارك) بحلول نهاية عام 2017.  وفي منتصف عام 2015، قال وزير الإنتاج الحربي في حينه، اللواء إبراهيم يونس، إن المجمع "مكتمل نهائيًّا ومستعد 100 في المئة"، لكنه اعترف بأنه يعمل بقدرة منخفضة، وهو ما نسبه إلى "الوضع السياسي في السنوات السابقة"، وإلى التأخير في تسليم معدات التصنيع من أوروبا.  توقّع يونس أن يكون المجمّع جاهزًا في عام 2016، ولكنه لم يجهز إلا عندما أعلن خليفة اللواء يونس، محمّد العصّار، في أيار/ مايو 2017، عن استعداد المجمّع أخيرًا لاستقبال الشركات المنتقلة. 

كان قد مر 33 عامًا منذ صدور القرار عن مجلس النواب في عام 1984 بنقل المصانع العسكرية بعيدًا عن المراكز السكانية، ما أدى في النهاية إلى إنشاء مجمع الصناعات الدفاعية.  ووفقاً للجهاز المركزي للمحاسبات، جرى شطب المباني التي تبلغ قيمتها 269 مليون جنيه (38 مليون دولار) عندما انتقلت شركة شبرا في عام 2014، وتعيّن دفع مبلغ آخر قدره 69 مليون جنيه مصري إلى المقاولين كتعويض عن فروق الأسعار الناتجة من التأخير الطويل.  الآلات التابعة لشركة أبو زعبل للكيماويات البالغة قيمتها 2,5 ملياري جنيه بقيت في الصناديق لمدة خمس سنوات، في حين أن تكلفة نقل شركة هليوبوليس للصناعات الكيمياوية بلغت مليار جنيه لنقل المباني و226 مليون جنيه للآلات والمعدات، علاوة على 126,8 مليون جنيه مستحقة كفوائد حتى قبل أن تُستأنف الأعمال.  كما كشف انفجار مفاجئ وقع في أحد مرافق التخزين بالقرب من مطار القاهرة الدولي في 12 تموز/يوليو2018 أن عملية النقل لم تستكمل.  بل أظهرت خارطة تفاعلية معروضة على الموقع الرسمي لوزارة الإنتاج الحربي لمواقع شركاتها وخدماتها ومنافذها التجارية، أن أيًّا منها قد انتقل فعليًّا الى المجمع المزموع حتى خريف عام 2019.   

والنتائج موضع الشك

كانت الادّعاءات الخاصة بالزيادات في الإنتاج والإنتاجية هي أيضًا بالقدر نفسه من عدم الاتساق، ما يثير شكوكًا حول قدرة وزارة الإنتاج الحربي على تجميع ومعالجة بيانات الإنتاج وإعداد التقارير المالية. وبحسب ما كان يُعلن، فإن الإنتاج كان ينمو باطّراد. على سبيل المثال، في شهر آب/أغسطس 2010، تفاخر اللواء مشعل بأن الصناعة الحربية قد حققت "طفرة غير مسبوقة في الأعوام الثلاثين الماضية... بالغةً قدرات هائلة تكنولوجية واقتصادية من كافة الأنواع في السنوات الأخيرة".  وقد أُرجع الفضل إلى الذراع التنفيذية لوزارة الإنتاج الحربي، أي الهيئة القومية للإنتاج الحربي، في تحقيق إنتاج بقيمة 3,8 مليارات جنيه (618 مليون دولار) في سنة 2007-2008 (مقابل الإستثمارٍ بقيمة 1,515 مليار جنيه مصري)، في ارتفاع في الإنتاج من حجم 1,4 مليار جنيه قبل تسع سنوات.  وأضاف مشعل أن إجمالي الاستثمارات خلال عهد مبارك بلغ ثمانية مليارات جنيه، حيث بلغ الإنتاج التراكمي 30 مليار جنيه.  كما ادعى أن إنتاج وزارة الإنتاج الحربي قد بلغ أربعة مليارات جنيه في العام السابق، باستثمارات بلغت 2,5 ملياري جنيه، وأنه كان ينمو بنسبة 15 في المئة بفضل زيادة الإنتاجية من 107 آلاف جنيه إلى 117 ألف جنيه لكل عامل. 

إلا أن هذه الأرقام كانت مضللة. فالنمو المستدام بالمعدل الذي زعمه مشعل في عام 2010 كان سيؤدي إلى قيمة إنتاجية إجمالية تزيد على ستة مليارات جنيه مصري في غضون ثلاث سنوات، لكنها في الحقيقة وصلت إلى 4,5 مليارات جنيه على الأكثر، وربما كانت أقل من ذلك بكثير.  وعلى القدر نفسه من الأهمية، فإن الجهاز المركزي للمحاسبات كشف لاحقًا أن خزينة الدولة تتحمل تكلفة الاستثمار في شركات وزارة الإنتاج الحربي. وبعبارة أخرى، فإنها لم تكن تحقق الدخل الكافي لتعيد الاستثمار في أشغالها الخاصة. فقد بلغت الخسائر 134 في المئة من رأسمال شركة بَنْها للصناعات الإلكترونية، و104 في المئة في شركة المعادي للصناعات الهندسية، و103 في المئة في شركة حلوان لمحركات الديزل، و59 في المئة في شركة حلوان للآلات والمعدات، و56 في المئة في كلّ من شركتي حلوان والمعصرة للصناعات الهندسية. فكان تلميح مشعل إلى أن كافة تكاليف بناء مجمع الصناعات الدفاعية الجديد، بما في ذلك الطرق والبنية التحتية للكهرباء ومحطات تحلية المياه، كانت مغطاة بإيرادات وزارة الإنتاج الحربي، غير صحيح. 

إن تصريحات الوزراء الذين خلفوا سيد مشعل، فضلًا عن الأدلة على أن زيادة الإنتاجية والمحتوى المحلي والقيمة المضافة في شركات وزارة الإنتاج الحربي، لا تزال تمثل تحديات خطيرة، دحضت على الأقل بعض ما كان مشعل يفاخر به. وبعد فترة وجيزة من توليه منصب وزير الدولة للإنتاج الحربي في أيلول/سبتمبر 2015، استبدل العصّار رؤساء العديد من الشركات، واعترف فيما بعد بأن الوزارة عانت "خللًا في الهياكل المالية والخسائر في بعض الشركات".  كما أوضح أن "العشوائية في التعيينات" كانت مشكلة أساسية نقلت مجموع مرتبات العاملين في وزارة الإنتاج الحربي من 800 مليون جنيه في عام 2010 إلى ملياري جنيه في عام 2015 (أي من 38 مليون دولار إلى 230 مليونًا)، وكانت النتيجة أنها وصلت إلى 56 في المئة من تكاليف الإنتاج في عام 2014، حتى إنها ارتفعت في بعض المصانع إلى 200 في المئة.  وقد ذكر أنّه "لو أننا ننتج منتجًا مثلاً بـمئة (جنيه)، فنحن ندفع أجور 200 (جنيه) وهو خسارة بالغة".  وفي مواجهة الصعوبات المالية، تراكمت على شركات وزارة الإنتاج الحربي متأخرات كبيرة في مدفوعات التأمين الاجتماعي للموظفين، ما اضطر الوزارة إلى التفاوض على تسوية مع وزارة التضامن الاجتماعي في آذار/مارس 2016. 

ومن المفارقات أن اعترافات العصّار تزامنت مع تصريحاته عن تحقيق أداء باهر. ففي حديثه إلى رؤساء البنك المركزي المصري وعدد من البنوك في أيلول/سبتمبر 2017، أكد العصّار لهم أن "المؤشرات المالية خلال الخمس سنوات الأخيرة أظهرت تطور الأداء تصاعديًّا".  كان هذا صحيحًا، بالمعنى الحرفي للعبارة، لكن الأرقام التي ذكرها هو والمتحدث الرسمي باسم وزارة الإنتاج الحربي عن نتائج العام 2015-2016 كانت متواضعة: منتجات عسكرية بقيمة 1,95 مليار جنيه مصري، وسلع وخدمات مدنية قيمتها 970 مليون جنيه، أي ما مجموعه 2,92 مليارا جنيه.  من حيث القيمة الدولارية، وهذا مقياس ذو صلة، لأن شركات وزارة الإنتاج الحربي تعتمد بشكل كبير على الآلات والسلع الوسيطة المستوردة، كما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، فقد بلغت قيمة الإنتاج العسكري والمدني حوالي 234 مليون دولار و117 مليون دولار على التوالي، أو ما يعادل بالدولار نصف إجمالي القيمة التي أعلنتها وزارة الإنتاج الحربي في عام 2010 (700 مليون دولار). 

إن الأمر المثير أكثر في بينات الإنتاج لعام 2015-2016 هو أنها مثلت زيادةً بنسبة 230 في المئة في الإنتاج العسكري و115 في المئة في الإنتاج المدني مقارنةً بالعام السابق، وفقًا للعصّار. وباستخدام هذه النسب المئوية وأسعار الصرف في تاريخه، فإن إجمالي الإنتاج في عام 2014-2015 كان سيكون 1,692 مليار جنيه (226 مليون دولار)، مقسومًا بشكل شبه متساوٍ بين الإنتاج العسكري والإنتاج المدني.  وفي تشرين الثاني/نوفمبر2017، زعم العصّار أن المبيعات الإجمالية في وزارة الإنتاج الحربي زادت خلال العام السابق بمقدار 8,8 - 10 مليارات جنيه، أو 140 في المئة، وتوقّع زيادة أخرى إلى 13 مليار جنيه في العام التالي. 

إلا أنه أعاد النظر بجميع ادّعاءاته لاحقاً، إذ صرّح في آذار/مارس 2019 أن ناتج وزارته قد ارتفع من 4,2 مليارات جنيه في 2014-2015 إلى 6,3 مليارات جنيه في 2015-2016، و8,9 مليارات جنيه في 2016-2017، و11,6 مليار جنيه في 2017-2018.  

كانت مزاعم العصّار الأصلية وتنبؤاته ستؤدي، لو تحقَّقت، إلى بلوغ ناتج وزارة الإنتاج الحربي إلى حجم 26 مليار جنيه في2018-2017، ما يدل على مدى قصور النتائج الفعلية. وحتى هذه النتائج تخفي نسبة التضخم الهامة، إذ فقد الجنيه المصري أكثر من نصف قيمته أمام الدولار الأميركي في تشرين الثاني/نوفمبر2016، حيث تراجع من سعر 8,8 جنيهات للدولار إلى 18 جنيهًا بين ليلة وضحاها تقريباً (ليظل بسعر 16,2-18 جنيهًا للدولار منذ ذلك الوقت). ولو أخذنا بالبيانات المعدَّلة التي قدمها العصّار، فقد ازداد ناتج شركات الوزارة بشكل لافت في 2014-2016 بمعيار الدولار، من 236 مليون دولار إلى 712مليون دولار، ليتراجع بعض الشيء في 2016-2017 و2017-2018 إلى حوالي 664-665 مليون دولار. 

يضاف إلى ما سبق أن وزارة الإنتاج الحربي لم تكن قط مُصدّرًا مُهمًّا ولا مَصْدرًا جديرًا بالحسبان للعملة الصعبة. فقد بلغت صادرات الأسلحة المصرية ذروتها في ثمانينيات القرن العشرين، وهي تتكون أساسًا من الذخائر العادية ومعدات القوات المسلحة المصرية المستعملة التي بيعت إلى العراق في أثناء حربه مع إيران. وقُدّرت القيمة الإجمالية من الصادرات العسكرية خلال العقد بأكمله بمبلغ 505 ملايين دولار، علماً أن قرارات رئاسية بالموافقة على بيع صادرات عسكرية بقيمة إجمالية بلغت 2,52 ملياري دولار قد صدرت في فترة 1981-1984 وحدها، منها أسلحة وذخائر مودعة في مخازن القوات المسلحة المصرية بقيمة مليار دولار على الأقل.  وفي جميع الأحوال، يعتقد أن قيمة الصادرات قد انخفضت إلى ما بين 5 و22 مليون دولار سنويًّا في الفترة ما بين 1990 و2015.  

وزارة الإنتاج الحربي لم تكن قط مُصدّرًا مُهمًّا ولا مَصْدرًا جديرًا بالحسبان للعملة الصعبة.

وبالتالي، فإن مكاسب الصناعة الحربية المصرية من الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري بعد عام 2015 كانت بالضرورة محدودة. بالفعل، فإن اعتمادها على واردات آلات الإنتاج والسلع الوسيطة وإمكانية حصولها على العملات الأجنبية بأسعار مواتية يعنيان أن التكلفة النسبية لناتج الصناعة على الخزينة العامة لا يمكن إلا أن ترتفع كلما تراجع الجنيه المصري.  وقد أدى انخفاض قيمة العملة والتدابير الحكومية التي تحد من طرح الدولار في الأسواق إلى حرمان الشركات الخاصة من العملة الصعبة من أجل تمويل وارداتها من السلع الإنتاجية، لكن الصناعة الحربية لم تُظهر علامات التباطؤ.  

معيقات متواصلة

وأيًّا كانت دقة أرقام الإنتاج المذكورة أعلاه، فقد أدى تضخم العمالة وتدني الإنتاجية معاً إلى خفض الناتج إلى الحد الأدنى في السنوات السابقة لعام 2016-2017. وبالفعل، لقد اتّخذ العصّار خطوة غير اعتيادية للغاية حين أقرّ في تشرين الثاني/نوفمبر2017 أن "هذا العام يشهد للمرة الأولى تجاوز الأرباح عن الخسائر".  كما أن إقراره يثير تساؤلات عن الادّعاءات السابقة بأن الأرباح قد أعيد استثمارها في وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع والشركات التابعة لهما.  فإذا ما كانتا تعرضتا للخسارة، فإما أنهما لم تقوما باستثمارات جديدة بشكل منتظم - سواء لإعادة تدريب العاملين، أو تحسين المعدات، أو توسيع خطوط الإنتاج، أو تسويق السلع - أو أن تكاليف التشغيل كانت تتحملها جهات أخرى، مثل خزينة الدولة أو الصناديق الخاصة الإستنسابية لوزارة الدفاع.  وقد يفسر النقصُ في الدخل القابل للتصرف البطءَ في استكمال مجمع الصناعات الدفاعية، من بين أسباب أخرى. ففي حين قُدرت كلفته بنحو 1,5 مليار جنيه مصري في عام 2010 (259 مليون دولار)، فإن التكلفة تضاعفت بحلول عام 2013، بحسب ما ذكر. 

وفي المقابل، فإن الارتفاع الهائل المزعوم في الإنتاج في عام واحد يعطي مصداقية لتأكيد العصّار أن مصانع وزارة الإنتاج الحربي لديها قدرة فائضة كبيرة.  فقد استثمرت شركة أبو زعبل للصناعات الهندسية 2,3 ملياري جنيه مصري في مجال دَرْفَلَة الصلب، ولكن تم استخدام 13,13 في المئة من السعة الإنتاجية فحسب في السنوات الخمس حتى منتصف عام 2015. وحققت الشركة مبيعات قدرها 531 مليون جنيه في تلك الفترة، ولكن 25 في المئة من المواد الخام المستخدمة في الإنتاج قد فقدت، بدلاً من المعدل المعتاد عالمياً البالغ 4-5 في المئة. ويشير القصور في الاستخدام والهدر بهذا الحجم إلى نطاق أوسع بكثير من أوجه النقص. يؤكد ذلك رد العصّار على مشكلات وزارة الإنتاج الحربي المالية. ففي أيار/مايو 2017، أكد أن شركات وزارة الإنتاج الحربي تحتاج إلى زيادة الإنتاج وتحسين الأداء من خلال تحسين مراقبة الجودة والتسويق والبحث والإدارة.  وقال إن ذلك، من ضمن أمور أخرى، سيؤدي إلى خفض فاتورة الرواتب والأجور كنسبة من إجمالي تكاليف الإنتاج، وقد ادّعى أنها انخفضت بالفعل من 54 إلى 36 في المئة بفضل الزيادة في المبيعات في عام 2015-2016. وفي آذار/مارس 2018، أعلن أنها انخفضت إلى 20 في المئة. (تراجعت نسبة الرواتب والأجور من الإجمالي بسبب ازدياد الناتج العام، ولكن لم يوضح العصّار نسبة ازدياد مكوِّنات الإنتاج الأخرى، ولا إذا سمحت بتحقيق ربحٍ صافٍ نهايته. يضاف إلى ذلك أنه يتم دفع الأجور بالجنيه المصري، بينما يترتب الحصول على العديد من المدخلات الأخرى إما عبر استيرادها أو إحلال محل الصادرات منها، كالوقود، والتي يتم تسعيرها بالدولار الأميركي، ما يعني زيادة كلفته الإجمالية). 

أصرّ العصّار على أن خفض الأجور لم يكن خيارًا، إلا أن المتحدث الرسمي باسم وزارة الإنتاج الحربي، اللواء عمرو فؤاد، أكد في أواخر عام 2016 أن هناك خططًا لخفض عدد القوى العاملة من 35 ألفًا إلى 30 ألفًا خلال خمس سنوات.  كما ذكر اللواء فؤاد أن وزارة الإنتاج "تشجع الشباب" من خلال تعيين أربعة رؤساء شركات جدد، والطلب من جميع رؤساء مجالس الإدارة المشاركة في تدريب استراتيجي على الإدارة. (إن غالبية المدراء في المرتبة الثانية والعاملين في الشركات ومصانع وزارة الإنتاخ الحربي هم من المدنيين بالواقع، ويقدمون المساهمة الأكبر على الأرجح إلى الإنتاج والإدارة المالية، بينما يحتل ضباط القوات المسلحة نسبة 5-10 في المئة من المناصب العليا، ويتقاضون رواتب إضافية لقاء ذلك، علاوة على رواتبهم العسكرية).  في أيلول/سبتمبر 2017، كلف العصّار شركة استثمار تملكها الدولة هي "إنْ آيْ كابيتال"، بإعداد خطط لإعادة الهيكلة المالية لشركات وزارة الإنتاج الحربي من أجل تحسين الأداء.  وفي الوقت نفسه، تعاقد مع جمعية التنمية المصرية الكورية (وهي تمثل سبع شركات كورية جنوبية) على تجديد وتحديث مصانع الوزارة. وإضافة إلى كل ذلك، أصدر العصار تعليماته في كانون الثاني/يناير 2017 لشركات الوزارة بنشر رقم هاتف هيئة الرقابة الإدارية حتى يتمكن موظفو الشركات من الإبلاغ عن الفساد، وبعد عامين أمر العصّار الشركات ببث "نشيد" الوزارة على نظام الإذاعات الداخلية في المصانع لحث عمالهم على زيادة الإنتاجية. 

الاقتناص كاستراتيجية اقتصادية

بدت هذه الخطوات منطقية اقتصاديًّا وإداريًّا، إلا أن تحقيق تأثيراتها لم يكن ممكناً بهذه السرعة. وتؤكد التجربة السابقة ذلك، فسبق أن ادّعى اللواء مشعل في عام 2010 أن برنامج "صيانة وتطوير المصانع العسكرية وإعادة تدريب الموظفين والعمال" كان قد اكتمل بالفعل بنسبة 80 في المئة.  كما لم يُبلغ عن تسريح عمالٍ في مصانع وزارة الإنتاج الحربي. بدلاً من ذلك، كان السبب وراء الارتفاع الفوري في حسابات الوزارة في عام 2015-2016 هو اندفاع العصّار النشيط للفوز بعقود من وزارات حكومية أخرى. فمع مطلع عام 2017، حسب ما أكده العصّار بافتخار، كانت الوزارة قد وقّعت بروتوكولات تعاون مع "40 جهة بينهم 21 وزارة وعدد من المحافظات والجامعات ومشيخة الأزهر وشركة تنمية الريف المصري، وصندوق تحيا مصر، والصندوق الاجتماعي وغيرها".  وفي وقت لاحق من ذلك العام، قال نائب رئيس الهيئة القومية للإنتاج الحربي إن "الوزارة لديها شراكة في كل الأنشطة التي تقوم بها الوزارات الأخرى... ونحن نوفر لجميع الوزارات مطالبهم". 

وبدلاً من المساهمة في زيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، كما ادّعى العصّار ومسؤولون آخرون في الصناعة الحربية، فإن وزارة الإنتاج الحربي قد حسّنت حساباتها فقط عن طريق الحلول مكان الجهات الفاعلة الاقتصادية الأخرى التي كانت لولا ذلك ستفوز بعقود الأشغال العامة وعقود الشراء. وقد جرى تحقيق ذلك ليس بفضل الجودة أو الأسعار التنافسية، بل بفضل النفوذ السياسي القوي الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية منذ عام 2013. وفي خطاب أعلن فيه عن أرباح وزارة الإنتاج الحربي في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، كشف العصّار بكل فخر عن أن الوزارة قد وقّعت مذكرات تفاهم مع 35 وزارة حكومية وسلطة ومحافظة (بالإضافة إلى اتفاقيات تعاون مع 34 شركة أجنبية و32 شركة محلية) في العام السابق.  كان اقتناص العقود سبباً في الزيادة الهائلة في الناتج للسنة الثالثة على التوالي. والمعروف أن الوزارة تولت إدارة برنامج "البطاقات الذكية" الذي يهدف إلى توجيه الإعانات الحكومية نحو القطاعات الأكثر فقرًا في مصر، لكن النقاد لاحظوا أن ذلك أعطى "77 في المئة من أعلى شريحة إنفاق بطاقات ذكية تمنحهم الدعم في حين أن 82 في المئة من الفقراء لا يستفيدون من برنامج التأمين الاجتماعي في مصر الذي يعاني من الفساد والاحتيال". 

وزارة الإنتاج الحربي قد حسّنت حساباتها فقط عن طريق الحلول مكان الجهات الفاعلة الاقتصادية الأخرى التي كانت لولا ذلك ستفوز بعقود الأشغال العامة وعقود الشراء.

إلى ذلك، كانت وزارة الإنتاج الحربي تدخل إلى القطاعات التي كانت تعمل فيها أصلًا هيئات اقتصادية عسكرية أخرى: بناء الطرق ومحطات معالجة المياه، والوحدات السكنية، والمرافق الرياضية، والمباني الأخرى، والمشروعات التنموية في سيناء (تقوم بها عادة هيئات الهندسة والمياه في القوات المسلحة)، وعربات ومعدات السكك الحديد، والألواح الشمسية وغيرها من معدات الطاقة المتجددة، وسخانات ومبردات الماء وغيرها من الأجهزة المنزلية، وأجهزة الكومبيوتر المحمولة، وأسطوانات الغاز، والأنابيب وقطع الغيار اللازمة للصناعة البترولية، والآلات الزراعية (تنتجها عادة الهيئة العربية للتصنيع)، واستصلاح الأراضي والزراعة الحقلية والصناعات الزراعية (وهي عادة من اختصاص الهيئة الهندسية في القوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية).  (بل حصلت إزدواجية في العديد من السلع المدنية التي تنتجها شركات ومصانع وزارة الإنتاج الحربي نفسها.) . 

في تعزيزٍ لهذا التوجه، أعلنت وزارة الإنتاج الحربي في أيار/مايو 2015 أنها تقوم بتأسيس شركة متخصصة للقيام بالأشغال العامة وعقود الشراء (جرى إطلاقها في أواخر عام 2016 كشركة الإنتاج الحربي للمشروعات والاستشارات الهندسية والتوريدات العامة). من الناحية النظرية، فإن إنشاء مجمع خاص بقطاع الإنشاءات يزود الوزارة بالقدرة على تنفيذ مشروعات البنية التحتية الضخمة ويسمح لها بتوجيه المساعدة الخارجية نحوها. أما في الواقع، فإن لدى كلّ من القوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية أذرعها الخاصة لأعمال الإنشاء والتشييد، وهي تواصل العمل في نفس المجال.  وإلى جانب الازدواجية الواضحة في هذا المجال، والاستشارات والمقاولات ذات الصلة، واستصلاح الأراضي، كان الغرض من الشركة الجديدة أن تعمل في القطاعات الطبية والعلاقات العامة والإعلانات والعقارات والسياحة، حيث كان للقوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية حضور قوي أصلًا.  وكشف العصّار في أوقات مختلفة من عام 2017 أن وزارته تعمل أيضًا على زراعة 69,000 فدان بالنباتات العطرية للتصدير، وإدارة أراضٍ زراعية مملوكة للأوقاف الإسلامية في الدلتا، ومناقشة تأسيس مشروع مشترك مع مستثمرين إماراتيين لزرع 20 مليون نخلة على 92,000 فدان جنوب الوادي، ما يدلّ على ابتعاد الوزارة عن الصناعة التحويلية، بالإضافة إلى تكرار مجال نشاط جهاز لمشروعات الخدمة الوطنية.  ثم أضاف خلال عام 2019 أن وزارته تؤسس شركة لصناعة المصاعد (ما كان أصلًا جهاز مشروعات الخدمة الوطنية قد قام به قبل سنوات) وتقيم المشروعات المشتركة الجديدة لإنتاج الصوب الزراعية والتوضيب وموانع التسريب (ما كرّر مجال نشاط جهاز لمشروعات الخدمة الوطنية مرة أخرى). 

الازدواجية ليست جديدة. في غياب البيانات المفصلة، يصعب تحديد المدى الذي تتنافس فيه وزارة الإنتاج الحربي بشكل مباشر مع الجهات الفاعلة الاقتصادية العسكرية الأخرى على العقود، أو ما إذا كان ذلك يؤدي إلى انخفاض أسعار السلع والخدمات التي تبيعها إلى القطاعين العام والخاص أو إلى عموم المستهلكين المصريين. لكن جاءت المرحلة الأخيرة من التوسع والتنوع في الإنتاج المدني للوزارة استجابةً بشكل واضح لحملة الرئيس السيسي لتوليد روافد الدخل وزيادتها. ويبدو أن هذا يكمن وراء جزء كبير من مشاركة المؤسسة العسكرية في مروحة متنامية من القطاعات الاقتصادية، إلى جانب الاعتقاد أن تحسين وفرة السلع الأساسية بأسعار ميسورة يشكّل وسيلة لتعزيز دعم الطبقة الوسطى ودعم الاستقرار الاجتماعي. كما أنه يفسر لماذا تستهدف أذرع الاقتصاد العسكري الرسمي المختلفة القطاعات نفسها، مع أن التركيز على قطاعات منفصلة أو متكاملة سيكون مجديًا ومنطقيًّا أكثر من الناحية التجارية.

وقد كشف العصّار سهوًا عن القيود التي تعيق وزارة الإنتاج الحربي في آذار/مارس 2018، عندما اعترف بأن ست شركات فقط من عشرين حققت أرباحًا في السنة المالية السابقة، بعد أن كان قد تفاخر بالطفرات الكبيرة في المبيعات.  ومن المفترض أن تكون تكاليف المواد الخام والوسيطة، والآلات المستوردة، وقطع الغيار، وعناصر الإنتاج الأخرى مثل الكهرباء والوقود، قد ازدادت بما يتناسب طرديًّا مع الزيادات الهائلة المزعومة في حجم الناتج، ما سيحدّ بالتالي من صافي الدخل. وفي حزيران/يونيو 2019، صرح أيضًا بأن شركة وزارة الإنتاج الحربي للمشروعات والاستشارات الهندسية والتوريدات العامة قد أبرمت عقوداً مع القطاع الحكومي بقيمة إجمالية قدرها 15 مليار جنيه مصري (أقل من مليار دولار) في السنوات الثلاث منذ إنشائها، ولكن حقيقة أنّ هذه العقود تضمنت استيراد سلع مثل 1500 مصعد للعاصمة الإدارية الجديدة تدل على أن الكثير مما كانت تفعله الوزارة هو القيام بدور الوسيط لا مصنِّع السلع والخدمات.  ومع ذلك، تباهى العصّار، وبلا أي سخرية واضحة، بأن "منظومة الإنتاج الحربي متميزة وفريدة ولا يوجد لها مثيل في الصناعة المصرية". 

الهيئة العربية للتصنيع: ورشة الدولة

تكشف الهيئة العربية للتصنيع عن أنماط مشابهة لنمط وزارة الإنتاج الحربي. وهي الذراع الرئيسة الثانية للاقتصاد العسكري الرسمي من حيث تاريخ الإنشاء والقدرة التصنيعية وليس من حيث المساهمة الصافية، وقد جرى إنشاؤها كمشروع مشترك مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة قطر في عام 1975 برأسمال مبدئي قدره مليار دولار.  كان الهدف من إنشاء الهيئة تزويد الدول المشاركة بدرجة من الاكتفاء الذاتي في المعدات العسكرية التقليدية، وخفض تكاليف الدفاع، وبناء قاعدة تحويلية وعلمية للصناعة العربية، وتوليد الصادرات إلى الدول العربية والإسلامية.  وقد استفادت من القانون 43 الصادر حديثاً في عام 1974 والقانون رقم 111 لعام 1975 اللذين سمحا للمستثمرين العرب (على عكس غيرهم من الأجانب) بامتلاك العقارات، ما مكّن بالتالي الشركات العسكرية من تقديم الأرض والبنية التحتية كأسهم.  (لاحقًا، أقامت وزارة الإنتاج الحربي ووزارة الدفاع مشروعات مشتركة خاصة بهما على هذا الأساس أيضًا.) وقد علّقت دول الخليج مشاركتها في الهيئة بعد توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979، ثم تخلّت عن حصتها التي بلغت قيمتها 1,8 مليار دولار في عام 1994، تاركةً المنظمة مملوكة بالكامل من قبل مصر، وإن كان وضعها القانوني بقي كما هو أي "منظمة إقليمية دولية متخصصة". 

تختلف الهيئة العربية للتصنيع عن الشركات العسكرية الأخرى في أنّها مسجلة كمنظمة دولية، وفي أن رئيس الجمهورية ومحافظ البنك المركزي هما في مجلس إدارتها.  ولكنها، كسائر الصناعة الحربية، أُعفيت منذ إنشائها من "جميع الضرائب والرسوم" (بما في ذلك الرسوم الجمركية على الواردات والضرائب والرسوم التي تُفرض عادة على الصادرات). كما سُمح لها بفتح حسابات بالعملة الأجنبية في أي بنك تختاره في مصر أو في الخارج، وتحويل ودائعها بمختلف العملات بحريّة، وهذه ميزة في بلد كان يطبّق ضوابط صارمة على تحويل العملات حتى عام 2015.  وقد مدد مرسوم رئاسي آخر في عام 1977 مفعول الإعفاءات نفسها ليشمل الشركات التابعة للهيئة التي سُمح لها أيضًا بالحصول على قروض معفاة من الرسوم والضرائب، وكذلك جميع مورّدي الهيئة والمقاولين معها من الباطن. 

ووفقًا لما ذكره الفريق حمدي وهيبه، الذي ترأس الهيئة في الفترة بين أعوام 2005 و2012، فإن الهيئة لم تخضع للمراجعة من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات، ولا لأحكام قانون العمل 137 لعام 1981 وتعديلاته في عام 2003.  كما أن تعديل عام 2014 على القانون رقم 89 لعام 1998 بشأن المناقصات والعروض، منح الهيئة نفس سلطة وزارة الدفاع ووزارة الإنتاج الحربي في منح العقود من دون مناقصات، وعلى أساس الأمر المباشر، للموردين وللمقاولين من الباطن من اختيارها.  وتماشيًا مع جميع الهيئات الاقتصادية العسكرية الفاعلة الأخرى، فيحق للهيئة أن تحتفظ بالأرباح (بدلًا من تحويلها إلى خزينة الدولة). ومثل وزارة الإنتاج الحربي، تدّعي الهيئة أنها تعيد استثمار جميع الأرباح في الشركات التابعة لها.  إلى ذلك، تُعفى الهيئة من قانون الصحة والسلامة المنصوص عليه في قانون العمل رقم 12 لعام 2003، ما يسمح لها بمراقبة نفسها بنفسها. 

تألفت هيئة التصنيع العربية في البداية من أربعة مصانع عسكرية نُقلت من وزارة الإنتاج الحربي، ولكنها نمت إلى ما مجموعه 12 شركة ومصنعًا وقوى عاملة تتراوح بين 15 و17 ألفًا، بما في ذلك 1250 مهندسًا.  وقد حصلت الهيئة على ملكية كاملة لمشروعين مشتركين تأسّسا في الأصل مع شركة بريتيش أيروسبايس وشركة رولْز رويْس، وهما الشركة العربية البريطانية الديناميكية والشركة العربية البريطانية للمحركات في عامي 1998 و2009، تاركةً شركة ثالثة هي الأميركية العربية للسيارات، مملوكة بشكل مشترك مع كرايسْلر.  ويتألّف معظم إنتاجها الحربي من الإنتاج المشترك للمعدات غربية التصميم، بما في ذلك تجميعها.  وبحلول عام 2006، زعم وهيبة أن 30 في المئة من الإنتاج الحربي في الهيئة العربية للتصنيع يجري تصديره إلى دول عربية، بمتوسط 20 مليون دولار سنويًّا في السنتين السابقتين.  هذا يشير إلى حجم متواضع من إنتاج المعدات العسكرية، ولكن بعد ست سنوات، أعلن وهيبة أن هيئة التصنيع العربية حققت ربحًا إجماليًّا صافيا بقيمة 470-475 مليون جنيه مصري (78 مليون دولار) على مبيعات المنتجات والخدمات العسكرية والمدنية البالغة 3,4 مليارات جنيه (563 مليون دولار) في العام 2011-2012.  أمّا خلَف وهيبة، الفريق عبد العزيز سيف الدين، فقد أعطى أرقامًا أقل في ما يخص إجمالي الإنتاج (3 مليارات جنيه) وصافي الأرباح (حوالي 220 مليون جنيه) في العام 2012-2013، ولكن هذا لا يزال يشير إلى تدفق منتظم في العمل. 

جاء الانقلاب العسكري في تموز/يوليو 2013 ليحوّل الصورة. فمنذ ذلك الحين، راحت كيانات القطاع العام وشركات القطاع الخاص التي كانت تسعى عادة إلى بناء علاقات مع جهات سياسية نافذة من أجل ضمان العقود والوصول إلى الأسواق في كل حقبة رئاسية، تزيد من روابطها مع الهيئات العسكرية كوسيلة لتأمين الأعمال. وقد ذكرت هيئة التصنيع العربية بعد ذلك أنها فازت بعقود بلغ مجموعها 965 مليون دولار (بما في ذلك 400 مليون دولار من المبيعات) و855 مليون دولار (بما في ذلك 760 مليون دولار من المبيعات) في العامين 2015 و2016 على التوالي.  

وعلى الرغم من التراجع في السنة الثانية، فقد أظهرت هذه المعدلات نموًّا مذهلًا مقارنة بالفترات السابقة، ولكنها لم تنجم عن إدخال تحسينات مخطط لها على الهيكل التنظيمي أو تدريب الموظفين التي كانت قد أعلنت عنها سابقاً.  بالأحرى، وكما جرى مع وزارة الإنتاج الحربي، كانت القفزة في الإنتاج والمبيعات، بصورة كاملة تقريبًا، نتيجة حملة الهيئة للفوز بحصة أكبر من عقود الأشغال والمشتريات العامة، ما أدى إلى إزاحة الموردين والمقاولين الآخرين. افتخر سيف الدين مرارًا وتكرارًا بالعمل مع العديد من الوزارات والجامعات الحكومية. وتؤكد التقارير السنوية الصادرة عن الهيئة والتحديثات الدورية للمشروعات بشكل لا لبس فيه أن هذه الكيانات تؤمن الجزء الأكبر من عقود الهيئة ومبيعاتها إلى حد كبير. وقد يفسر ما سبق ادّعاء مصادر حكومية مجهولة بأن الهيئة زادت مبيعاتها إلى 500 مليون دولار في النصف الثاني من عام 2017، بزيادة قدرها 7 في المئة مقارنةً في النصف الأول من السنة. 

وكما جرى مع وزارة الإنتاج الحربي، كانت القفزة في الإنتاج والمبيعات، بصورة كاملة تقريبا، نتيجة حملة الهيئة للفوز بحصة أكبر من عقود الأشغال العامة والمشتريات، ما أدى إلى إزاحة الموردين والمقاولين الآخرين.

تدل ضآلة صادرات هيئة التصنيع العربية على اتكالها على ضمان العقود من القطاع العام المصري، إذ بلغت قيمة تصديرها مجرد 2,9 مليوني دولار في عام 2015، ثم 18,5 مليون دولار فقط في عام 2016، أي بعد أكثر من 40 عامًا على نشأتها.  كان من المتوقع أن يؤدّي عقدٌ في عام 2016 لتزويد باكستان باثنتي عشرة طائرة تدريب صينية من طراز "ك-8 بي" (K-8P) يتم تجميعها وتصنيعها جزئياً بموجب ترخيص في مصر، إلى تحسين هذه الأرقام، لكن الهيئة كانت عمومًا غير قادرة على زيادة حجم التصدير أو إدامته. وكان الاستثناء الرئيس هو نجاحها في تصدير ما مجموعه 745 ناقلة جند مدرعة من طرازي الفهد والوليد إلى سبع دول عربية وأفريقية، ولكن حتى هذا كان متواضعاً نسبياً عندما نأخذ في الاعتبار أن إجمالي تكاليف الإنتاج كان حوالي 3,725 مليارات جنيه مصري (600 مليون دولار) على امتداد ثلاثة عقود من بداية التصديرات.  هذه النتائج تدحض التفاخر بنجاح هيئة التصنيع العربية في "جلب العملة الصعبة لمساعدة الاقتصاد الوطني". على العكس، لقد استخدمت الهيئة العملة الصعبة لاستيراد السلع الوسيطة وُرزَم مكوِّنات التجميع وآلات الإنتاج.

البحث والتطوير المعوَّق

مع أن وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع قامتا بلا شك بخطوات واسعة في اكتساب الدراية التقنية في الإنتاج والتكنولوجيا، فإن تبجحهما والبلاغات المبهرة في وسائل الإعلام المصرية تحتوي على مبالغات كبيرة. فقد وصف سيف الدين الهيئة بأنها "قلعة" مهمة في الصناعة المصرية، وذلك بعدما أصبح رئيسها في عام 2012، فيما احتفل العصار بالذكرى السنوية الثالثة والستين لوزارة الإنتاج الحربي في عام 2017 بالإعلان عن أنّ "هدفها الأكبر" هو "تحقيق منظومة دفاعية مصرية 100 في المئة".  لكن أوجه القصور الخطيرة في قدرة الصناعة الحربية على البحث والتطوير، التي تعتبر حاسمة في استيعاب التكنولوجيا والمعرفة الخارجية وتحويلها إلى إنتاج محلي، حدّت من تأثيرها الاقتصادي إلى حد كبير.

وفي منتصف التسعينيات، توقع ستيفن غوتوفيسكي، الذي كان يعمل عندها في مكتب الدراسات العسكرية الخارجية للجيش الأميركي، "احتمال أن يتراجع قطاع الإنتاج الحربي المصري في السنوات المقبلة. فمصر تعاني من إنتاجية منخفضة، ومن نقص في التمويل الكافي ونقص في الأسواق الخارجية". وقد تبين أن توقعاته عن التراجع خاطئة، لكن بقية نقده كانت دقيقة:

لم تشجع الصناعات العسكرية في مصر على تعزيز الواردات أو استدامة عوائد التصدير. وقد أثبتت المنافع التكنولوجية التي حققتها المشروعات الصناعية العسكرية للقوات المسلحة هامشية بالنسبة إلى التطورات الاقتصادية في مصر. ففي حين تقوم مصر بتجميع نُظُم أسلحة عسكرية متطورة، فإن الشركات الغربية هي التي تقوم بتوفير المنشآت على أساس "تسليم المفتاح"، إذْ يتلقى المصريون رزمًا من المكونات للتجميع. أما التكنولوجيا المعنية فإن الشريك الغربي هو الذي يسيطر عليها عن كثب. ومن هنا، فإنه لم يتم الحصول إلاّ على القليل من التكنولوجيا التي من شأنها أن تسمح بتطوير نُظُم مصرية مستقلة. بالنسبة إلى مصر، تُعد التكنولوجيا لغزًا مهمًّا، فالجهود الصناعية في مجال التكنولوجيا المتقدمة تتطلب كثافة رأس المال. غير أن مصر لديها اقتصاد بعمالة كثيفة ورأس مال شحيح. 

واستنادًا إلى رؤية مسؤولي دفاع أميركيين، قدّر عالما السياسة روبرت سبرينغبورغ وكليمنت مور هنري بعد بضع سنوات أن "كثيرًا من جهود [الصناعة الحربية المصرية] في مجال التصنيع، إن لم يكن معظمها، يبدو كمشتقات مباشرة من التكنولوجيا العسكرية المتدنية نسبيًّا.  ونظرًا إلى أن القيمة الأساسية للصناعات الحربية المحلية بالنسبة للأمن القومي تكمن في إسهامها في قدرة الدول على التكيف العسكري، فإن عدم كفاية الاستثمار في البحث والتطوير يعكس إما عدم كفاءة مديريها والقادة السياسيين، أو عدم التزامهم إدامة صناعة حربيةٍ قديرةٍ حقاً. 

لقد أقرّ قادة الصناعة الحربية المصرية مرارًا بضرورة الاستثمار في البحث والتطوير. ففي عام 2010، ذكر مشعل أن وزارته تعاونت مع "جميع الجامعات المصرية لإقامة مركز بحث وامتياز علمي لخدمة الصناعة الدفاعية". وفي مقابلات أخرى، أوضح أن وحدات البحث والتطوير في جميع مصانع وزارة الإنتاج الحربي وشركاتها جُمعت في عام 2005 في مركز واحد جديد للامتياز العلمي بتكلفة تبلغ 200 مليون جنيه مصري (35 مليون دولار)، وأنها ستبدأ التشغيل في تشرين الأول/أكتوبر 2011.  ومن ناحية أخرى، جرى تأسيس مجمّع متكامل للتكنولوجيا يشمل مدرسة ثانوية فنية، ومعهدًا متوسطًا، وكلية تكنولوجيا تضم 180 طالب ماجستير و40 طالب دكتوراه، كما جرى تدريب 300 "مهندس وكيميائي" سنوياً.  بدورها، لدى الهيئة العربية للتصنيع المعهد العربي للتكنولوجيا المتقدمة ومركزان تقول عنهما إنهما يطوران القدرات في مجالات الإدارة والهندسة والتكنولوجيا وأنظمة المعلومات واللغات. ولكن، في جميع هذه الأحوال، يبدو أن التركيز هو على اكتساب مهارات فنية ضيقة من أجل تطبيقات محدودة، وليس على خلق مناخ مؤسسي تفاعلي للابتكار التكنولوجي والتجاري. 

بدا أن حمدي وهيبة، رئيس الهيئة العربية للتصنيع في حينه، قد أدرك عدم وجود بحث وتطوير بالمعنى الحقيقي عندما علّق في عام 2009 قائلًا إنّ "مصر تعيش في غيبوبة صناعية كبرى... فإن مصر تفتقد وجود التصميمات في 99 في المئة من الصناعات، بما فيها إبرة وابور الجاز وحنفية الميه والولاعة، وكل المنتجات المتوافرة في السوق تصميم أجنبي".  ويبدو أن استحضاره خطابًا شهيرًا لجمال عبد الناصر في عام 1962، تصوّر فيه مصر تصنّع كل شيء من "الإبرة إلى الصاروخ"، إنما استهدف تقديم الهيئة بوصفها استثناءً كانت تقود الطريق بفضل قدرة حقيقية على البحث والتطوير.  لكن المحلّلة سارة تشايْس وجدت أدلة قليلة على ذلك، عندما زارت مصنع الهيئة الذي ينتج الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية الاستهلاكية في عام 2013، فلاحظت:

 [المصنع] يقوم فقط بتجميع مكونات صينية منخفضة الجودة لمنتجات واضح أنّها ذات معايير أقل من معايير البدائل المتوفرة بسهولة مثل "سوني" أو "سامسونغ". ولم يتم بيع مجموعته من أجهزة الكمبيوتر (التي توقف إنتاجها منذ الثورة [في 2011]) إلا للوزارات الحكومية. وفي الوقت الحالي، يركّز قسم البحث والتطوير المكون من 12 شخصًا على وحدات التحكم الكهربائية في مشروع محتمل لإضاءة الشوارع [بالطاقة] الشمسية الذي يستهدف أيضًا المشترين الحكوميين. هذا القسم، حتى وفقًا لأحد [مهندسيه]، لا يولّد أي ابتكار. وكان يتناوب على القسم مهندسون شباب يجري تعيينهم فورًا بعد إنهائهم الدراسة، وهم في طريقهم إلى وظائف ذات رواتب أعلى في القطاع الخاص، وذلك على الأقل حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي، وفقاً لمهندس آخر.  

نتيجة لذلك، واجهت الهيئة العربية للتصنيع ووزارة الإنتاج الحربي المتاعب في محاولتهما رفع نسبة المحتوى المحلي في المنتجات التي يتم تجميعها بموجب ترخيص أجنبي. وتعد هذه وسيلةً مألوفة في جميع أنحاء العالم للحصول على التكنولوجيا والمعرفة الإنتاجية، وطريقًا إلى إضافة القيمة وتحفيز الصناعات المغذية المحلية، غير أن معدلات النمو البطيئة في المحتوى المحلي تكشف عن عدم كفاية قدرة البحث والتطوير وتحد من العوائد الاقتصادية. إن ناقلة الجند المدرعة، "الوليد"، وخليفتها، "الفهد" تعطيان المثال: كلتاهما كانتا مبنيتين على تصاميم ألمانية وأُنتجتا في مصر بموجب ترخيص (بدءاً من عام 1960 للوليد و1985 للفهد)، لكن الأمر استغرق ثلاثين عامًا لكي ينتقل المحتوى المحلي في ناقلة الفهد من النسبة الأولية 25 في المئة إلى 68 في المئة.  الأمر نفسه ينطبق على سيارة الجيب "ج8" (J8) التي يتم إنتاجها في مصر منذ أواخر 2008 بتجميع مكوّنات قدمتها شركة كرايسْلر الأميركية: كانت الشركة العربية الأميركية التابعة للهيئة العربية للتصنيع تقوم بتجميع نماذج مدنية وعسكرية لها منذ عام 1978، ولكن اُعلن في شهر نيسان/أبريل 2017 أنّ محتواها المحلي لا يزال بنسبة 45 في المئة فقط. 

وقد تأثر بالمثل الإنتاج المرخص منذ عام 1992 للدبابة القتالية الرئيسة "م1-أ1 أبرامز" (M1-A1 Abrams) الأميركية التصميم، والتي كان مسؤولو الدفاع المصريون يفتخرون بها بشكل خاص. منذ إنشائه، صنّع مصنع الدبابات 200، التابع لوزارة الإنتاج الحربي والمخصص لهذا الغرض، حوالي 40 في المئة من مكونات أول 555 دبابة م1 كانت مشمولة بالاتفاقية الأصلية، في حين تم استيراد 60 في المئة منها.  كان هذا المستوى من المحتوى المحلي في واحدة من أكثر المركبات القتالية تقدمًا في العالم مثيرًا للإعجاب. وقد وعد مشعل بزيادة هذه النسبة إلى 90 في المئة بحلول عام 2011، وزعم أنها بلغت 95 في المئة بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2011. ومع ذلك، كان هذا صحيحًا فقط بالنسبة إلى مكونات محددة مثل الهيكل، وحتى ذاك لم يتحقق سوى في عام 2015.  وفي ما يعكس هذه القصورات، فإن الإنتاج المشترك في الواقع "زاد بشكل كبير من كلفة الوحدة بالنسبة إلى الدبابات وغيرها من المعدات المصنعة بشكل مشترك"، وفقًا لمكتب المحاسبة العامة في الولايات الذي كان يقيّم البرنامج بشكل روتيني في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة.  إلى ذلك، كان المصنع 200 الذي يجمع دبابة م1 يستخدم أعدادًا كبيرة من العاملين ويقاوم ضغوط الشركة المصنعة الأمريكية "جنرال موتورز" لكي يخفض قوته العاملة من 6000 إلى 1200، مع أن المسؤولين الأميركيين قد قدّروا في البداية أنه لا يحتاج سوى 200، ليستقر عددهم نهاية على 4000 موظف، لينخفضوا بعد ذلك إلى 2500 مع اقتراب انتهاء الإنتاج عام 2018. 

ويبدو أن الشركات العسكرية المصرية في زيادة المحتوى المحلي وفي الحصول على التكنولوجيا ووسائل الإنتاج للقيام بذلك حين اتصل الأمر بالمعدات القتالية الرفيعة المستوى والتي تعزز القدرة الاستراتيجية للقوات المسلحة ومكانتها. إلى ذلك، يعكس الإصرار على الحفاظ على الإنتاج المشترك لدبابة م1 أملاً في استخدام ذلك منطلقًا للتصدير. في هذه الأثناء، يجري استخدام مصنع الدبابات لترقية النماذج السابقة من دبابات م1 أ1.  وهذا أمر منطقي، لكن محدوديات قاعدة البحث والتطوير الأساسية تفرض سقفًا على ذلك وعلى الجهود الأخرى مثل تلك الخاصة بالوحدة 1703 في إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع التابعة لوزارة الدفاع، وهي وحدة تعمل على استكمال نقل التكنولوجيا العسكرية من خلال الحصول على معدات يُجري لها هندسةً عكسية من قبل مركز البحث التكنولوجي والتصميم والتطوير التابع لوزارة الدفاع.  ويتبين جلياً من مراجعة المعدات العسكرية المعلنة على موقعي وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع أنها لا تحتوي سوى على التكنولوجيا المتقادمة؛ إن الاستثناء الوحيد هو رزم تجميع الدبابة م1أ1، غير أن حتى هذه اعتبرها  جهاز تعاون الأمن الدفاعي التابع لوزارة الدفاع الأميركية في عام 2015 أنه من بين عدد من "النظم الأقدم أوالمتقادمة أو المُنتَجَة من قِبل أطرف ثالثة" الموجودة في حيازة القوات المسلحة المصرية التي "ينبغي انتقالها خارج نطاق [المساعدات العسكرية الخارجية الأميركية] أو إنهاؤها" .

في المقابل، تعتبر العالمة السياسية شانا مارشال أن الصناعة الحربية المصرية قامت بسعي حثيث وراء نقل التكنولوجيا من الأطراف الثالثة من خلال الإنتاج المشترك واتفاقيات التصنيع المرخصة إما مباشرة من شركات الدفاع الأجنبية أو من خلال شركات أجنبية وسيطة مورِّدة، وذلك منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي.  وهذا الطريق إلى التكنولوجيا المتقدمة واعدٌ أكثر، لكن سجل القطاع ضعيف في هذا الصدد: بعد أكثر من أربعة عقود من تشكيل الهيئة العربية للتصنيع مشروعات مشتركة مع العديد من مصنعي الأسلحة الغربيين الرئيسين وحوالي ثلاثة عقود منذ بدء إنتاج خط تجميع الدبابات م1، لم يرتفع المحتوى المحلي إلا ارتفاعًا نسبيًّا قليلًا في المتوسط. بالفعل، إن ضعف قاعدة البحث والتطوير في مصر لم يتسبب في العرقلة الشديدة لاستيعاب التكنولوجيا الجديدة فحسب، وبالتالي منع التكيفات أو الابتكارات المحلية الهامة، بل حدّ أيضًا من القيمة المضافة من خلال إجراء عمليات الصيانة والإصلاح والتحديث في مصر. لذلك قد يكون الدافع وراء بناء العلاقات مع الشركات الأجنبية أقل ارتباطًا بنقل التكنولوجيا والدراية الفنية، بل يتعلق أكثر باستثمار أموال الوزارة في الخارج بهدف تأمين مصادر الدخل من الأرباح والحصول على حصص خارج مصر.

إن ضعف قاعدة البحث والتطوير في مصر لم يتسبب في العرقلة الشديدة لاستيعاب التكنولوجيا الجديدة فحسب، وبالتالي منع التكيفات أو الابتكارات المحلية الهامة، بل حدّ أيضًا من القيمة المضافة من خلال إجراء عمليات الصيانة والإصلاح والتحديث في مصر.

ومن الأمثلة على ذلك الاتفاق مع اليونان بالتبرع بـ92 مركبة قتال للمشاة مستعملة من طراز "بي م بي 1 أ 1" (BMP 1A1) إلى القوات المسلحة المصرية في أواخر عام 2018. حيث اتفق أن تقوم مصر بتمويل إجراء التفتيش الفني والتحديث على المركبات في المصانع اليونانية بدلاً من القيام بهذه المهام بنفسها. علاوة على ذلك، تم اللجوء إلى هذه الصفقة بدلاً من تحديث 205 مركبات بي م بي 1 الموجودة أصلاً في مستودعات القوات المسلحة المصرية.  وبالمثل، عندما استحوذت وزارة الدفاع على أسطول من الطائرات الصينية بدون طيار متوسطة الحجم من طراز "وِنغ لونغ" (Wing Loong) في العام 2017، قام مقاولو الصناعة الحربية في الإمارات العربية المتحدة بتعديل أنظمة الاتصالات والمراقبة وتحديد الأهداف لتتكيَّف مع احتياجات القوات المسلحة المصرية.  وكان وهيبة قد أعلن سابقًا أن الهيئة العربية للتصنيع كانت تُنتج 12 مركبة جوية صينية الصنع بدون طيار من طراز "أ س ن – 209" (ASN 209) في العام 2012، لكنّ ادّعاءه أنّ المحتوى المحلي في صنعها بلغ 99.5 في المئة لم يتم إثباته.  

كما تَظهر المحدوديات الحقيقية في التأخير المتكرر في إطلاق مشروعات الإنتاج الجديدة وفي تسليمها. فعلى سبيل المثال، مرت تسع سنوات بين طلب أولي بتسليم 120 طائرة تدريب من "طراز ك–8إ" (K-8E) وبدء تجميع الطائرات الأربعين الأخيرة منها في مصر باستخدام مكوّنات وفرتها شركة صناعة الطيران الصينية "هونغْدو" الموِّردة في عام 2008.  وفي أعقاب قرار الولايات المتحدة في عام 2013 إعادة تخصيص "أموال المساعدة العسكرية الخارجية" بعيداً من نُظُم الأسلحة الرئيسة، مثل دبابة م1 وطائرة ف16 المقاتلة، أظهرت وزارة الإنتاج الحربي مرة أخرى تحيزها نحو التكنولوجيا العسكرية الثقيلة من خلال التفاوض مع الشركة الروسية "أوْرال فاغون زافود" في عام 2017 على تجميع 400-500 دبابة قتالية رئيسة طراز "ت-90" وتصنيعها جزئيًّا في مصر (الأمر الذي أيضًا لم يتحقق).  

لم يردع القصور في الإنجاز في الصناعة الحربية من عزيمة الوزير العصّار على شنّ حملة لترسيخ مكانتها الدولية. وعرض إنتاج الوزارة العسكري في معرض "إيدكس" الدولي للدفاع في أبو ظبي في شباط/فبراير2017، وكانت هذه أول مشاركة للوزارة في حدث مماثل منذ أكثر من عشر سنوات، وكأنه يستجيب للنقد المتضمن في الورقة البحثية لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في عام 1985 المذكورة سابقًا، حول الافتقار إلى عملية فعالة لجمع المعلومات ولتنظيم تسويق الصادرات من قِبل وزارة الإنتاج الحربي.  وفي كانون الأول/ديسمبر 2018، افتتح أول معرض في مصر للدفاع (إيدكس)، بغية إنعاش الطلبات على منتجات الصناعة الحربية. 

استحقت تلك الجهود الثناء، إلا أن التسويق مقيد بضعف القدرة التنافسية للمنتجات الحربية المصرية في الأسواق العالمية. ومن أبرز المنتجات المعروضة في "إيدكس" تحسينات على ناقلات الجند المدرعة من طرازيّ "فهد" و"تمساح"، استنادًا إلى تعديلات على المركبات الألمانية والأوكرانية، والنماذج الأولية من المركبات "إس تي – 100" (ST-100) و"إس تي – 500" (ST-500)، المطورة تحت رعاية "مجموعة ماراتون الدولية المتحدة للتكنولوجيا" في جنوب أفريقيا.  عكَست العربة تمساح دخول مجمع الصناعات الهندسية التابع لإدارة المركبات في القوات المسلحة المصرية كمنتِج حربي ثانوي جديد إلى القطاع: فقد تم تدشينه في أيار/مايو 2015، ويضم عشرة مصانع تنتج كل شيء بدءًا من قطع غيار السيارات (أنابيب العادم، والمشعّات الحرارية، الرادياتر، والأجزاء المطاطية غير المعدنية، ومقاعد الإسفنج، و"أول بطارية مصرية الصنع بالكامل") وصولًا إلى ناقلات الدبابات م 1 / أ 1. 

لم يشكل معرض "إيدكس" بوضوح علامة إطلاق مصر كمصدّر للأسلحة. فقد جرى الاتفاق على بيع 19 ناقلة فهد إلى بوروندي في آذار/مارس 2019، لكن لم يتم تأكيد أي طلبات أخرى من أي من هذه المركبات، حتى من قِبَل القوات المسلحة التي استمرت بدلاً من ذلك في استخدام المركبات المحمية ضد الألغام المقدَّمة من قِبل الولايات المتحدة ضمن برنامج "المواد الدفاعية الفائضة" منذ عام 2015.  بالمقابل أثبت "إيدكس" أنه فرصة تسويقية لشركات الدفاع الأجنبية لإبرام مجموعة متنوعة من العقود مع القوات المسلحة المصرية. 

"بصماتنا في كل منزل": المتاعب المريرة للإنتاج المدني

لا تقل الصناعة العسكرية المصرية طموحاً في ما يتعلّق بإنتاجها المدني. وهذا يشمل مروحة واسعة من السلع الجاهزة والوسيطة الخاصة بالمنازل، والمؤسسات المالية، والزراعة، والصناعة، والاستخدامات البيئية: أدوات المطبخ، وآلات الغسيل، والثلاجات، وأجهزة التلفزة، ومستقبلات التلفاز، والحواسيب النقالة، وعدادات الماء والكهرباء، ومرشحات الماء (الفلاتر)، والمبردات، ومكيفات الهواء، ووحدات التدفئة والإضاءة، واسطوانات ومنظّمات غاز الطبخ، والأثاث الخشبي، ومعدات المستشفيات، والحقن غير القابلة لإعادة الاستعمال، والأدوية والمذيبات، وعربات إطفاء الحرائق وسيارات الإسعاف، وشاحنات القمامة، وشاشات ومقاعد الرياضة، والأقراص التعليمية، والمبيدات، وأنابيب الماء، والآلات الزراعية ومستوعبات التخزين، ونظم الري بالانتقال الأفقي، وشاحنات الطعام المبرّد، ومتفجرات البناء، ووحدات تصفية وتحلية المياه، والدهان، وإعادة تدوير الفضلات الزراعية ومحطات معالجة المياه، ومعدات الطاقة المتجددة.  كما تقدّم الصناعة العسكرية الخدمات المدنية بما في ذلك التعاقد والإنشاءات، والتوريد والاستيراد، وتركيب وترقية تكنولوجيا المعلومات ونظم الرصد للمؤسسات العامة، والتدريب التقني.

لا عجب بعد كل ذلك أن يُفاخر مدير أحد مصانع وزارة الإنتاج الحربي بأن "بصماتنا مُنتشرة في كل منزل في مصر".  بيد أن القصور في الإنتاج العسكري للصناعة العسكرية يمكن أن يكون حتى أكثر أهمية من إنتاجها المدني. هنا، تُنحى اللائمة جزئياً على البلبة والارتباك الكامنين في المبررات الرسمية لإنتاج السلع والخدمات المدنية. فقد أعلن المسؤولون النافذون مراراً وتكراراً أن الصناعة العسكرية لا تفعل شيئًا سوى إعادة توجيه الناتج الفائض عن حاجات القوات المسلحة إلى الأسواق المدنية، وأنها تفعل ذلك عبر استخدام السعة الفائضة، وكسر الاحتكارات، وإعادة الاستقرار إلى أسعار السلع "الاستراتيجية"، وتقليص الواردات، وتوفير الاحتياطي من العملات الصعبة، والمساهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وفي الناتج المحلي الإجمالي، وبالتحديد في خطط الدولة للتنمية القومية، الأمر الذي يساعد على إصلاح الاقتصاد ودعم القطاع الخاص.

أن القصور في الانتاج العسكري للصناعة العسكرية يمكن أن يكون حتى أكثر أهمية من انتاجها المدني.

يمكن من الناحية النظرية أن يكون بعض هذه الأهداف متجانسًا مع البعض الآخر، لكن معظمها متناقض في الواقع. على سبيل المثال، فإن القصور في استعمال السعة الصناعية العسكرية حاد، ومع ذلك كانت وزارة الإنتاج الحربي على وجه الخصوص تتحرّك على مسار توسعي منذ سنوات عدة، ما أضاف خطوط الإنتاج، والمصانع، والشركات الجديدة إلى ملفّها في إطار مواصلة استراتيجية العصّار الداعية إلى التوسّع.  والحال أن غالبية القطاعات الاقتصادية التي تنشط فيها الهيئات العسكرية، إذا لم نقل جميعها، لا تعاني احتكارًا للقطاع الخاص يتطلّب التفكيك. ويضاف إلى ذلك أن تنظيم الأسواق والأسعار هو من اختصاص وزارات الحكومة وإدارات الدولة المتخصصة، كما أن التطمينات العسكرية بعدم التنافس مع القطاع الخاص تنفيها التصريحات العسكرية المقابِلة بضرورة التنافس بهدف خفض الأسعار.

والواقع أن قادة الصناعة العسكرية يدلون بخطابات متضاربة حيال هدفهم ومساهمتهم الرئيسة. فقد اشتكى العصّار في العام 2017 بأنه من الصعب زيادة الناتج المدني بالمقارنة مع العسكري "بفعل العديد من التحديات التي تشمل، على سبيل المثال، التنافس والواردات"، لكنه أكّد مع ذلك بعد سنة واحدة أنه "إذا ما أنتجنا سلعًا عسكرية فقط فلن نحقق مردودًا اقتصاديًّا".  كما أكد الفريق عبد المنعم بيومي التراس، الذي أصبح رئيس مجلس إدارة الهيئة العربية للتصنيع في آب/أغسطس 2017، أن توفير احتياجات "رفيعة النوعية" للقوات المسلحة هو هدف الهيئة الرئيس وليس حصد الأرباح، وهو أمر غير مقنع نظراً إلى إقلاع الهيئة عن برامج إنتاجها العسكري ذي التكنولوجيا المتطوّرة السابقة، وتقادم المحتوى التكنولوجي لما تبقى من منتوجها العسكري.  مثل هذه البيانات تقفز فوق الحقيقة بأن 60 في المئة على الأقل من الإنتاج هو مدني، وفق أرقام يقدّمها قادة هذا القطاع نفسه. 

الحفاظ على الجيب الصناعي العسكري: استنساخ الماضي

تنبثق كل هذه التناقضات من مصادر متعددة، أهمها أن الصناعة الحربية، بكونها جيبًا محميًّا، ورثت "المؤسسات، والهيكلية المؤسسية، وأطر السياسة العامة، وأنماط الإنتاج والتنظيم، والمصالح المترسّخة، وعادات التفكير والعمل" التي كانت خصيصة جُل الاقتصاد منذ حقبة ناصر، كما أوضح مدير البنك الدولي السابق لشؤون مصر خالد إكرام في تقييمه للقطاعات الإنتاجية والبنى التحتية في البلاد.  وهذا يعني أيضًا، جزئياً، احتفاظ الصناعة الحربية باحتياطي رأس المال من المعدات والمنشآت الذي تشكّل أساسًا من خلال استثمارات سابقة، على غرار مجمع الحديد والصلب الضخم ومصنع تجميع السيارات اللذين أقيما في أواخر الخمسينيات وحوُلّا جزئياً إلى الإنتاج العسكري بهدف استخدام السعة الفائضة، أو مصنع الطائرات الذي أعيد توجيهه لإنتاج السلع الاستهلاكية المدنية. 

علاوة على كل ذلك، لا تزال الصناعة الحربية مرتبطة باستراتيجية التصنيع للإحلال محل الواردات التي طُبّقت في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وإن بشكل مشوّه ومقلَّص. وبالإضافة إلى الاستثمار في مشروعات تصنيعية في قطاعات مُنتقاة تحميها التعرفات الجمركية المرتفعة (كالكيماويات الوسيطة، والأسمدة، والإسمنت، والصلب)، عمد قادة الصناعة الحربية غالباً إلى استغلال علاقتهم التفضيلية مع الوزارات والإدارات الحكومية للحصول على عقود المشتريات العامة بالأمر المباشر لضمان بيع المنتجات التي بوسعها التنافس مع السلع المحلية أو الأجنبية الأرخص، أو الأفضل جودةً. كما شنّ هؤلاء القادة الحملات الترويجية لسلعهم تحت شعارات "اشترِ المصري"، و"صنع في مصر"، و"شجّع مصر"، إضافة إلى تشكيل مجموعة على الفايسبوك اسمها "معاً لدعم المنتج المدني للصناعات الحربية".  وقد أعلنت وزارة الإنتاج الحربي في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 أنها ستقيم 22 منفذاً للمبيعات في أنحاء البلاد وأنها تشارك على نحو منتظم في معرض القاهرة التجاري، وكما عرضت مراراً "تخفيضات هائلة" على الأدوات المنزلية "احتفاء" بمناسبات خاصة مثل "السنة الميلادية وأعياد الاخوة المسيحيين" واليوم الوطني للشرطة.  كما تعاقدت الوزارة لفترة مع شركة خاصة لتسويق منتجاتها المدنية تحت شعار "إسعد مصري". 

لا تزال الصناعة الحربية مرتبطة باستراتيجية التصنيع للإحلال محل الواردات التي طُبّقت في الخمسينات والستينات، وإن بشكل مشوّه ومقلَّص. 

ببساطة، فإن الصناعة الحربية ليست مجدية من دون سوق أسير. وهذا السوق محلي كلياً، تقريباً، لأن الصناعة الحربية قد فشلت فشلاً ذريعًا في تحقيق قدرات تصديرية ذات شأن؛ وحين تمكّنت من ذلك( كما في حالة الفوسفات والأسمدة) فإنها أفادت من الدعم المتعدد الأوجه. وكما الأمر بالنسبة إلى المنتجات العسكرية، كمنت العقبة الكأداء في الصناعة الحربية في ضعف الأبحاث والتطوير، ما أعاق ترقية المحتوى المحلي والقيمة المضافة الاقتصادية للمنتجات المخصّصة للأسواق المدنية أيضًا. وهذا في الواقع جزء من مشكلة عامة في مصر. فقد لاحظ المدير السابق لدائرة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جورج عبد في العام 2019 أن مصر أنفقت 0.6 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي على الأبحاث والتطوير، بالمقارنة مع 4.3 في المئة في كوريا الجنوبية وإسرائيل، و2.2 في المئة في سنغافورة، و2 في المئة في الصين، و1.3 في المئة في ماليزيا والبرازيل.  وخلص إلى أنه نتيجة لذلك، أهملت مصر تطوير بنيتها الصناعية وتخلفت بشكل متواصل عن نظرائها في مجال دمج اقتصادها في سلسلة القيمة الصناعية العالمية. 

هذه الإعاقة تفسّر عدم مصداقية التشديد المتزايد من قبل قادة الصناعة الحربية على أهمية توطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية إلى مصر من خلال صفقات التجميع والترخيص للإنتاج من الباطن مع الشركات الأجنبية. فعلى رغم أن هذه المقاربة سليمة نظرياً، إلا أن قاعدة الانطلاق التكنولوجية المُتدنّية لدى الصناعة الحربية والاستثمارات غير الكافية في مجال البحث والتطوير، يحدان بشدة من قدرتها على اجتذاب التحويلات أو الإفادة منها. والحال أن الحاجة الملحّة لترقية البحث والتطوير كانت واضحة وجليّة منذ عقود، وقد اعترف بها وزراء الإنتاج الحربي السابقون ورؤساء الهيئة العربية للتصنيع طيلة السنوات العشرين الماضية، بيد أن المتطلبات لتحقيق ذلك بقيت في الحقيقة مُعلّقة في الهواء. وهكذا يبدو أن شعار التوطين كان يطفو على السطح ككلمة سحرية فقط، كما قال عبد المنعم التراس رئيس الهيئة العربية للتصنيع، "استجابة لتعليمات الرئيس السيسي بنقل وإعادة توطين التكنولوجيا، وتعميق الإنتاج المحلي بالتعاون مع الخبرات الدولية". 

أي مراجعة للصفقات الجديدة مع الشركات الأجنبية منذ ذلك الحين تشي في الواقع بأن شيئًا لم يتغيّر تقريباً. وفي مثال دالّ، وافقت وزارة الإنتاج الحربي في كانون الأول/ديسمبر 2018 على تحديد الاحتياجات وتوفير الرخص والأذونات لمشروعات مشتركة في مجال الطاقة والبنى التحتية مع شركة مجموعة هندسة الطاقة الصينية التي يُفترض أن توفّر التصاميم الهندسية الفعلية والمعدات، وأن تقدم خدمات الإنشاء الضرورية والدعم اللوجستي.  بيد أن كل اتفاقات التعاون المشترك تقريباً التي تم التوصل إليها مع شركات أجنبية في 2016- 2019 في قطاعي السيارات والسكك الحديد، على سبيل المثال، لا تتوقع وجود محتوى محلي مصري أكثر من 40-50 في المئة، وهو رقم لم يرتفع إلى نسبة 60 في المئة سوى في حالات نادرة. وفي ظل هذه المعطيات يشي عدد بروتوكولات التعاون الموقّعة مع شركات وحكومات أجنبية بأن الصناعة الحربية المصرية لا تزال معتمدة على التكنولوجيا والمعرفة الأجنبية كما كانت في العام 1985 حين ذكر تقرير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية المشار إليه سابقًا أن هذا الإعتماد  يعتبر مشكلة كبرى.

هذه الإعاقات توضح إلى حد كبير لماذا لم يؤتِ تحويل شطر كبير من السعة الإنتاجية للصناعة الحربية إلى الإنتاج المدني، والذي كان يُفترض أن يكون مجديًا اقتصاديًّا، بثمار. ولهذا السبب أيضًا لم تتحوَّل سوى قلة قليلة من بين عشرات مذكرات التفاهم واتفاقات التعاون بين وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع، من جهة، وبين الوزارات الحكومية والشركات والحكومات الأجنبية، من جهة أخرى، إلى نتائج فعلية. كما أن الحديث عن اجتذاب شركاء عرب لإعادة الاستثمار في الهيئة العربية للتصنيع أو لدمج الصناعات الحربية الناشئة في المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة لتكون شريكًا لنظيراتها المصريات، أمر بعيد المنال للأسباب نفسها.  علاوة على ذلك، تقع لائمة استمرار المشكلة المزمنة المتعلقة بالقصور في استخدام السعة الإنتاجية في شركات الصناعة الحربية، حتى وهي تزيد سعتها، على الوضعية التنافسية الضعيفة وأكلاف الإنتاج المرتفعة.

فالازدواجية في إنتاج سلع الصناعة التحويلية والخدمات يمكن أن تولّد تنافسًا مفيدا، لكن غياب الابتكار التكنولوجي الملموس وتعميقه يعنيان أن شركات الصناعة الحربية ما كانت ستقدر على المضي بإنتاج نفس السلع وبدخول نفس الأسواق، لولا إمكانة ترحيل الأكلاف الحقيقية للازدواجية وللسعة الإنتاجية الفائضة المعطّلة إلى الخزينة العامة. وعلى رغم مزاعم الصناعة الحربية بأنها تطرح المنتجات بأسعار معقولة، إلا أن الشركات الخاصة تشتكي من ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج التي تشتريها من وزارة الإنتاج الحربي، وتهدد بالعودة إلى الاستيراد بدلاً من ذلك.   

تتموضع الصناعة الحربية بين دوري المنتج والمُشتري: فهي تستطيع صناعة منتوجات منخفضة المحتوى التكنولوجي بأسعار مقبولة، لكنها تبقى عالقة في مرحلة تجميع المكونات المستوردة حين ترتقي الُسلّم التكنولوجي، الأمر الذي لا يوفّر سوى محتوى محلي وقيمة مضافة أقل، أو أنها يمكن أن تعمل مباشرة كوسيط للسلع المستوردة. وهذا يتضح من خلال جهودها لإنتاج السيارات والعربات، وقطارات السكك الحديد والأجهزة الإلكترونية.

سعياً وراء "سيارة مصرية مئة في المئة"

يشكل قطاع السيارات نقطة انطلاق طبيعية للصناعة الحربية عالمياً بسبب تمتعه بالمحتوى التكنولوجي المتقدّم وبحلقات الإنتاج المتعددة، ما يجعله كذلك همزة وصل في التآزر التجاري بين قطاعات التصنيع التحويلي العسكري والمدني. بيد أن العقبات التي تمت مناقشتها أعلاه عرقلت التآزر الاقتصادي وهددت برفع أكلاف الاندفاعات الجديدة في مجال إنتاج السيارات التي خططت لها الصناعة الحربية المصرية. وهذا يتضح جلياً في الجهود المتكررة لإحياء شركة النصر للسيارات المملوكة للدولة من خلال وضعها تحت جناح وزارة الإنتاج الحربي، وأيضًا من خلال جهود بذلتها مؤخراً الوزارة والهيئة العربية للتصنيع لإطلاق خطوط خاصة بها لإنتاج السيارات.

إنَّ شركة النصر، التي كانت تُعتبر رائدة الصناعة التحويلية المصرية، كانت من بين مئات الشركات المملوكة للدولة التي وُضعت تحت إدارة تجارية في عام 1991، دون خصخصتها. وبعد المعاناة لسنوات مديدة من الشركات الخاسرة، وضعها مجلس الوزراء على لائحة التصفية في عام 2009، فتوقف الإنتاج فيها. لكن في نيسان/أبريل 2013، اقترح وزير الإنتاج الحربي آنذاك الفريق رضا حافظ إحياء مصانع النصر الأربعة تحت رعاية وزارته، ثم وعد بعدها بأن الشركة ستنتج أول سيارة مصرية بالكامل في غضون سنتين. 

أثار اقتراح حافظ ممانعة في صفوف الضباط المتقاعدين الذين يتربعون على عرش رئاسة شركات أخرى، والذين كانت موافقتهم على الاقتراح لازمة. فقد زعم رئيس الشركة القابضة للصناعات التعدينية، التي تنتمي إليها شركة النصر للسيارات، أنه يؤيد نقل هذه الأخيرة إلى وزارة الإنتاج الحربي، لكن فقط بشرط أن تتكفّل الوزارة بديون الشركة (التي كانت وقتها 1،2 مليار جنيه، أي نحو 172 مليون دولار)، وأن تلتزم بدفع الرواتب لمن تبقى من قوّتها العاملة لمدة ثلاث سنوات أخرى (بكلفة عامة تبلغ 180-216 مليون جنيه).  بيد أن حافظ طلب بالمقابل أن تستوعب الشركة القابضة هذا الدين. كذلك، كان اللواء المتقاعد الذي عمل كمدير تنفيذي لرابطة مُصنعي السيارات، والذي كانت ستخسر جراء إحياء شركة نصر والتنافس من قبل  وزارة الإنتاج الحربي، أكثر صراحة في معارضته، مُدّعياً أن إحياء الشركة سيتطلّب استثمارات تبلع 10 مليارات دولار.  على أي حال، جاءت وفاة حافظ لتحول دون إتمام عملية النقل التي أوقفها خَلَفَه الفريق إبراهيم يونس، الذي قرر أن يقرن حيازة وزارة الإنتاج الحربي لشركة نصر بالعثور على شريك عالمي كبير يستطيع أن يضمن إنتاج 200 ألف سيارة على الأقل سنوياً، وهو شرط مستحيل. 

بيد أن فكرة إحياء نصر لم تُسلِم الروح. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2015، استأنف داعموها الضغط على العصار الذي خلف يونس كرئيس لوزارة الإنتاج الحربي. وقد أكد العصّار بعدها بشهرين أن مصير الشركة سيكون قيد البحث، لكنه لم يبد اهتماماً حقيقياً باستيعابها في وزارته.  وعلى مايبدو، فإن ادّعاء المؤسسة العسكرية في أنها معنية بإنقاذ المؤسسات الاقتصادية الوطنية، واعتقاد ناقديها أنها تسعى فقط للاستيلاء على الأصول المدنية، لم يتغلّبا على حسابات الربح والخسارة لديها. وقد طُرحت أفكار مختلفة على مدى السنوات الأربع التالية، بما في ذلك الإعلان في أيلول/سبتمبر 2017 بأنه يمكن إعادة ترميم النصر بمساعدة وزارة الإنتاج الحربي، لكن أيًّا من هذه الأفكار لم ير النور، وانطلقت وزارة قطاع الأعمال العام مجدداً للبحث عن شركاء أجانب كجزء من خطتها لتطوير شركات القطاع العام المضطربة في عام 2019. 

سعت الصناعة الحربية بدلاً من ذلك للانطلاق باتجاه مستقل. ففي الفترة بين حزيران/يونيو 2018 وأيلول/سبتمبر 2019 وافقت وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع على الإنتاج المشترك للشاحنات ومعدات جرف التربة "اللوادر" مع شركة مصنع مينسك (البلاروسية) والباصات الكهربائية مع شركة فوتون (الصين) و جيلي (الصين)، ومحطات الشحن للسيارات الكهربائية مع "س. إي. إى" وماراثون (الصين).  التبرير المعتاد الذي سيق في كل حالة هو نقل التكنولوجيا والمعرفة، وتقليص الاستيراد، وتوفير السلع بأسعار مقبولة، ودعم التنمية: ولكن لا يوجد ما يبرر الاعتقاد أنه بإمكان وزارة الإنتاج الحربي أن تتهرّب من المتاعب المريرة التي واجهها قطاع إنتاج السيارات المدني. فعلى رغم الحماية التجارية الكثيفة التي تمتعت بها هذه الأخيرة حتى مطلع عام 2019، إلا أن التقديرات أشارت إلى أن السيارات المجمّعة محلياً كلّفت 20-30 في المئة أكثر من تلك المستوردة في عام 2005، وكانت لا تزال أكثر بنحو 30 في المئة في عام 2012، فيما كان قطاع السيارات في ذلك الوقت يعمل بنسبة 30 في المئة من طاقته الإنتاجية.  والحال أن اعتماد صناعة السيارات على الواردات بنسبة 60 في المئة على الأقل من مكوناتها (هذا علاوة على آلات الإنتاج، والأدوات، والمواد) يعني أنها لم تكن قادرة على الاستفادة من الهبوط الحاد في سعر الجنيه المصري لتحقيق ميزة تنافسية حقيقية. من المهم أيضًا الإشارة هنا إلى أن وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق قدّر في كانون الثاني/يناير 2019 بأن المكونات المحلية مسؤولة عن 17 في المئة فقط من المُنتج النهائي.  صحيح أن مبيعات السيارات المجمّعة محلياً تحسّنت بنسبة 18 في المئة غداة الهبوط الحاد بسعر صرف الجنيه المصري، إلا أن مبيعات السيارات المستوردة ارتفعت بنحو 58 في المئة بعد إلغاء رسوم الضرائب على السيارات الأوروبية في نفس الوقت (بموجب اتفاقية الشراكة المصرية – الأوروبية عام 2004).  

لذلك، يتعيّن الإطلالة بعين الشك على ادعاء قادة الصناعة الحربية، مثل التراس، الذي وعد في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 بأن الهيئة العربية للتصنيع ستنتج قريباً "سيارة مصرية 100 في المئة" . وكانت الهيئة قد أنزلت إلى السوق سيارة بعجلات ثلاث من نوع "توك توك" الشائع قبلها بعام، الذي زعمت ، أنه يتضمن 90 في المئة من المكونات المحلية في مجالي القطع والعمل، وهو زعم معقول.  بيد أن اتفاقية وزارة الإنتاج الحربي في أيلول/سبتمبر2019 للتعاون بشكل مشترك مع الشركة الصينية فوتون لإنتاج الباصات الكهربائية كشفت الوضع الحقيقي: فشركة فوتون ستقدّم المكونات، بما في ذلك البطارية والمحرّك الكهربائي، وهما القطع الأكثر تعقيداً تكنولوجيًّا، وستوفّر شركة ماراثون الدولية للتكنولوجية المتحدة المصرية التمويل، فيما ستساهم وزارة الإنتاج الحربي بحصة صغيرة من رأس المال، والأرض، والقوة العاملة.  ومرة أخرى، يعيق النقص في البحث والتطوير تحقيق الزيادات الممكنة في المحتوى المحلي والقيمة المضافة. ثم حقيقة أن رئيس الشركة العربية الأميركية للسيارات في الهيئة العربية للتصنيع كان لا يزال يشعر بالحاجة إلى تقديم وعود بالاستثمار في البحث والتطوير في آذار/مارس 2015 (أي بعد 38 سنة من تأسيس الشركة)، يوضح مدى النقص الحاد المتواصل في هذا المجال.  وكذا الأمر في تفاخره في الحفاظ على المحتوى المحلي لسيارات الركاب بنسبة 45-47 في المئة، والتي لم تكن أكثر من الحد الأدنى الذي تطلبه وزارة الصناعة أصلاً. وبالمثل، فإن ادّعاء العصّار في عام 2017 بأن شاحنات "ماز" تُنتج في مصر بمحتوى محلي يبلغ 60 في المئة، لم يكن متناقضاً وحسب مع بيان وزير النقل آنذاك هشام عرفات، الذي قدَّر النسبة بـ 50 في المئة بعدها بسنة، بل هو يخرق أيضًا النسبة التي حددتها وزارة الصناعة كحد أدنى مقبول للمحتوى المحلي لهذه الفئة من العربات وهو 70 في المئة. 

الحركة المتثاقلة في السكك الحديد والإلكترونيات 

يتضح القصور الكامن في الصناعة الحربية بوضوح في حقلين إثنين: السكك الحديد، التي يمكنها توفير الكفاءة والتوفير في قطاع النقل، والإلكترونيات التي تُعتبر حاسمة للابتكار الصناعي ولاندماج مصر في سلسلة القيمة العالمية. والأهم أن هذين القطاعين يوضحان كيف يخلق الإطار الأوسع لوضع السياسات وللاقتصاد السياسي العقبات في وجه النمو الصناعي، من خلال تشويه حساب الكلفة مقابل العائد ونظام الحوافز، الأمر الذي ينعكس بشكل مشابه في الصناعة الحربية.

والحال أن نظام السكك الحديد في مصر عانى من عقود من الإهمال وقلة الاستثمارات، على عكس الاستثمارات الحكومية الكثيفة في الطرق وإنشاء الأتوسترادات وما يترافق معها من تشديد على قطاع السيارات والعربات. وقد لاحظ المحلل تامر حافظ في أواخر عام 2016 أن "منظومة السكك الحديد غير الآمنة والتي لا يعتدّ بها إطلاقاً، لم تشجّع قطاع الأعمال في مصر على الاعتماد على القطارات لشحن البضائع، وهذا على الرغم من أن السكك الحديد وسيلة أرخص بكثير وأكثر فعالية لنقلها، خاصة حين نضع بعين الاعتبار حالة الطرقات المكتظة وغير الآمنة في البلاد. ومع ذلك تقلّص الشحن في السكك الحديد إلى نحو الصفر في السنوات القليلة الماضية".  حينها، كان أقل من 1 في المئة من الشحن في مصر يتم عبر السكك الحديد (ارتفعت النسبة إلى 1.2 في المئة في عام 2017) ، فيما كان 20 فقط من نحو 700 رصيف للسكك الحديد مجهزاً تجهيزاً كاملاً لشحن وتفريغ البضائع.  لكن، بدلاً من التركيز على توفير النقل العام الرخيص وخدمات الشحن، تنحو الخطط الطموحة الراهنة إلى إقامة خطوط سكك حديد بالغة السرعة وخطوط سكك أحادية بقيمة 13،9 مليار دولار، التي لايمكن أن تخدم سوى المسافرين المُوسرين أو المشروعات البعيدة عن احتياجات المواطنين العاديين على غرار العاصمة الإدارية. 

يبدو أن المؤسسة العسكرية تشاطر كلياً الحكومة انحيازها الجلي إلى النقل عبر الطرقات، لأنها أدارت معظم مشروعات الطرق القومية منذ أواخر عام 2013. وكما لاحظ حافظ، فإن أيًّا من المدن الصحراوية الجديدة التي تقع خارج وادي النيل والدلتا، والتي بُني معظمها بمساعدة أو إدارة عسكرية، "لا تقترب من خطوط السكك الحديد". وبالمثل، فإن تطوير النقل بالسكك الحديد مع السودان أُهمل بشدة على الرغم من أن العدد الكبير من المسافرين وحجم البضائع التي تتنتقّل بين البلدين سنوياً، وأيضًا على الرغم من الاستثمارات الحكومية الكثيفة في المجتمعات المحلية الحَضَرية الجديدة واستصلاح الأراضي واسع النطاق والمشروعات الزراعية على طول الطريق في الصعيد. وكان مشروع بناء خط للسكك الحديد قيد الدراسة في عام 2009 لكنه طُرح جانباً، إلى حين حفزت رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي على تجديد المفاوضات في عام 2019، غير أن هيئة السكك الحديد اعترفت بأنها ليست حائزة لا على التمويل ولا على موعد تاريخ البدء بتنفيذ المشروع.  

يبدو أن المؤسسة العسكرية تشاطر كلياً الحكومة انحيازها الجلي إلى النقل عبر الطرقات، لأنها أدارت معظم مشروعات الطرق القومية منذ أواخر عام 2013.

هذا التحيّز في السياسة الحكومية والمعضلة المعهودة المتعلقة بالاستثمار الضئيل في البحث والتطوير، أسفرا عن مساهمة مخيّبة من جانب الصناعة الحربية في قطاع السكك الحديد. فشركة مهمات السكك الحديد المصرية (سيماف)، التي تنتمي إلى الهيئة العربية للتصنيع، ادّعت العام 2018 أن المحتوى المحلي وصل إلى 95 في المئة في إنتاجها لعناصر بسيطة كعربات الشحن، لكنها اعترفت أن النسبة هبطت إلى "25-45 في المئة في قطارات الأنفاق(الميترو)، التي تضمّنت أنظمة كهربائية وإلكترونية غير مصنّعة محلياً بعد في مصر.  وعلى الرغم من مفاخرة الهيئة العربية للتصنيع بإنتاجها لعربات ومعدات السكك الحديد كدليل على القدرات التصنيعية المحلية، إلا أن الصعوبات التي واجهتها في تسليم طلب حظي بإطناب إعلامي لـ212 عربة ركاب فولاذية مكيفة، أثبتت العكس. فقد أكد شريط فيديو ترويجي بثّ في تشرين الأول/أوكتوبر 2013 أن الهيكل، والطلاء، ومقاعد العربات فقط تُصنع في مصر، وأن مقاولاً إيطالياً من الباطن هو الذي يوفّر المحركات وأنظمة التشغيل والمكونات الأخرى.  وقد تحوّلت الهيئة العربية للتصنيع إلى مزوّد صيني في عام 2014، ما سمح بتنفيذ المشروع عام 2017، بيد أنه من أصل العدد الإجمالي للعربات، قامت الهيئة بتجميع 12فحسب  وباستيراد 108 عربات. 

والواقع أن وزارة الإنتاج الحربي هي التي قادت التوّجه إلى توفير احتياجات السكك الحديد، بدلاً من الهيئة العربية للتصنيع، فانخرطت بالنقاشات حول توفير المزلقانات والقاطرات وعربات الركاب في أوائل عام 2015. وفي عام 2017 أعلنت الوزارة عن خطط تطوير أو توريد 295 مزلقانة وإعادة تأهيل 86 محطة سكك حديد.  وفي كانون الثاني/يناير 2018، ناقشت خطة للإنتاج المشترك لمعدات التوجيه والمسارات السريعة مع شركة أوراسكوم للإنشاءات (قطاع خاص). 

كانت شركة سيماف هي الأخرى تجري نقاشات مع وزارة النقل لتوفير المزلقانات، رغم أنها لم تكن قد تلقَّت أي طلبات لسلعها أو خدماتها لمدة ستة أشهر حتى بداية عام 2018. لكن وزارة الإنتاج الحربي تعاقدت أخيراً مع الكونسورتيوم الروسي- المجري ترانس ماش هولدينغ لتسليم 1399 عربة ركاب وتقديم خدمات الصيانة لمدة 15 عاماً في صفقة بلغت قيمتها 22 مليار جنيه مصري (آنذاك 1،17 مليار دولار). حتى ذلك الحين، كانت ورش هيئة السكك الحديد وشركة سيماف وحدهما يصنّعان عربات السكك الحديد، بيد أن وزارة التصنيع الحربي ستستورد 700 عربة وتستلم مكونات ووحدات فرعية للتجميع النهائي لباقي العربات في مصنع الدبابات (المصنع 200 الحربي).  وكان الفريق كامل الوزير، الرئيس السابق للهيئة الهندسية للقوات المسلحة والذي أصبح وزيراً للنقل في آذار/ مارس 2019، وعد بالوصول إلى محتوى محلي بنسبة 100 في المئة في عربات السكك الحديد "في غضون سنوات قليلة".  بيد أن شركة ترانس ماش هولدنغ كانت أكثر تواضعاً حين قالت إنها ستساعد وزارة التصنيع الحربي على الوصول إلى 80 في المئة من المحتوى المحلي في نهاية المشروع، فيما كان مدير مصنع الدبابات يقول إنها ستبدأ بنسبة 45 في المئة. 

صحيح أن هذا النوع من الاستثمار ضروري، إلا أنه أعاد إنتاج المقاربة النمطية لمعالجة المشاكل من خلال الحلول الفنية التي تركّز على اقتناء المعدات الجديدة وتوسيع البنى التحتية الجديدة، بدلاً من تسوية المشاكل الكامنة في قطاع السكك الحديد الحالي، وأيضًا بدلاً من اتباع السياسات التي تُحدَّد جدواه الاقتصادية في إطار نظام النقل الأوسع. الكثير من ذلك يسحب نفسه أيضًا على قطاع الإنتاج الإلكتروني في الصناعة الحربية، إذ هنا أيضًا يعاني هذا القطاع من انخفاض المحتوى المحلي، وضعف القدرة التنافسية، والقصور في استخدام السعة. في عام 2002 ألغت شركة دايوو الكورية الجنوبية عقداً مع شركة بنها للصناعات الإلكترونية لتجميع منتوجات إلكترونية استهلاكية، بعد أن قلّصت هذه الأخيرة أهدافها في الإنتاج والمبيعات بنسبة كبيرة.  وقد لاحظ تقرير استشاري أُعِّد لمركز التحديث الصناعي في عام 2008 أن الاستخدام بلغ 50 في المئة "في أفضل الأحوال" لبعض السلع الإلكترونية الاستهلاكية مثل أجهزة التلفزة، وأجهزة استقبال الساتلايت، ومسجلات الفيديو، وشاشات الكومبيوتر، والحواسيب. واستنتج التقرير أن مصر "لا تستطيع الاندماج في سلسلة القيمة الإلكترونية العالمية. ففي هذه المرحلة يعمل المُصّنعون المصريون في الغالب في المرحلة الأخيرة فقط من سلسلة القيمة".  بعدها بثماني سنوات، اشتكى رئيس القطاع الإلكتروني في اتحاد الصناعات المصرية من أن المنتجين الثمانية الأكبر في البلاد، بما في ذلك وزارة الإنتاج الحربي، مسؤولون عن 10 في المئة فقط من السوق المحلي، على الرغم من أنهم يمتلكون القدرات الكافية.  ونظراً إلى معاناتها من هذه التحديات المتواصلة، تعتمد الصناعة الحربية على طلبات من مستهلكي القطاع العام مثل جامعة القاهرة التي تعاقدت مع بنها في أوائل عام 2017 لتجميع أو توريد 750 ألف قرص تعليمي لطلابها. 

خلاصة: الملاذ الأخير لمؤسسات حقبة ناصر

قد يكون نقص الربحية مفهوماً في المنتجات العسكرية غير الموجّهة أساسًا نحو التصدير، بيد أن السبب الوحيد لبقاء الصناعة الحربية المصرية على قيد الحياة على رغم المستويات المتدنية للإنتاجية، وقصور استخدام القدرات، ونقص الابتكار التكنولوجي في إنتاجها المدني للسلع والخدمات، هو أن خسائرها وأكلافها الخفية تُنقل إلى خزينة الدولة، ما يقلّص الكلفة الصافية لاستثمار رأس المال المترتبة عليها إلى الحد الأدنى. وهذا لا يعود إلى أي نقص في القدرات التصنيعية الحقيقية والمهارات الفنية، بل إلى الاقتصاد السياسي الأوسع الذي يعمل القطاع الاقتصادي العسكري في إطاره، والذي يسمح لقادته بتجاهل الحاجة إلى تحليل ميزان الكلفة مقابل المردود. (اتضح ذلك مجدداً من خلال المرسوم الرئاسي رقم 244 لعام 2018 الذي خصّص وزارة الإنتاج الحربي كجهة حكوميةً ذات طبيعة خاصةً، ما أعفاها من تطبيق قانون الخدمة المدنية في ما يتعلق بوجوب ملء المناصب الإدارية العليا عبر المسابقات).  

إن هذه المشكلة تسحب نفسها على شركات القطاعين العام والخاص المحمية ذات الارتباطات السياسية في مصر عمومًا، لكن الصناعة الحربية تحظى بالحصانة المؤكّدة حتى في ظل ظروف سوقية كانت ستدفع بالحكومة في الأحوال العادية إلى إعادة هيكلة أو خصخصة القطاع الأول ومعاقبة الثاني. وفعلياً، تحظى الصناعة الحربية بالمداخل إلى رأس المال (في شكل عقود القطاع العام) يعادل رأس المال الذي ولّده ناصر من خلال الإصلاح الزراعي، والتأميم، والسياسات الاشتراكية لحقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والذي استُخدم أيضًا بلافعالية.

لعل إدراك الهيئات التي تتكوّن منها الصناعة الحربية والشركات والمصانع التابعة لها بأنها لن تتحمل عواقب عدم كفاءتها، هو ما يجعلها تستنسخ النشاطات بدلاً من التكامل مع بعضها البعض. وهي لهذا أيضًا لا تسعى إلى التخصّص في الإنتاج، والتعميق التكنولوجي، أو الاندماج والتعزيز.

والواقع أن مساهمتها الصافية الحقيقية للاقتصاد الوطني وللمستهلكين مدار شك في أحسن الأحوال، غير أن قادة القطاع لا يظهرون استعداداً على ترشيده سواء عبر التخلص من نشاطات وقطاعات فرعية معينة أو إخضاع القطاع بالكامل إلى الشفافية وفعالية التكلفة، في سبيل توفير كلٍ من الاحتياجات الدفاعية المصرية والجدوى الاقتصادية في آن. وهنا، فإن المفتاح الأهم لمثل هذا التحوّل سيكون وضع حد لحيازة الصناعة الحربية بشكل مضمون على عقود المشتريات الحكومية، ما يؤدي إلى التستُّر على حالات القصور الكبرى والخسائر المالية وإلى صد أي حديث عن الإصلاح. لكن، من المستبعد أن يحدث الإصلاح طالما أن وظيفة الصناعة الحربية الرئيسة هي التمسّك بمنطق إدامة النظام السياسي القائم منذ الخمسينيات، وخدمة المكوّن العسكري للتحالف البيروقراطي الحاكم.