المحتويات

ستصبح نسخة الpdf من هذا التقرير، إضافةً إلى الحواشي الكاملة، متوافرة على الموقع الإلكتروني في وقت قريب.

تمثل وزارة الدفاع الركن الثاني الأساسي في الاقتصاد العكسري الرسمي، لكنها، على عكس الصناعة الحربية الخاسرة، تقدم مساهمة كبيرة إلى الصناديق العسكرية خارج الميزانية. إنَّ المجموعة المتنوعة من الإدارات والهيئات والشركات التابعة لوزارة الدفاع تزوّد القوات المسلحة المصرية بالمستهلكات والخدمات غير القتالية، والأهم من ذلك أنها تقوم بأشغال عامة أساسية بموجب عقود صادرة عن الوزارات والهيئات الحكومية. لقد قامت هيئات وزارة الدفاع هذه، التي تشمل القوات المسلحة إضافةً إلى الإدارات التابعة لها، بتقديم مساهمات ملموسة في توفير السلع والخدمات المدنية المتنوعة، من طرق سريعة وجسور وإسكان إلى مواد كيميائية وسيطة، ولكن جرى كل ذلك بتكلفة باهظة. إنَّ حجم التكلفة يحجبه النقص المتعمد في الشفافية في الاقتصاديات الحقيقية للإنتاج، ما يخفي حجمًا كبيرًا بدوره من رأس المال العقيم (المعطّل وغير المنتج) وكلفة الفرص الضائعة، ليس فقط في مخططات المشاريع الجوفاء المهمة التي تديرها الهيئات العسكرية، بل وحتى في القطاعات التي يمكن أن تسهم بشكل إيجابي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

الهيئة الأكثر أهمية بين هيئات وزارة الدفاع النشطة اقتصاديًّا هي جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، والهيئة الهندسية، وإدارات الأشغال والمشروعات الكبرى والمياه والمساحة للقوات المسلحة، والتي يدعمها أيضًا مكتب الاستشارات الفنية في الكلية الفنية العسكرية. إلى ذلك، تقوم هذه الإدارات بالتنسيق الوثيق مع الهيئات المدنية التي تضطلع بها وزارة الدفاع بدور مباشر بموجب القانون، وأبرزها المركز القومي لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، وغيرها من الكيانات العامة الرئيسة الأخرى التي تُصدر العقود، مثل الجهاز المركزي للتعمير التابع لوزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة. وتضم وزارة الدفاع أيضًا ستة أقسام إضافية تؤدّي وظائف اقتصادية تحت إشرافها المباشر، مثل ما يسمى "قطاع التعدين"، فضلًا عن بضع شركات بحرية، كما تملك الوزارة أسهمًا في عدد من الشركات المساهمة المشتركة غير العسكرية.

وهذه الهيئات التابعة لوزارة الدفاع تختلف بشكل لافت عن شركات الصناعة الحربية والمصانع التي تنتمي إلى وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع من حيث النشاط الرئيس وأصناف المنتجات، ولكن أنشطتها المدرّة للدخل تكشف عن خصائص مشابهة. فهي تستفيد من إطار تنظيمي مُمَكَّن داعم للإعفاءات الضريبية والجمركية، والإذن بالحصول على القروض الحكومية، وبالاحتفاظ بالإيرادات، وبترحيل فوائض الميزانية من سنة مالية إلى أخرى (عادة ما يتم إيداعها والاحتفاظ بها في "صناديق خاصة")، وبالاحتفاظ بالودائع في بنوك تجارية من اختيارها.  وتقدم مساهمات ملموسة للبنية التحتية العامة والأسر ذات الدخل المحدود، لكنها تكشف بالمقابل عن جدوى تجارية مشكوك فيها من حيث التكلفة الصافية على الخزينة ونوعية السلع التي تُباع للمستهلكين المدنيين. وتضطلع شبكات الضباط الساعية وراء الريع، والتي تمتد عبر الهيئات المتصلة بوزارة الدفاع والشركات الاقتصادية المملوكة للدولة والهيئات العامة، بدورٍ مهم في توجيه العقود والاستثمارات.

جهاز مشروعات الخدمة الوطنية

يشكّل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية إحدى الأذرع الاقتصادية لوزارة الدفاع، لكنه أيضًا دعامة مهمة في الاقتصاد العسكري بحد ذاته، حيث شمل 36 شركة بحلول نهاية عام 2019. وكما تدل الإشارة في اسم الجهاز، فإنه يستخدم الشباب المصريين الذين يؤدّون الخدمة الوطنية الإلزامية في القوات المسلحة لمدد تراوح بين 18 و36 شهرًا، وفقًا للمؤهل العلمي. يوفِّر المجندون عمالة احتياطية محتملة هائلة، إذ يقدّر عدد الذكور المصريين الذين يبلغون سن الخدمة العسكرية بحوالي مليون و551 ألفًا سنويًّا.  ومع أنّ السيسي ذكر في عام 2015 أن استيعاب القوات المسلحة يبلغ حوالي مليون مجند، غير أنَّ التقدير الأكثر مصداقية قد صدر عن مجلة "جينز سينْتينال سيكيوريتي أسِّسمنت" والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، اللّذين قدّرا عدد المجندين في الخدمة بين 220 و410 آلاف في العام 2016-2017. 

تأسس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بموجب مرسوم رئاسي رقم 32 لعام 1979 من أجل "دراسة وتنفيذ الأعمال والمشروعات التي تطلبها الوزارات والهيئات ووحدات الحكم المحلي وشركات القطاع العام"، ويعكس مساره تطور السياسة والاقتصاد في مصر منذ ذلك الوقت.  وكانت ميزانية الجهاز بلغت 50 مليون جنيه مصري في السنة المالية 1982-1983. وبعد حوالي ثلاثين سنة، صرح مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية آنذاك، اللواء محمود نصر، بأن إجمالي الأعمال السنوية للجهاز بلغ 6,3 مليارات جنيه (1,06 مليار دولار) في عام 2011، حيث بلغ صافي أرباحه 7,77 مليارات جنيه منذ عام 1990.  ويضم مجلس إدارة جهاز المشروعات رئيسي هيئتي التنظيم والإدارة والإمداد في وزارة الدفاع، ويُعتقد أن هيئة الشؤون المالية في الوزارة تشرف على الجهاز وتراقب مشاريعه. 

جيش المجندين الاقتصادي

 حوّل رئيس الأركان الفريق عبد الحليم أبو غزالة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية عقب تعيينه وزيرًا للدفاع في آذار/مارس 1981. كان المشير من الشخصيات الطموحة، وقد رقّاه مبارك إلى رتبة مشير وتولى منصب نائب رئيس الوزراء في نيسان/أبريل 1982. وفي ظل إدارته، أنشأ جهاز المشروعات "قطاع الأمن الغذائي" بهدف توفير الكثير من احتياجات القوات المسلحة، لاسيما الماشية والدواجن والبيض ومنتجات الألبان والخبز. ووفقًا للعالم السياسي روبرت سبرينغبورغ، سعى الجهاز أيضًا للحصول على قروض من البنك الرئيس للتنمية والاعتماد الزراعي من أجل إعداد المجندين للقيام بأنشطة مماثلة عند الانتهاء من خدمتهم العسكرية. وفي عام 1986، أعلن وزير الدفاع أبو غزالة أيضًا أن القوات المسلحة ستنظم 30 ألفًا من المجندين في كتائب إنشاء المشروعات المدنية.  وما زالت هذه الكتائب مصدرًا للعمالة الرخيصة لصالح الشركات العامة والخاصة التي تنفذ مشاريع الأشغال العامة منذ ذلك الحين، عاملة في إطار الهيئة الهندسية للقوات المسلحة (بدلًا من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية). 

يعكس التوسع السريع لجهاز المشروعات عوامل مختلفة. ففي عام 1986، ادّعى أبو غزالة ومبارك أنه تم إنفاق نصف إيراداته على استكمال رواتب القوات المسلحة الضئيلة، بينما صُرف النصف الآخر على الملابس والإقامة وصيانة المعدات.  علاوة على ذلك، حذا الجهاز حذو رجال الأعمال المدنيين الذين كانوا، في تلك الفترة، يستفيدون من التحرير الجزئي للتجارة عبر الاستثمار في مجالات إنتاج الأغذية والألبان والمعكرونة و المياه المعبأة.  وكما كان الحال بالنسبة للشركات والمصانع العسكرية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، فقد وفّر الجهاز أيضًا فرصة لتكرار شبكات "الرفاق القدامى" العسكرية والمحسوبية الراسخة التي تأسست في عهد عبد الناصر: فعلى غرار القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع عندها، عبد الحكيم عامر، الذي ترأس المجلس الأعلى للمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي أي المؤمَّمة في ستينيات القرن العشرين، ترأس أبو غزالة لجنة السياسات الوزارية بدءًا من عام 1986، ما مكّنه من منح الأراضي إلى الجهاز من أجل استصلاحها وزراعتها، ومن حجبها عن الخصوم وتفضيل مَنح العقود إلى متقاعدي القوات المسلحة الذين ينضمون إلى القطاع الخاص وإلى شركائهم المدنيين. 

في أي حال، كانت التقديرات تشير بحلول عام 1986 إلى مسؤولية جهاز مشروعات الخدمة الوطنية عن توفير ما يقارب 5  في المئة من جميع مشاريع بناء المساكن و18 في المئة من إنتاج الأغذية على الصعيد الوطني، ما تقدّره الباحثة الاقتصادية السياسية صافيناز الطارورطي بقيمة 488 مليون جنيه مصري.  لم يتم تأكيد هذه الأرقام، ويبدو أنه مبالغ فيها بالنسبة إلى قطاعٍ لإنتاج الغذاء يُقدَّر أنه كان يستخدم خمسة آلاف فحسب من أفراد القوات المسلحة في ذلك الوقت.  ومع هذا، بدأ الجهاز أيضًا إنتاج المعكرونة في أنحاء البلاد بعد ذلك بثلاث سنوات، ولاحقًا جمع مصانع المعكرونة التابعة له في شركة واحدة. كما أقام مرافق مساندة مثل مصنع تعبئة الخضار وتغليفها.  

بفضل تلك الأنشطة، نما الناتج السنوي في جهاز مشروعات الخدمة الوطنية من 11 مليون جنيه مصري في عام 1979 إلى 644 مليونا بحلول عام 1990.  وقد سمح ذلك بمرحلة جديدة من التوسع. إنعكاسًا للفرص التجارية التي وفرها التشبيك بين مختلف قطاعات الاقتصاد العسكري والقطاع العام، تفرّع جهاز المشروعات في عام 1992 ليقيم ست محطات وقود لخدمة الأسواق المدنية، مستعينًا مرة أخرى بالمجندين. وجرى ضم هذه المحطات إلى شركة جديدة هي "الوطنية" في عام 2002، ثم انتشرت المحطات في وقت لاحق في جميع أنحاء البلاد وتدعي الشركة حاليًّا أن لديها 71 محطة.  وتضْمن مبيعات البنزين والزيوت ومواد التشحيم هامشَ ربحٍ كبيرًا، حيث يجري الحصول عليها بخصم من مصافي التكرير التي تتوغّل فيها مديرية المخابرات العامة. وتقوم محطات الوطنية منذ عام 2015 ببيع المساحيق من إنتاج إدارة الحرب الكيميائية التابعة للقوات المسلحة.  وبعد الانقلاب العسكري في عام 2013، اشتكى رئيس سابق للهيئة العامة للبترول، المسؤولة عن إمداد الأسواق المدنية، من أن "معظم المحطات لا تتلقى حصتها الكاملة من البنزين، بعد أن تم تخصيص مزيد من الوقود للمحطات التي تملكها القوات المسلحة".  وقد نوَّعت الوطنية أنشطتها عقب التطورات في الأسواق، حيث أقامت محطات تشحن السيارات الكهربائية في منافذها في عام 2018، وحصلت بعد سنة على موافقة حكومية للقيام بخدمات تموين وتحويل السيارات للعمل بالوقود المزدوج (بنزين وغاز طبيعي). 

تسارعت وتيرة توسع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أثناء تسعينيات القرن الماضي، مع استمرار أولوية التركيز على الصناعة الزراعية والخدمات كثيفة العمالة. فأنشأ الشركة الوطنية للمقاولات والتوريدات في عام 1993. وثم مصنع البلاستيك بعد سنة، وشركة أخرى تنتج عصائر الفاكهة والمربى والمخلّل وزيت الزيتون في عام 1996. ثم انطلقت شركة النصر للخدمات والصيانة (التي كان إسمها الأصلي "كوين سرفيس" ) في عام 1998، وهي توفر خدمات التنظيف والصرف الصحي، والأمن، والصيانة، وإدارة المعدات والمرافق بما في ذلك الفنادق، والنقل الثقيل، وخدمات التوريد للشركات الحكومية والخاصة، بما في ذلك شراء واستيراد الغذاء.

واتسم دخول جهاز المشروعات إلى سوق استصلاح الأراضي بذات الأهمية. ففي عام 1998، أنشأ الجهاز شركة مصر العليا للتصنيع الزراعي واستصلاح الأراضي، التي أنتجت مجموعة من السلع الزراعية. وبعد عام، أسس الشركة الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي بشرق العوينات التي استحوذت على 100 ألف فدان (42 ألف هكتار) في الصحراء الغربية كانت تابعة سابقًا لمشروع استصلاح تم إطلاقه في أوائل التسعينيات. وأنشأ بعد ذلك مزارع تُروى بالمياه الجوفية لإنتاج محاصيل مدرة للدخل من أجل التصدير إلى أوروبا؛ وتزعم الشركة أنّها أمّنت لوزارة التموين 78 ألف طن من القمح في عام 2015، وأجّرت أراضي لشركات مصرية وأجنبية ولمزارعين محليين في الجوار.  يعتقد بعض الخبراء أن حوض المياه الجوفية في العوينات قد يكون غير قابل للتجديد؛ والحال ذاته بالنسبة إلى الحوض الجوفي في سيوة والذي تسوِّق مياهه الشركة الوطنية لإنتاج وتعبئة المياه (صافي) التابعة للجهاز عبر 27 منفذًا في جميع أنحاء البلاد، فضلًا عن تزويد القوات العاملة تحت القيادة المركزية الأميركية والقوة المتعددة الجنسيات في سيناء. 

وكما تُظهر هذه الأمثلة، فقد شهد جهاز مشروعات الخدمة الوطنية طفرة نموٍ في العقد الأخير من حكم حسني مبارك، وهو ما حصل أيضًا لدى قطاعات أخرى من الاقتصادين العسكري والمدني. فقد أنجزت الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق، التابعة للجهاز، طريقًا سريعًا من القاهرة إلى منتجع عين السّخنة على البحر الأحمر في عام 2004. وفي الوقت نفسه، قامت شركات القطاع العام المدنية، مثل شركة النيل العامة لإنشاء الطرق، ببناء طرق ومطار تخدم مواقع إنتاج الجهاز في شرق العوينات.  ومن عام 1995 حتى عام 2004، كان الجهاز قد قام أيضًا ببناء أو بإعادة تأهيل أربعة متاحف، و22 موقعًا أثريًّا، و390 مدرسة. وفي عام 2008، قام بتوحيد خطوط إنتاج المعكرونة تحت اسم "كوين". أمّا الأهم، فكان توليه استكمال مشروع مصنع إسمنت العريش في عام 2007، بعد أنّ تراجع المنافسون المدنيون الرئيسون عن دفع 300 مليون جنيه مصري (54 مليون دولار) ثمن رخصة المشروع.  وبحلول هذه المرحلة، أصبح جهاز المشروعات شركة قابضة بعد الاستحواذ على شركتين مملوكتين للدولة، هما الشركة العربية الدولية للبصريات وشركة النصر للكيماويات الوسيطة، وبعد أن أنشأ شركة جديدة لإنتاج المصاعد. 

ما بعد عام 2013: المقاول المفضّل

لا يمكن التحقق من القيمة السوقية الحقيقية لإنتاج جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، ولكن، أظهرت حساباته اﻟﺨﺘﺎﻣﻴﺔ أن ناتجه بلغ 1,63 مليار جنيه مصري ﻓﻲ العام 2012-2013، بأرﺑﺎح ﺗﺒﻠﻎ 63 ﻣﻠﻴﻮن جنيه فقط وفقًا لأحد المصادر.  ومهما كانت الحقيقة، فإن إطاحة القوات المسلحة بمحمد مرسي في تموز/يوليو 2013 قد فتحت الطريق أمام نمو جامح. فبين تشرين الأول/أكتوبر 2013 وشباط/فبراير 2014، منحت الحكومة المؤقتة برئاسة حازم الببْلاوي العقود بالأمر المباشر إلى الجهاز لتمويل وبناء وصيانة طريقين سريعين قوميين. وشمل ذلك الحق الحصري في تحصيل الرسوم، وبيع المساحات الإعلانية، واستئجار الأراضي لمدة 99 عامًا قادمة في محور روض الفرج حول القاهرة، ولمدة 50 عامًا على الطريق الصحراوي السريع بين القاهرة والإسكندرية.

إن إطاحة القوات المسلحة بمحمد مرسي في تموز/یولیو 2013 قد فتحت الطریق أمام نمو جامح.

وقد ألغت الهيئة الحكومية العامة للطرق والجسور والنقل البحري على الفور التصاريح القائمة لشركات الإعلان في القطاع الخاص في روض الفرج، كما تنازلت في تموز/يوليو 2014 لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية عن الحق في ترخيص الإعلان على امتدادات إضافية لشبكة الطرق حول القاهرة، على أن تتقاسم الأرباح مع الجهاز لمدة 50 سنة.  وفي الوقت نفسه، زاد الجهاز رسوم النقل الثقيل على الطريق السريع بين القاهرة والإسكندرية بنسبة 800 في المئة؛ وبموجب ترتيبات الإيجار، سيدفع الجهاز إلى الحكومة ما يقارب خمسة ملايين جنيه مصري كرسوم سنويًّا، لكنه يكسب 800 مليون جنيه (112 مليون دولار في ذلك الوقت) سنويًّا طوال سنوات امتيازه الخمسين.  (من غير الواضح كم من كلفة بناء وصيانة هذه الطرق السريعة والطرق "القومية" وغيرها من تلك التي تديرها الهيئات العسكرية ستتحملها خزينة الدولة التي تتحمل مسؤولية ذلك بموجب قانون الطرق العامة رقم 84 لعام 1968). 

وقد ازداد جهاز المشروعات اندفاعًا باستمرار. ففي الفترة ما بين 2014 و2016 وحدها، كسب عقودًا بالأمر المباشر من هيئات حكومية متنوعة لتركيب كاميرات مرور عند 250 تقاطعًا في محافظة القاهرة بمبلغ 260 مليون جنيه مصري، ولبناء مجمّع خدمات في محافظة الغربية بمبلغ 240 مليون جنيه، ولتشييد محطة معالجة مياه الصرف الصحي ومحطتين للكهرباء في مدينة هليوبوليس الجديدة لقاء 200 مليون و230 مليون جنيه على التوالي، وأربعة مبانٍ لفرع جامعة الإسكندرية في مطروح بقيمة 346 مليون جنيه، ولترميم موقع الأهرامات بالقرب من القاهرة مقابل مبلغ متواضع قدره 20 مليون جنيه.  كما تَشارك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مع شركة أيادي للتنمية والاستثمار، وهي شراكة بين القطاعين العام والخاص تملكها الدولة وتأسست في آذار/مارس 2014، ومع الهيئة القومية لتنمية سيناء لتطوير شمال سيناء من خلال الاستثمارات في الصناعة المحلية والزراعة وقطاعات أخرى.  في هذه الأثناء، أصدرت الحكومة مرسومًا يقضي بأن يُمنح تشغيل 500 كيلومتر من الطرق القومية التي يقوم بإنشائها جهاز التعمير المركزي التابع لوزارة الإسكان التي تربط واحة الفرافرة (وهي من محاور النشاط الاقتصادي العسكري) بتكلفة تبلغ 2,275 ملياري جنيه عند الانتهاء إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذي سوف يجبي رسوم المرور ويقيم عليها محطات وقود وخدمات شركة الوطنية التابعة له. 

كما قام الجهاز بتوسيع نشاط شركته الأمنية، "كوين سرفيس"، التي تأسست في عام 1988، ثم أعيدت تسميتها باسم شركه النصر للخدمات والصيانة.  والشركة التي لا تزال معروفة باسمها السابق، كانت قد فازت منذ عام 2013 بالعديد من عقود الحماية والخدمات من العملاء، بما في ذلك مترو أنفاق القاهرة، وبنوك مملوكة للدولة، والجامعات والوزارات الحكومية. وفي أواخر عام 2013، فازت الشركة بعقد قيمته 600 مليون دولار من مجموعة من المستثمرين السعوديين والعرب لتقديم خدمات متكاملة للمستشفيات في مصر. وهذا ما أضاف إلى ملفها الذي يشمل خدمات إدارية في 250 مستشفى حكوميًّا، وجامعات، ومرافق عامة أخرى في البلاد.  ومنذ ذلك الحين، شاركت كوين سرفيس في المشاريع العملاقة التي تديرها القوات المسلحة، مثل توسيع قناة السويس، فيما وسعت عملياتها لتشمل إدارة الموانئ البحرية والبرية وتوفير خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وبحلول كانون الثاني/يناير 2015، قالت الشركة إن لديها 20 ألف موظف، من بينهم خمسة آلاف من أفراد القوات المسلحة، حسب مدير عام الشركة اللواء وصفي محمود، مع أن هناك مصدرًا آخر زعم أن الشركة استخدمت 7500 من منتسبي ومجندي القوات المسلحة. 

الانفلات الكبير

قام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بتوسيع عملياته بوتيرة متسارعة مع توجه الاقتصاد العسكري لتوليد مزيد من العائدات، ليغذي ويستفيد من توسعات مماثلة لدى الهيئات الاقتصادية العسكرية الأخرى على حد سواء. ويشمل ذلك زيادة القدرة في المشاريع القائمة ودخول قطاعات جديدة، مع إزاحة الشركات الخاصة جانبًا في بعض الأحيان من أجل تحقيق ذلك. 

والأهم أنّه في أيار/مايو 2015، أعلن الجهاز عن خطط لإنشاء خط إنتاج جديد في مصنع إسمنت العريش التابع له، حيث سوف يبلغ الإنتاج السنوي فيه 6,4 ملايين طن. وفي بداية عام 2018، استكمل الجهاز مصنعًا ثانيًا أوسع في بني سويف عزز قدرة الجهاز الإجمالية إلى 19,5 مليون طن.  فقفزت حصة الجهاز في السوق الوطنية من 3 إلى 23  في المئة، ما أوقع الشركات الخاصة التي تمثل بقية قطاع الإسمنت في صعوبة مالية خطيرة. كما أسّس الجهاز الشركة الوطنية المصرية لاستكشاف وتنمية البترول (إنبيدْكو) في عام 2016 بهدف "تلبية احتياجات الدولة من النفط والغاز الطبيعي"، وتسعى الشركة إلى "أن تكون رائدة في مجال صناعة البترول على مستوى الشرق الأوسط".  تجاهل هذا  أن القطاع البترولي مغرَق إغراقًا مفرطًا من قبل الشركات العامة والخاصة والأجنبية في مصر (ناهيك عن منطقة الشرق الأوسط)، ولكن قد يكون الغرض من ولوج جهاز المشروعات إليه هو الاستفادة من استغلال حقل غاز "ظهر" البحري الجديد الضخم في مصر. 

كما وضع الجهاز نفسه في موقع يستفيد فيه من النمو المثير للإعجاب في الأسواق المحلية والتصديرية لمصر من المواد الكيميائية الصناعية، بقيمة 1,7 مليار دولار في عام 2017.  إلى ذلك، في شباط/فبراير 2016، بدأت شركة النصر للكيماويات الوسيطة التابعة للجهاز في بناء ما أعلنت أنه "أكبر مصنع" في مصر لتوريد الأسمدة لاستصلاح أراضٍ بمساحة 1,5 مليون فدان، وهو مشروع مفضَّل للرئيس السيسي.  كما جرى إطلاق مجمّع من تسعة مصانع جديدة تابعة لشركة النصر للصناعات الفوسفاتية في عين السخنة في الوقت نفسه. لم تكن ثمة حاجة ظاهرة لهذا التوسع، إذ إنه كان هناك إثنا عشر منتجًا رئيسًا للأسمدة في مصر، حسب وزارة الاستثمار والتعاون الدولي. ولكن جهاز المشروعات يقوم بما قام به هو والهيئات العسكرية الأخرى في السنوات الأخيرة: أي اختراق أو توسع بسرعة في قطاع ينتج السلع السوقية بفضل الدعم الحكومي والحماية التعريفية، رغم أنَّ هذا القطاع يعاني من فائض السعة الإنتاجية، حيث تعاني شركات القطاع الخاص من تعطيل 30 في المئة من سعتها.  وفي تشرين الأول/أكتوبر 2018، انضم جهاز مشروعات الخدمة الوطنية إلى ثلاث شركات أخرى تملكها الدولة في تشكيل "الشركة المصرية لتسويق الفوسفات والأسمدة الفوسفاتية"، التي تهدف بشكل معلن إلى أن تكون "الوكيل التجاري الحصري لجميع منتجي الفوسفات في مصر". 

وبالمثل، سعى قطاع التعدين التابع للجهاز (يُقدم أحيانًا على أنه تابع لوزارة الدفاع) إلى زيادة حصته. في آب/أغسطس 2014، استحوذ على 51  في المئة من شركة مصر سيناء الاستثمارية التي تم إنشاؤها حديثًا والتي خَططت لبناء مصانع للرخام والزجاج والإسمنت في شبه الجزيرة، بالشراكة مع العشائر المحلية.  وورد أن الناتج الوطني من الرخام والمعادن المختلفة قد بلغ 1,4 مليون طن في عام 2015، لكن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية توسّع في أنشطة التعدين والمحاجر في العين السخنة ورأس سدر والميناء وأسوان.  وقد ضم الجهاز هذه الأنشطة إلى الشركة الوطنية المصرية للرخام والغرانيت التي أسسها في أيار/مايو 2016، والتي ستسعى إلى "الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية في مصر... والاكتفاء الذاتي في تلبية احتياجات القوات المسلحة من هذه المواد الخام الاستراتيجية الهامة".  وأصبحت هذه الشركة أداة الجهاز في الشراكة مع شركة مصر لتنمية سيناء. 

من الغريب أن شركة الجهاز الجديدة ادعت أنها ستحطم الاحتكار المفترض في قطاع الرخام والغرانيت، بينما افتخرت أنها كانت أصلًا تلبي 70 في المئة من "الفجوة الحالية" في العرض. وقد جرى تسليط الضوء على حصول جهاز مشروعات الخدمة الوطنية نفسه على وضع احتكاري في العام التالي، عندما أبلغ نظراءَه في القطاع الخاص أنه سيرفع قدرته الإنتاجية من الرخام إلى مليون متر مكعب سنويًّا، أو 80 في المئة من إجمالي إنتاج مصر.  بل وبلغت سعة الجهاز الإنتاجية 3،6 ملايين متر مكعب سنوياً، ما يعادل 1،44 مليون طن، بعد تدشينه خمسة مصانع للرخام واثنين للغرانيت في بني سويف في 2018.  وأفادت التقارير أيضًا أن الجهاز استولى على صلاحيات الهيئة العامة للثروة المعدنية في إصدار تصاريح دخول للمناطق العسكرية الغنية بالمعادن في منطقة شلاتين الحدودية الجنوبية وفي بيع المعادن المستخرجة هناك بالمزاد. 

من الغريب أن شركة الجهاز الجديدة ادعت أنها ستحطم الاحتكار المفترض في قطاع الرخام والغرانيت، بينما افتخرت أنها كانت أصلًا تلبي 70 في المئة من "الفجوة الحالية" في العرض.

وعلى صعيد منفصل، أسس الجهاز الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية في عام 2015، وأعلن في نهاية عام 2017 عن استثمار بقيمة 1,7 مليار جنيه مصري (107 ملايين دولار) في ما افتخر بأنها أكبر مشروع استزراع سمكية في الشرق الأوسط.  وبموازاة ذلك، أعلن الجهاز عن خطط لتوسيع المساحة المزروعة في العوينات الشرقية من ثمانين ألف إلى مئة ألف فدان. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2016، أسس الجهاز الشركة الوطنية للزراعات المحمية من أجل توسيع إنتاج الصوب الزراعية بهدفين يبدوان متناقضين هما "سد الفجوة الغذائية المحلية"، وزيادة الصادرات المصرية في الوقت نفسه.  وفي عام 2017، اشترى الجهاز كذلك 25,000 فدان من شركة المملكة للتنمية الزراعية، كان الثري السعودي الوليد بن طلال قد اشتراها سابقًا. 

تقييم النتائج الصافية

لا يمكن الطعن في أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يتبع استراتيجية نمو قوية. ففي عام 2014، عكست تبرعات بمليار جنيه مصري إلى صندوق تحيا مصر، وهو المشروع المدلل عند السيسي، تَنامي ثقة الجهاز وتضخم موارده.  إلا أن تصوير وسائل الإعلام للهيمنة العسكرية على "أسواق المياه وزيت الزيتون والإسمنت والبناء والفنادق والبنزين"، أي بشكل أساسي القطاعات التي استثمر فيها الجهاز، كان غير دقيق إلى حد بعيد.  ويدل استعراض سريع أنه يجب التعامل بحذر حتى مع ادعاءات الجهاز نفسه عن تحقيق النتائج المثيرة وعن أهدافه الطموحة.

على سبيل المثال، فإن حصة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية تمثل من 4 إلى 5  في المئة فحسب من سوق المياه المعدنية، حتى بعد زيادة إنتاجه من 37 مليون زجاجة سنويًّا إلى 50 مليون وهي نسبة أبعد ما تكون عن الهيمنة.  وقد بلغ إنتاجه السنوي المعلن من البيض 120 مليونًا في شباط/فبراير 2018، وهو ما يكفي لإطعام كل مصري ما يزيد قليلًا عن بيضة واحدة في السنة، أو كل جندي في الخدمة الفعلية بيضتين كل ثلاثة أيام. وغالبًا ما يتم الاستشهاد بإنتاج الجهاز من المعكرونة، ولكن يجري تجاهل حقيقة أن مصنع معكرونة كوين الشهير التابع للجهاز ينتج 24 ألف طن سنويًّا على الرغم من قدرته على إنتاج 150 ألفًا، وحتى هذه السعة القصوى تمثل فقط 1,5 كيلوغرام للفرد سنويًّا، أو أقل من 100 غرام لكل جندي يوميًّا.  لقد استحوذ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية على نسبة محترمة لكنها صغيرة نسبيًّا، وهي 6 في المئة من إجمالي صادرات مصر من منتجات الزيتون الإجمالية في عام 2005، في حين بلغت حصة محطات الوطنية للوقود 4  في المئة في السوق في عام 2015 (فيما بلغت حصة هيئات حكومية أخرى 54 في المئة).  وبالمثل، فإن مزارع شرق العوينات التي تم تقديمها على أنها "أحد أكبر المشاريع التي تنتج المحاصيل الاستراتيجية (القمح والشعير والذرة)"، لم تتمكن من زيادة المساحة المزروعة إلى الهدف المعلن عنه وهو مئة ألف منذ عام 2012.  وعلى الرغم من إبراز إنتاج جهاز المشروعات من زيوت الطعام، فإن مصر كانت لا تزال تستورد 97 في المئة من احتياجاتها في عام 2018. 

ما زال جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يدّعي أنه يهدف في المقام الأول إلى توفير الاكتفاء الذاتي للقوات المسلحة، رغم تواضع إنجازاته وتوسعه الهجومي في قطاعات ليست ذات صلة. في حزيران/يونيو 2019، شبّه مدير الجهاز، اللواء صبري عبد اللطيف، خلال حديثه إلى وسائل الإعلام دور الجهاز بالمنافذ التجارية العسكرية وموقع المبيعات عبر الإنترنت التابعين إلى "بي إكس" في الولايات المتحدة ومنافذ مؤسسات القوات البرية والبحرية والجوية (نافي) التي تخدم القوات المسلحة البريطانية في الخارج.  أعلن الجهاز أيضًا أن إنتاجه من المواد الغذائية يسعى إلى "تخفيف العبء عن القطاع المدني" ويجري توفيره بنصف التكلفة، لكنه في الواقع يسعى غالبًا إلى تحقيق هذا الهدف عن طريق إغراق الأسواق المحلية بالسلع الرخيصة المستوردة، مثل اللحوم وقطع الدجاج المجمدة.  وكان رئيس الأركان صبحي صدقي قد أبلغ أعضاء البرلمان سابقًا أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية استورد "كميات كبيرة من زيت الطهي وحليب الأطفال"، وأكد عبد اللطيف أن الجهاز يبيع اللحوم المحلية وتلك المستوردة من السودان على حد سواء. 

من الواضح أن كل ذلك كان في خدمة الغرض السياسي الرئيس لإدارة السيسي، المتمثل في إبقاء الأسعار في متناول حاضنتها الاجتماعية. في تشرين الأول/نوفمبر2016، على سبيل المثال، أفادت وسائل الإعلام المصرية أنّ السيسي حثّ الهيئات الحكومية، بما في ذلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، على زيادة عدد المنافذ التي تديرها لبيع السلع الغذائية الأساسية قبل التخفيض المخطط له للجنيه المصري، ما كان من المتوقع أن يؤدي إلى تضخيم الأسعار.  (يُعتقد أن الزيادات الحادة السابقة لأسعار الأغذية في عامي 2008 و2010 أسهمت بشكل مباشر في إندلاع ثورة 2011). ولكن مع أن مسؤولي الجهاز برروا علنًا وارداته كمساهمة في مكافحة التضخم وتخفيض تكاليف المعيشة، إلاّ أنّ تعليقات بعض المستهلكين تشير إلى أن أسعاره ليست أرخص من منافذ وزارة الزراعة التي تعتمد على المزارعين المصريين (وعلى الواردات)، علمًا أنَّ مصادر أخرى تُؤكد أنَّ المنافذ العسكرية (وتلك التابعة لوزارة الداخلية أيضًا) تبيع بأسعار دون أسعار السوق بعشرة في المئة.  ومع ذلك، فقد وسّع الجهاز طاقة مبيعاته أربعة أضعاف من خلال شراء 250 شاحنة طعام من الهيئة العربية للتصنيع في عام 2016، مضيفًا إلى منافذه المتنقلة الواحدة والستين التي يعمل فيها مجندو القوات المسلحة.  والكثير من منتجات الجهاز يباع في منافذ البيع تحت شعار الجهاز "ابتسم"، كما يقوم بتسويق البضائع من خلال تجار تجزئة آخرين. وبحلول عام 2019، أعلن الجهاز أنه موجود في 98 مركزًاتجاريًّا وفرعًا لتجارة التجزئة ومقصفًا (مدنياً) في جميع أنحاء البلاد. 

يتضح أن مشاركة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية في استيراد السلع الغذائية الأساسية تُغير حصته الإجمالية في السوق. لكن تواضع حصته من الإنتاج المحلي لا ينفي أهميتها. وكما أظهرت حالة الإسمنت، فقد كان الجهاز قادرًا على القفز من 3 في المئة من الطاقة الإنتاجية الوطنية إلى 23 في المئة في غضون بضع سنوات؛ فحقيقة أنه يتمتع بمكانة سياسية قوية ويحظى بسوق لمنتوجه في المشروعات الضخمة الخاضعة للإدارة العسكرية مكّنته من منافسة الشركات المصرية الخاصة أو المتعددة الجنسيات التي كانت تهيمن على القطاع.  سهّلت هذه الامتيازات أيضًا حصول الجهاز على موافقة حكومية على منح الأراضي من أجل إقامة مشاريع تجارية وصناعية وزراعية جديدة في عام 2018، بما في ذلك 30 ألف فدان لزراعة الزيتون وإنتاج الزيت في سيوه (مع مستثمرين إسبان) وحوالي 34 ألف فدان لإنشاء الصوب الزراعية تحت إدارة الشركة الوطنية للزراعات المحمية التي كان الجهاز قد أسسها في عام 2016.  

وبالأهمية نفسها، فإن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية حذا حذو جهات عسكرية أخرى في تحقيق زيادات هائلة في نشاطها الاقتصادي من خلال انتزاع العقود العامة من المنافسين بدلا من رفع الإنتاجية. وكان بعض الخاسرين هم شركات من القطاع الخاص. فقد حلت شركة "كوين سرفيس" مكان شركة "جِي 4 إِس" في توفير الأمن في محطات مترو الأنفاق في القاهرة، على الرغم من فرض زيادة بأسعار التذاكر تفوق 10 إلى 15 في المئة.  لكن غالبية كبيرة من عقود الجهاز الجديدة جاءت من الهيئات الحكومية والمؤسسات العامة، أو من هيئات عسكرية أخرى. ففي كانون الأول/ديسمبر 2015، مثلًا، صرح اللواء كرم سالم محمد، مدير إدارة المشاريع الكبرى في وزارة الدفاع، بأن الجهاز سيفتح منافذ بيع لخدمة العمال الذين يقومون ببناء مدينة الإسماعيلية الجديدة.  وبعد ذلك بأسابيع، تعاقد محافظ الفيوم مع الجهاز لإقامة منافذ بيع اللحوم والدواجن، ومصنع لمعالجة الفواكه والخضروات، وأحواض للملح، ومعصرة للزيوت، وغيرها من مشاريع الإنتاج الغذائي في المنطقة.  وقد واصل الجهاز هذه المقاربة، إذّ خطط في 2019 لبناء مصنع للبسكويت بقصد تزويد المدارس الحكومية والأسواق المحلية، وإقامة مصنعين جديدين لمنتجات الألبان، وتوسيع مواشيه، وفتح محلات السوبر ماركت الجديدة "ابتسم" في المدن الصحراوية التي تنشئها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة (تجري مناقشتها لاحقًا). 

الجيش كمقاول ووكيل أراضٍ ومدير

شكَّلت العقود التي أعطيت إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية منذ عام 2013 جزءًا من شريحة أكبر بكثير من عقود الأشغال العامة الممنوحة للهيئات العسكرية، حيث ذهب نصيب الأسد منها إلى إدارات أخرى من إدارات وزارة الدفاع. كان عبد الناصر، قد لجأ في خمسينيات القرن الماضي إلى ضباط من القوات المسلحة، من أجل ضمان السيطرة على الخدمة المدنية التي تشكّلت في ظل النظام الملكي لإطلاق الأشغال العامة الكبيرة كاستصلاح الأراضي، لكن خصومته مع وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة عبد الحكيم عامر صرفته عن استخدام المؤسسة العسكرية كأداة مؤسساتية أساسية لتنفيذ مبادراته الاقتصادية الرئيسية، أيّ أصلًاح الأراضي، ومَصْرَنة الشركات الخاصة بالمقيمين من غير المصريين، والتأميم. 

وبالتالي، ظهرت المعالم الرئيسة للدور الاقتصادي العسكري الرسمي الذي قامت به المؤسسة في أعقاب إطلاق سياسية الانفتاح فقط، أيّ، التحرر الاقتصادي المحدود الذي بدأه السادات في عام 1974 من أجل تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، وعقب معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979. وقد استفادت وزارة الدفاع من تدفقات جديدة كبيرة من المساعدات الخارجية، وتولت إعادة الإعمار بعد الحرب في مدن مصر في محور قناة السويس، وأصبح لها قول في استخدام بعض أصناف أراضي الدولة. وقد وسّعت أنشطتها الريعية وزادت التنوع في مشاريع الأشغال العامة والبنية التحتية الأخرى التي تقوم بها على مدى العقدين التاليين، واكتسبت دورًا إضافيًّا كوسيط في العقود العامة. وضعت هذه التطورات الأساس لارتقاء الوزارة الملحوظ منذ عام 2013 لتصبح مديرة لبعضٍ من أكبر مشروعات الأشغال العامة في تاريخ مصر.

رأس المال التشغيلي

تمثل غرض وزارة الدفاع من توليد الدخل بدايةً في تمويل التحسينات الطفيفة في شروط الخدمة للعاملين في القوات المسلحة، والتي تشمل المواد الغذائية والترفيه والمكافآت، من بين أمور أخرى. فعلى مر السنين، عمدت الوزارة أيضًا إلى فتح مرافقها الترفيهية والخدمية أمام زبائن من الطبقة المتوسطة (مقابل رسوم تنافسية مع القطاع الخاص إلى حد كبير)، مع توزيع الأرباح على الضباط (بلغ عددها 574 بحلول عام 2015 وفقًا لإحصاء رسمي).  إلا أن وزارة الدفاع أسهمت أيضًا في البنية التحتية العامة، حيث قامت إدارات القوات المسلحة بمد أكثر من 40 في المئة من الخطوط الهاتفية الجديدة المشمولة بخطة الحكومة الخمسية للتنمية للفترة 1982-1986، وبناء خطوط كهرباء ومجارٍ وجسور وممرات علوية في القاهرة ومدن أخرى.  نُسب إليها في سنوات لاحقة، الفضل في إنجاز مرافق عامة أخرى بارزة بما فيها طريق مطار القاهرة الدولي، ودار أوبرا عايدة، ومسرح الجلاء. 

وقد تلقت مالية وزارة الدفاع دفعة كبيرة بفضل الزيادة الهامة في المساعدات العسكرية الأجنبية، التي عوضت معظم تكلفة التحويل من المعدات القتالية السوفييتية إلى الغربية. فقد تلقت مساعدة عسكرية مبدئية بقيمة 1,5 مليار دولار في الفترة 1978-1980، وهي جزء من برنامج مدته خمس سنوات بقيمة 3 مليارات دولار، وخطوط ائتمان بقيمة 2-4 مليارات دولار لشراء أسلحة.  ووفقًا لوكالة الحد من التسلح ونزع السلاح الأميركية، بلغت قيمة عمليات نقل الأسلحة إلى مصر ما بين عامي 1983 و1987 نحو 7,8 مليارات دولار.  ولعب الإعفاء من الديون أيضًا دورًا مهمًّا. فقد أدى التأجيل لمدة عشر سنوات الذي فرضه السادات في عام 1977 على تسديد ديون عسكرية بقيمة أربعة مليارات دولار إلى الاتحاد السوفييتي إلى إراحة وزارة الدفاع حتى عام 1987. ثم جددت مصر التعليق، على الرغم من تلقيها مساعدات سوفييتية قيمتها 340 مليون دولار إضافية بين عامي 1983 و1987، إلا أنها قامت في النهاية بتسوية جميع ديونها العسكرية والمدنية لروسيا في عام 1994. 

بداية، كلفت المساعدة الأميركية العسكرية مصر 600 مليون دولار سنويًّا لتسديد رأس المال والفوائد، لكنها حصلت على إعفاء مماثل عندما قامت الولايات المتحدة بتحويل مساعداتها إلى منَح بعد عام 1984.  إلى ذلك، قامت الولايات المتحدة بخصم 7,1 مليارات من الديون العسكرية في عام 1990، مكافأةً لتأييد مصر التدخل الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق في الكويت.  كما قامت البحرية الأميركية بدفع رسوم تفوق الرسوم المعتادة التي يتوجب أن تدفعها جميع السفن العسكرية العابرة لقناة السويس، وذلك طوال تلك الفترة وحتى الوقت الحاضر.

وفي موازاة ذلك، ذهب جزء بلغت قيمته 17 مليار دولار أميركي من المساعدات الغربية غير العسكرية التي تدفقت على مصر في الفترة 1974-1980 إلى مشاريع البنية التحتية الرأسمالية الكبيرة، بما في ذلك إعادة إعمار المدن والبنى التحتية في منطقة قناة السويس وأماكن أخرى بقيادة وزارة الدفاع.  ومن المعروف أن الوزارة قد نفذت مشاريع تنموية أخرى مثل استصلاح الأراضي باستخدام المساعدات الخارجية في تلك الفترة، ما خلق نمطًا لا يزال مستمرًّا حتى اليوم. كما استولدت الوزارة إيرادات عن طريق تأجير مراسي السفن في الموانئ البحرية إلى الشركات الأجنبية التي تجلب الآلات الثقيلة أو الإسمنت إلى البلد، أو عن طريق مطالبة الشركات برفع مستوى المرافق في الموانئ مقابل السماح باستخدامها. 

إلا أن وزارة الدفاع كانت لا تزال بحاجة إلى رأس مال قابل للتصرّف. وقد حصلت على ما يقدر بنحو 500 مليون دولار عن طريق بيع الذخائر من مخزونات القوات المسلحة إلى العراق خلال حربه مع إيران، لكن سوق العقارات وفّر مصدر إيرادات أهم. وقد حضّر السادات الظروف القانونية لذلك قبل أسبوع من اغتياله في تشرين الأول/أكتوبر 1981، من خلال إنشاء جهاز مشروعات الأراضي للقوات المسلحة ومنحه سلطة بيع أو تأجير منشآت القوات المسلحة وعقاراتها.  وكان من المقرر إنفاق ما يصل إلى 20 في المئة من دخل الجهاز على شراء الأسلحة، ولكن بما أن المساعدة الأجنبية غطت هذه الحاجة فقد كان الأثر الرئيسي هو تسريع تراكم رأس المال في وزارة الدفاع. 

وربما وفرت سيطرة وزارة الدفاع على ترخيص الأراضي وإطباقها على صفقات المصادر الأهم والأكثر استدامة لرؤوس أموال قابلة للتصرف. إذْ كان لتطوير مناطق عسكرية واسعة على امتداد قناة السويس وفي شرق القاهرة، في أعقاب حرب عام 1967 مع إسرائيل، أثرٌ جانبي منح وزارة الدفاع احتياطًا من الأراضي يمكنها الاستفادة منها. وكذلك فإن نهج بيع عقارات رئيسة في المدن، كانت تضم في السابق منشآت أو ثكنات للقوات المسلحة، إلى مستثمرين مدنيين كان قد استُهلّ في ظل إدارة أبو غزالة في الثمانينيات. بالتالي، كانت وزارة الدفاع مهيأة للاستفادة من مشاريع البنية التحتية العامة المهمة في ذلك العقد. الطريق الدائري الذي كان سيتم بناؤه كجزء من المخطط الرئيسي للقاهرة الكبرى والذي تم إطلاقه في عام 1981 قُدِّم مثال على ذلك، فبحسب ما وثّق الباحث المتخصص في مصر، دورمان، فقد قامت وزارة الدفاع بحظر البناء على القوس الشرقي من العاصمة، حيث كان لديها مخطط خاص لتحويل المناطق العسكرية إلى مشاريع إنشائية حضرية كبرى (بما في ذلك ما أصبح لاحقًا "القاهرة الجديدة")، وحيث جرى لاحقًا إدماج الكثير من المخططات الحضرية ضمن مشاريع إسكان القوات المسلحة والشرطة.  بدوره فإن تسريع العمل في المدن الصحراوية قد أتاح فرصًا إضافية لوزارة الدفاع لاستخراج الأموال مقابل السماح باستخدام أراضي الدولة (علما أنّ العمل على أربع من تلك المدن كان جاريًا في ثمانينيات القرن الماضي). كما استفادت الهيئات ذات العلاقات العسكرية، مثل التعاونيات التي شكلها ضباط القوات المسلحة والمتقاعدون، من خلال الاستيلاء على أكثر من حصصهم  في هذه المجتمعات الحضرية الجديدة.

وربما وفرت سيطرة وزارة الدفاع على ترخيص الأراضي وإطباقها على صفقات المصادر الأهم والأكثر استدامة لرؤوس أموال قابلة للتصرف.

توّلد نمط دائم. وكما أكّد الباحث في المجال الحضري فلوريان شتاينبرغ فقد "كانت القوات المسلحة مترددة في التخلي عن الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن هذه الأراضي [...] من المتوقع أن تحقق مكاسب مرتفعة بفضل المضاربة ".  وقد دفعت ممانعةُ وزارة الدفاع الوكالةَ الألمانية للتعاون الدولي (GTZ) والبنك الدولي إلى سحب التمويل للمشاريع في منتصف الثمانينيات، كما يلاحظ دورمان، إلا أن المكاسب المحتملة من المبيعات التجارية المستقبلية إلى المستخدمين المدنيين فاقت بكثير هذه الخسارة. ووفقًا لأحد التقديرات، فإن مبيعات العقارات العسكرية في منطقة قناة السويس وحدها بلغت مليار جنيه بحلول عام 1994 (ما كان يوازي عندها 295 مليون دولار بسعر الصرف الرسمي).  كما قامت وزارة الدفاع بتأجير أو بيع أرض كانت تشغلها في مدينة نصر (القاهرة)، لاستخدامات تجارية وسكنية. في المقابل، استعادت وزارة الدفاع في بعض الأحيان العقارات التي كانت قد تنازلت عنها سابقًا في مواقع رئيسة، مثل أرض مستشفى الصحة النفسية المصري الرئيس، في العباسية، من أجل إقامة المباني الجديدة لاستخدامها الخاص.  كما ساعد إعفاء وزارة الدفاع وجميع فروعها وهيئاتها من ضريبة المبيعات، بموجب القانون رقم 11 لعام 1991 على تراكم رأس المال لديها.

"المشاريع الجوفاء": استصلاح الأراضي والمدن الصحراوية

قدَّم انخراط القوات المسلحة في استصلاح الأراضي وبناء عشرات المدن الصحراوية الجديدة مصدرًا مهمًّا لرؤوس الأموال لوزارة الدفاع على مدى العقود. فمنذ تأسيس الجمهورية، رأى رؤساء الدولة المتعاقبون وكبار المسؤولين أن "التوسع الأفقي" خارج وادي النيل والدلتا، حيث يعيش 95 في المئة من السكان على 5 في المئة من أراضي مصر، ضروري لتخفيض الاكتظاظ والتعويض عن فقدان الأراضي الزراعية بسبب التوسع العمراني. وقد أعلن الرؤساء، من ناصر إلى السيسي، مرارًا وتكرارًا، عن مشاريع تخليدية كبيرة تهدف إلى استعادة أكثر من ستة ملايين فدان (2,5 مليون هكتار)، وتأمين إنتقال 20 مليون شخص أو أكثر إلى حوالي 50 بلدة ومدينة جديدة.  وبطبيعة الحال، فإن هذه المساعي تتطلب نفقات مالية ضخمة، ولكن على الرغم من استنزاف الخزينة، إلا أن هذه المشاريع لم ترْقَ إلى مستوى الأهداف، ما جعلها نموذجًا على المشاريع الجوفاء، ضخمة الكلفة، قليلة المردود.

جعل الصحراء تزدهر؟

لعبت المؤسسة العسكرية دورًا رئيسًا منذ اللّحظة الأولى، وما زالت تستمد إيرادات هامة جرّاء تنفيذ أو إدارة مخططات تحويل الأراضي الصحراوية للأغراض الزراعية وبناء مدن كاملة بالبنى التحتية المرتبطة بها، رغم إنجازاتها الضحلة، فالضباط الأحرار عينوا أحد مهندسي القوات المسلحة لإجراء تقييم فني لمشروع استصلاح الأراضي الرئيسي في محافظة التحرير بعد فترة وجيزة من الإطاحة بالعرش في عام 1952. وتم تعيين ضابط في القوات المسلحة لرئاسة هيئة محافظة التحرير المسؤولة عن العمل في عام 1961، وتولى ضابط آخر المسؤولية عن جميع مشاريع استصلاح الأراضي الرئيسة في عام 1965.  لكن هذه الجهود كانت مكبلة بسبب ضعف تحليل التربة أو ضعف تصريف المياه أو ارتفاع الملوحة، والاستهلاك المفرط من مياه الري، والصيانة غير السليمة للقنوات، وتكاليف عالية للغاية بوجه عام، ولا تزال هذه المشكلات قائمة.  وبحلول عام 1970، لم يكن سوى ثلث الأراضي المستصلحة قد أثمر عن شيء ما أدى إلى وقف الدعم من المانحين الغربيين وردعهم عن تقديمه عندما أعادت الحكومة المصرية إطلاق مشروع الاستصلاح في النوبارية في ضعام 1977.  وقد، مضت القوات المسلحة قُدمًا رغم ذلك، إلا أنّ المشروع عانى مرة أخرى من تشبع التربة بالمياه والتملح. 

لحظ روبرت سبرينغبورغ أن الاستثمار المستمر في هذه المخططات يعكس "نمو مجموعة مصالح مؤسّساتية قوية لضباط عسكريين سابقين في الجهاز البيروقراطي لاستصلاح الأراضي". وهذا وفر"فرصة ذهبية حقيقية" خلال حقبة عبد الناصر وما بعده"، حيث كانت فروع الخدمة المدنية والقطاع العام المسؤولة عن استصلاح الأراضي واستخدام تلك المستصلَحة، بما في ذلك هيئة محافظة التحرير، والمؤسسة العامة للتنمية الصحراوية، والمؤسسة العامة لاستصلاح الأراضي، مملوءة بعدد وافر من الضباط... وهم لم يكونوا مهتمين فقط بالضغط على الحكومة لاستصلاح كميات متزايدة من الأراضي، ولكن بالاحتفاظ بسيطرة الدولة على الأرض، إذْ كان على معظم شركات الاستصلاح وهيئات القطاع العام التابعة لوزارة استصلاح الأراضي أيضًا مسؤولية زراعة الأرض ما إن تصبح تحت المحراث".  

وقد لاحظ جون وُوتربري بشكل منفصل أن ضباط القوات تناولوا المهمة كأنها "حملة عسكرية"، حيث "لم تكن هناك استراتيجية زراعية، وإنما فقط السد [العالي] واستصلاح أراضٍ". 

مع أن ملاحظات سبرينغبورغ ووُتربوري كتبت في عامي 1979 و1983، فإنها تبقى صحيحة. لقد جرى تعليق عمليات استصلاح الأراضي الرئيسة في عام 1980 (كما عُلّق تمويل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية)، لكنها استؤنفت بعد عام 1990 (إلى جانب الدعم المقدم من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية) بسبب النمو السكاني الهائل الذي دفع المزيد من التوسع العمراني وفقدان الأراضي الزراعية الرئيسة في وادي النيل والدلتا. وقد تولى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مشروع شرق العوينات الكبير في عام 1998، ولكن بعد ذلك بسنة، قامت الحكومة بإعادة إحياء خطة أكبر بكثير (جرى وضعها أصلًا في عام 1985 ثم وضعت على الرف) لمشروعين كبيرين لزراعة الأراضي الصحراوية، وبناء ست مدن جديدة، وتطوير أربع مناطق للتجارة الحرة.  ومن هذه المشاريع، سعى مشروعا تنمية الجنوب الغربي (جنوب مصر أو الوادي الجديد) وتنمية شمال سيناء، المعروفان باسم "توشكى" و"سلام" على التوالي، إلى استصلاح 1,44 مليون فدان (588 ألف هكتار)، وخلق 3,6 ملايين فرصة عمل، وإعادة توطين ما بين 3 ملايين و6,3 ملايين مصري على مدى ثلاثين سنة. في نهاية المطاف، كان الهدف توزيع سكان البلد على أكثر من 20 في المئة من أراضيه مقارنة بنسبة 5 في المئة والمساعدة في زيادة المساحة الصالحة للزراعة الإجمالية بنسية 44 في المئة بحلول عام 2017. 

النقطة الحاسمة هي أن مسؤولية التخطيط للمشروعين الجديديْن والحفر فيهما أُوكلت إلى القوات المسلحة ووزارة الإنتاج الحربي. لكن المشروعين توقفا، إذْ افتقرت مشروع السلام إلى الموارد المائية وفشلت تمامًا بتكلفة قدرها "مليارات"، وفقًا لرئيس جمعية مستثمري شمال سيناء، تاركة محطات رفع المياه وضخها التي تم بناؤها بالفعل في رفح متداعية بسبب عدم الاستخدام، كما تم تعليق توشكى فعليًّا بحلول منتصف العقد الأول من هذه الألفية بسبب سوء التخطيط ونفس عدم فعالية الإدارة.  إلى جانب ذلك، فإن 3 في المئة فقط من أصل 2.8 مليوني فدان كانت الحكومة قدّرت في بداية العمل أن تكون قابلة للاستصلاح على صعيد البلد كله، كانت من الدرجة الأولى، و20 في المئة من الدرجة الثانية، والباقي تكوّن من تربة رملية خشنة ومقحلة أقل نفعًا.  إلا أن ميزانية الدولة واصلت منذ ذلك الحين تخصيص اعتمادات سنوية لهذين المشروعين ولما يقارب 12 مشروع آخر لاستصلاح أصغر. وعلى الرغم من جهود استصلاح أراضٍ استمرت ستة عقود ونصف، وحتى بعد إنشاء قناة لربط بحيرة ناصر بعدد من الواحات، إلا أن المساحة المزروعة في مصر زادت بنحو 15 في المئة فقط بين عامي 1947 و2018. 

أسفرت هذه المشاريع الجوفاء عن خسائر كبيرة للخزينة العامة. كانت الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية مدينة لصاحب المصلحة الرئيسي، بنك الاستثمار القومي المملوك للدولة، بمبلغ 23.5 مليار جنيه مصري (3.59 مليارات دولار) بحلول عام 2011.  ووفقًا لرئيسها اللواء مجدي أمين، فإن الهيئة نفسها تكبدت مبلغ 15 مليار جنيه من المستحقات من قبل العديد من شركات القطاع الخاص والعام اعتبارًا من عام 2013.  من بينها شركة أحمد عرابي التعاونية لاستصلاح الأراضي التي كان أعضاؤها أساسًا من متقاعدي القوات المسلحة ولم يعرف عنها أنها قامت بأي عمل زراعي؛ وفي هذه الأثناء بقيت عشرات القرى الصحراوية التي شيدتها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة غير مأهولة في الغالب.  وفي عام 2014، كانت الشركات المتفرعة عن الشركة القابضة لاستصلاح الأراضي التابعة للقطاع العام تدين بمبلغ 4.8 مليارات جنيه لمصلحة الضرائب والمصارف وشركات التأمين وغيرها من الدائنين. 

ولم تردع هذه الإخفاقات ونوعية الأراضي المشكوك بها والتكاليف الباهظة السيسي عن جعل الاستصلاح ركنًا في خارطة الطريق الاقتصادية التي أعلنها في حملته الانتخابية للرئاسة. ففي نيسان/أبريل 2014، وعد باستصلاح ما مجموعه مليون فدان (630 ألف هكتار) في غضون عامين فقط.  وقد رفع هذا الرقم إلى مليون ونصف مليون فدان، وأعلن أن هذه هي مجرد المرحلة الأولى من الهدف الذي يبلغ أربعة ملايين فدان. كما أعاد السيسي إحياء مشروع توشكى رغم أن المشروع لم يحقق سوى 10 في المئة من أهدافه بحلول عام 2012.  وكان يُعتقد أن التقدير الأصلي لتكلفة المشروع، أي 6 مليارات جنيه (1,76 مليار دولار في عام 1999) قد وصل إلى 70 مليار دولار بحلول عام 2015، مع أنه، كالمعتاد، يصعب الحصول على حسابات موثوق بها وعلى بيانات ذات مصداقية.  

یُعتقد أن التقدیر الأصلي لتكلفة المشروع، أي 1.76 ملیار دولار في عام 1999 ، قد وصل إلى 70 ملیار دولار بحلول عام 2015 ، مع أنھ، كالمعتاد، یصعب الحصول على حسابات موثوق بها وعلى بيانات ذات مصداقية.

وقد تواكب إحياء مخططات استصلاح الأراضي الضخمة مع الجهود المبذولة لاستعادة المستثمرين الخليجيين إلى مصر. وكان سبق أن استأجر العديد من الأفراد والشركات مساحات كبيرة من الأراضي المخصصة للزراعة في عهد مبارك، لكنهم واجهوا تحديات قانونية بعد ثورة 2011 على أساس أنهم حوّلوا وجهة استخدامها من الزراعة إلى الأغراض العقارية. وقد جرى، مثلًا، الإعلان عن "المزارع العملاقة" في توشكى أثناء مؤتمر "دعم وتنمية الاقتصاد المصري" رفيع المستوى الذي عقد في شرم الشيخ في آذار/مارس 2016.  واستمر تدفق الاستثمارات الإضافية، حيث خصص مجلس الوزراء مليار دولار لاستصلاح 181 ألف فدان وإنشاء مصنع للسكر في المنيا الغربية في كانون الثاني/يناير 2018، على سبيل المثال.  تبقى ملاحظة ووتربري الساخرة في عام 1983 مفيدة في الحاضر، في أنه "يمكن تبرير أي شيء تقريبًا باعتبارات الأمن الغذائي وزيادة الإنتاج" وكما كان متوقعًا، اضطلعت وزارة الدفاع بدور محوري في هذه المخططات المتنوعة. ففي عام 2014، تلقت عقدًا حكوميًّا بالأمر المباشر لاستصلاح 500 ألف فدان في منطقتي باريس والفرافرة في الوادي الجديد، حيث تعهدت الإمارات العربية المتحدة بمبلغ 1,3 مليار دولار للتمويل. ولتخفيض تكاليف العمالة التي يقدَّر عموما أنها تمثل نصف أو أكثر من تكلفة استصلاح الأراضي، خططت القوات المسلحة لاستخدام المجندين والمزارعين المحليين.  وفي الوقت نفسه، قام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بمشروع تجريبي لاستصلاح 10 آلاف فدان وبناء قريتين نموذجيتين.  وقد عملت وزارة الدفاع منذ ذلك الحين مع الهيئة العامة لمشاريع التعمير والتنمية الزراعية والشركة القابضة لاستصلاح الأراضي، وكلاهما يرأسها متقاعدون من القوات المسلحة، ومع شركة تنمية الريف المصري، وهي شركة قابضة جديدة شكلتها الحكومة في أواخر عام 2017.  وحين أعرب السيسي عن عدم رضاه عن وتيرة تنفيذ مشروع المليون فدان في شهر أيار/مايو من نفس العام، حذر من أنه سيطلب من القوات المسلحة والشرطة استعادة الأراضي غير المستخدمة في الزراعة. 

مدن صحراوية، رأسمال عقيم

كان مشروع السيسي لاستصلاح المليون فدان جزءًا من مشروع ضخم لبناء 48 مدينة جديدة وثمانية مطارات، بكلفة إجمالية قُدّرت بنحو 140 مليار دولار.  كان هذا هو الأحدث في سلسلة طويلة من المخططات التي أُطلقت منذ بداية ستينيات القرن العشرين أو قبلها، عندما بدأ التخطيط لنقل فائض السكان من القاهرة إلى أربع مدن متصلة بها سيتم بناؤها لهذا الغرض في مناطق صحراوية مجاورة.  استأنف السادات هذا الجهد في عام 1974، وأنشأ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في عام 1979 لتحقيق ذلك.  إنَّ البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة غير متناسقة، ولكن القوائم التي نشرتها في عامي 1997 و2004 أظهرت أنها تهدف إلى بناء 41-44 مدينة وبلدة جديدة يبلغ عدد سكانها 6,7-6,8 ملايين نسمة.  لكن محلّل التخطيط الحضري، ديفيد سيمز، استخدم الأرقام التي نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لإظهار أن المدن والبلدات الـ23 التي تم بناؤها حتى عام 2006 بلغ مجموع سكانها 783 ألفًا فقط بدلًا من الهدف الرسمي الذي احتسبه البالغ 20,6 مليونًا.  زعمت هيئة المجتمعات العمرانية أنها أنجزت 27 مدينة بعدد سكان خمسة ملايين بحلول عام 2011، ولكن الحقيقة هي أنه كان من المفترض لمشروع توشكى وحده أن يجذب بين أربعة وستة ملايين نسمة، ما يدل على مدى فشل المدن الصحراوية.  وأكدت الهيئة أيضًا أنها تتوقع بلوغ عدد السكان 22 مليونًا في عام 2022، بعد الانتهاء من بناء خمس مدن إضافية، ولكن خبراء التنمية الحضرية لاحظوا مجددًا أنها "أخفقت في الاقتراب مطلقًا من عدد السكان المتوقع" حتى حلول عام 2019. 

واستخلص سيمز في عام 2017 أنه لم يتم تحقيق هدف واحد من أهداف التنمية الصحراوية، التي قصّر معظمها بأضعاف عدة.  أضاف أنه في جميع المدن الجديدة "وخصوصًا حول القاهرة، تبقى مشاريع الإسكان والعقارات (العامة والخاصة)... متوقفة أو شاغرة أو غير مستغلة لسنوات – من دون عائدات، أو تدوير، بقيمة استخدامية ضئيلة أو معدومة". لقد امتلأ بعض المجتمعات الجديدة من الجيل الأول مثل 6 أكتوبر والقاهرة الجديدة (الأولى تستضيف مساكن ضباط القوات المسلحة، في حين أن الثانية بُنيت على أرض مرخَّصة من وزارة الدفاع) استجابة لتحوّل تركيز التطور العقاري نحو مشروع العاصمة الجديدة القريب منذ عام 2015، لكن سابقًا لم تستقطب تلك المدن سوى ربع السكان المستهدفين.  بشكل عام، وفقًا للباحث سيمز، فإن عدد سكان جميع المدن الجديدة لا يمثل سوى 3,8 في المئة من إجمالي الزيادة السكانية في مصر، أو ما يقارب ثلث المعدل اللازم لبدء عكس الزحام الشديد. 

النتيجة هي ما يسميه علماء الاقتصاد رأس مال "عقيم" على نطاق واسع. ففي عام 2016، قدّر الجهاز المركزي للمحاسبات إجمالي الخسائر التي تتكبدها مصر نتيجة الفساد وسوء الإدارة والدخل المفقود من المجتمعات العمرانية الجديدة بمبلغ 880 مليار جنيه مصري (وهذا يشمل فترة ست سنوات من الخفض المتكرر في قيمة العملة، وبالتالي يصعب تخمين القيمة المعادلة بالدولار).  عانت المنهجية المستخدمة من شوائب، مع ذلك تشير النتائج إلى وجود مشكلات كبيرة حتى لو تم التقليل من المبلغ المنشور بنسبة حادة. ومع ذلك، استمر رؤساء الجمهورية المصرية والجهات الفاعلة المؤسساتية القوية لأكثر من ستة عقود في استصلاح الأراضي وبناء المدن في المناطق الصحراوية. أحد الأسباب هو أن "شرائح واسعة تمتلك الآن مصالح مهمة، وليس نخبة الشركات فحسب، بل أيضًا موظفو الحكومة وصغار المستثمرين والملايين من العاملين في الخليج".  وكما لتأكيد ذلك، فإن معرض "العقارات المصرية" الذي نظمته شركة "تواصل للعلاقات العامة"، وهي شركة تابعة لشركة فالكون غروب إنترناشونال التي هي بدورها شركة أمنية خاصة على صلة وثيقة بالمخابرات الحربية، قد أقيم ثلاث مرّات في الفترة 2017-2019 لجذب المغتربين المصريين في الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة. 

لا تقل المصالح العسكرية المرتبطة بالمشاريع الضخمة الجوفاء أهمية، حسب ما أشار سبرينغبورغ قبل عدة عقود. على سبيل المثال، تمركزت المناطق الصناعية الجديدة الأكثر نجاحًا في الإسكندرية وبورسعيد والإسماعيلية، حيث كان لدى الاقتصاد العسكري أصلًا العديد من الاستثمارات المتداخلة وعقود الأشغال العامة. والمدن التي خُطط لها أن تكون خارج وادي النيل والدلتا جرى تطويرها لتكون تجمعات منفردة من دون أن يجري التفكير كثيرًا في وسائل النقل العام أو السكك الحديد القائمة، كما لاحظ محللٌ يعمل في غرفة التجارة الأميركية المصرية في عام 2016.  لكن ذلك وفّر فرصًا للهيئات الاقتصادية العسكرية لتنفيذ عقود ضخمة لبناء طرق تربط القاهرة والمدن الرئيسة الأخرى في هذه المناطق الاستثمارية، بما في ذلك مواقع استصلاح الأراضي التي تديرها القوات المسلحة، دون أن تخدم أي غرض آخر. وفي ما عدا هذه الاستثناءات، فإن الأمر الملحوظ عن التوزيع الجغرافي للمدن الجديدة القائمة أو المزمع إنشاؤها حتى عام 2052 هو أنَ واحدة أو إثنتان منها فقط تقع حقيقة في المناطق الصحراوية، بينما تقع الغالبية على أطراف وادي النيل أو في الدلتا، ما عدا حوالي ست مدن ساحلية يتم تقديمها على أنها ملاذ جميل للأثرياء.

وينطبق الشيء نفسه على الإمداد بالمياه ومعالجة النفايات، وهما قطاعان تنشط فيهما وزارة الدفاع ووزارة الإنتاج الحربي والشركات التابعة لهما.  فمعظم مشاريع استصلاح الأراضي والمدن الصحراوية يعتمد على نقل المياه في القنوات عبر مئات الكيلومترات أو على استخلاصها من أحواض المياه الجوفية، بما فيها حصة هامة غير قابلة للتجديد. اعتمد مشروع توشكى على رفع المليارات من الأمتار المكعبة من بحيرة ناصر في قناة طولها 240 كيلومترًا مثلًا، فيما اعتمد مشروع السلام في شمال سيناء على نقل المياه من وادي النيل عبر أنفاق تحت قناة السويس.  في المقابل، فإن مشروع السيسي للمليون فدان يأخذ 88.5  في المئة من احتياجاته المائية من مصادر تحت الأرض و11.5  في المئة فقط من نهر النيل.  وفي عام 2015، خصصت الحكومة ستة مليارات جنيه مصري (692 مليون دولار) لحفر أكثر من خمسة آلاف بئر في الصحراء الغربية للاستفادة من طبقات المياه الجوفية، وقد نفذت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة معظم هذه الأعمال، أو أدارتها، في ما أطلقت عليه وسائل الإعلام الوطنية تعبير "المعجزة التي سوف تسقي سبعة ملايين فدان". 

تكمن مشكلة إضافية في التكلفة العالية لضخ المياه إلى مواقع مرتفعة مثل توشكى أو مناطق نائية مثل سيناء. فقد وصلت تكلفة بناء محطة ضخ لهذا الغرض في عام 2005 إلى 436 مليون دولار، إلى جانب التكلفة المتوقعة البالغة 4,5 مليارات جنيه مصري لحفر قناة الحمل الرئيسة وفروعها. بإضافة ثمن الوقود، وصلت كلفة إيصال الماء وحده إلى 11100 جنيه لكل فدان.  مع ذلك، فإن إعادة إطلاق السيسي العمل في مشروع توشكى كجزء من مخططه للمليون فدان أعطت قوة دفع جديدة للشركات العسكرية مثل مصنع قادر التابع للهيئة العربية للتصنيع الذي قام بصنع مضخات المياه لمشروع توشكى في عام 2016 واستورد معدات ري أخرى بتكلفة تبلغ حوالي 500 مليون جنيه بعد سنة من ذلك.  وكما أشار مدير سابق لدائرة مصر في البنك الدولي، فإنه حتى بعد تكبد التكاليف، قد يستغرق تحسين نوعية التربة بما يكفي لنمو غطاء عشبي بسيط خمس سنوات أو أكثر. 

التنوع والتضافر

بموازاة مخططات استصلاح الأراضي ونقل المياه، أخذت وزارة الدفاع على عاتقها مروحة تزدادُ اتساعًا وتنوعًا من مشاريع الإنشاء والإدارة الممولة من الحكومة منذ منتصف أو أواخر تسعينيات القرن الماضي. ومثل أي شركة كبيرة تجمع رأس المال والخبرة العملية والنفاذ إلى السوق، سعت الوزارة كذلك إلى تضافر أذرعتها وأنشطتها المختلفة. فقامت الهيئة الهندسية وإدارات الأشغال والمشروعات الكبيرة والمياه والمساحة في القوات المسلحة ببناء الطرق السريعة والجسور، ومرافق الصرف الصحي أو معالجة المياه، والإسكان الاجتماعي. كما التزمت تنمية الأحياء الفقيرة الحضرية والعشوائيات أو أشرفت عليها، وقامت بأشغال عامة أخرى (مثل الملاعب الرياضية، والمخابز والمجازر، والمدارس والعيادات، والمراكز الترفيهية والاجتماعية، والمرافق الحكومية كدُور القضاء)، وأزالت التعديات غير المرخصة على نهر النيل وقنوات الري الفرعية أو الترع، وعلى الأراضي الصحراوية، لاسيما حول مشروعات استصلاح الأراضي والمدن الجديدة.

في العديد من الحالات، وصفت وزارة الدفاع بكل فخر البنى التحتية التي تنجزها كالجسور، بأنها "هدايا" القوات المسلحة للشعب المصري، في حين أن معظمها، إن لم يكن جميعها، كان يموَّل في الواقع من الأموال العامة.  فالحكومة كانت فعليًّا تمنح وزارة الدفاع عقودًا من أجل تنفيذ المشاريع التي كانت تنفذها عادةً الهيئات المدنية (وزارات الأشغال العامة والإسكان، الهيئات العامة والقومية والبلديات). إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام التابعة للقوات المسلحة لم تتورع عن الادعاء بأن المشاريع التجارية الناجحة التي تنفذها شركات القطاع الخاص في مناطق الاستثمار التي تديرها المؤسسة العسكرية هي أيضًا من إنجازها. 

كثيرًا ما كانت مشاريع الأشغال العامة الضخمة تخدم مصالح وزارة الدفاع التجارية أيضًا، ليس أقلها في مجاليّ إنتاج الأغذية والتجارة. على سبيل المثال، أكد مصدر عسكري لم تُذكر هويته في حديثٍ إلى مراسلين في أوائل عام 2015، على أهمية ما زعم أنه العديد من المراسي التي أقامتها القوات المسلحة في النيل لتحفيز السياحة والتبادل التجاري بين مصر والسودان.  ومع أنه ربط ذلك بتحقيق "التنمية الشاملة" للبلاد، إلا أن ذلك سهّل أيضًا استيراد الماشية والمنتجات الزراعية الأخرى من السودان، وهي تجارة مربحة تشترك فيها بثقلها هيئات وزارة الدفاع وإدارات القوات المسلحة، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.  وكما هو الحال مع عقود الأشغال العامة أو الأنشطة التجارية الأخرى، تلازم ذلك مع الشركات التي يرأسها متقاعدون من القوات المسلحة مثل الشركة المصرية للتجارة بالجملة، التي تستورد أيضًا اللحوم الطازجة والماشية الحية من السودان. 

وكان قد سبق لوزارة الدفاع أنّ أقامت بعض البنى التحتية للنشاط التجاري من خلال الاستحواذ على الشركة المتحدة للتغليف (1995)، وشركة السكك الحديد سيماف (نُقلت إلى الهيئة العربية للتصنيع في عام 2004)، وترسانة الإسكندرية (التي تصنّع صنادل النقل النهري، 2007).  وفي بداية عام 2014، استثمرت القوات المسلحة مبلغ 7 مليارات جنيه مصري (حوالي 930 مليون دولار) من أموالها الخاصة في ربط طرق الواحات الصحراوية السريعة لخدمة مشروعات استصلاح الأراضي في الوادي الجديد.  وقد تكون دوافع مماثلة قد حَدَت بوزارة الدفاع إلى الانخراط في بناء الطريق السريع المؤدي إلى العين السخنة في عام 2004، وهو في الأصل ميناء بحري بملكية خاصة أصبح نقطة محورية للمشاريع الاقتصادية العسكرية الكبرى وللاستثمار الأجنبي في الصناعة والبنية التحتية. جرى تكرار النمط منذ ذلك الحين بتطوير مطار سوهاج الدولي وميناء الغردقة، مرة أخرى على امتداد شاطئ البحر الأحمر حيث تستثمر المؤسسة العسكرية بشكل واسع في السياحة والعقارات فضلًا عن التجارة الخارجية. وينطبق الشيء نفسه كذلك على تطوير أحواض الملح في الإسكندرية وترخيص استخدام الأراضي وتوفير البنية التحتية لتطوير المنتجعات السياحية الكبرى على الساحل الشمالي لمصر قبل عام 2011، مع إضافة طرق سريعة جديدة لربطها في عام 2015. 

كما أن التركيز على مشاريع البنية التحتية الرئيسة المموَّلة من القطاع العام في منطقة البحر الأحمر قد أسهم في الانتشار العسكري الاستراتيجي للقوات المسلحة. ويصدق هذا على مشاركتها في بناء طرق سريعة جديدة في جنوب وشمال سيناء، ما يساعد في عمليات مكافحة التمرد المستمر هنالك منذ حوالي عشر سنوات. وقالت دراسة إسرائيلية نشرها معهد القدس للدراسات الاستراتيجية في كانون الثاني/يناير 2018 إنه فيما تهدف البنية التحتية الجديدة في المقام الأول إلى التنمية المدنية، إلا أنها أيضًا تعزز قدرة انتشار القوات المسلحة المصرية من خلال زيادة مهاجع للطائرات المقاتلة والمدرجات المحصّنة، ومستودعات الوقود ومخازن العتاد المحمية والمحسَّنة لتسهيل الحركة شرق القاهرة وفي سيناء. 

مهما كان حجم الأشغال العامة التي تضطلع بها القوات المسلحة المصرية لأغراض عسكرية، فإن وزارة الدفاع لطالما استخدمت حجة الأمن القومي للتأكيد على حق شبه حصري بالتزام أو إدارة تطوير البنية التحتية المدنية ومشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سيناء، ما يضمن لها استمرار نفاذها إلى العقود العامة. ففي أواخر عام 2013، على سبيل المثال، خصصت الحكومة المؤقتة التي تشكّلت بعد الانقلاب العسكري 2,7 ملياري جنيه (ما كان يساوي عندها 380 مليون دولار) للتنمية و527 مليون جنيه للإسكان في سيناء. وجرى منح العقود، عبر الأمر المباشر كالعادة، إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.  وفي آب/أغسطس 2015، أعلن السيسي أن القوات المسلحة ستقود بناء مدن جديدة في شبه الجزيرة، وفي آذار/مارس 2016، تعهدت المملكة العربية السعودية بمبلغ 1,55 مليار دولار لتمويل مشاريع التنمية الزراعية والمجمعات السكنية هناك، بما في ذلك المستشفيات والمدارس. 

وزارة الدفاع لطالما استخدمت حجة الأمن القومي للتأكید على حق شبھ حصري بالتزام أو إدارة تطویر البنیة التحتیة المدنیة ومشاریع التنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة في سیناء.

الاستفادة المالية من المناطق الاستراتيجية

كما تُظهر الأمثلة السابقة، تمكنت وزارة الدفاع من الحصول على دخل كبير من تصوير مهمتها والمشاريع العامة التي تنفذها على أنها "استراتيجية". وما يعزز هذا التصوير هو السلطة الواسعة التي مُنحت لها على استخدام أراضي الدولة في مناطق واسعة من البلاد خلال العقود الأربعة الماضية. فقد اشترط القانون 38 لعام 1977 على وكالات السياحة الحصول على تصريح من وزارة الدفاع من أجل العمل في المناطق الحدودية، بما في ذلك السواحل، وهي وجهات سياحية رئيسة.  ووسّع المرسوم الرئاسي 143 لعام 1981 هذا الشرط ليشمل جميع "الأراضي الصحراوية"، التي تشمل كافة الأراضي غير المسجلة في السجلات العقارية كالذمم، أي التي يملكها الأفراد أو الكيانات الاعتبارية، العامة أو الخاصة، الخاضعة للضريبة العقارية.  وقد شمل ذلك ما يقدّر بنحو 90-95  في المئة من المساحة الكلية لمصر.

جرى توسيع صلاحيات وزارة الدفاع في ما يتعلق باستخدام الأراضي بشكل كبير بموجب المرسوم الرئاسي رقم 152 لعام 2001.  وقد حدد المرسوم "المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية في الأراضي الصحراوية"، ووضع المعايير التي يجب أن تلبيها أي هيئة مدنية أو شخص ينوي القيام ببناء أو أي نشاط آخر، سواء فوق الأرض أو تحتها، أو على طول الطرق، أو قبالة شواطئ البحار والبحيرات، في جوار المنشآت العسكرية. في الواقع، منح المرسوم أيضًا وزارة الدفاع سلطة الاستنساب في تعيين الأراضي للاستخدام التجاري.  تُرك تحديد مواقع المناطق الاستراتيجية لوزارة الدفاع، التي ستحدد أيضًا المسافات التي يجب أن تفصل بين محيطها والبناء المدني الجديد، وارتفاع المباني المسموح به في الجوار، والمواصفات الفنية للأنشطة المنتجة للنفايات (الصلبة أو الغازية أو السائلة) التي تجري في مكان قريب.

وعلى عكس الافتراض السائد، فإن هذه القوانين لم تمنح وزارةَ الدفاع ملكيةَ الأرض ولا حيازتها، بل السيطرة على استخداماتها. إذ لا يمكن بناء أو تطوير أي مشروع كان على الأراضي الصحراوية، سواء سكني أو صناعي أو زراعي أو متعلق بالخدمات والبنية التحتية، أكانت ملكيته خاصة أو عامة، إلا بإذن من وزارة الدفاع (وبعض الوزارات الأخرى، بما فيها الزراعة والآثار والبترول). في عام 2006، مثلًا، كشف البنك الدولي عن حالة نمطية لجهة استثمارية كبيرة انتظرت مدة 12 عامًا للحصول على التصاريح اللازمة لتسجيل ملكيتها. ويضاف أنَّ هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي يهيمن عليها بشكل كبير ضباط القوات المسلحة المتقاعدون وتعمل عن كثب مع الكيانات الاقتصادية العسكرية، قد أخّرت أيضًا نقل بعض قطع الأراضي، مطالبةً بزيادة حادة في السعر الأصلي، وفي النهاية منحت الأرض لمستثمرين منافسين. 

الحاسم هنا هو أنّ تسمية أي أرض منطقة استراتيجية يجب أنْ يتم تصديقها بموجب مرسوم رئاسي، إلا أن الخرائط التي توضح إحداثياتها الدقيقة تبقى سرية تذَرُّعًا بالأمن القومي. ومن غير الواضح ما إذا كانت مناطق معينة قد تم ترسيمها في الواقع بهذه الطريقة، أو ما إذا كان المرسوم يعمل كغطاء عام  وسيلة لكل الحالات يمكن الاستناد إليه في أي وقت ويمكن تطبيقه بأثر رجعي. وقد أتاح ذلك لوزارة الدفاع هامشًا ضخمًا للادّعاء بأن الأرض التي تسعى الجهات المدنية لإستخدامها من أجل مشروع مدني، تقع في منطقة استراتيجية، من دون الحاجة إلى تقديم المزيد من الأدلة. ويساعد على ذلك حقيقةُ أنّ نسبة كبيرة من الأراضي التي تخضع للملكية الخاصة تظل غير مسجلة وبلا سندات عقارية، وقد قدّرت دراسة في عام 2004 أن هذا ينطبق على 92 في المئة من مالكي العقارات، ما مكّن القوات المسلحة بشكل روتيني من وضع يدها على ما يُدّعى أنه تعديات غير قانونية. 

يؤكّد رجال الأعمال أنه يُطلب منهم بانتظام، منذ عام 2001، التبرع لصندوق القوات المسلحة مقابل الحصول على إذن بتسجيل الأراضي أو تغيير وجهة استخدامها، أو دفع الرشاوى.  وغالبًا ما يجري تقديم الطلبات إلى القيادات العسكرية المحلية بدلًا من إدارة متخصصة مؤهلة في وزارة الدفاع، ناهيك عن وزارات التجارة والصناعة أو المالية، ما يخلق فرصًا لطلب الرشاوى، لاسيما من الشركات الصغيرة بل أيضًا من الوزارات الحكومية. وفي بعض الأحيان، يجب الحصول على تصاريح من الصنوف المنفصلة في القوات المسلحة. على سبيل المثال، يحدد سلاح الجو ما إذا كان ارتفاع البُنى قد يؤثر على استخدام المجال الجوي. إشتكى رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس عندما سئل عن مشروعٍ للهواتف المحمولة في عام 2011، أن القوات المسلحة هي "واحدة من العديد من السلطات التي لا بد من موافقتها على تركيب الصواري". 

فجاء المرسوم الرئاسي رقم 152 لعام 2001 نعمة، نظرًا إلى صدوره عشية طفرة من المضاربات الهائلة في أسواق العقارات. على سبيل المثال، فرضت وزارة الدفاع رسومًا على السماح لشركات القطاع الخاص ببناء مساكن ومنتجعات سياحية على طول الساحل. وقد لحظت أخصائية علم الاجتماع الحضري، منى أباظة، أنه في الفترة اللاحقة، "تكاثرت بشكل واسع المنتجعات البحرية على طول الساحل الشمالي والبحر الأحمر، على الرغم من فشل المنتجعات التي لا حصر لها خلال العقود الماضية والتي تبدو وكأنها أطلال الحرب".  كما استفادت وزارة الدفاع من المشاريع العملاقة مثل تطوير منطقة القاهرة الجديدة الراقية امتدادًا لعاصمة والتي بُني معظمها على أرض تسيطر عليها وزارة الدفاع، وقد بيعَت في صفقات غامضة إلى مستثمرين وأباطرة التطوير العقاري.  في وقت لاحق، ادّعى رئيس هيئة الشؤون المالية في الوزارة أنّها لم تقبض رسومًا إلا عندما اضطرت إلى "نقل كتيبة أو العثور على ميدان تدريب بديل لأنشطتها"، لكن ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّ هذا هو العرف فعلًا. 

استغلت وزارة الدفاع أيضًا امتيازها القانوني بطرق أخرى. فهي، كما أفاد الصحافي المصري أحمد أبو العينين، تفرض على المستثمرين أن يدفعوا مقابل التأكد من أن الأرض التي يستملكون خالية من الألغام والذخائر العسكرية الأخرى.  والأهم من ذلك أن الشركات الخاصة، سواء المحلية أو الأجنبية، العاملة في المناطق النائية بعد عام 2001، كانت تعتمد بالكامل على تصريح وزارة الدفاع لإحضار الآلات والمواد والعمالة وكذلك المواد الغذائية والمياه والإمدادات الأخرى. وكان هذا صحيحًا بشكل خاص في القطاعات عالية القيمة مثل النفط والغاز التي كانت تقع بالكامل تقريبًا في المناطق الصحراوية المخصصة للاستخدام العسكري أو التي يمكن اعتبارها استراتيجية.

فعلى سبيل المثال، اضطرت شركة لاستكشاف الطاقة تعمل في الصحراء الغربية في العقد الأول من القرن الحالي إلى التعاقد مع القوات المسلحة لترتيب التفريغ والتخليص الجمركي لوارداتها ولنقل معداتها الثقيلة، فضلًا عن استخدام المقاولين المدنيين المتعاقدين مع القوات المسلحة كمورّدين رئيسين لها من المواد الغذائية ومعدات السلامة وغيرها.  وذكر مسؤول في الشركة أن القوات المسلحة كانت تراقب عدد الموظفين الأجانب الذين يُسمح لنا بإحضارهم، لكن ضابط الارتباط قد يضيف، مثلًا، 10 في المئة بشكل غير رسمي مقابل دفعات نقدية تحت الطاولة. لكن قضيتنا الكبرى كانت انخفاض إنتاجية العمالة المصرية، ولاسيما خلال شهر رمضان، لذلك كنا نستأذن دومًا الزيادات الكبيرة في القوى البشرية. وكان ضابط الجيش يقول إنه لم يكن هناك ما يكفي من العمالة محليًّا، لكنه كان يعرض جنوده الذين كانوا أكثر انضباطًا وإنتاجية بكثير. وكان الضابط يقبض. لا أعرف أين ذهبت الأموال، لكن القبض كان دائمًا نقدًا.  

وكان على نفس المسؤول أن يتعامل مع "ملازم شاب كان أقوى من عميد لأنه كان ابن وزير، وكان يحتكر بالكامل تسليم كافة المواد التي نحتاجها للبناء وما إلى ذلك. لقد كان في الواقع مقاولًا من باطن باطن الباطن!" واستفاد ضباط آخرون من القوات المسلحة في المنطقة المحيطة من خلال فرض إتاوات الحماية، حيث انتزعوا رسومًا تحت الطاولة لضمان عدم قيام العشائر المحلية بوقف أو سرقة الشاحنات والصهاريج التي تجلب الطعام والماء، ولعلهم تواطأوا معها أصلًا.

أدى تحكّم وزارة الدفاع باستخدام الأراضي والوصول المباشر إلى المعلومات الداخلية المتعلقة بتقسيم المناطق وخطط التنمية إلى ممارسات غير مشروعة أخرى. إذْ طالما استفاد الضباط وعائلاتهم وأصدقاؤهم من شراء الأراضي الصحراوية بأدنى الأسعار في المناطق التي يتم فيها التخطيط لمشاريع البنية التحتية أو الإسكان العملاقة، ثم بيعها بعد أن تصبح عقارات مرغوبة. قال أحد موظفي الخدمة المدنية: "حاول أحد أصدقائي جعلي أشتري بعض الأراضي معه في المنطقة القريبة من طريق عين السخنة السريع والمعروفة باسم التجمع الخامس بمبلغ 50 قرشًا للمتر [في أوائل الألفية الثالثة] لأنه كان يعرف أين ستُبنى الطرق والمدن الجديدة". وأضاف: "لقد رفضت، ولكن فيما بعد، ارتفعت قيمة الأرض بشكل هائل".  وجرى منح ابن ضابط سابق في القوات المسلحة فرصة شراء قطعة أرض في نفس المنطقة "مقابل ألفيْ دولار فقط كدفعة أولى، وأصبحت تلك القطعة في نهاية المطاف جزءًا من مجمع سكني فاخر يساوي الملايين".  وقد كان كلٌّ من مبارك والقوات المسلحة يسمح بالمضاربة كوسيلة لضمان الولاء.

"بالأمر المباشر": وزارة الدفاع كمقاول

إن منح هيئات وإدارات القوات المسلحة عقود أشغال عامة تزداد ضخامة وطموحًا يوحي بأن لديها قدرة هائلة على تصميم المشاريع وتنفيذها وصيانتها، وذلك بمعايير عالية. بل يبدو وكأن الكمّ الهائل والتنوع المتزايد في المشاريع الموكلة إلى تلك الجهات أو التي تنسبها إلى نفسها في السنوات الخمس عشرة التي سبقت عام 2013 يؤكدان بحد ذاتهما قدراتها العالية. فتتمتع القوات المسلحة بصورة إعلامية راقية للغاية، وهي صورة تروّجها هي الأخرى عن نفسها. لكن مراجعة أكثر دقة تبين أن قدرتها على تنفيذ هذا الحجم من الأشغال العامة محدودة للغاية. بل إنها تلعب في أغلب الأحيان دور المدير للمشاريع الممولة من القطاع العام، حيث تقوم بتأمين العقود الحكومية ثم الإشراف على تنفيذها من قبل المتعاقدين من الباطن من القطاع الخاص. ويجري تبرير هذا بشكل روتيني على أساس أن القوات المسلحة تضمن الكفاءة والتسليم في الموعد المحدد، ولكن البيانات التفصيلية التي تدل على فعالية التكلفة مقابل المردود لم تُنشر قط. 

إن منح هيئات وإدارات القوات المسلحة عقود أعمال عامة تزداد ضخامة وطموحًا يوحي بأن لديها قدرة هائلة على تصميم المشاريع وتنفيذها وصيانتها. لكن مراجعة أكثر دقة تبين أن قدرتها على تنفيذ هذا الحجم من الأشغال العامة محدودة للغاية.

وفيما تقوم القوات المسلحة المصرية بالفعل بالتسليم في الموعد المحدد في حالات عديدة، إلا أن هذا ينطبق في الغالب على المشاريع الصغيرة، في حين أن عدة مشاريع ضخمة تديرها لم تكتمل قط. 

وإلى ذلك، فإن التعاقد من الباطن يقوّض الادعاءات القائلة بأن الهيئات العسكرية تسلّم الأشغال بتكلفة أقل بكثير من شركات القطاع الخاص المحلية أو الأجنبية، حيث إن هذه الشركات الأخيرة هي التي تقوم عمومًا بالعمل الفعلي، ساعية للقيام به تمشياً مع أسعار السوق. في مثل هذه الحالات، تكون القوات المسلحة قد أمّنت دقة المواعيد فقط من خلال زيادة التكاليف، التي تمررها إلى خزينة الدولة أو تعوّض عنها من خلال إقناع المقاولين المصريين من الباطن (على عكس الشركات الأجنبية) باستيعاب الخسائر أو العمل مجانًا، حتى في المشروعات الكبيرة. وقد كشف رئيس شركة أملاك القابضة، وهي شركة متوسطة تضم 500 موظف، عن نطاق هذه الممارسة عندما اشتكى في آب/أغسطس 2019 من عدم قدرته على استعادة 220 مليون جنيه مصري (13,3 مليون دولار) من وزارة الدفاع لقاء أعمال البناء على سلسلة من المباني بما في ذلك قصر الرئاسة في العلمين الجديدة.  كما أشار إلى أنه لم يتم تعويض شركته وشركات المقاولات الأخرى عن الخسائر الناتجة عن انخفاض قيمة الجنيه المصري، ما أثر على الطلبات التي كانوا قد قدموها لاستيراد المعدات والمواد، وأنهم اضطروا إلى بناء منازل فخمة للسيسي وقادة القوات المسلحة.

ووفقًا لبيانات هيئة الهندسية في القوات المسلحة، فقد نفذت 473 مشروعًا استراتيجيًّا وخدميًّا بين عامي 2012 و2014.  لكن في العامين التاليين، وصولًا إلى حزيران/يونيو 2016، ورد أنها نفذت 1737 مشروعًا، بزيادة قدرها 367  في المئة.  لكن الغالبية العظمى من المشاريع التي لم يسلّمها متعاقدون من الباطن من القطاع الخاص (أي التي نفذتها الهيئة الهندسية بإمكانياتها) كانت صغيرة، بما في ذلك قاعات الصفوف الدراسية والعيادات في المناطق الريفية أو محطات معالجة المياه الصغيرة، ولم تكن  تستوجب سوى التصميم والتنفيذ الأساسيين. 

أما المشاريع الكبيرة التي تتطلب قدرات إدارية معقدة ومهارات فنية، فقد جرى تكليف شركات خاصة بها حيث استأثرت بالجزء الأكبر من العقود الممنوحة إلى القوات المسلحة من قبل الحكومة بين أيلول/سبتمبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2013 والبالغة قيمتها سبعة مليارات جنيه مصري (التي كانت تساوي آنذاك مليار دولار). وقد شمل ذلك حتى عقود بناء منشآت عسكرية. إذ منحت القوات المسلحة، مثلًا، الشركة العقارية للبنوك الوطنية التي يرأسها لواء متقاعد من القوات المسلحة، عقودًا بقيمة 209 ملايين جنيه في عامي 2012 و2013.  في وقت لاحق، أوضحت مساعدة وزير التعاون الدولي المصري، نهى بكر، أن "المشاريع تنفذ من قبل مقاولين مدنيين من الباطن... فيما دور الهيئات العسكرية، كونها المقاول الرئيس، هو الإشراف ومراجعة الجودة والإطار الزمني للتنفيذ".  وأكد وزير التنمية المحلية في حينه، عادل لبيب، وجهة النظر هذه عند منح عقد بقيمة ملياريْ جنيه إلى القوات المسلحة لتحسين الأحياء العشوائية الفقيرة في القاهرة، معتبرًا أن هذا من شأنه "ضمان إنجازها على الفور وبدقة". 

ومن غير المستغرب أن ضباط القوات المسلحة يعتبرون أنَّ الإدارة العسكرية للمشاريع متفوقة بالضرورة. على سبيل المثال، أشار الرئيس السابق لجهاز تعمير سيناء التابع لوزارة الإسكان، اللواء محمد مختار قنديل، إلى أنّ الخطط الحكومية في المنطقة كانت عادة مخططة على عجل، مع بعثرة الإشراف بشكل مفرط بين الوزارات والمحافظات المتعددة. فحاجج إن إدارة مخططات معقّدة "يجب أن تكون مثل الجيوش التي لديها قيادة لتنسيق الخدمات المشتركة وتبادل الدعم". واقترح أن يتم دمج التنسيق "في وزارة واحدة للرقابة والمتابعة، كما تفعل بعض الدول الأوروبية"، ولكن من السهل معرفة لماذا يَنظر الآخرون إلى القوات المسلحة، وليس إلى وزارة حكومية ما على أنها هي الهيئة المؤهلة بشكل طبيعي للاضطلاع بهذا الدور.  

حتى إدارة الإخوان المسلمين قصيرة العمر تبنت هذا الخطاب، ظاهريًّا على الأقل. فعندما خصصت حكومة رئيس الوزراء هشام قنديل 4,4 مليارات جنيه مصري للتنمية في سيناء، فقد أوكلت المسؤولية إلى القوات المسلحة. قد يعكس هذا ببساطة الإدراك البراغماتي بأن القوات المسلحة كان من شأنها أن تمنع أي برنامج مدني لم يمر من خلالها في منطقة كانت تدّعي أنها ضمن مجالها الأمني حصريًّا، أما علانيةً، فقد أشارت الحكومة إلى رغبتها في السرعة والكفاءة، مدّعية أنها سعت إلى التطبيق في فترة بين ستة وتسعة أشهر. 

مرة أخرى، فإن السجل الفعلي للإنجاز هو أكثر تباينًا بشكل كبير. ففي أوائل الألفية الثالثة، وبحجة أن القوات المسلحة يمكن أن تنفذ بنصف التكلفة، انتزع وزير الدفاع عندها، المشير محمد حسين طنطاوي، عقد إنشاء طريق العين السخنة السريع من الشركة الإسبانية التي كان قد تم منحها إياه. إلا أن هذا المنطق قد أغفل حصول القوات المسلحة على العمالة المجندة شبه المجانية، والإعفاء من الرسوم الجمركية على الواردات، ودعم الدولة للوقود والطاقة، والإعفاء من الضرائب.  لم تقدم براهين على صافي الوفر الذي تحقق للخزينة العامة، ومن المحتمل أن يكون متواضعًا في أفضل الأحوال إن لم يكن سلبيًّا. ومع ذلك، فقد طرحت هذه الحجة مرات لا تحصى منذ ذلك الحين لإبعاد التدقيق عن الادعاءات العسكرية، ناهيك عن كشف دفاتر المشاريع.

دور إداري صاعد

وبالمثل، فإن الارتفاع الحاد في مجال وحجم العقود الممنوحة لوزارة الدفاع بعد تموز/يوليو 2013 تجاهل الأداء وحسابات الجدوى والعوامل الاقتصادية الحقيقية. اتضح ذلك في الجهود المبذولة لمعالجة أزمة الإسكان الحادة في مصر، على سبيل المثال، حيث يقدر أن ما بين 15 و50 في المئة من السكان يعيشون في عشوائيات تشمل مساكن غير رسمية مبنية على أراضٍ عامة أو خاصة وتحويل أراضٍ زراعية إلى حضرية بشكل غير قانوني، من دون بنية تحتية أو خدمات عامة أساسية.  وقُدّر النقص في المساكن بنحو 3,5 ملايين وحدة سكنية في عام 2014، علما أن النقص ينمو بمعدل 250 ألف وحدة كل عام.  ووفقًا لمدير الهيئة الهندسية في القوات المسلحة في عام 2011، اللواء كامل الوزير، فقد أمر المشير حسين طنطاوي الذي كان عندها رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والقائم بأعمال الرئيس، "بتشغيل جميع الشركات المدنية التابعة للقوات المسلحة والبالغة 60 شركة في تنفيذ مشروعات الإسكان"، وذلك إدراكًا لخطورة المشكلة ومداها. وأضاف إن طنطاوي علّل ذلك قائلًا: "بالرغم من أن دور الجيش هو القتال في الحروب"، فإنه يمكن أن يكرس نفسه لأمور أخرى في وقت السلم، و"ذلك يعتبر في الوقت ذاته تدريبًا عمليًّا وواقعيًّا وراقيًا للإدارات الهندسية في الجيش المتخصصة في هذه المهام". 

كان سجلّ الحكومة السابق في توفير المساكن الجديدة ضعيفًا، لكن سرعان ما وجدت وزارة الدفاع نفسها في وضع مماثل. وكان مشروع الإسكان الشامل الذي أطلقه مبارك خلال حملة إعادة انتخابه في عام 2005، مثلًا، قد حقق أقل من نصف هدفه البالغ مليون وحدة خلال السنوات الست التالية.  وفي عام 2011، تعهد جهاز التعمير المركزي التابع لوزارة الإسكان والذي يهيمن عليه بشكل مكثف مهندسو القوات المسلحة المتقاعدون، ببناء مليون وحدة إسكان اجتماعي في غضون خمس سنوات. والتزمت وزارة الدفاع بناء 25 ألف وحدة، وأعلنت عن تبرع بقيمة ملياريْ جنيه مصري (336 مليون دولار) للمشروع من أموالها الخاصة.  ويلحظ أنها قامت بأكثر من مجرد الالتزام ببناء المساكن، فقد نسقت أيضًا التسعير مع وزارة الإسكان. 

وقد دفعت حسابات سياسية مماثلة السيسي إلى الإعلان في آذار/مارس 2014 أن وزارة الدفاع سوف تتعاون مع شركة أرابْتك الإماراتية للإنشاءات على بناء مليون وحدة سكنية تستهدف جزئياً الشباب والمجموعات ذات الدخل المنخفض، وذلك بتكلفة 40 مليار دولار على مدى خمس سنوات.  وقد تفاخر المتحدث الرسمي العسكري بأن رجال الأعمال قد "استجابوا لنداء الجيش" من أجل الاستثمار، وأن "الميزانية بمجملها كانت مغطاة بالفعل".  كان الادعاء خادعًا، وأثبتت هذه الخطط مرة أخرى أن طموحها مفرط.  فقد انسحبت أرابْتك بسبب خلافات مع وزارة الدفاع حول نسبة المساكن المخصصة للمجموعات ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فضلًا عن تقاسم الأرباح. ووفقًا لمصدر من داخل عالم الأعمال، "يبدو أن أرابتك قد رفضت مطالب القوات المسلحة بتوظيف عمالة مصرية وشراء مواد مصرية"،  فتمّ استبدال أرابْتك بوزارة الإسكان التي كانت تفتقر إلى الأموال اللازمة للمضي قدمًا. وفي الوقت نفسه، لم تفلح وزارة الدفاع في التزاماتها الأصغر. فكانت قد التزمت ببناء 150 ألف وحدة سكنية اجتماعية بتمويل حكومي،  ولكن لم تكن قد استكملت سوى 7500 وحدة وبدأت العمل على 50 ألف وحدة أخرى (بتمويل إماراتي منفصل) بحلول بداية عام 2015،، ولم يتم تسليم أي منها إلى المستفيدين المقصودين. 

من الواضح أن وزارة الدفاع كانت ستعجز عن تسليم 200 ألف وحدة في العام كمتوسط من أجل تحقيق أهداف مشروع أرابْتك لو كانت قد باشرت بالتنفيذ، أو على البقاء في حدود الميزانية لو أنها فعلت. لكن العوامل السياسية، وليس الأداء، هي التي حددت منح العقود الرئيسة إلى الهيئات العسكرية. فالقوات المسلحة هي العمود الأساسي للنظام الجديد الذي تَشكّل بعد تموز/يوليو 2013، واعتمد عليها السيسي أكثر من أي هيئة أخرى في الدولة أو أي عنصر من ائتلافه الحاكم من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية الضرورية وتعزيز مبادراته السياساتية في مجالات أخرى.

إن العوامل السیاسیة، ولیس الأداء، ھي التي حددت منح العقود الرئیسة إلى الھیئات العسكریة، وھي العمود الأساسي للنظام الجديد.. واعتمد علیھا السیسي من أجل تحقیق الأھداف الاقتصادیة الضروریة وتعزیز مبادراتھا السیاساتیة في مجالات أخرى. 

جسَّدت الحكومة المؤقتة لرئيس الوزراء آنذاك حازم الببْلاوي، تجسيداً لهذا الهدف الشامل، عبر منح عقود بالأمر المباشر إلى وزارة الدفاع قيمتها أكثر من سبعة مليارات جنيه مصري (مليار دولار) بحلول تشرين الثاني/نوفمبر. كما أدارت الوزارة المشاريع لصالح جهات غير حكومية. فصرح اتحاد البنوك المصرية أن أعضاءه قد أنفقوا ما يقارب مليار جنيه على تطوير العشوائيات بين عامي 2011 و2014، وخصصوا 300 مليون جنيه إضافي في عام 2014 للمشاريع التي ستتولاها الهيئة الهندسية في القوات المسلحة بإشراف رجل الأعمال حسين صبور (وهو كان قد أشرف على التمويل العسكري الخارجي الأميركي لمصر في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي). كما أدارت القوات المسلحة نفسها مشاريع تموّلها وكالات المعونة الأجنبية (ولوّ جزئيًّا)، ما يكرر النمط الذي تم تأسيسه في الثمانينيات. على سبيل المثال، مدّد البنك الدولي قرضًا لمصر بقيمة 500 مليون دولار لمشاريع الإسكان الاجتماعي في عام 2015. 

تلت ذلك عقود أخرى في تعاقب سريع. ووفقًا لأحد المصادر، فقد شملت العقود بحلول نهاية عام 2014 أكثر من 4,7 مليارات جنيه مصري (660 مليون دولار) لصيانة الطرق والجسور و3,2 مليارات جنيه للتنمية والإسكان في سيناء، ومليارين لتجديد الأحياء الفقيرة، وحوالي 960 مليون جنيه لمشاريع بناء متنوعة بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجسور وإشارات المرور والمخابز والمراكز الإدارية، أي ما يقارب مجموعه 11 مليار جنيه (1,53 مليار دولار).  وكان هذا إلى جانب مشاريع الطرق السريعة القومية والطرق في المدن الجديدة، وقد جرى منحها مرة أخرى من خلال الأمر المباشر، بقيمة إجمالية بلغت 14,76 مليار جنيه (أكثر بقليل من ملياري دولار عندها)، ما يجعل القيمة التراكمية لجميع عقود الأشغال العامة الممنوحة إلى وزارة الدفاع منذ تموز/يوليو 2013 حتى تاريخه 25,7 مليار جنيه. 

هذا وعززت التعديلات على القانون رقم 89 لسنة 1998 بشأن العروض والمناقصات التي أصدرها الرئيس المؤقت عدلي منصور في حزيران/يونيو 2014، الاتجاه العام من خلال رفع العتبة أمام الهيئات الحكومية حين تمنح عقودًا دون مناقصات مفتوحة، ما يمنع الطعون القانونية من قبل طرف ثالث العقود العامة. وكان يعني ذلك بالتالي التحرير الفعلي لوزارة الدفاع ووزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع وهيئاتها وإداراتها وفروعها، من التقيُّد بأي عتبات مسبقة.

قناة السويس: أفق اقتصادي جديد

حوّل تعديل القانون 89 وزارة الدفاع إلى وسيط اقتصادي رئيس بصفتها الخاصة. وقد ظهر ذلك على الفور عندما أعلن السيسي عن خطة لتوسيع قناة السويس في آب/أغسطس. سيتم مناقشة التوسع في الفصل السادس، لكن منطقة القناة كانت فعلياً إقطاعًا صرفًا لوزارة الدفاع التي اتخذت الأمن القومي ذريعة دائمة لتأكيد القول الفصل في أي نشاط مدني يتم القيام به ضمن ممر واسع على جانبي القناة. لقد ترأس ألوية سلاح البحرية المتقاعدون على مدار عقود من الزمن هيئة قناة السويس وسيطروا على هيئاتها الفرعية وشركاتها، وعلى غالبية المرافئ الثلاثة والأربعين على طول الساحل المصري البالغ 2420 كيلومترا (1512 ميلًا).  إلى ذلك، فإن مرافق خدمة ودعم النقل البحري العابر تُوفّر عقودًا آمنة للهيئات التي تملكها وزارة الدفاع مثل ترسانة الإسكندرية، وكذلك العديد من الشركات خاصة ذات الإرتباطات مع العسكرية. وأخيرًا وليس آخرًا، يُعتقد أن وزارة الدفاع تفرض نسبة مئوية خارج الكشوفات المالية من دخل القناة من رسوم الشحن الدولية التي بلغ متوسطها ما بين 400 و500 مليون دولار شهريًّا في الفترة 2014-2019. 

لهذا السبب، اعترضت وزارة الدفاع بشدة عندما أعلن الرئيس مرسي إطلاق مشروع تطوير محور قناة السويس في آذار/مارس 2013، بناءً على مقترحات قائمة منذ زمن بعيد لتطوير المنطقة وجذب الاستثمارات الأجنبية. إن حقيقة أنه لم يستشر الوزارة مسبقًا، إلى جانب السرعة التي استهل بها اتفاقيات مع الهند للاستثمار في الممر والقطاعات الأخرى، أقلق القيادة العسكرية.  وقد أدت خطته لتوسيع منطقة تطوير القناة البالغ طولها 193 كيلومترًا لتشمل خليج السويس إلى توجيه اتهامات له بأنه كان ينوي إنشاء "إقليم مستقلّ للسويس" يرتبط بسيناء وينفصل عن مصر في نهاية المطاف.  كان هذا مجرد تلفيق، لكن إنشاء مرسي لهيئة جديدة مرتبطة بالرئاسة للإشراف على المشروع برمته هدّد بتهميش هيئة قناة السويس وتحدّى سلطة وزارة الدفاع الفاعلة في منطقة القناة.

كان أول رد من وزارة الدفاع هو التحذير علنًا من أنها لن تسمح للمشروع بالمضي قدمًا من دون مراجعته وموافقتها عليه، كما لن تسمح باستخدام الأراضي المخصصة للأغراض العسكرية. وأكدت أنه يمكن "الانتفاع" من الأراضي الأخرى في المنطقة، وليس بيعها، شريطة أن لا يؤثر ذلك على الأمن القومي، وأن أي عقود يتم التوصل إليها مع شركات أجنبية يجب أن تخضع حصرًا للقانون المصري وليس القانون الدولي.  ظاهريًّا، كانت وزارة الدفاع تتمسك فحسب بالمراسيم الرئاسية لعاميْ 1981 و2001 بشأن الأراضي الصحراوية والمناطق الاستراتيجية، وتتصرف "لضمان عدم الإضرار بالأمن القومي للدولة".  ولكن، كما أشارت عالمة السياسة شانا مارشال، كانت وزارة الدفاع تطمح إلى تحويل منطقة القناة إلى "مجمّع رئيس لوجستي ومركز للتصنيع الثقيل" تابع لها، والتعاقد مع شركات عسكرية لبناء وتجهيز مشاريع صناعية وتوليد الطاقة وتوفير خدمات للشحن.  

تحرّكت وزارة الدفاع بسرعة لحماية مصالحها. وأعادت تأكيد سلطتها في تحديد الأطر السياساتية والتنظيمية في منطقة القناة، ثم اقترحت مسودة لوائح تنفيذية لإنشاء هيئة جديدة لتنمية قناة السويس.  فحصرت اللّوائح المقترحة هذه التنمية المسموح بها في المناطق التي كانت تنفذ فيها أصلًا مشاريع قائمة، واشترطت أن تكون 55 في المئة من الملكية مصرية في المشاريع المشتركة العاملة في المنطقة المصرية، وأخضعت المشاريع الجديدة لموافقة مجلس الوزراء. وقد مكّنت المادة الأخيرة وزارة الدفاع فعليًّا من نقض أي شيء يهدد ما تعتبره ضمن المصلحة القومية وبالتالي مصلحتها الخاصة.  كما ألغت وزارة الدفاع صلاحية الرئيس في تحديد استخدام أراضي الدولة في نطاق صلاحية الهيئة المقترحة، في الوقت الذي حرمت فيه صراحة سيطرة الهيئة على "الأراضي في المناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية والأراضي المخصصة لوزارة الدفاع أو التي تملكها الوزارة وهيئاتها". وللمزيد من التأكيد، أضافت المسودة رئيسيْ كلٍّ من الجهاز القومي لتنمية سيناء (الذي يرأسه لواء سابق في القوات المسلحة) والمركز القومي لاستخدامات أراضي الدولة (الذي يرأسه بموجب القانون شخص ترشحه وزارة الدفاع، وبالتالي فهو لواء كذلك) إلى مجلس إدارة الهيئة المقترحة. 

ويبدو أن تراجع إدارة مرسي جزئياً حلَّ الخلاف، وفي منتصف أيار/مايو 2013 أعلن أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن خطة التنمية المنقحة تلبي احتياجات الأمن القومي.  إلا أن القوات المسلحة كانت قد توصلت أصلًا في مارس/آذار إلى استنتاج مفاده أنه لا يمكن التعايش مع جماعة الإخوان المسلمين، ما يوحي بأن الخلاف حول ممر تنمية قناة السويس كان القشة الأخيرة.  فأطاحت بمرسي في 3 تموز/يوليو، وجرى انتخاب السيسي رئيسًا في أيار/مايو 2014. وفي 5 آب/أغسطس، كَلّف السيسي وزارة الدفاع بإدارة مشروع توسيع قناة السويس.

وزارة الدفاع: قلب الاقتصاد العسكري

من الواضح أن الهيئات العملياتية في القوات المسلحة بالإضافة إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية هي الأهم من حيث الحجم والنطاق الاقتصاديين، لكن هيئات وزارة الدفاع الأخرى تخدم أيضًا دورًا إضافيًّا في توليد الدخل، حتى لو كان دورًا ثانويًّا. ويدور معظم نشاطاتها حول شراء الاحتياجات العسكرية، من الغذاء والعتاد إلى الأسلحة وغيرها من المعدات القتالية، وهي المنطقة التي حددها مؤشر الحكومة لمكافحة الفساد التابع لمؤسسة الشفافية الدولية على أنها معرضة "بشكل حرج" لمخاطر الاحتيال المالي.  وتمتلك وزارة الدفاع أيضًا عددًا قليلًا من الشركات التي سعت، بطريقة غير متسقة إلى حد ما، إلى الترويج لهاتجاريًّا، بالإضافة إلى أسهم في عدد من الشركات المدنية. إلى ذلك، تكشف هيئات الوزارة وشركاتها عن الدور المتصل لشبكات الضباط غير الرسمية المبطَّنة في هذه الهيئات وفي العديد من نظيراتها المدنية في القطاع العام، والتي يجري من خلالها تبادل المعلومات الداخلية وضمان الأرباح الخاصة.

الهيئات الخدمية

كان الرئيس السادات قد أشار إلى الوظيفة الاقتصادية لهيئات وزارة الدفاع من خلال إنشاء المؤسسة العامة الاقتصادية للقوات المسلحة في عام 1977.  إلا أنها لم تنشط حتّى نيسان/أبريل 1981 عندما تم نقل القوى العاملة فيها وأصولها إلى جهاز الخدمات العامة الذي كان قد جرى إنشاؤه حديثًا كشركة، وكانت لديه مهمة تقديم "جميع الخدمات الاقتصادية بأسعار مناسبة لوحدات القوات المسلحة المصرية والموظفين وعائلاتهم".  في وقت ما، في تسعينيات القرن الماضي، جرى اعتبار جهاز الخدمات العامة "هيئة عامة اقتصادية" وفقًا للقانون 11 لعام 1979، ما جعل ميزانيته مستقلة عن كل من ميزانية الدولة العامة وميزانية الدفاع، ولكن الأهم أن هذا سمح للجهاز بتغطية عجزه مباشرة من خزانة الدولة وتلقي تحويلات إضافية منها أيضًا. 

يساعد الجهاز في الحفاظ على تأييد أفراد القوات المسلحة ودائرتهم الاجتماعية الواسعة لنظام الحكم. وقامت التعاونيات الاستهلاكية العسكرية تحت تسمية "صَن" التي تضم حاليًّا عشرين مركزًا تجاريًّا (مول) و17 محل سوبر ماركت، وستة فروع في أنحاء البلاد اعتبارا من 2019(علمًا أن القوات المسلحة تدير 55 منفذًا إضافيًّا).  ويمكن لجميع الضباط وضباط الصف والجنود المتطوعين والمجندين بالخدمة الفعلية، أو الضباط الفخريين والاحتياطيين والمتقاعدين، والعاملين المدنيين وأسرهم الاستفادة من الجهاز ومن استخدام قسائم الحسم لشراء سلع منتَجَة محليًّا ومستوردة، علما أنّ السلع المستوردة مدعومة أصلًا بفضل إعفائها من الرسوم الجمركية. وقد تخطت موازنة الجهاز، وكان قدرها 45 مليون جنيه في عام 1982، مبلغ 500 مليون جنيه في 2010-2011.  وفي ضوء أهمية الجهاز السياسية، جرت زيادة موازنته بحوالي 50  في المئة عقب الانقلاب العسكري في تموز/يوليو 2013، فارتفع من مبلغ 679 مليون جنيه (98 مليون دولار) في موازنة السنة المالية 2013-2014 التي كان قد وافق عليها مرسي قبل إقصائه إلى مليار جنيه في السنة المالية 2014-2015.  ومع انخفاض قيمة الجنيه المصري خلال العامين اللذيْن تليا، تضخمت الموازنة لتصل إلى ملياري جنيه في السنة المالية 2016-2017. 

تشارك هيئة الإمداد والتموين أيضًا في شراء وتوزيع السلع الأساسية، ولاسيما الأغذية، وذلك غالبًا لصالح القوات المسلحة ولكن أيضًا للأسواق المدنية. والهيئة تلبي احتياجات القوات المسلحة من غذاء وخبز، ونقل ووقود، وزي رسمي وعدد شخصية (مهام)، ومطبوعات، وخدمات طبية بيطرية، وخدمات مكافحة الحرائق والإنقاذ.  إن تمييز الأدوار غير واضح بين هذه الهيئة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، حيث إن مسؤولي وزارة الدفاع وقادة القوات المسلحة عادةً ما يمنحون الفضل للاثنيْن عن نفس النشاطات. وتشمل هذه النشاطات الإنتاج الغذائي والتوضيب، فضلًا عن تشغيل المخابز العسكرية.  وقد استوردت هيئة الإمداد والتموين وجهاز الخدمات العامة سلعًا غذائية أساسية، مثل اللحوم والدواجن والسكر والأرز عندما تسبب المضاربة على أيدي التجار المدنيين وزيادات الأسعار بنقص في الأسواق المحلية.

تشارك ھیئة الإمداد والتموین التابعة لوزارة الدفاع في شراء وتوزیع السلع الأساسیة، ولاسیما الأغذیة، وذلك غالبًا لصالح القوات المسلحة ولكن أیضًا للأسواق المدنیة.

كما توسعت هيئة الإمداد والتموين، في أنشطة خاصة بها تدرّ الدخل. فجرى توسيع إدارة المطبوعات التابعة لها من أجل إطلاق عمليات تجارية في عام 2001 أو قبل ذلك. وفي أوائل عام 2016، تنافست الإدارة بشكل مباشر مع الشركات المحلية الصغيرة عن طريق فتح مطبعة حديثة كبيرة في الإسماعيلية.  وربما كانت الهيئة تولد دخلًا أكثر ربحية من شراء وبيع الأغذية والمعدات والخدمات مثل التخليص الإداري والنقل. وقد تكون هي أيضًا هيئة وزارة الدفاع المسؤولة عن بيع الوجبات والاحتياجات الأخرى لأفراد القوات المسلحة في المقاصف في القواعد العسكرية أو من المنافذ المتنقلة التي تخدم المجندين الذين يعملون في المزارع العسكرية وغيرها من المواقع، وفي أحيان أقل، عمال المقاولين المدنيين المستخدَمين في مشاريع الأشغال العامة التي تشرف عليها القوات المسلحة. 

ولكن الأبرز في المجال العام يتمثل في إدارة الخدمات الطبية التي تدير حاليًّا مستشفيات عسكرية في 20 محافظة، و10 عيادات للسرطان في أنحاء البلاد، وعيادات متنقلة في المنطقة الحدودية الجنوبية مع السودان. وتدّعي أنها تعالج المواطنين بنصف أسعار المستشفيات الخاصة. وفي عام 2014-2015، تفاخرت بأنها قدمت الرعاية الطبية برسوم مخفضة إلى 400 ألف شخص، وإلى 40 ألف من سكان سيناء مجانًا.  وبالنظر إلى أن السياحة الطبية إلى مصر لم يتم الترويج لها بفعالية، فقد يكون الغرض الرئيس هو الحفاظ على تأييد المجتمع وتغطية تكاليف دائرة الخدمات الطبية أكثر منه توليد عوائد مالية كبيرة. 

كذلك، تعاظم دور قطاع التعدين التابع لوزارة الدفاع في السنوات الأخيرة. فكما في هيئة الإمداد والتموين، يتداخل قطاع التعدين بشكل كبير مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذي أنشأ شركة تعدين خاصة به عندما تم تأسيسه في عام 1979. يبدو أن نشاط وزارة الدفاع في هذا القطاع (ومعظمه في الرخام والغرانيت) قد جرى تضمينه في إطار جهاز مشروعات الخدمة الوطنية حتى حزيران/يونيو 2015، حين أُعلن أن إنتاجه بلغ 1,44 مليون طن. إلا أن قانون التعدين والمحاجر المعدل رقم 198 ﻟﻌﺎم 2014 غيّر الأمور. ﻓﺎﻟﻤﺎدة 8 من اللوائح التنفيذية التي جرت اﻟﻤواﻓﻘﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺘﺎﻟﻴﺔ نصّت ﻋﻠﻰ أﻧﻪ ﻻ يمكن إﺻدار تراخيص لاستخراج الثروات المعدنية في أي مكان في مصر، سواء ﻋﻠﻰ أراضٍ ﺧﺎﺻﺔ أو على أراض تملكها الدولة، دون موافقة وزارة الدفاع. إلى ذلك، فالمادة 13 منحت الوزارة الحق الحصري في عائدات استخراج وتجهيز المواد الخام من المناجم والمحاجر الواقعة في الأراضي العسكرية.  ومن المحتمل أن يشمل ذلك أي منطقة تم تعيينها كمنطقة عسكرية، ويفاد أن ذلك يشمل أراضي الدولة التي استرجعتها القوات المسلحة من تعديات المدنيين.  إلى ذلك، ينضم قطاع التعدين في وزارة الدفاع إلى السلطات المدنية المعنية في الفصل في الالتماسات القانونية التي يقدمها السكان المحليون المطالبون بحقوقهم من الأرض والمعادن، ومن أجل حل الشكاوى البيئية.  ومن خلال ربط صلاحية وزارة الدفاع بالنشاط بدلًا من قصرها على مناطق جغرافية مخصصة للاستخدام العسكري أو معتبرة استراتيجية، فإن القانون المعدل يمنحها سلطة على قطاع التعدين في كل أنحاء البلاد.

وفي خطوة ذات صلة، حدّد السيسي قطاعًا في الشلاتين، على الحدود الجنوبية الشرقية مع السودان، كمنطقة عسكرية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014.  وما يتسم بالأهمية هنا أنّ اللّوائح المرفقة بالقرار قيّدت بشدة حق الإقامة المدنية على السكان المحليين، وحظرت أي إسكان مدني جديد في هذه المناطق أو غيرها من محافظات البحر الأحمر وأسوان والوادي الجديد ومرسى مطروح التي يكون فيها مصالح اقتصادية عسكرية.  مع ذلك، طرحت الحكومة 1,5 مليون فدان للبيع للمقاولين والمستثمرين حول العديد من الواحات الجنوبية ومشروعات استصلاح الأراضي في مغارة، والفرافرة، وغرب المنيا، وتوشكى (وآخرها جزء من الأراضي النوبية)، وذلك في تشرين الأول /أكتوبر 2016. 

ومنذ صدور القانون المعدل رقم 198 لسنة 2014، انضمت شركة الوادي الجديد للموارد المعدنية والطفلة الزيتية (واديكو)، التي يُعتقد أن وزارة الدفاع لها حصة فيها، إلى إئتلاف (كونسورتيوم) تجاري يقوم بتصدير المعادن من منطقة الشلاتين في جنوب مصر.  وبالتوازي مع ذلك، فإن نقاط التفتيش التابعة للقوات المسلحة، التي كانت أصلًا تجبي رسوم استخدام يومية ثابتة مباشرةً على المركبات التي تخرج من المحاجر، عمدت إلى اعتماد تعرفة جديدة للرسوم تستند إلى وزن الشاحنات المحملة وعدد الرحلات، ما زاد الرسوم ثلاثة أضعاف، وزاد دخل وزارة الدفاع إلى حد كبير. 

ومن الأمور التي قد تكون حتى أهم من ذلك، الغزوة الجديدة لوزارة الدفاع في التنقيب عن الذهب والذي يمثل حاليًّا 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المصري.  لوزارة الدفاع حصة مباشرة من خلال جهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذي حصل في عام 2016 على 34 في المئة من شركة الشلاتين للثروة المعدنية. كانت الشركة تشرف في ذلك الوقت على ثلاث شركات خاصة في مجال التنقيب عن الذهب، غير 13 شركة أخرى كان من المقرر أن تبدأ عملها في عام 2017، فضلًا عن شراء الذهب من المنقّبين المحليين بنسبة 20 في المئة من سعر السوق.  وكانت لوزارة الدفاع أيضًا حصة غير مباشرة في هذا القطاع، فقد ترأس شركة الشلاتين اللواء المتقاعد محمد جاب الله طلْخان في حين كان محافظ البحر الأحمر، اللواء أحمد عبد الله، ومدير مكتب الاستثمارات في المحافظة اللواء صلاح الجمل، منخرطيْن أيضًا في إطلاق ما وُصف بأنه أول "مدينة مصرية دولية للذهب والتعدين" في مرسى علم في تموز/ يوليو 2016. 

شركات وزارة الدفاع واستثماراتها

يعد جهاز الصناعات والخدمات البحرية أحدث إضافة إلى ملف وزارة الدفاع الاقتصادي، وقد جرى إنشاؤه في عام 2003. ومع أنه هيئة عسكرية، فقد حاز بالإطار القانوني نفسه تقريبًا لشركة قابضة تابعة للقطاع العام في كافة الأمور ما عدا التسمية الرسمية: فجرى تخويله تشكيل مشاريع مشتركة مع الشركات المحلية والأجنبية، والاحتفاظ بنسبة مئوية من أرباح الشركات التابعة له مقابل الإشراف والإدارة، والحصول على قروض مقابل هذه الأصول أو حصتها في المشاريع المشتركة.  وجرى تأمين رأس ماله الأولي عن طريق تحويل أصول الشركة المصرية لبناء وإصلاح السفن إليه.

يكشف مسار جهاز الصناعات والخدمات البحرية الادعاءات الاقتصادية والافتراضات التجارية المشكوك فيها التي يستند إليها القطاع. ويتّضح هذا الأمر بشكل ظاهر في ترسانة الإسكندرية، وهي شركة مملوكة للدولة جرى نقلها إلى ملكية الجهاز فور إنشائه.  وقد أُعفيت الترسانة من تطبيق تشريعات الصحة والسلامة الصادرة في نفس العام (إلى جانب إعفاء 15 منشأة تابعة لوزارة الإنتاج الحربي).  وكما أشارت شانا مارشال، قدمت الترسانة وسيلة لتأمين نقل التكنولوجيا، وبناء المرافق الجديدة، واستيراد المعدات الأساسية، وتدريب العاملين.  في عام 2011، أعاد سلاح البحرية التفاوض على عقد بقيمة 13 مليون دولار لبناء أربعة زوارق دورية في الترسانة بدلًا من شرائها مباشرة من شركة "سويفت شيبس" الأميركية؛ وقد رفعت المشاركة المصرية في التجميع والإنتاج التكلفة إلى 20 مليون دولار. وبعد ثلاث سنوات، فازت ترسانة الإسكندرية باتفاق إنتاج مشترك مشابه لتجميع ثلاث فرقاطات فرنسية من طراز غوويند. 

ولعلّ توقّع وزارة الدفاع بتحقيق مكاسب تجارية حفزَّها أيضًا على الاستحواذ على الترسانة، التي تكبدت خسائر سنوية تبلغ نحو 50 مليون جنيه مصري (15 مليون دولار) حتى عام 1997، ولكن كان من المتوقع أن تبلغ قيمتها نحو خمسة مليارات جنيه بعد تحديثها من أجل إعدادها للخصخصة. وتأمّل المسؤولون في أن يجعلوا الترسانة وجهة السفن الـستة عشر ألفا التي تمر عبر قناة السويس كل عام والتي تحتاج إلى تصليح أو صيانة.  وبعد عقد من الزمن، قدم قائد سلاح البحرية اللواء بحري أسامة الجندي صورة وردية لرؤية وزارة الدفاع من خلال الدعوة إلى توحيد فكر "القطاع العسكري والمدني، بالتعاون مع غرفة الملاحة... وملاك السفن والتوكيلات الملاحية، للارتقاء بهذه الصناعة لما لها من أثر قوي لدعم الاقتصاد المصري لدعم التجارة على مستوى العالم". 

بالطبع، كانت هنالك انتهازية تجارية في دخول وزارة الدفاع إلى القطاع البحري. كما لاحظ عالِما السياسة جوشوا ستاخر وشانا مارشال، فإن إصدار الحكومة المصرية لخطة إجمالية للفترة 2001-2017 لتحرير القطاع اقتصادياً ولّد "تدافعًا استثمارياً" ترك أكبر الشركات البحرية في العالم تمتلك غالبية الأسهم في شركات النقل البحري المصرية، حيث احتفظت وزارة الدفاع بالأقلية.  في غضون ذلك، توسع جهاز الصناعات والخدمات البحرية: استمرت الشركة المصرية لبناء وإصلاح السفن في العمل ككيان مستقل، ولكن جرى إنشاء شركة تريومف للملاحة في عام 2009 ثم جرى الاستحواذ على شركة النيل العامة للنقل النهري من القطاع العام في العام التالي. 

لكن لم يتحقق أي من هذه الطموحات التجارية، على الرغم من التفاخر بأن "الترسانة حققت الربحية للمرة الأولى في تاريخها" عندما ترأسها اللواء بحري حسين أحمد سنارة ما بين عامي 2000 و2007.  ظلت الإنتاجية منخفضة إلى حد بعيد. ووفقًا للخط الزمني على موقعها على الإنترنت، فإن ترسانة الإسكندرية قامت ببناء ما مجموعه 20 سفينة بسعة إجمالية قدرها 188840 طنًّا بين عامي 1972 و2010 (بالإضافة إلى 40 صهريجًا أصغر لنقل النفط والمياه، وقاطرة، وصندل نهري)، مع أنها ادعت أيضًا أنها شيدت أكثر من 35 سفينة تجارية (للبضائع).  وزعمت مصادر أخرى أن الإنتاج قد وصل إلى 300 ألف طن في أواخر عام 2017، ولكن حتى هذه النتائج كادت أن تزيد عن وزن ناقلة نفط عملاقة واحدة في عرض البحار. إلى ذلك، استلزمت ترسانة الإسكندرية، إلى جانب نظيرتها الأصغر في بورسعيد، ما يقارب ضعفين، وخمسة أضعاف، وثمانية أضعاف ونصف، و11 ضعفًا من ساعات العمل لإنتاج كل طن من سفن الشحن مقارنة لنظيراتها في الصين، وكوريا الجنوبية، وإسبانيا، واليابان، على التوالي.  وما يكشف عن شحّ العمل أنَّ الترسانة قامت بتصنيع خزانات الصلب لمصنع معالجة الشمندر السكري المحلي. 

ويبدو أن أداء الترسانة كان ضعيفًا حتى في ما يتعلق بإنتاجها الحربي. وفي عام 2016، وفي مواجهة العقوبات التي تلوح في الأفق لعدم وفائها بجدول تسليمها السفن الحربية من طراز "غوويند"، لجأت وزارة الدفاع إلى طلاب الكليات الثانوية العسكرية عندما أضرب عمال ترسانة الإسكندرية. وبعد ذلك بعامين، دخلت مجموعة نافال الفرنسية (نافال غروب)، التي كانت قد صممت فرقاطة "غوويند"، في محادثات لبناء المزيد من السفن في الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية، ما يشير إلى أن الترسانة لم تكن مدمجة في سلسلة إنتاجها.  وفي كانون الأول/ ديسمبر 2019، افتتحت مجموعة نافال فرعًا لها في مصر، هو الإسكندرية البحرية للصيانة والصناعة، من أجل صيانة سفن غوويند العاملة في خدمة سلاح البحرية المصرية، علمًا أن تلك مهمة كان ينبغي أن تكون ترسانة الإسكندرية قادرة على القيام بها.  وربما دفعت هذه الصعوبات بجهاز الصناعات والخدمات البحرية في وزارة الدفاع إلى تكليف مركز التحديث الصناعي، وهو منظمة شبه حكومية بتمويل مشترك من الحكومة والاتحاد الأوروبي لتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، بتحسين قدرات الترسانة وتحديثها. 

كانت الترسانة بعيدة كل البعد عن كونها "واحدة من أكبر قلاع الصناعات الثقيلة وقائدة صناعة السفن وإصلاحها في مصر والشرق الأوسط"، كما كانت تتباهى.  بالفعل وبالنظر إلى الأداء الضعيف المزمن لهذه الشركات البحرية، فمن الممكن أن تكون وزارة الدفاع حصلت عليها كوسيلة لشطب الخسائر المالية من دفاترها، بقدر ما كان للحفاظ على القدرة الصناعية وقدرة دعم سلاح البحرية. وقد سمح شراء شركات القطاع العام لوزارة الدفاع أن تستحوذ على إيراداتها، مع ترحيل خسائرها إلى خزينة الدولة، وهي حيلة طورها في الأصل رجل الأعمال من القطاع العام والمحسوب على الرئاسة، عثمان أحمد عثمان، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. 

وزارة الدفاع كمحور لشبكات الضباط

يحجب غموض حسابات وزارة الدفاع المالية أمرين: النطاق الكامل لشبكات الضباط التي تمتد عبر هيئات وزارة الدفاع وغيرها من الهيئات الحكومية والشركات المدنية (لاسيما العامة منها، ولكن الخاصة أيضًا)، وحجم الدخل غير المشروع الذي تستمده تلك الشبكات بفضل موقعها البيروقراطي ونفوذها المتميز. يتجلى ذلك بشكل أوضح في ما يتعلق بترخيص استخدام أو إعادة تصنيف أراضي الدولة، فالمعروف أن الضباط الفاسدين يطلبون رشاوى كبيرة من شركات القطاع العام والوزارات الحكومية (مثل الإسكان)، كما من الشركات الخاصة، مقابل إصدار الموافقة. إنَّ المبلغ الذي كسبته وزارة الدفاع من الرسوم الرسمية غير معروف، لكن التقرير المشترك الذي نشرته هيئة الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات في عام 2015 قدّر التكلفة التراكمية لأعمال الفساد والتعدي، وسوء الإدارة أو التقليل من قيمة أراضي الدولة، التي أسهم فيها ضباط القوات المسلحة، بحوالي 440 مليار جنيه مصري. 

المشتريات هي المصدر الرئيس الآخر من الدخل غير المشروع داخل المؤسسة العسكرية، فهي تغطي مجموعة واسعة جدًّا من المجالات والأنشطة. وهي أيضًا ملتقى رئيس يربط بين الهيئات المرتبطة بوزارة الدفاع والموردين وشبكات الضباط. على سبيل المثال، كان الرؤساء المتعاقبون على جهاز الخدمات العامة أعضاء منتدبين في مجلس إدارة شركة النصر للاستيراد والتصدير التي تملكها الدولة. وشركة النصر التي أُنشئت في الأصل من قبل جهاز المخابرات العامة كواجهة لمواجهة نشاط الاستخبارات الإسرائيلية في أفريقيا، أصبحت شركة تجارية رئيسة بحد ذاتها في ستينيات القرن الماضي، ولكنها أغلقت بعد ذلك معظم فروعها الأجنبية في العقود التي تلت معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.  ليس من الواضح متى عاد اهتمام وزارة الدفاع بشركة النصر، لكنها الآن تتاجر بالعديد من السلع التي إما تتطلبها القوات المسلحة أو تنتجها الصناعة الحربية وتباع أيضًا في الأسواق المدنية، المحلية والتصديرية على حد سواء.

تكشف شركة النصر الكثير عن تداخل الكيانات والشبكات المرتبطة بالعسكر. وتعتبر إحدى شركات الوساطة التجارية التابعة لها، وهي شركة الدلتا للسكر، مساهِمة رئيسة في الشركة المتحدة لمواد التعبئة والتغليف التي حصلت عليها وزارة الدفاع في عام 1995، وهي توظف المجندين في قواها العاملة.  علاوة على ذلك، تعد شركة النصر واحدة من 14 شركة فرعية تابعة للشركة القابضة للنقل البحري والبري ضمن القطاع العام، ويرأس هذه الشركات ضباط سابقون في القوات المسلحة. وكذلك يرأس الشركة القابضة نفسها اللواء بحري محمد أحمد إبراهيم يوسف.  وما لا يقل أهمية هو أن ضابطين متقاعدين قد ترأسّا مجلس إدارة شركة النصر في العقد الماضي؛ وذلك بعد أن تولّيا مناصب رفيعة أيضًا في السابق في هيئة الرقابة الإدارية، وهي أقوى هيئة تدقيق في مصر. 

إن إعادة تدوير ضباط القوات المسلحة (المتقاعدين بشكل خاص، ولكن ليس حصرًا) عبر العديد من المواقع المدنية أمر شائع (وستتم مناقشة ذلك في الفصل 4). كان اللواء أيمن سالم من أعضاء مجلس إدارة شركة النصر في عام 2016، وهو كان قضى السنوات الخمس عشرة السابقة رئيسًا للشركة المصرية لتجارة التجزئة، التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، وقد فشلت في تحقيق أرباح حتى سنة 2014-2015.  وقد جرى استبدال سالم في شباط/فبراير 2016، جنبًا إلى جنب مع رؤساء 27 شركة فرعية أخرى تابعة للشركة القابضة، وذلك "لفشلهم في الحد من الخسائر"، ولكن سالم أصبح على الفور رئيس شركة "عمر أفندي" الشهيرة العاملة بمبيعات التجزئة، فضلًا عن الانضمام إلى شركة النصر.  وعندما شكّل وزيرُ التجارة والصناعة المجلسَ الأعلى للوجستيات والشحن لتسهيل التجارة من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص في كانون الأول/ديسمبر 2017، فقد عيّن خمسة ضباط سابقين من القوات المسلحة، بمن في ذلك رئيس شركة النصر الجديد اللواء فتحي جبريل. 

إحدى تبعات لعبة "الكراسي الموسيقية" الفعلية لمتقاعدي القوات المسلحة هي التغطية على الأداء السيئ المتواصل. وقد افتخر تقريرٌ مشرقٌ عن أداء شركة النصر للتصدير والاستيراد في آذار/مارس 2015 أنها حققت "طفرة هائلة في حجم الأعمال تتجاوز مليار جنيه مصري"، لكن جبريل الذي تولى رئاسة الشركة في كانون الأول/ديسمبر 2016، اعترف بصراحة أن الشركة "ليست في أفضل حالاتها الآن".  وأضاف أن الشركة كانت قد حققت أداء جيدًا في السابق عندما فازت بعقود القطاع العام "بموجب الأمر المباشر"، لكن "الآن المناقصات لنا وللقطاع الخاص على السواء وللأسف لا نملك المرونة التي يمتلكها القطاع الخاص في التصرف والتسعير، ولهذا فإن المنافسة غير عادلة". 

إحدى تبعات لعبة "الكراسي الموسیقیة" الفعلیة لمتقاعدي القوات المسلحة ھي التغطیة على الأداء السیئ المتواصل.

كأنها لم تأبه، أعلنت الشركة القابضة للنقل البحري والبري أن شركة النصر حققت نموًّا بنسبة 60 في المئة في السنة المالية 2016-2017 و68 في المئة في سنة 2017-2018، لكن هذه النتائج كانت صحيحة فقط عند قياسها بالجنيه المصري. إلا أن أيّ شركة تتعامل بالتجارة الخارجية تكون شديدة التعرض لأسعار صرف العملات، ما يعني أن صافي قيمة شركة النصر ظلّ ثابتًا في أحسن أحواله أو تراجع بعد خسارة الجنيه حوالي 50 في المئة من قيمته. وفي تأكيد ضمني لذلك، اعترف اللواء بحري يوسف في أيلول/سبتمبر 2017 أن شركة النصر سوف يعاد هيكلتها.  بعد ذلك بسنتين، كان من المقرر أن تقوم شركة النصر، إلى جانب شركة مصر للاستيراد والتصدير التي يديرها أيضًا متقاعدو القوات المسلحة، بالاضطلاع بدور في خط شحن مخطط له يربط العين السخنة بميناء مومباسا في كينيا.  لم تتم إعادة الهيكلة الموعودة لشركة النصر حتى الآن، لكن مشاركتها المزعومة أعادت تأكيد الترابط الوثيق بين المصالح العسكرية في مشاريع البنية التحتية، والتجارة الخارجية، والشركات المدنية والهيئات الحكومية التي يرأسها الضباط.

ما كشفته حالة شركة النصر أيضًا هو أن الشركات التابعة لوزارة الدفاع يمكنها أن تتطلع إلى الحصول على دخل من نشاط الشركات الأخرى في حين تنقل التكاليف والخسائر الخاصة بها أو تلك الخاصة بشركاتها الفرعية، التي تظل اسمياً مؤسسات مدنية مملوكة للدولة إلى ميزانية الدولة. ومن الأمثلة على ذلك الشركة المصرية للملاحة التي وصلت إلى الانهيار المالي في عام 2015 وتعين إنقاذها من قبل الشركة القابضة للنقل البحري والبري. 

لكن ممارسات الشراء الفاسدة تحدث أيضًا على نطاق واسع في أماكن أقرب بكثير. فليس من المستغرب أن تكون شبكات الضباط ناشطة بشكل خاص في شراء السلاح، ويُذكر أنّها تتمحور حول أفراد أساسيين مثل وزير الدفاع السابق طنطاوي، أو وزير الإنتاج الحربي العصّار، أو الشلل مثل خريجي الكلية الفنية العسكرية (وهم منتشرون في وزارة الإنتاج الحربي وهيئة التسليح في القوات المسلحة)، فضلًا عن كيانات مثل دائرة المخابرات والاستطلاع العسكرية، ومكتب المشتريات العسكرية في السفارة المصرية في العاصمة الأميركية واشنطن. قد تتداخل الشبكات، لكنها تتنافس أيضًا. وتاريخيًّا، تتمتع الشبكات الأقرب إلى رئاسة الجمهورية بأفضلية واضحة، ولهذا يُعتقد أن قادة عديدين سابقين للحرس الجمهوري كانوا من تجار الأسلحة ذوي النفوذ. لكن صعود السيسي شجع الضباط في المخابرات الحربية التي ترأسها حتى عام 2012، ويُعتقد أن هؤلاء الضباط يتعدون على منافسيهم. إلى ذلك، برز جيل جديد من ضباط المشتريات في وزارة الدفاع منذ انقلاب عام 2013، ويقال إنهم "أكثر جشعًا" في الرشاوى التي يطلبونها من الوكلاء التجاريين الذين غالبًا ما يكونون هم أيضًا متقاعدين من القوات المسلحة، مقابل منح العقود. 

تنطبق الأنماط نفسها على جميع الجوانب الأخرى للمشتريات، مثل تلك المتعلقة بالأغذية والتي يقوم بها كل من جهاز الخدمات العامة وهيئة الإمداد والتموين. لكنها تمتد أيضًا إلى ضمان أنّ الشركات التي تتعامل مع الهيئات العسكرية تستخدم نفس الوكلاء ومكلفي الجمارك المفضلين الذين تستخدمهم وزارة الدفاع، إن لم تستخدم وزارة الدفاع نفسها نظرًا إلى إعفائها من التفتيش في موانئ الدخول؛ وتدفع إلى قسم النقل في هيئة الإمداد والتموين لنقل الآلات الثقيلة؛ وتوظف العمالة عبر وساطة هيئات الدولة التي لها علاقات عسكرية وثيقة، مثل شركة بتروجيت في حالة قطاع النفط والغاز. 

يؤدي إتساع هذه الممارسات حتمًا إلى استنتاج أنها تتم بالتواطؤ مع الإدارة المالية في وزارة الدفاع، وبالتالي بمعرفة كبار القادة والمسؤولين. في حالة تقدم نموذجًا اعتيادياً، يُطلب من مسؤولي المالية تجهيز فواتير الشحن والعمالة وتكاليف المواد لمعدات القوات المسلحة التي يُزعم أنها ستُرسل إلى الخارج للصيانة، لكنها لا تغادر البلد مطلقًا وتجري صيانتها من قبل مقاولين محليين أو لا تجري صيانتها على الإطلاق.  قد يُلقي هذا مزيدًا من الضوء على سبب قيام وزارة الدفاع بتملك شركات أو شراء أسهم في شركات أخرى، لاسيما الأجنبية منها. ومن الأمثلة المبكرة على ذلك إقدام الهيئة الاقتصادية العامة، والتابعة لوزارة الدفاع التي لم تدم طويلاً، على الاستثمار في عام 1980 في الشركة الوطنية للأمن الغذائي، وهي واحدة من الشركات الكبرى التي تأسست بموجب القانون 43 لعام 1974 في شراكة مع القطاع الخاص المنبعث آنذاك.  بحلول عام 2011، كانت لدى وزارة الدفاع "مجموعة استثنائية من الاستثمارات في شركات محلية وشراكات الأجنبية على نطاق واسع"، وفقًا للعالِمة السياسية شانا مارشال. 

أما كيفية ممارسة وزارة الدفاع ملكيتها بالضبط، فهو أمر غير واضح. وعلى عكس أسهم وزارة الإنتاج الحربي في شركة ثروة البترولية المسجلة بإسم الهيئة القومية للإنتاج الحربي، مثلًا، فإن هيئة الشؤون المالية في وزارة الدفاع لا تملك مباشرة أسهمًا في شركات الوزارة.  والأهم من ذلك أن غرض الحصول على أسهم في كل من الشركات المدنية المحلية والأجنبية غير واضح أيضًا. وكما هو مذكور في الفصل 2، تقول شانا مارشال إن الغرض هو تأمين نقل التكنولوجيا، لكن الممارسة السابقة في شركات القطاع العام توحي بأغراض أخرى محتملة. فالاستثمار في الأسهم يمتص فوائض الميزانية التي يمكن إظهارها كنفقات في الحسابات السنوية ثم يجري شطبها كخسائر صافية تتحملها خزانة الدولة. كما أن إيداع الأموال في الخارج يبعد الرقابة المحتملة عنها من جهة، ومن جهة أخرى فإن إنشاء المشاريع المشتركة يتيح للهيئات العسكرية والشركات التابعة لها أن تستورد المعدات المستعملة بأسعار مضخمة، وثم الادعاء في حساباتها بأنها جديدة بدليل شهادات مزورة مقدمة من موظفي الجمارك الفاسدين. 

المساعدة الأميركية العسكرية: فرصة تجارية

من العناصر الحاسمة في اقتصاديات الدفاع في مصر حزمة التمويل العسكري الخارجي الأميركي السنوية التي تتلقاها مصر منذ عام 1978. ويقدر أن هذه المساهمة تغطي حوالي 80  في المئة من احتياجات القوات المسلحة للأنظمة القتالية الرئيسة، ما يمكّن وزارة الدفاع من إنفاق أموالها القابلة للتصرف على أولويات أخرى مثل الحصول على أسهم في شركات مدنية وتأمين تدخلات عسكرية في قطاعي الإسمنت والصلب أو غيرهما من الأسواق. لولا التمويل العسكري الخارجي الأميركي، فإن وزارة الدفاع كانت ستواجه صعوبات جمّة لتوفير الاحتياجات الدفاعية الحقيقية للقوات المسلحة. أما في الواقع، فقد تمكنت وزارة الدفاع من الحصول على دخل إضافي من تلك العلاقة، سواء من خلال الاستغلال التجاري لمعدات القوات المسلحة ومرافق وزارة الدفاع الممولة في إطار برنامج التمويل الأميركي، لأغراض مدنية بدلًا من أغراضها العسكرية الأصلية، أو من خلال مجالات أخرى للتعاون العسكري مع القوات الأميركية في المنطقة أو لخدمتها .

التمویل العسكري الخارجي الأمیركي یغطي حوالي 80 في المئة من احتیاجات القوات المسلحة ا للأنظمة القتالیة الرئیسة، ما یمكّن وزارة الدفاع من إنفاق أموالھا على أولویات أخرى مثل الحصول على أسھم في شركات مدنیة.

بالأهمية نفسها، توفر حزمة التمويل الخارجي العسكري الأميركي أيضًا فرصًا تجارية مواتية بشكل خاص لضباط القوات المسلحة، أكانوا في الخدمة أم المتقاعدين، بفضل نفوذهم المتميز، وغالبًا الحصري للوصول إلى المعلومات والعقود المتعلقة بالدفاع. هذه الفرص مستمدة من عقود الشراء (للأسلحة وغيرها من المعدات أو العتاد)، وعقود الدعم والخدمات المرتبطة بتسليم التمويل الخارجي العسكري الأميركي، وغيرها من الخدمات والأنشطة لصالح القوات الأميركية أو بالشراكة معها. تعد مشاركة الضباط السابقين في العقود الدفاعية التجارية أمرًا شائعًا في جميع أنحاء العالم، إلا أن الأمر في حالة مصر يتخذ شكلًا أكثر وضوحًا في المتاجرة الداخلية والتربّح من المساعدات العسكرية الأميركية والروابط الدفاعية والتي هي في الواقع سوق أسير.

بقي برنامج المساعدات العسكرية ساري المفعول بمعدل 1,3 مليار دولار منذ العام 1987. علاوة على ذلك، أقر الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر في العام 1979 "آلية التدفق النقدي" لمصر، ما سمح لها بدفع ثمن المشتريات من المعدات العسكرية الأميركية بالتقسيط بدلًا من دفعة واحدة، وهي ميزة استمرت حتى عام 2018.  وهذا مكّن مصر من تقديم طلبات بقيمة 3,5 مليارات دولار بدلًا من 1,3 مليار دولار في العام 1982، على سبيل المثال.  كما قضى إجراء خاص منذ العام 2000 بصرف المنحة المالية دفعة واحدة، ما أتاح لمصر مراكمة المساعدات التي لم تُنفق والحصول على فوائد منها، يمكن بعدها صرفها على مشتريات إضافية.  وهكذا تلقت مصر كمّا متراكمًا من التمويل العسكري الأميركي قدره 48 مليار دولار حتى العام 2017، هذا إلى جانب استلامها ما تصفه الولايات المتحدة بمسمى "المواد الدفاعية الفائضة"، أي التي لا تحتاجها القوات المسلحة الأميركية، وقيمتها مئات ملايين الدولارات سنويًّا.  إلى ذلك، يسمح برنامج المساعدات العسكرية لمصر بتوفير مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية، ما شكّل نحو8,5 في المئة من عائداتها في الفترة 1984-2000. 

وبالمقابل فإن ثبات مبلغ المساعدة العسكرية الأميركية السنوية أدّى مع مرور الزمن إلى خفض قيمتها الشرائية، ما يحد من فرص الانتفاع التي تولّدها. إنّ الأرقام الدقيقة ليست متوافرة: أشار تقرير لمكتب المحاسبة التابع للحكومة الأميركية عام 2006 الى أن حتى البنتاغون (وزارة الدفاع) لم يستطع أن يتتبع التزامات المعونة مقابل الإنفاق الفعلي المصري قبيل عام 1998. بيد أن الوكالات الأميركية قدّرت أن نحو ثلث المساعدات العسكرية لمصر مرصودة لشراء أسلحة ومعدات جديدة، والثلث الثاني للتحديث، والثلث المتبقي لمختلف عقود الدعم.  يفسح الثلثان الأوّلان مجالًا للضباط كي يتلقوا العمولات، فيما يقدّم الثلث الأخير فرصًا تجارية إضافية. وبناء على القيمة المتراكمة من المعونة العسكرية على مر السنين، نرى أن المداخيل المحتملة المستقاة منها كبيرة بالفعل. 

تتم المقتنيات بموجب مذكرة التفاهم المتبادل حول المشتريات الدفاعية بين الولايات المتحدة ومصر. وهذه المذكّرة تعلّق القانون المصري الرقم 89 للعام 1998 حول العطاءات والعروض الذي سمح للهيئات العامة بتفضيل المتعاقدين المحليين على الأجانب.

غير أن مذكرة التفاهم تسمح للشركات الأميركية بتقديم العطاءات على قدم المساواة مع منافسيها المصريين بما يخص العقود الدفاعية.  لكن، بما أن المشتريات في قطاع الدفاع مغلقة فهي تستوجب أن يكون هناك ممثّل مصري لمقدمي العروض الأميركيين (وغير الأميركيين).  وكما في العديد من البلدان، يلعب الضباط السابقون هذا الدور، مع أنّه يبقى عليهم رشوة ضباط المشتريات في وزارة الدفاع كي تكون لهم الأفضلية. 

ومن بين الشركات الناجحة التي تزوّد القوات المسلحة بمعدات دفاعية أجنبية وتدريب وخدمات أخرى "مجموعة تراينجل" (المثلث) التي أسسها في عام 1990 اللواء عبد المنعم الطويل، وهو ضابط سابق في سلاح الجو تولّى أمر مشتريات القوات المسلحة من الولايات المتحدة في الفترة بين 1985 إلى حين تقاعده وتأسيس شركته. كما أنه أصبح عضوًا بارزًا في غرفة التجارة الأميركية المصرية.  وتمثّل شركة "تراينجل للفضاء الجوي" شركات دفاعية غربية مثل لوكهيد مارتن، ورايْثيون، ونورْثروب غرومان، وراينْمِيتال ديفنس، وغيرها، وتفاخر بوجود "فريق مستشارين مُنتقين، كلهم من كبار الضباط المتقاعدين الذين خدموا في مختلف وحدات وزارة الدفاع" في الشركة، إضافة إلى "مهنيين شباب متخصصين من ذوي الكفاءة العالية". 

لا تتمتع كافة الشركات الوسيطة والمُزّودة بخلفية عسكرية. على سبيل المثال، إن "مجموعة أرتوك"، وهي أيضًا واحدة من أهم الشركات الممثلة للعديد من الشركات العالمية في مصر وتزوّد القوات المسلحة بمعدات غير قتالية (من أجهزة قذف مقاعد الطائرات إلى آلات اللياقة البدنية)، تعمل في العديد من الحقول التي تنشط فيها أيضًا القوات المسلحة أو ضباط متقاعدون، مثل الهياكل الفولاذية، والنفط، والعقارات، وتشييد المطارات، والخدمات، والشحن، وصناعة السيارات.  مثلٌ آخر هو شركة "بيرافِيجين للتجارة والاستشارات"، وهي شركة مصرية متعددة الجنسيات تتعهد نقل التكنولوجيا إلى الصناعة الحربية المصرية، وكذلك دعم عدد كبير من القطاعات المدنية بما في ذلك الصناعة الثقيلة، والإسمنت والبتروكيماويات، وبناء السفن، والطيران وخدمات الطيران، والسيارات وقطع الغيار، والنفط والغاز، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والبيئة، والصناعات الغذائية. 

تكمن وراء الجانب القانوني من النشاطات الاقتصادية العسكرية في مصر تعاملات تراوح بين ما تسميه شانا مارشال "الرشى المشرعنة" إلى تلك غير القانونية صراحة، كما الحال في معظم قطاعات الاقتصاد العسكري.  فمصر، مثلها مثل بعض الدول العربية الأخرى، تتطلب من جميع عقود المشتريات أنْ تنص على أنّ الأتعاب التجارية التي تدفع إلى الوكلاء لضمان مبيعات المعدات أو الخدمات، لا تقع على كاهل الحكومة، ولكن غالبًا ما يجري تجاهل هذا البند الرسمي.  وكما أسرّ وزيرٌ في عهد مبارك بعد إقالة الرئيس في ما يتعلق بمسألة التربح غير القانوني في القوات المسلحة، "ثمة قضية كبرى خفية هي مشتريات الأسلحة من الولايات المتحدة. والحقيقة أن أي شيء سرّي ويتضمن احتكارًا يوفّر فرصًا ضخمة (للانتفاع)، هذا في حين أنه في قطاع كالإسمنت قد تصبح المسألة معروفة فورًا وتُحرج الجيش". 

تمحور معظم عمليات تقاضي العمولات حول مبارك حتى العام 2011،  "ظلّ الرجل يستأثر لنفسه بتفويض اتفاقيات شراء الأسلحة... وليس سرًّا أن مثل هذا التفويض فتح أبوابًا هبّت منها رياح فساد عاتية"، بحسب السياسي المعارض والمرشح السابق للرئاسة أيمن نور.  وسواء انخرط كبار ضباط القوات المسلحة ومسؤولي قطاع الدفاع في الفساد أم لا، إلا أنهم شكّلوا جزءًا من النخبة اللاهثة وراء الريع، وقد توفّرت لهم بالتأكيد، ولا تزال، أفضل الفرص المدرّة للأرباح الوفيرة".  ضباط الخدمة الفعلية العاملين برئاسة مكتب مشتريات وزارة الدفاع المصرية في واشنطن، فضلًا عن الملحقين العسكريين والضباط الذين يشاركون في الآليات الثنائية التي تمر عبرها مفاوضات المعونة العسكرية الأميركية، هم في أحسن وضع للانتفاع من هذه الفرص. وتشمل الآليات الثنائية مذكرة اتفاق التشغيل المشترك للاتصالات والأمن، ولجنة التعاون العسكري، ومؤتمرات توفير الموارد الدفاعية. هذه المواقع يشغلها عادة رؤساء هيئة التسليح في وزارة الدفاع، أو كبار القادة في القوات المسلحة، وتعمل أيضًا كمنصات انطلاق نحو تسلّم مواقع رئيسة في إدارات الحكومة أو شركات القطاع العام عند التقاعد.

ثمة مصدر آخر للدخل لا يقل أهمية، وهو الحصة الكبيرة من المعونة العسكرية المخصصة لعقود الدعم والإسناد، لاسيما عقود نقل إمدادات الأسلحة والمعدات الأميركية عند وقت البيع ولاحقًا لشحن أنظمة معيّنة للصيانة والتحديث في الولايات المتحدة وثم إعادتها. وهناك بند خاص في برنامج المعونة العسكرية يسمح بأن تكون السفن المستخدمة في نقل المعدات ملكية مصرية خاصة حتى نسبة 50 في المئة، فقد سارع رجال الأعمال المتنفذين لتأسيس شركات مسجّلة في الولايات المتحدة لحصد هذه العقود.  ووفقًا لعالِم السياسة روبرْت سبرينغبورغ، شكّل عصمت السادات، شقيق الرئيس أنور السادات، والعديد من الجنرالات شركة لشحن معدات عسكرية من الولايات المتحدة بقيمة 300 مليون دولار، ويقال إنهم تقاضوا 56 مليون دولار مقابل هذه الشحنة، على الرغم من أن البنتاغون قدّر الكلفة المطلوبة بنحو 11 مليون دولار.  كما ظهرت قضية مماثلة عندما طالب النائب عن حزب الوفد، علوي حافظ، بفتح نقاش رسمي حول الفساد في العقود العسكرية بعد صدور تقارير صحفية تفيد بأن رجل الأعمال المحسوب على مبارك، حسين سالم، وغيره من المسؤولين الحكوميين حققوا مكاسب غير مشروعة تقدر بمبلغ 73 مليون دولار من عقود المساعدات العسكرية الأميركية الخارجية.  

ومع أنّ حالات استغلال أقل كُشِفت علنًا على هذا النحو منذ ذلك الحين، إلا أن النظام نفسه لم يتغيّر. في الواقع، قال مصدر معارض للحكومة إن عضوًاا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان مسؤولًا عن متابعة المساعدة العسكرية الأميركية في 2011 ضغط على الولايات المتحدة لزيادة نسبة المعونة المخصصة لعقود الدعم، الأمر الذي كان من شأنه لو تم أنّ يوسّع الفرص التجارية أمام ضباط القوات المسلحة لكسب أرباح مجزية عبر شركات الواجهة. 

في المقابل، ما هو مؤكّد هو أن مصر فشلت في الاستفادة من الحصة المُخصصة للصيانة والحاجات اللوجستية والبالغة نسبة 15 في المئة من إجمالي المعونة للقوات المسلحة بغرض جلب الأعمال فضلًا عن التكنولوجيا والدراية الفنية إلى الصناعة الحربية المصرية. وكان هذا دومًا هدفًا معلنًا، وبالتالي كان السلوك المصري متناقضًا. ففي ذروة التعاون العسكري في أواخر الستينيات في القرن الماضي، رفض الاتحاد السوفييتي الترخيص لمصر بإنتاج التكنولوجيا أو نقلها إليها، إذْ كان يتعيّن إعادة المعدات القتالية الرئيسة إلى الاتحاد السوفييتي لإجراء الصيانة والتصليحات عليها، ما أعاق نمو المعرفة والمنشآت المصرية، وأثار الامتعاض.  ومع ذلك، فقد أخفقت الصناعة الحربية المصرية بشكل استنثنائي في الاستفادة من التسهيلات الأميركية الأكثر كَرَمًا، والتي يعتبرها المسؤولون الأميركيون وسيلة لمساعدة مصر على تطوير قدرات محلية مُستدامة.  مثال عن التبعات هو أنه عندما تم تعليق المساعدة العسكرية الأميركية في الفترة 2013-2015، تراجعت جاهزية مروحيات أباتشي الأميركية الصنع الموضوعة في خدمة القوات المسلحة لأن المقاولين المصريين كانوا يفتقرون إلى الكفاءة التقنية ليحلوا محل المقاولين الأميركيين. 

وبالفعل، بحلول عام 2014، كانت وزارة الدفاع المصرية تنفق عمليًّا ما يقارب نصف حزمة المساعدات الأميركية السنوية على صيانة ودعم أنظمتها الحالية.  وحتى قياسًا بالمعدّل الأقل وهو 15 في المئة، كانت القيمة التراكمية لهذا البند ستكون 7,2 مليارات دولار منذ بدء تطبيق برنامج الأميركي للتمويل العسكري الخارجي. ويظهر حجم القيمة الكامنة للعقود الثانوية التي لم تتلقفها الصناعة الحربية المصرية من خلال حالة نموذجية هي عقد أميركي للخدمات الفنية بلغت قيمته 210 ملايين دولار لتقديم معدات وقطع غيار وتدريب ودعم لوجستي لِست فرقاطات بحرية مصرية، ومعه صفقة منفصلة قيمتها نحو 750 مليون دولار لتحديث 156 محرك طائرات في الفترة 2009-2010.  هذا الفشل يتناقض بشكل حاد مع التأكيدات المغالية عن قدرات الصناعة الحربية التي أطلقها العديد من مسؤولي وزارة الدفاع، ولاسيما منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي، ومع مزاعمهم بأن الجهود لزيادة كلٍّ من نقل التكنولوجيا والمكونات المحلية قد تضاعفت.

لكن، فعلى الرغم من كل التباهي بالاكتفاء الذاتي، إلا إن القوات المسلحة والصناعة الحربية المصرية إما أنها تفتقد إلى الخبرة الفنية والتكنولوجيا للقيام بالصيانة (التي يتركونها للمقاولين الأميركيين) أو أنها تفضل السماح لكبار الضباط باستخراج الريع السهل من حصة المعونة المخصصة لعقود الدعم. وهذا قد يفسّر أيضًا لماذا سعت وزارة الدفاع إلى زيادة حصة عقود الدعم في المعونة (وحصل ذلك)، ولماذا قابلت الاقتراحات الأميركية في العام 2014 لإعادة هيكلة برنامج المعونة العسكرية (التي أُقرّت في خاتمة المطاف في 2015) بامتعاض بائن. في المقابل، فالممارسة المذكورة أعلاه المتمثلة في تقديم فواتير مزورة عن أعمال صيانة وشحن وهمية تشير إلى خطر أن تكون وزارة الدفاع المصرية قد سعت وراء الزيادة بغية توسيع فرص الاقتناص الريعي.

لكن وزارة الدفاع تمارس أيضًا أشكالها الخاصة من السعي لاقتناص الريع من برنامج التمويل العسكري الخارجي الأميركي. وقد أكد دبلوماسي أميركي سابق في القاهرة أن وزارة الدفاع تُصر على استخدام فنادق تمتلكها لعقد المؤتمرات والاجتماعات المشتركة مع الجانب الأميركي، وكذلك مستشفيات عسكرية حين يحتاج عسكريو حفظ السلام الأميركيون العاملون في القوات متعددة الجنسيات والمراقبون في سيناء إلى العلاج الطبي، الذي يتعيّن على الولايات المتحدة دفع أكلافه.  وبالمثل، فإن الجنرال مايْكل كولينْغز الذي ترأس في الفترة 2006-2008 مكتب التعاون العسكري الأميركي في مصر، الذي يدير المعونة، قد اشتكى من الأسعار التي تتلاعب بها الشركات التي تختارها وزارة الدفاع لتوفير المعدات أو الخدمات، من الكراسي والطاولات إلى قوارير الماء للاجتماعات. 

أكد دبلوماسي أميركي سابق في القاهرة أن وزارة الدفاع تُصر على استخدام فنادق تمتلكها لعقد المؤتمرات … وكذلك مستشفيات عسكرية حين يحتاج عسكريو حفظ السلام الأميركيون …إلى العلاج الطبي، الذي يتعيّن على الولايات المتحدة دفع أكلافه.

فضلا عن ذاك، حصدت وزارة الدفاع الملايين جراء تنفيذ المناورات العسكرية المشتركة، مثل مناورات "النجم الساطع" التي كانت تجري كل سنتين مع الولايات المتحدة (والتي عُلّقت في عام 2011 وثم استؤنفت في العام 2017، وإن بحجم أصغر)، أو مناورات "المرجان" مع المملكة العربية السعودية.  لكن الشائن أكثر في نظر بعض المسؤولين الأميركيين هو الاستغلال التجاري الذي تقوم به وزارة الدفاع، مع هيئات عامة حليفة، للمرافق والمعدات التي يوفرها التمويل العسكري الخارجي الأميركي. مثال أساسي هنا هو المركز الطبي الدولي المكوّن من 800 سرير "غير المخصص للربح"، الذي أُعد حصريًّا لاستخدام القوات المسلحة المصرية، لكنه يعلن بفخر عن خدماته للمرضى الخصوصيين الذين يدفعون رسومًا، من المصريين والأجانب على حد سواء. وما "يزيد الطين بلّة" هو أن الموقع الإلكتروني للمركز لا يعترف بالتمويل الأميركي، ويكتفي بمجرد الإشارة لُمامًا إلى أن المركز "شيدته الخبرات المصرية والأميركية والتعاون بينهما".  وبالمثل، يتم تأجير جهاز "سِنْكرولِفْت" باستمرار للاستخدامات التجارية، وهو جهاز وفرته الولايات المتحدة لرفع السفن الكبيرة من المياه لتصليحها، وقد تم تثبيته في قاعدة رأس التين في الإسكندرية لاستخدام سلاح البحرية فقط. ويروي ضابط أمريكي رفيع، كان مسؤولًا عن برنامج التمويل العسكري الخارجي في ذلك الوقت، أنه اعترض مرارًا وتكرارًا عند قائد سلاح البحرية وقتها، الفريق مهاب مميش، الذي أكد أن "هذا لن يتكرر مرة أخرى". لكن في الزيارة التالية، رأى الضابط نفسه سفينة تجارية مرة أخرى تخضع للصيانة في الرافعة "سِنْكرولفت". 

أخيرًا، يستفيد الاقتصاد العسكري بشكل غير مباشر من المساعدات الأميركية وغيرها من المساعدات الدولية لمشروعات التنمية المدنية. وكما لاحظ العالِم السياسي جون واتربري، جرى استثمار مساعدات أميركية كبيرة منذ سبعينيات القرن الماضي في البنية التحتية العامة، مثل محطات توليد الطاقة ومرافق التخزين والإسكان والري والنقل، وهي جميعها مجالات تنخرط فيها الهيئات العسكرية وجمهورية الضباط بشكل كبير.  وما يمكّنها من الانتفاع من المساعدات، التي يفترض نظريًّا أن تكون مناطة حصريًّا بالقطاع الخاص، هو القانون الرقم 43 للعام 1974 الذي يعتبر الشركات المملوكة للدولة على أنها خاصة إذا كان 20 في المئة من رأس مالها معروضًا للبيع إلى المساهمين الخاصين.  وقد استخدمت منظمات دولية، على غرار البنك الدولي، هذه الثغرة أيضًا لتمويل مشاريع كبيرة الحجم تنفذها الهيئات الاقتصادية العسكرية أو تديرها وزارة الدفاع، ولاسيما منذ عام 2013.

خلاصة: رأس المال العقيم، والبقرات الحلوب، وألعاب "الكشتبان"

تقوم وزارة الدفاع والهيئات التابعة لها الآن بحجم هائل ومروحة كبيرة من المشاريع المدنية، لكن القيمة الصافية التي تضيفها إلى الاقتصاد الوطني مشكوك فيها، أو سلبية في كثير من الأحيان. لا يجري قياس ذلك فقط من حيث الأصول المادية التي تنتجها أو الإيرادات التي تولّدها، والتي يمكن أن تكون كبيرة، بل من حيث المدى الذي يمكّنها من تحقيق نمو مستدام، أو إطلاق التنويع الاقتصادي، أو تعزيز قدرة المدنيين في القطاعين الخاص والقطاع العام على ممارسة صنع القرار المستقل القائم على اعتبارات السوق. وحتى في حالة المساهمات المفيدة حقًا، مثل تشييد البنية التحتية العامة والإسكان، فإن الفعالية من حيث التكلفة الفعلية للمشاريع التي تديرها الهيئات العسكرية ليست مُثبتة، حيث يتم نقل الكثير من التكلفة الحقيقية لعوامل الإنتاج الخاصة بها إلى الخزينة العامة ويجري التعتيم عليها أو تبهيت قيمتها.

وفيما تلعب المؤسسة العسكرية الآن دورًا أكبر بكثير في إدارة الأشغال العامة، وقيادة الاستثمار، وتلبية احتياجات العرض في الأسواق المدنية، فقد أصبحت مواقفها ووجهات نظرها أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى على مسار الاقتصاد. و هي تشارك نظراءها المدنيين في الجهاز البيروقراطي للدولة المصرية منظورهم التكنوقراطي والنهج الأبوي الفوقي المتأصل لقادة الدولة المتعاقبين عند تصميم وتنفيذ السياسات في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، سواء عكس ذلك تطبعّها (أي المؤسسة العسكرية) أم بوصفها ركنًا أساسيًّا للنظام. ينتج عن هذا ما يصفه عالِم السياسة جون واترْبري بأنه "الهروب إلى الأمام"، وهو الميل إلى تجنب المشكلات المعقدة، مثل تغيير التوزع المكاني لسكان مصر، من خلال بناء مدن صحراوية أو نقل الشركات الصغيرة قسرًا إلى مواقع نائية. 

وتشكل طريقة توزيع وتدوير المؤسسة طريقة للميزانيات والفوائض والعقود والاستثمارات … لعبة تحايلية "كشتبان" مدروسة تُعقّد المحاسبة الفاعلة والتقييم الهادف للأداء وفعالية التكلفة، إن لم تكن تمنعها.

وفي أحسن الأحوال، فإن اللّلجوء العسكري إلى هندسة الحلول السريعة للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية المستعصية يجسد الاعتقاد بأن الحل يأتي بمجرد تنفيذ المقاولات والإنشاءات والتشييد، وذلك في بلد زاد فيه الفقر المدقع من 26,5  في المئة من السكان إلى 32,5  في المئة، منذ تولت القوات المسلحة السلطة، لو أخذنا مؤشرًا واحدًا بسيطًا.  وفي أسوأ الأحوال، تتمسك المؤسسة العسكرية بالأنشطة التي تضمن له تدفقات دخل ثابتة على الرغم من الأدلة الصارخة على عدم جدوى هذه الأنشطة وعلى فعاليتها المزرية من حيث التكلفة. لا يوجد سبب وجيه لتقوم هي بتغيير ذلك طوعًا: فقد تمكنت المؤسسة العسكرية من الحصول على مستويات متفاوتة من رأس المال والفرص الاقتصادية من المالية العامة والمساعدات الخارجية لما يقارب سبعة عقود، من دون مساءلة عن نسبة التسليم الفعلي. وبالإضافة إلى خزينة الدولة، فإن الاتحاد السوفييتي، والولايات المتحدة الأمريكية، ومستثمرين جدد مثل الشركات الصينية الضالعة في المشاريع العملاقة التي تديرها الهيئات العسكرية، تشكّل "البقرات الحلوب" التي تمتص المؤسسات العسكرية منها المال. وتشكل طريقة توزيع وتدوير المؤسسة العسكرية طريقة للميزانيات والفوائض والعقود والاستثمارات بين مختلف نظرائها في القطاعين العام والخاص، وخزينة الدولة، والشركاء الأجانب، وهيئاتها هي أيضًا لعبة "كشتبان" تحايلية مدروسة تُعقّد المحاسبة الفاعلة والتقييم الهادف للأداء وفعالية التكلفة، إن لم تكن تمنعها تماماً.