المحتويات

ستصبح نسخة الpdf من هذا التقرير، إضافةً إلى الحواشي الكاملة، متوافرة على الموقع الإلكتروني في وقت قريب.

ما هي آثار الاقتصاد العسكري على القطاع الخاص في مصر؟ تم التخوف أحيانًا من نمو في السنوات الأخيرة من حقبة مبارك الرئاسية، ولكن لم تظهر المخاوف الجدية من مزاحمته للقطاع الخاص فعليًا سوى منذ أن انطلق على مساره التوسعي الجديد في أواخر عام 2013. وحتى ذلك الوقت، بقي إجمالي الإنتاج العسكري للبضائع والخدمات المدنية صغيرًا بالمقارنة مع حصة القطاع الخاص، أكان ذلك قياذسًا بالناتج المحلي الإجمالي أم بأي قطاع اقتصادي محدد. غير أن التحوّل الملموس في التوجه الاقتصادي للمؤسسة العسكرية وإقحامها في لعب دور متزايد بالمشتريات الحكومية من قبل إدارة السيسي قد أدّيا إلى مضاعفة حجم التفاعل العسكري مع القطاع الخاص ونطاق المجالات التي يحصل فيها ذلك التفاعل. فكثيرًا ما بالغت المخاوف من النشاط الاقتصادي العسكري من حجمه وأخطأت في تصويره على أنه استثنائي (مقارنة بنظيره المدني)، لكنها لم تعد خالية من الصحة. إذان التوسع الهجومي للنشاط الاقتصادي العسكري صار يهدد الشركات الخاصة ويزعزع استقرار القطاعات التي طالما كانت تهيمن عليها.

الرياديون المدنيون والعسكريون في اقتصاد ريعي

تتسم العلاقة بالتعقيد، إذن. فعلى عكس الافتراض بأن النشاط الاقتصادي العسكري يجلب الضرر على القطاع الخاص بالضرورة، كانت العلاقة مفيدة للجانبين غالبًا، إذ تتوجّه الهيئات العسكرية حجمًا كبيرًا من العقود نحو مقاولي الشركات الخاصة. ولكن العلاقة طفيلية أيضًا في أحيان كثيرة، حيث توفر الهيئات العسكرية الفرص التفضيلية للشركاء المدنيين للحصول على المدخلات ومواد الإنتاج المدعومة وعلى عقود الأشغال العامة، بهدف توليد المداخيل أو انتزاع الحصص في أسهم الشركات المدنية بالمقابل. ومع تسارع الاقتصاد العسكري، فإنه بات يفرض آثارًا جديدة على القطاع الخاص.

على عكس الافتراض بأن النشاط الاقتصادي العسكري یجلب الضرر على القطاع الخاص بالضرورة، كانت العلاقة مفیدة للجانبین غالباً، إذ تتوجّه الھیئات العسكریة حجماً كبیراً من العقود نحو مقاولي الشركات الخاصة. 

يراوح كثيرًا التوازن المحدد بين التعاون والتآزر الحقيقيين في ترتيبات نفعية تزيد الأكلاف المالية وتقلِّل العائدات من الجهة الأخرى، بين قطاع إنتاجي وآخر. ويتوقف الأمر جزئيًا على نوعية النشاط: صناعة تحويلية، أم أشغال عامة، أم تموين وإمداد وتجارة. كما يتوقف أيضًا وبشكل خاص على مستوى رأس المال والمهارات الفنية والمعدات والتكنولوجيا المتقدمة التي تحتاج إليها تلك النشاطات، وعلى قدرة الشركات المقاولة الخاصة (بما فيها الأجنبية) على توفيرها. وعلاوة على ذلك، فإن هذه العوامل تحدد ما إذا كان النظير المدني للجهة العسكرية المعنية سيكون شركة كبيرة، متوسطة، أم صغيرة (ومحلية أم أجنبية)، ويتأثر هذا الاختيار كذلك حسب نظرة تلك الجهة العسكرية إلى كل من هؤلاء كحليف أو منافس اجتماعي واقتصادي وسياسي.

هذا، وتختلف القوة التفاوضية لكل طرف في كل حالة، مثلما تختلف درجة المراقبة من قبل الهيئات الحكومية (أو الدولية). غير أن القدرة على استخدام النفوذ للتأثير هامة في جميع الحالات. فالمؤسسة العسكرية تستخدم سيطرتها على الترخيص باستخدام أراضي الدولة وقدرتها على تسهيل واستعجال (أو تأخير) الأذونات البيروقراطية ومنح (أو حجب) العقود، في الحاضر وفي المستقبل، لإقناع أو إرغام المقاولين المدنيين ليس على القبول بشروطها فحسب، بل وعلى الدخول بعمل مشترك معها أصلًا. إن جدلية القوة هذه تكمن في جوهر التفاعلات المتعددة الأوجه بين المؤسسة العسكرية والقطاع الخاص، فتقدم المنافع ولكنها تشوِّه الحوافز وتقوِّض منطق السوق في الوقت نفسه.

إن التوسع المتعدد الأوجه للدور العسكري في إدارة الاستثمار العام والمشتريات الحكومية للسلع والخدمات منذ عام 2013، زاد من حجم الفرص والشهية العسكرية في آن لإعادة تحديد العلاقات بالقطاع الخاص بشكل جذري أكثر. ثمة تفكير استراتيجي يوجه المقاربة العسكرية، ولكنها تُظهر في الوقت نفسه بلبلة في التفكير الاقتصادي وضعف في فهم واستيعاب ديناميات السوق، وغياب الاتساق والترابط في توحيد الأطر القانونية والتنظيمية والتنموية. فالحصيلة الصافية هي تمديد منطق الحفاظ على النظام الذي حكم الاقتصاد السياسي لمصر منذ عقود، وإعادة إنتاج الأنماط الأساسية لكيفية التعامل الاقتصادي بين القطاعيْن العام والخاص. والفارق الرئيس هو أن فرضيات المؤسسة العسكرية عن ماذا يخدم المصلحة الوطنية ومصلحتها في آن، باتت تشكل بوضوح أكبر الميدان الذي ينشط فيه القطاع الخاص، حتى لو كانت المؤسسة العسكرية ما زالت لا ترسم السياسات الاقتصادية العامة.

جاء الجزء الأكبر من الانخراط العسكري المباشر في القطاع الخاص حتى عام 2013 من خلال الضباط المتقاعدين، الذين تموضعوا كمدبّرين في المفاصل البيروقراطية بين القطاعين العام والخاص، وكوسطاء في قطاعات اقتصادية تتمتع بمستويات عالية من الحماية الجمركية كقطاع السيارات، أم كمؤسسي ومديري الشركات الأمنية الخاصة. وفُرض متقاعدون آخرون فرضًا من قبل الهيئات العسكرية كأعضاء في مجالس إدارة شركات تعمل في قطاعات لا وجود عسكريًّا فيها تقريبًا، وهو نمط أخذ بالنمو منذ عام 2013. وما لا يقلّ أهمية عن ذلك هو التغيير الذي طرأ على نمط التحالفات التجارية للمؤسسة العسكرية منذ عام 2013، وتوسعها في عدة قطاعات كانت الشركات الخاصة تهيمن عليها منذ زمن طويل، وخصوصاَ في مجالات الإعلام والإسمنت والصلب، ما يقوٍّض الشركات الخاصة ويزعزع استقرار الأسواق. ويساعد هذا المناخ على توسيع الفرص أمام الهيئات العسكرية والضباط الأفراد (العاملين في الخدمة أو المتقاعدين) لتأسيس شركات الواجهة لتنتفع من المعلومات الداخلية ولتستولي على العقود العامة.

"المدبّرون" العسكريون

الشركات الخاصة، التي تضطر إلى التعاطي مع التعقيدات البيروقراطية كي تستطيع القيام بأعمالها، توظّف ضباطًا متقاعدين للتعامل مع الإدارات الحكومية، وتقوم مهمة من يسمّون غالبًا مدراء "العلاقات العامة" أو "الشؤون الحكومية" على إزالة العقبات البيروقراطية وزيادة الفرص في حصد العقود. وهؤلاء المدبّرون كثيرًا ما يتعاملون مع زملائهم من العسكريين المتقاعدين المنتشرين في إدارات الدولة التي يتعاملون معها. وقد عبر عن ذلك أحد الخبراء الإقتصاديين المصريين في قوله "الشركات والهيئات توظف الضباط في مواقع نواب رؤساء مجالس الإدارة من أجل توفير ‘خط ساخن‘ إلى الضباط في الهيئات الأخرى أو في القيادة العسكرية، وتسهيل الحصول على التراخيص".

ارتفعت أعداد المدبّرين والوسطاء العسكريين بشكل واضح في حقبة السادات، حين تنامت التفاعلات بين قطاعات الشركات العامة، والخاصة، والأجنبية. فقد لعبوا دورًا هامًّا كلما نشأت الحاجة إلى ترخيص من وزارة الدفاع لاستخدامات الأراضي، حتى للمشروعات الكبيرة المُموّلة من الحكومة. وأثبت الباحث في الشؤون المصرية و.ج. دورمان أنه حين طلبت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة الإذن لإطلاق مشروع مدينة العبور الصحراوية الجديدة في 1983 -1982، اضطرت وكالة التنمية الألمانية جي.ت.ز (GTZ) والهيئة الحكومية المصرية النظيرة إلى توظيف ضابط متقاعد للتفاوض على حل. حتى المنظمات غير الحكومية أو غير الربحية - وكذلك عدد كبير من شركات قطاع الأعمال العام – وظفت ضباطاً متقاعدين كشركاء أو "كي تليّن وتزيّت مروحة من المعاملات الاقتصادية، حيث تحتاج الشركات غالبًا إلى الأذونات أو المصادقات العسكرية". لا تتوفر دراسات إحصائية، إلا أن العديد من المحللين المصريين يؤكدون أن "معظم الشركات الخاصة كانت توظف ضباطًا، وربما كان 10 إلى 15 في المئة من موظفيها من أصحاب خلفيات عسكرية، إما من المتقاعدين أو ’قيد الاستدعاء‘.

بالنسبة إلى العديد من الضباط، فإن هذا النوع من التوظيف يوفّر ببساطة وسيلة لتكملة الرواتب التقاعدية المتواضعة. وفي غالب الأحيان، أصبح توظيف المتقاعدين أو تنصيبهم في مجالس الإدارة أو جعلهم شركاء، وسيلةً تستخدمها الشركات لتأمين العقود - التي قد يتلقى عليها المدبّرون عمولة بنسبة مئوية - أو للوصول إلى حيازة أراضٍ. ولاحظ محلل أعمال مصري أن "المقاولين العقاريين الذين يودّون شراء أرض، غالبًا ما يجدون من الأسهل لهم استئجار شركة إنشاء يملكها ضابط سابق، أو لديه حصة فيها على الأقل، وسيلةً للحصول عليها". بل إن الشركات قد تطلب أحيانًا من وزير الدفاع طنطاوي استعارة ضباط عاملين في الخدمة، سواء للفوز بوضع تنافسي خاص أو كسب علاقات عمل، وهي ممارسة استمرت مذّاك.. وفي حالات أخرى، كما بيّن الباحث أيمن إمام، تقوم الشركات بتوظيف أولاد أو أقارب الضباط المسؤولين عن منح عقود المشتريات (أو بيعهم المنازل في المنتجعات السياحية) بغية تأمين العقود .

إن إتساع المجال لجني الأرباح، يعنى أن هذا النوع من الترتيب ليس طوعياً على الدوام. ففي العقد الأخير من عهد مبارك، بدأت الشركات تتعرّض لضغوط لتعيين ضباط متقاعدين كأعضاء منتدبين في مجالس إداراتها. وفي بعض الحالات، كانت الشركات التي لها ارتباطات عسكرية أو شركات الواجهة التابعة لمديرية المخابرات العامة تفرض مندوبيها على الشركات الخاصة التي نجحت في منافستها في الحصول على عقود كنوع من التعويض، ولربما كان ذلك أيضًا تكيفًا إزاء مرحلة كانت الشركات تسعى فيها للحصول على تفضيلات من مبارك لا من العسكر. وتفيد تقارير أن هذه الممارسة اكتسبت بُعدًا جديدًا بحلول عام 2019 عندما صارت الهيئات العسكرية تجبر الشركات المبتدئة على التخلي لها عن حصة أو تعيين ضباط عسكريين في مجالس إداراتها.

وكثيرًا ما يكون مسؤولو ومدراء المشتريات في الشركات الخاصة هم ضباط متقاعدون يستطيعون توجيه العقود باتجاه الهيئات الاقتصادية العسكرية أو الحصول على العقود من الباطن للشركات التي يعملون فيها لتشارك في المشروعات الكبيرة التي تديرها الهيئات العسكرية. وتتضح حقيقة كون هذه العلاقة طفيلية بالكامل في أحيان كثيرة من مقال رأي كتبه السياسي الليبرالي محمد نصير في نيسان/أبريل 2015، روى فيه أنه التقى مدير أحد المستشفيات الخاصة، وهو لواء عسكري متقاعد كان يحتفظ بسلاحه الفردي على مكتبه ويصدر التوجيهات لرعاية المرضى بالرغم من افتقاره إلى التكوين الطبي.

إن توظيف المتقاعدين العسكريين أمر شائع في جميع البلدان، ولا يؤدي بالضرورة إلى المحسوبية أو الممارسات الفاسدة. والمصريون ليسوا الوحيدين الذين ينظرون إلى البيروقراطية الحكومية كعائق، وبالبحث عن السبل لاختصار أو تجاوزها من أجل تسريع الأعمال. إلا أن لجوء إدارة السيسي إلى المؤسسة العسكرية لإنجاز الأمور قد ترافق مع تفويضها سلطة الالتفاف على متطلبات الإجراءات القانونية والتنظيمية وغض النظر عنها كليًّا، وليس فقط اختصارها، ما زاد من شأن الضباط المتقاعدين أو جعل لا غنى عنهم بالنسبة إلى الشركات المدنية. بل إن هذه الأخيرة قد تضم الضباط إلى مجالس إدارتها، كما فعلت الشركة الدولية للمطارات (المملوكة لمجموعة كاتو للاستثمار، المصرية ومتعددة الجنسيات) حين عيّنت اللواء هاني رشاد عقاب رئيسًا لمجلس إدارتها؛ التحق عقاب لاحقًا بمجلس شركة "إيماك القابضة للاستثمار"، وهي فرع لشركة الخرافي الكويتية، التي حصلت على عقد مدته أربعون سنة لبناء وتشغيل وتسليم مطار مرسى علم الدولي في ساحل البحر الأحمر.

إن توظیف المتقاعدین العسكریین أمر شائع في جمیع البلدان، ولا یؤدي بالضرورة إلى الممارسات الفاسدة. إلا أن لجوء إدارة السیسي إلى المؤسسة العسكریة قد ترافق مع الالتفاف على متطلبات الإجراءات القانونیة والتنظیمیة.

فتح الأبواب

تضمن جمهورية الضباط أنواعًا أخرى من مواطئ القدم في القطاع الخاص. وهذا يتحقّق جزئيًّا عبر عضوية الشركات ذات الارتباطات العسكرية في غرف التجارة المعنية. بيد أن الضباط المتقاعدين يعززون علاقات إضافية ذات منافع متبادلة بين الشركات العسكرية المسجّلة رسميًّا، والشركات المخصخصة أو المملوكة للدولة، والشركات الخاصة.إنَّ وصناعة السيارات خير دليل، نظرًا إلى "التركيز البالغ جدًّا للمحسوبين" الذين احتلوا 95 في المئة القطاعات الفرعية المتصلة (المصنّفة حسب التصنيف الدولي الموحّد لجميع اﻷﻧﺸﻄﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ، اﻟﺘﻨﻘﻴﺢ 4 ISIC4) في عام 2016، حسب تقييم عالميْ الاقتصاد السياسي فرديناند آيبل وعديل مالك. فسياسات الإنتاج والاستيراد والترخيص الرسمية والممارسات غير الرسمية توفّر ركائز لِما هو في الواقع سوق أسير يتميّز بالفرص الريعية لكل المشاركين من كلا القطاعين العام والخاص. وبالتالي، إن المحصلة العامة هي التبادل النفعي بين هؤلاء، بدلًا من التآزر والتضافر الاقتصادي المفيد.

أول إطباق للاقتصاد العسكري على قطاع السيارات كان بزعامة الشركة العربية الأميركية للسيارات، وهي مشروع مشترك للهيئة العربية للتصنيع مع شركة دايملر- كرايسلر الأميركية في عام 1977. إلا أن عملها اقتصر أساسًا على تجميع حزم المكوِّنات من الولايات المتحدة، وعلى سيارات كورية وفرنسية ويابانية، وبأعداد صغيرة. بيد أن وزير الدفاع آنذاك، عبد الحليم أبو غزالة، سعى إلى الحصول على حصة عسكرية أكبر في هذا القطاع في الثمانينيات من القرن الماضي. وكانت النتيجة السماح لمصر ببناء خط إنتاج لتجميع آليات التشييد للبيع في السوق المحلي بعد عام 1992، وذلك في مصنع 200 لتجميع الدبابة القتالية م1 (M1) الذي كان قد أُنشئ مع شركة جنرال دايناميك.

غيّرت الخصخصة هيكلية قطاع صناعة السيارات على نحو عميق بعد عام 2011، لكن توسّع جمهورية الضباط ضَمُن حضورًا عسكريًا دائبًا ومهمًّا. مثلًا، أصبح الرئيس السابق للشركة العربية الأميركية للسيارات، اللواء حسين مصطفى، المدير التنفيذي لرابطة مصنّعي السيارات المصرية، التي تضم شركات خاصة لتجميع أو استيراد العربات، والشركات المغذية، وهو منصب احتفظ به حتى شباط/فبراير 2018. ورأس هذه الرابطة متقاعد آخر من القوات المسلحة هو اللواء حسين سليمان حتى وفاته في تشرين الأول/أكتوبر 2018. وكان سليمان أيضًا عضوًا منذ أمد طويل في مجلس إدارة الاتحاد العام لغرف التجارة ورئيس فرعه الخاص بتجار وموزعي السيارات. كما رأس سليمان شركة الأمل لصناعة وتجميع السيارات التي كانت الموزّع لشركة نصر للسيارات العملاقة المملوكة للدولة في 1970-2001، والتي تدّعي الآن أنها(أي شركة الأمل) أكبر مستورد وتاجر لللسيارات في مصر، ولديها وكالات حصرية للعديد من أصناف السيارات الأجنبية. وذكر هنا أن مصطفى وسليمان كانا كذلك عضوين مؤسسين في المجلس المصري للسيارات الذي تأسس في حزيران/يونيو 2015 كمظلة لجماعة الضغط لصالح صانعي وتجار ومغذّي القطاع وشراكات الخدمات والصيانة.

تبيّن صناعة السيارات وجود ما يشبه حزام ناقل يأخذ الضباط من الهيئات المرتبطة بالقوات المسلحة إلى القطاع التجاري. فيظهر المتقاعدون في مجالس الإدارة أو في مواقع وظيفية مهمة.، وخاصة في شركات قطاع الأعمال العام كالشركة الهندسية لصناعة السيارات، وشركة مصر لتجارة السيارات، وشركة النيل لإنتاج وإصلاح السيارات. وكما تدل هذه النماذج، فإن سوق السيارات ما زال يتأثر بالهيئات الحكومية، رغم مرور قرابة ثلاثة عقود من الزمن منذ بدء عملية الخصخصة. تُعيّن على نحو دائب رؤساء لها من كبار الضباط المتقاعدين، تمامًا كما تفعل الشركة القابضة للنقل البحري والبري. والحال أن قبضة المتقاعدين على شركات قطاع الأعمال العام كبيرة إلى درجة أنه حين توفّي اللواء الذي رأس شركة مصر لتجارة السيارات في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، خلفه فورًا لواء آخر. ولعل هذه المزاوجة النفعية بين إدارة الشركات وجمهورية الضباط توضح أيضًا لماذا تبقى شركتا مصر والنيل للسيارات منفصلتين على رغم قرار صدر في عام 2010 من الشركة القابضة للنقل البحري والبري (التي تملكهما) بدمجهما، ما يشي بأن جماعات مصالح نافذة قد رأت في الدمج تهديدًا لمصدر دخل ميسَّر، فقاومته. والشركة القابضة يرأسها متقاعد من القوات المسلحة في حين ترأس ضباط آخرون فروع السيارات في غرف التجارة المختلفة أو احتلوا مقاعد في مجالس إداراتها، الأمر الذي عزز نفوذهم.

إن حضور الضباط السابقين للقوات المسلحة في كل المواقع، أوجد حلقة نفوذ تستطيع من خلالها الجهات العسكرية ليس فقط الانخراط في صناعة وبيع السيارات، بل وأيضا في التخطيط الاستراتيجي وإقرار السياسات للقطاع. واتضح هذا جليًا حين أعلنت الرابطة المصرية للصناعات المغذية للسيارات في تموز/يوليو 2016 عن مبادرة لرفع الإنتاج الوطني إلى مليون سيارة سنويًّا. بدا هذا طموحًا مجنّحًا ويفوق بكثير الإنتاج الفعلي أو السعة الإنتاجية الراهنة والتي قُدرت عمومًا بما يراوح بين 93 ألف سيارة سنويًّا و325 ألفا، حيث تم في عام 2018 تجميع 24 ألف سيارة فقط. هذا الطموح كان سيتطلّب زيادة الصادرات بين 700 ألف و900 ألف سيارة سنويًّا، لأن الطلب المحلي لم يزد قط عن 300 ألف سيارة في عام 2017، وربما كان 100 ألف فقط. على أي حال، يعكس هذا الطموح ذهنية قادة الصناعة الذين يرغبون في أن يبدوا متجاوبين مع توجيهات الرئيس السيسي، الذي يسعى إلى خفض الطلب على العملات الأجنبية وإلى زيادة موازية في المحتوى المحلي في السلع المصنّعة.

انخرط كبار ضباط القوات المسلحة، أكانوا عاملين في الخدمة أم متقاعدين، بعمق في كلا جانبي الصراعات الناشبة حول التشكيل الاستراتيجي لصناعة السيارات، وحول قضايا شائكة مثل مدى صوابية إحياء شركة النصر للسيارات. وقد نقلت هذه الصراعات إلى العلن التباينات الكامنة حيال الأهداف التجارية والاستراتيجية بين مختلف القطاعات أو جماعات المصالح داخل الاقتصاد العسكري، من جهة، وداخل القطاعيْن العام والخاص المدنيين، من جهة أخرى. وحين شكّل البنك المركزي ووزارة الاستثمار لجنة في كانون الأول/ديسمبر للتوفيق بين هذه الآراء المتباينة حول كيفية تطوير قطاع السيارات، عيّنا لواءً لرئاستها وضمّا لواء آخر لعضويتها.

الأمن الخاص

تقاعد مبكرًا عدد كبير من ضباط القوات المسلحة غداة حرب 1973 ومعاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979، ما ولّد حشدًا كبيرًا من الخبرات للنوع الجديد من شركات الأمن الخاصة، التي توسّعت بفضل التحرير الاقتصادي في السنوات التالية. لكن، في حين أن الشركات الخاصة الحقيقية مثل المجموعة متعددة الجنسيات "جي فور أس" (Group 4 Securicor) حصلت على معظم عقودها من القطاع الخاص المصري، إلا أن الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة أو تلك المدعومة منها (ومن وزارة الداخلية)، تُسيطر على عقود القطاع العام. ثم إن التصوّر بأن هذه الشركات الأخيرة متنفّذة سياسيًّا، يزيد من فرص حصولها على حصة كبيرة من عقود القطاع الخاص.

تقاعد مبكرًا عدد كبیر من ضباط القوات المسلحة مبكراً غداة حرب 1973 ومعاھدة السلام مع إسرائیل في عام 1979 ، ما ولّد حشدًا كبيرًا من الخبرات للنوع الجدید من شركات الأمن الخاصة.

إن استنساخ الأنماط الريعية واضح للعيان في حالة شركة كير سيرفيس (Care Service) التي تأسست عام 1970 لتقديم خدمات تراوح ما بين الأمن، والحماية، ونقل الأموال وتنظيف المكاتب. وهي احتفظت بموقعها المتفوّق منذ ذلك الحين: ففي عام 2014، كانت من بين أعلى ثلاث شركات في السوق بحصة بلغت 30 في المئة، وفاخرت بزبائن لديها مثل مصرف هـ.س.ب.سي. (HSBC)، والخطوط الجوية البريطانية، والخطوط الجوية الملكية الهولندية (KLM)، علاوة على عدد كبير من الهيئات الحكومية. يعمل في الشركة، وفقًا لموقعها الإلكتروني، 35 ألفًا - بمن في ذلك "العديد من اللواءات"، وتمتعت بمدخول سنوي قدره 500 مليون جنيه مصري (84 مليون دولار) في عام 2011. لكن رئيسها، اللواء عادل عمارة، قال بتحفظ أكبر في عام 2015 إن لدى الشركة 25 ألف موظف (منقسمون بالتساوي بين خدمات الأمن وبين التنظيف والخدمات البيئية)، علمًا أن هذا الرقم المخفّض ربما استثنى نشاطات الشركة في الكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وتوقع في الوقت نفسه تحقيق حجمٍ من النشاط قد يصل إلى 350 مليون جنيه (أي 32 - 49 مليون دولار فقط بسبب انخفاض قيمة الجنيه) بحلول نهاية السنة (وذلك رغم مزاعم أن قطاع الأمن الخاص قد نما بنسبة 100 في المئة منذ عام 2011).

يعكس هذا التباين في المداخيل المعلنة وأعداد الموظفين عدم شفافية شركات خاصة مثل كير سيرفيس، التي ليست ملزمة بنشر بياناتها المالية. والواقع أن الصفحة الأولى على موقع هذه الشركة والتي تقدم ناتج الشركة الإجمالي في عام 2011 لم يتم تحديثه منذ ذلك الحين، وهو مؤشر واضح على شركة مرتبطة بهيئات سيادية في مصر مثل وزارتي الدفاع والداخلية. والأهم أن رئيس الشركة اللواء عادل عمارة هو ضابط مخابرات حربية سابق وكان مساعدًا لوزير الدفاع وعضوًا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة في العام 2011. إضافة إلى ذلك، يرأس عمارة فرع شركة الأمن الخاص للغرفة التجارية للقاهرة، وهذا مدخل آخر لضباط القوات المسلحة المتقاعدين إلى القطاع الخاص.

حصلت كير سيرفيس كذلك على عقود بالأمر المباشر، أي من دون مناقصات تنافسية، وهو الأمر المعتاد بالنسبة إلى الهيئات الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية أو بمديرية المخابرات العامة. وشملت هذه العقود، مثلًا، عقدًا في نيسان/أبريل 2013 لخدمة ثلاثة مستشفيات حكومية في سيناء، حيث الاستثمارات الاقتصادية والأعمال تحت الرقابة المشددة وغالبًا ما تديرها القوات المسلحة. وربما لهذا السبب تعرضت منشآت كير سيرفيس إلى هجوم مسلح من قبل متمردين إسلاميين في كانون الثاني/يناير 2016. ثم إن التآزر بين هذين الطرفين كان واضحًا في اهتمام الشركة في تأمين عقود الخدمات للمشاريع العملاقة في مصر التي تديرها وزارة الدفاع. وفي مثل على ذلك، ذكرت الشركة أنها تلقت عقدًا بقيمة 43 مليون جنيه لبناء إسكان لذوي الدخل المحدود تموّله الإمارات العربية المتحدة.

وفي عام 2015، أدلى المدير العام لشركة الأمن التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التي لاتزال تعرف باسمها القديم "كوين سيرفيس" (بدلًا من شركة النصر للخدمات والصيانة) بادعاء مألوف بأن الشركة تقدّم العديد من الخدمات بـ"ثلث أكلاف الشركات المنافسة في القطاع الخاص". ولا ريب أن قدرة الشركة على استخدام عمل مجنّدي القوات المسلحة المجاني قد جعل كلفتها أقل كثيرًا، لكنها على الرغم من ذلك واجهت تنافسًا متناميًا من شركات أمن أصيلة في هذا القطاع. فأشارت التقديرات إلى أن مابين 200 و500 شركة كانت قد انضمت إلى قطاع الأمن الخاص حتى ذلك الحين، على الرغم من أن نحو خمسين منها فقط سُجّلت لدى وزارة الداخلية على نحو صحيح، وقد بلغت القوة العاملة الإجمالية لهذه الشركات ما بين 70 ألفًا و120 ألفًا.

بديهي أن بعض هذه الشركات أسّسها متقاعدون عسكريون، على غرار "فايروول للأمن والحراسة" (Firewall Security Consultants) التي أسسها ضابط سابق في القوات الخاصة في عام 2012. وفي أواسط عام 2015، توقع نائب رئيس فرع الحماية والأمن في وزارة الداخلية أن غالبية شركات الأمن الخاصة المستقلة ستغلِق، فيما تدخل شركات جديدة يديرها ضباط من القوات المسلحة والشرطة إلى السوق. وفي مؤشر على تنامي سطوة هذه الهيئات، حلّت شركات مرتبطة بالقوات المسلحة مكان المقاولين المدنيين في خدمات الصيانة العامة والتنظيف في الجامعة الأميركية في القاهرة في تموز/يوليو 2017.

أما المستفيد الأكبر من توسّع سوق قطاع الأمن الخاص، فهو مجموعة فالكون الدولية (Falcon Group International)، التي تأسست في عام 2006. تزعم مصادر مختلفة أن قوة العمل فيها ازدادت إلى 4 آلاف في عام 2011، وإلى ما بين 6 آلاف و12 ألفًا في 2014. أفادت التقارير حينها أن حجم أعمالها بلغ ملياري جنيه مصري (زهاء 283 مليون دولار، لأن قيمة الجنيه كانت خُفضت آنذاك)، أي ما يمثّل 45 في المئة من السوق؛ لا يمكن تأكيد هذه الأرقام، ولكن ادعت الشركة أنها قد استحوذت على 54 في المئة من سوق الأمن الخاص إبان عام 2015. ما هو مؤكّد أنها حصلت على العديد من العقود الجديدة التي تولدت عن إضفاء الطابع الأمني بكثافة على الفضاءات العامة منذ استيلاء القوات المسلحة على السلطة في تموز/يوليو 2013 وما تلاها من انتخاب السيسي رئيسًا في أيار/مايو 2014. هذا المنحى زاد إلى حدٍ كبيرٍ الطلب على شركات الأمن الخاص، التي تدافعت حينذاك لقطف ثماره. وقد وفّرت مجموعة فالكون الأمن في المقر العام للحملة الانتخابية للسيسي، وحصدت لاحقًا مروحة واسعة من العقود الأمنية في مشروع تفريعة قناة السويس وفي 15 جامعة عامة. وفي تحوّل عكس السياسات النيوليبرالية، تعاقدت الشركة حتى مع وزارتي الداخلية والدفاع لتوفير الأمن خلال المناسبات الرياضية.

كانت "مجموعة فالكون" ثمرة توليفة غير مألوفة بين القطاعين العام والخاص. فقد أسّسها البنك التجاري الدولي، وهو نفسه مشروع مشترك تأسّس عام 1975 بين البنك الأهلي المصري المملوك للدولة وبنك "تشِيس مانهاتان" الأميركي. وقد انضم نجيب ساويرس، أحد كبار رجال الأعمال، إلى مجلس إدارتها في عام 2008. وبالرغم أن مديرها التنفيذي مدني، يُنظر إلى الشركة على أنها واجهة للمخابرات الحربية. وفي خطوة عكست مكانتها المتميّزة، أبرمت المجموعة مشروعًا مشتركًا مع وزارة الطيران المدني وإدارات حكومية أخرى في آب/أغسطس 2016 لاستكمال نطاق الأمن في مطاري القاهرة الدولي وشرم الشيخ، وفي عام 2018 أصبحت الوكيل المحلي المعتمد للشركة الألمانية التي كانت تزوّد المطاريْن بالبوّابات الأمنية الإلكترونية. وأكدت التقارير أن هذه الشركة الجديدة، التي أطلق عليها اسم الشركة "فالكون الوطنية"، تعاقدت مع شركة بريطانية لتدريب 7 آلاف عنصر، ما كان سيزيد عديد القوة العاملة في الشركة الأم إلى 20 ألفًا، كما أنها خططت لبيع خدمات التدريب إلى قطاع الأمن الخاص عمومًا. وكانت شركة فالكون قد حظيت أيضًا بوكالة "مجموعة وستمِنِستير" في عام 2015، وهي شركة عالمية مقرها المملكة المتحدة متخصصة بالأمن والخدمات المتصلة، والتي أعلنت أن فالكون توفر الأمن "لأكثر من 26 بنكًا علاوة على بعثات دبلوماسية عديدة مثل الأمم المتحدة والسفارات العربية... ولديها أكثر من 1250 منشأة". وبعلامة إضافية على نجاحها التجاري وعلى نفوذ شبكاتها من الضباط، فازت فالكون بعقد التفتيش على العدادات الكهربائية في آب/أغسطس 2017 وأزاحت شركة كوين سرفيس التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية من عقد مراقبة الحواجز الإلكترونية في مترو أنفاق القاهرة في كانون الأول/ديسمبر 2018.

في ما يرجح أن يكون استجابةً للضغوط من جانب هيئات أخرى، أصدر السيسي مرسومًا في تموز/يوليو 2015 يسمح بموجبه لوزارتي الدفاع والداخلية بتأسيس شركات أمن خاصة بهما. وأفادت التقارير أن البنك المركزي كان يحاور عددًا من البنوك الكبرى في أواخر عام 2018 لتأسيس شركة لنقل الأموال بالشراكة مع "جهة سيادية"، وهي عبارة تشير إلى وزارة الدفاع أو الداخلية، وقد أسّس بنك القاهرة بالفعل شركة أمن خاصة بالشراكة مع هكذا جهة بعد بضعة شهور. ولعل هذا الانتشار يفسّر منح عقد توفير الحماية لألعاب كأس الأمم الإفريقية إلى الشركة الإفريقية للتأمين والحراسة، المجهولة سابقًا، بدلًا من مجموعة فالكون الدولية التي سبق لها أن قدمت هذه الخدمات لنوادي كرة القدم الرئيسة في البلاد كنادي الزمالك، والأهلي، والاتحاد. كما تناولت "جهة سيادية" مبيعات التذاكر لكأس الأمم الإفريقية، بينما قامت مجموعة إعلام المصريين، وهي واجهة لمديرية المخابرات العامة، بدور جزئي في تنظيم الألعاب نفسها.

بيد أن هذا القطاع لايزال حتى الآن إقطاعية ميسّرة للمخبارات الحربية، كما تؤكد ذلك خلفية الشركات الأخرى. والأهم بينها هو فرع المجموعة متعددة الجنسيات "جي فور أس" التي لديها 6 آلاف عنصر. كان يرأس هذه الشركة الضابط السابق في المخابرات الحربية اللواء سامح سيف اليزل، ما ضمن له عضوية غرفة التجارة الأميركية في مصر. كما ترأس اليزل الكتلة البرلمانية المؤيدة بقوة للسيسي، "في حب مصر"، حتى وفاته في نيسان/أبريل 2016. وقد وسّعت المخابرات الحربية حضورها في أوائل 2018 بتشكيل مجموعة فالكون شركة جديدة تابعة لها هي شركة "تواصل للعلاقات العامة"، التي استحوذت كليًا، على ما تبقى من منافذ الإعلام الخاص (غالباً بالإكراه)، وباتت مستعدة لإعادة تنظيم إدارة الإذاعة والتلفزيون التابعة للدولة.

ولوج القطاع الخاص

كما يدل مثل قطاع الإعلام، فقد أسفر تطور العلاقات بين المؤسسة العسكرية والقطاع الخاص وتنشيط الاقتصاد العسكري عن توسيع متسارع في الفرص المتاحة لضباط القوات المسلحة لإطلاق نشاطاتهم التجارية الخاصة. وفي الكثير من الحالات، كانت هذه شركات شرعية أسسها ضباط متقاعدون مستفيدين من مهاراتهم واتصالاتهم الخاصة، لكن برز أيضًا مجال أكثر رماديةً مؤلف من شركات الواجهة التي يشكّلها ضباطٌ متقاعدون وزملاؤهم قيد الخدمة بهدف اقتناص العقود. ومرة أخرى، ينبثق هذا التطور من نمط تجذّر في حقبة سابقة حين كانت تسجّل شركات خاصة وهمية للحصول على مخصصات السلع أو المستوردات المدعومة، والتي تباع بعدها إلى شركات قانونية، وأيضًا حين سارت الشركات العامة على نفس المنوال من الإغواء عبر شراء السلع والخدمات من الشركات الوهمية بكامل علمها.

تقدم "ماريديف" (Maridive)، وهي شركة عالمية لها أربعة فروع في قطاعي النفط والملاحة أسسها ضابط بحرية سابق، نموذجًا ناجحًا لتمدّد بعض المتقاعدين. غير أنَّ شركة الإسكندرية للشحن والتفريغ تمثّل النوع الأكثر شيوعًا من هذه القصص الناجحة: أسسها ضباط سابقون في القوات المسلحة ومسؤولون في إدارة الموانئ في عام 1984، وقد اتهمتها نقابة عمال تحميل وتفريغ السفن باحتكار المرافق والمستودعات بشكل غير قانوني. ووفقًا لإداري سابق في شركة أجنبية للتنقيب عن النفط والغاز عملت في مصر، كانت شركة الإسكندرية للشحن والتفريغ هي واحدة من هيئات عدة، بما في ذلك هيئة الموانئ وإدارة الجمارك، تعيّن رشوتهما للتخليص الجمركي للآلات والإمدادات المستوردة، حتى بعد استيفاء الرسوم النظامية عليها؛ وكان ضباط القوات المسلحة يقومون بجميع المعاملات، الرسمية منها وغير الرسمية، مقابل رسمٍ إضافي.

يلف الارتباطات العسكرية غموض أكبر في حالات أخرى. فيقول عالم اقتصاد سياسي مصري إن الضباط يستفيدون من "الشركات الخاصة التي لا يملكونها هم. وتقدم خدمات البريد مثلًا على ذلك، حيث إن الربح على الوحدة طفيف، ولكن حجم المعاملات البريدية كبير، لأن كل شخص في المجال العسكري يمكنه استخدام هذه الخدمات: أفراد القوات المسلحة، وأقاربهم، وأصدقاؤهم. كل هذه روابط غير رسمية وليست مؤسسية، لكنها تخلق بالطبع وظائف، وتساعد الناس على توظيف أبنائهم وبناتهم". ولاحظ محلل آخر أنه في مدينة نصر، وهي الحي السكني المملوك أصلًا للقوات المسلحة والذي شُيّد في القاهرة في عام 1958، يتم تخصيص عقود الأعمال الصغيرة مثل السباكة أو الأشغال الكهربائية بالأمر المباشر لمقاولين من الباطن مختارين.

توفّر مديرية المخابرات العامة لمحة إضافية عن كيفية عمل شركات الواجهة، لأنها (أي المديرية) متداخلة على نحو وثيق مع القوات المسلحة التي تزودها بغالبية ضباطها. ويشدّد هنا المحلل عبد الفتاح برايز، على سبيل المثال، على أن "الشركة الحائزة على حوالي 70 في المئة من سعة خدمة الإنترنت في مصر مملوكة بشكل ما [للمخابرات العامة]"، التي هي نافذة أيضًا في الهيئة القومية لتنظيم الاتصالات، وتملك شركة وسيطة لتصدير الغاز. كما يورد شهادة أمام المحكمة لرئيس سابق للهيئة العامة للبترول جاء فيها أن المخابرات العامة تملك شركة الشرق التي تصدّر الغاز إلى الأردن. هذا، ويُعتقد أن بعض شركات القطاع العام هي شركات واجهة، مثل تلك التي تقع تحت علامة "جنوب الوادي" القابضة. علاوة على ذلك، زعم أحمد عزت، الضابط السابق في المخابرات العامة الذي تحوّل إلى كاشف للأسرار غداة إطاحة مبارك، في أيلول/سبتمبر 2011، أن أرباح هذه الشركات تذهب إلى ضباط رفيعي الرتبة لا يزالون في الخدمة.

لكن، الأمر الذي لا يزال غير واضح هو ما إذا كانت الشركات الخاصة التي تفوز بالعقود من الباطن هي مجرد هيئات أسسها ضباط القوات المسلحة بصفتهم الشخصية ولمنفعتهم الفردية، أم انهم يعملون واجهاتٍ لوزارة الدفاع أو الهيئات العسكرية الأخرى، مستخدمين تمويلها ليردوا العائدات إليها، بنفس طريقة تأسيس المخابرات العامة لشركات الواجهة التابعة لها. وعلى العموم، توحي الأدلة المتوفرة إلى أن وزارة الدفاع لا تدير رأس المال الاستثماري بهذا النمط، ربما لأن لديها فرصة ونفوذًا أكبر بكثير لولوج القطاعات والأسواق الاقتصادية الرئيسة، إن بطرق رسمية أم غير رسمية، ما يعفيها من الحاجة إلى خطة استثمارية أكثر نجاعةً. وحين نضع في الاعتبار تعويضات نهاية الخدمة المتواضعة التي يتلقاها حتى كبار الضباط عند التقاعد، فمن غير المحتمل أن يكونوا قادرين على تمويل الشركات كليًّا، حتى ولو التمّوا مع زملائهم المتقاعدين أو مع ضباط لا يزالون في الخدمة.

بالطبع، فإن ضباط القوات المسلحة الذين يعملون كوسطاء أو مخلّصي معاملات لحساب الشركات الخاصة - المصرية والاجنبية - يتلقون أتعابًا لا تقيَّد في الدفاتر حين يتعاطون مع الهيئات العامة أو حين يوفّرون المداخل إليها للشركات الخاصة. غير أنه من الممكن أن يقوم الضباط العاملون في الخدمة كذلك بتأسيس الشركات الصغيرة التي يتم تسجيلها بأسماء أفراد عائلاتهم، ويستخدمون علاقاتهم المباشرة والمعلومات الداخلية للفوز بالعقود (ربما لبيعها لاحقا لمقاولين آخرين من الباطن)، وبالتالي يضمنون دفقًا متواصلًا من الدخل المُجزي. ويلاحظ أن قادة كتائب إنشاء المشروعات المدنية و"الفصائل" التابعة لها، ومهندسي المواقع العاملين في المشاريع الإنشائية التي تديرها وزارة الدفاع يتمتعون بصلاحية منح عقود الأشغال الصغيرة (أو أجزاء من العقود الكبيرة) بالأمر المباشر، فقد يمنحونها على أساس المعرفة الشخصية أو مقابل تلقي الرشاوى إلى شركات صغيرة إلى درجة أن ليس لديها عنوان رسمي أو موظفين دائمين أو المهارات والمعدات المطلوبة (حتى لو كانت مسجَّلة رسميًا)، بنتيجة تضخيم التكاليف المعلنة واستخدام مواد البناء المتدنية.

السباحة مع "حيتان النيل": العلاقات العسكرية مع القطاع الخاص

لقد أشار العديد من الخبراء الاقتصاديين والمؤسسات المالية، كصندوق النقد الدولي، إلى معضلة الوصول إلى أراضي الدولة للاستخدام التجاري، كونها أحد أهم المعوّقات أمام تطور القطاع الخاص في مصر. وبما أن ذلك يقع تحت سيطرة وزارة الدفاع، بطريقة مباشرة من خلال سلطتها منح أو حجب التراخيص لطلبات الاستخدام وبطريقة غير مباشرة من خلال دورها في المركز القومي لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، فهو يشكِّل المثال الأوضح والأهم لآلية النفوذ العسكري على الجهات المدنية (الخاصة والعامة). لقد استفادت المؤسسة العسكرية استفادة كاملة من الأطر القانونية والتنظيمية الاستنسابية والممارسات الفعلية التي توفر لها النفوذ على الجهات الاقتصادية الأخرى، حتى لو لم تكن المؤسسة العسكرية هي التي خلقت تلك الأطر والممارسات. بل وصل الحد بصندوق النقد الدولي إلى التخلّي لوهلة عن تحفظه المعتاد لينذر علنًا في أيلول/سبتمبر 2017 أن "انخراط الهيئات التابعة لوزارة الدفاع [بالنشاط الاقتصادي] قد يعيق تطور القطاع وتوليده للوظائف". لقد ساهمت هذه العوامل، مجتمعة، بالتشويه الشديد للحوافز السوقية وبنية القطاع الخاص.

أما على صعيد الشركات الخاصة الفردية، فقد اتسمت العلاقات بالمؤسسة العسكرية بالمنفعة المتبادلة أكثر بكثير منها بالتنافس أو الخصومة، فولّدت التفضيل والمحسوبية. ويفسّر ذلك إلى حد كبير، استمرار اتكال الشركات الخاصة على عقود المشتريات والأشغال العامة، والتي بلغت حصتها من إجمالي الناتج المحلي 27 في المئة تقريبًا في عام 2003 و31 في المئة في 2006، وعلى أجهزة الدولة لتأمين الموارد المفتاحية كالوصول إلى الأرض وترخيص استيراد البضائع الوسيطة. ويضاف إلى ذلك، حسب ما يؤكد خالد إكرام،

إن تدخلات الحكومة عبر القوانين والنظم بقيت شائعة في العديد من القطاعات إلى درجة أنها حددت تقريبًا مستوى وتركيبة الإنتاج، رغم أن تلك القطاعات ظلّت رسمياَ في يد صانعي القرار في القطاع الخاص. فإن رقعة تأثير الحكومة في الاقتصاد المصري هو أوسع بكثير مما يمكن استخلاصه من المقاييس التقليدية كنسبة الإنفاق الحكومي إلى إجمالي الناتج المحلي.

وبالتالي، فإن طبيعة العلاقات العسكرية بالقطاع الخاص توقّفت على الصعود أو الهبوط النسبي لجهاز الدولة في كل فترة معينة. إنما ثمة انتقال هام آخذ في النمو منذ عام 2013، حيث إن الاستقلالية الاقتصادية والبيروقراطية والسياسية للمؤسسة العسكرية، تتيح لها إعادة تشكيل إطار عمل القطاع الخاص إلى حد كبير. فتسارُع تمدّدها إلى عدد من القطاعات الاقتصادية التي كان القطاع الخاص يهيمن عليها لوقت طويل، يحوّلها ليس إلى منافسٍ مباشر فحسب، بل وأيضًا إلى جهة فاعلة تزعزع الأسواق لأن سلوكها غير مضبوط بحسابات الربح والخسارة التجارية المعتادة. هذا، ولقد أعادت المؤسسة العسكرية اصطفاف علاقاتها الاستراتيجية بالشركات الكبرى، المتوسطة، والصغيرة.

علاقة ثابتة باقية

وضعت حقبة التأميم في أوائل الستينيات في القرن العشرين نمطًا من العلاقات بين المؤسسة العسكرية والقطاع الخاص لا يزال حتى يومنا هذا. ومن المفارقات أن جوهرها كان، لعقود، الترتيب النفعي المتبادل عموماً الذي شهد شرائح عسكرية بيروقراطية صاعدة وقطاعًا خاصًّا يستخرجان المداخيل الشرعية وغير الشرعية على حد سواء من القطاع العام ومن تجارة الاستيراد. فمن سخرية الأمور أن القرارات الاشتراكية لم تؤدِ سوى إلى نتيجة عكسية، وهي نقل العديد من عاملي القطاع الخاص إلى الشركات المؤممة حديثًا ومدّ الفساد من داخل المؤسسة العسكرية إلى الجهاز البيروقراطي المدني الذي اتسع بسرعة في حينه. وجاء تشويه سمعة القوات المسلحة في حرب 1967 على يد إسرائيل، ثم بدء عملية التحرير الاقتصادي المحدود والاستثمار الأجنبي في ظل سياسة الانفتاح التي أطلقها السادات عام 1974 فصاعدًا، ليغيّر الثقل النسبي لكل من الطرفين: فاتسع المجال لازدهار الجهات الاقتصادية الخاصة في قطاعات مختارة، فيما أتيح للمؤسسة العسكرية لتلحق انتهازيًّا في ركبها.

وضعت حقبة التأمیم في أوائل الستینات في القرن العشرین نمطاً من العلاقات بین المؤسسة العسكریة والقطاع الخاص لا یزال حتى یومنا ھذا.

يؤكد المسار التاريخي أن التفاعلات بين المؤسسة العسكرية والقطاع الخاص حددتها علاقة هذا الأخير بالدولة المصرية عمومًا. وقد لاحظ عالم السياسة جون ووتربيري حيال حقبة السادات أنه "أينما يمّم المرء وجهه نحو أي شطر من القطاع الخاص، يجد أن اختراقاته مع القطاع العام ملفتة". وأضاف أن كلاّ من مجاليْ المقولات والتشييد "كانا معتمدين على وجه الخصوص على حجم الأعمال الكبير مع الدولة". كما لاحظ أيضًا أن مدراء القطاع العام، من جهتهم، كانوا "أكثر من مستعدين للعمل مع القطاع العام، خصوصاً من خلال ترتيبات التعاقد من الباطن، مع الضمانة المُطمئنة بأن القطاع الخاص سيكون خاضعًا قانونيًا للقطاع العام ومحظور عليه التنافس معه". واستنتج روبرت سبرينغبورغ أنه مع بدء شق الاقتصاد العسكري طريقه نحو النمو في عهد مبارك في الثمانينيات من القرن الماضي، "فإن تحالفه مع القطاعين العام والخاص وانتشار وتمدد الصناعات الحربية، يخلق طبقة عسكرية، مع فئة من ’المنفتحين‘ [أي الوسطاء التجاريين] المتّكلين عليها". فصار شطر مميّز من رجال الأعمال "يتلقى العقود المربحة من المؤسسة العسكرية لمختلف السلع والخدمات" بحلول عام 1990، وفقًا لدليل مناطقي أصدرته مكتبة الكونغرس الأميركي.

كان لبرنامج الخصخصة الذي أُطلق عام 1991 أثر أكبر، إذ كسر احتكار القطاع العام لقيادة الاقتصاد ومكَّن القطاع الخاص للظهور (أو العودة) كطرف اقتصادي رئيس. فاستقوى رجال الأعمال المتحالفين مع نظام مبارك أكثر خلال العقديْن التالييْن بموازاة تعزيزه لسلطته الشخصية، ما أدى إلى إطلاق لقب "حيتان النيل" عليهم. وبالمقابل، تم تهميش المؤسسة العسكرية سياسيًا، فيما استدار مبارك نحو وزارة الداخلية لتكون الأدارة الرئيسة في القمع الداخلي. فقد نمت ميزانية الوزارة وعديدها كذلك بوتيرة أسرع من النمو لدى وزارة الدفاع. وتم تعويض المؤسسة العسكرية بتوسيع جمهورية الضباط وزيادة سلطتها القانونية على استخدامات أراضي الدولة، التي استعملتها لاستخراج الدخل من القطاع الخاص. إلا أن السيطرة على الحصة الأكبر من الأموال والأصول العامة قد انتقلت إلى أيدٍ أخرى، ما حدّ من الحصة العسكرية من المداخيل وولَّد استياءها من رجال الأعمال المحاسيب الملتفين حوله وابنه جمال والحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، فقد تأثرت المقاربة العسكرية إلى التعامل مع مقاولي القطاع الخاص بهذا الإرثُ منذ قفز القوات المسلحة إلى موقع الصدارة السياسية بفعل ثورة عام 2011 وانقلاب عام 2013.

الروابط السياسية والتأثير العسكري

اتسم العقدان من الزمن بين انطلاق الخصخصة ونهاية عهد مبارك بظهور العديد من الشركات المرتبطة سياسيًا. تكثّفت المحسوبية بموازاة التركيز المتزايد للسلطة القانونية على الموارد العامة كالأرض ضمن صلاحيات وزارة الدفاع، من جهة، والاختراق المتزايد للأجهزة الرسمية التنظيمية والاقتصادية من قِبل جمهورية الضباط، من الجهة الأخرى. ووضع بين الاقتصاد العسكري وأجزاء من القطاع الخاص، ولكنه أدى أيضًا إلى نشوب التوترات المتنامية. فقد تركز جزء كبير من السلوك الريعي على جهات سياسية قوية: مبارك وابنه جمال ولجنة السياسات في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي ترأسه جمال، وشبكات الحزب المنتشرة في البرلمان وغرف التجارة وغيرها، وكانت الشركات الخاصة الأكثر نجاحًا في فترة 1991-2011 هي تلك التي استمدت فرصها بكثافة من هذه المجموعة (وليس من المؤسسة العسكرية) لعضوية مجالس إدارتها. ومنح اختراق القطاع العام التأثير والفرص للمؤسسة العسكرية لتأمين الدخل من علاقتها بالقطاع الخاص، من دون أن يمنحها السيطرة عليه.

إن حجر الأساس للارتباط السياسي، والذي يجعله ضروريًّا ومُربحًا في إطار الاقتصاد المصري، هو ما اسماه الخبراء الاقتصاديون اسحق ديوان وفيليب كيفر ومارك شيفباور "آليات الامتياز". وشملت هذه الحماية التجارية (الجمركية وغيرها)، ودعم أسعار الطاقة، والوصول إلى أراضي الدولة، والتطبيق التفضيلي للوائح التنظيمية، علاوة الوصول التفضيلي إلى التمويل والعقود الحكومية، والأفضليات الضريبية، وتسهيل الترخيص. وتمتعت الشركات الخاصة والعامة المرتبطة سياسيًّا على حد سواء بأفضليات تنظيمية ومالية متعددة مقارنةً بمنافسيها المحتملين. كما تتمتع المؤسسة العسكرية بجميع الامتيازات هذه، مع إضافة هامة هي قدرتها على منح تلك الامتيازات أيضًا على الشركاء والمقاولين الخاصين الذين تفضَّلهم.

وكنتيجة لذلك، فإن السعي وراء الريع شكّل طريقة رئيسة لتوليد الدخل العسكري طيلة هذه الفترة. وبالمقابل، فقد نما عدد الشركات العسكرية المسجَّلة رسميًّا وحجم إنتاجها نموًّا متواضعًا. بل إن الجزء الكبير من نشاطها كان ريعيًّا أيضًا: إذ منحت الشركات الخاصة المفضّلة الوصول إلى مدخلات المصانع العسكرية لتجميع السلع (الإلكترونية، مثلًا) ووفَّرت لها الحماية من منافسيها المحتملين.

وكان منح الأراضي والإسكان حجر الزاوية في عمليات المحسوبيات السياسية في خضم المضاربات الواسعة الانتشار التي اتسمت بها هذه الحقبة. فبات من الشائع بين رجال الأعمال شراء مساحات شاسعة من العقارات المرغوبة في القاهرة وحولها وفي مدن رئيسة أخرى، بهدف منحها هدايا لقادة القوات المسلحة أو عبر بيعها لهم بأقل من كلفة السوق، وأيضًا للمحافظين وغيرهم من كبار مسؤولي الدولة. عملت هذه "المُحلِّيات" لضمان شراء الأراضي بأسعار رخيصة أو لكسب العقود الحكومية. وقد يحظى المتلقّون بالعديد من هذا النوع من الهدايا التي يبيعونها بعد ذلك بالتسعيرة السوقية الكاملة. وقد حصل رجال الأعمال المرتبطون سياسيًّا على ضمانات أيضًا بأن أراضيهم سيتم إمدادها بالكهرباء، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والبنى التحتية للمواصلات على حساب المال العام، ما يزيد إلى حد كبير من القيمة السوقية لهذه الأراضي ويمكّن رجال الأعمال من استخدامها كفالةً للحصول على قروض مصرفية . فضلًا عن ذلك، استغلت وزارة الدفاع سيطرتها على استخدام الأراضي وقدرتها على توفير البنى التحتية لتوليد التآزر التجاري الكبير لاقتصادها العسكري.

مثل هذه النقلة كانت مهمة على وجه الخصوص، لأنه على الرغم من أن القطاع الخاص ولّد 75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009 (وفقًا للبنك الدولي)، إلا أن نشاطًا اقتصاديًّا وازنًا تركّز في نحو 20,000 فقط من بين مليوني شركة (غير الزراعية)، كما أظهر الخبراء الاقتصاديون إسحق ديوان وفيليب كيفر ومارك شيفباور. وهم يعتقدون أن الهيئات العسكرية الرسمية أصبحت عمليًا ما وصفوه بـأنه "زعيمة كبيرة لسوق المحسوبية" بالنسبة إلى فئة الواحد في المئة من الشركات الخاصة هذه (إذ أن الـ99 في المئة الباقية صغيرة للغاية ولا تستطيع بالتالي المشاركة)، على الأقل في ما يتعلق بالمشاريع التي تستطيع فيها هذه الهيئات منح أو توجيه العقود. وتكشف مراجعة هذه العقود خلال السنوات الست الأخيرة خاصة، أن شركات قطاع الأعمال العام والقطاع الخاص التي لها ارتباطات سياسية - هذه المرة مع جمهورية الضباط - تتلقى حصة أكبر بكثير من سوق العقود من الباطن، فيما عدد أكبر بكثير من الشركات الصغيرة الأقل إنتاجية، التي تستخدم تكنولوجيات قديمة لخدمة أسواق محلية متخصصة، تأخذ الحصة المتبقية.

الشراكة مع الشركات الكبيرة: علاقة غامضة

عززت عودة القوات المسلحة إلى مركز الصدارة السياسية في عام 2011 أهميةَ الارتباطات السياسية أكثر، إذ وجدت الشركات الخاصة التي لديها روابط عسكرية أن طلباتها للحصول على العقود والتراخيص أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يستعجلها وأن ربحيتها تزداد. غير أن نمط العلاقات العسكرية بالقطاع الخاص أخذ يتغيّر بشكل ملحوظ.

عززت عودة القوات المسلحة إلى مركز الصدارة السیاسیة في عام 2011 أھمیة الارتباطات السیاسیة أكثر، إذ وجدت الشركات الخاصة التي لدیھا روابط عسكریة أن طلباتھا للحصول على العقود والتراخیص تم استعجالھا.

اشتدت ازدواجية النظرة العسكرية تجاه الشركات الكبرى بعد تشكيل حكومة أحمد نظيف المؤيدة لرجال الأعمال في عام 2004، ما دفع بوزير الدفاع آنذاك الطنطاوي إلى تصعيد معارضته لخصخصة شركات وبنوك معينة مملوكة للدولة. وفي حديث علني بعد خلع مبارك بثلاثة شهور، أشار عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة اللواء محمود نصر إلى "تدخل كبار رجال الأعمال في الحياة السياسية" على أنها أحد أسباب اندلاع "ثورة 25 يناير". وأحد الأمثلة على مَن استهدفتهم المؤسسة العسكرية هو محمد أبو العينين، أحد محاسيب مبارك، الذي كانت "مجموعة كليوباترا" التي يملكها تمددت من صناعات السيراميك إلى أن تكون شريكًا لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في خطة استصلاح الأراضي في شرق العوينات في أواخر التسعينات. فكان أبو العينين من بين عدة رجال أعمال كبار ولّوا الإدبار عقب الثورة، مثل قطب الصلب أحمد عز وسمسار السلاح والغاز السابق حسين سالم، والذين تمت ملاحقتهم قضائيًا. وقد رحّبوا جميعهم باستيلاء القوات المسلحة على السلطة في تموز/يوليو عام 2013 وتوصّلوا إلى تسويات مالية مرضية مقابل إسقاط دعاوى الفساد ضدهم والسماح لهم بالعودة إلى مصر، بيد أن أحدًا منهم لم يحصل على رد اعتبار سياسي واقتصادي كامل. وهذا ربما يفسّر لماذا صدح أبو العينين بانتقادات علنية للدور الاقتصادي المتنامي للمؤسسة العسكرية، مجادلًا بأنه "من غير المقبول أن يحصل الجيش على شيء أكثر من المستثمرين الطبيعيين بفعل مزايا خاصة له".

استمر بعض العلاقات العسكرية رغم ذلك، علمًا أنها تكشف عن ازدواجية النظرة العسكرية أيضًا. ومن بين أبرز الشخصيات التي صمدت خلال مرحلة الانتقال من عهد مبارك كان أحمد هيكل، الابن الثاني لرئيس تحرير صحيفة الأهرام السابق الشهير، محمد حسنين هيكل. كانت شركة أحمد، القلعة القابضة (سابقًا "سيتادل كابيتال") وهي واحدة من الصنف الجديد من الشركات المصرية التي تعتمد أساسًا على الأسواق التجارية والشركاء الدوليين للحصول على رأس المال والتي ازدهرت بعد الإصلاحات الاقتصادية في العقد الأول من هذا القرن، على عكس اعتماد الشركات الساعية إلى اقتناص الريع من خلال مداخل العقود والموارد العامة، كمجموعة كليوباترا. أصبحت شراكة القلعة مع المؤسسة العسكرية واضحة للعيان في عام 2009، حين اشترت الشركة الوطنية لإدارة الموانئ النهرية من وزارة الدفاع، ما جعلها شركة النقل الخاصة الوحيدة التي تعمل على طول نهر النيل. وكان رئيس الشركة لواء قد أتمّ آخر دورة من خدمته العسكرية كرئيس مجلس إدارة شركة نفط وغاز تملكها الدولة قبل أن يتقاعد. ولعل روابطها السياسية هي التي سمحت للقلعة القابضة أن تحصل على قرض كبير بضمانة مؤسسة الاستثمار الخارجي التابعة للحكومة الأميركية في ذروة التقلبات التي عصفت بمصر في عام 2011.

ولكن القلعة القابضة اصطدمت أيضًا بالمعوٍّقات. فقد أعلنت في عام 2010 خططًا لبناء "شبكة للنقل النهري ليس لها مثيل" لشحن القمح، لكن التقارير أفادت بعد سنة من ذلك أنها كانت تعاني صعوبات في تشغيل أسطولها من الصنادل. سبق للقلعة القابضة أن تعاقدت مع ترسانة الإسكندرية التابعة لوزارة الدفاع في عام 2009 لتصنيع 30 صندلًا، ولكن 19 فقط منها تم إنتاجه حتى عام 2019، وربما أقل من ذلك بكثير، أو حتى لا شيء. ورغم توسع أسطول الشركة إلى 45 في عام 2012، فقد ووجهت بالمنافسة من قبل الشركة الوطنية للملاحة النهرية التابعة لوزارة الدفاع، التي ادعت أنها نقلت 2,5 مليوني طن من البضائع في عام 2018. كما قامت هيئة وادي النيل للنقل النهري، وهي كيان حكومي مشترك بين مصر والسودان اُقيم في عام 1975 وترأسها ضابط متقاعد، بالمنافسة أيضًا لكسب حصة من التجارة بين البلدين. إنما كان المُعيق الأهم هو إخفاق الحكومات المتعاقبة على المدى العقديْن المنصرفيْن من الزمن بتنفيذ الخطط الطموحة لحل العوائق الجسدية والتنظيمية ولتطوير الممرات المائية لمصر، على عكس الحال في ما يخص الاستثمارات الضخمة في بناء الطرق السريعة تحت الإشراف العسكري. فلم تزد حصة النقل النهري عن واحد في المئة فقط من إجمالي حجم الشحن الداخلي في مصر عام 2012، بالنتيجة، فيما اكتشفت دراسة أعِدَّت بطلب من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في عام 2014، أن مستثمري القطاع الخاص يعتقدون أنهم مطالَبون بأكثر من حصتهم المعقولة من المجازفة.

ولكن شركة القلعة متموضعة رغم الصعوبات في قطاعات تشكّل محط اهتمامٍ رئيس للاقتصاد العسكري، حيث حصلت على حصصٍ في شركات "لها مواقع أمامية في قطاعات الطاقة، والإسمنت، والنقل وغيرها في عام 2015. كما أنها استثمرت بكثافة في تطوير الأراضي الزراعية، وتصدير المواد الغذائية، والنقل النهري في السودان المجاور، وذلك جزئيًا من خلال شركتها التابعة "أسيك للهندسة والإدارة" (ASEC)، ما جعلها تتداخل بشكل وثيق مع الهيئات العسكرية (ومديرية المخابرات العامة) في استيراد المحاصيل والمواشي السودانية إلى الأسواق المصرية. وأعلنت القلعة القابضة كذلك عن توسيع البنى التحتية للنقل على طول النيل وغرب خليج السويس في عام 2015، الأمر الذي تطابق ثانية مع استثمارات مماثلة كانت تقوم بها المؤسسة العسكرية سابقًا.

ولاحقًا، اختارت وزارة الدفاع فرع القلعة القابضة، شركة المشرق للبترول، للاشتراك في المشروع العملاق لتنمية شرق بورسعيد، بينما تعاقدت القلعة من الباطن مع الشركة الوطنية لخدمات النقل وأعالي البحار ("نوسكو") التي يرأسها لواء متقاعد، وذلك لتوفير النقل الثقيل لمصفاة النفط الكبيرة التي تبنيها إلى جانب مجمع مسطرد (قيد العمل منذ عام 1973) في محافظة القليوبية. وحقيقة أن مشروع مسطرد الجديد هو جزء من خطة بقيمة 18 مليار دولار لبناء مصافٍ جديدة وتعديل المصانع القائمة، وأنها الثانية فقط من المصافي الـ11 في مصر التي تعود غالبية ملكيتها إلى القطاع الخاص، تشير إلى الموقع الخاص والمميّز الذي يتمتع به هيكل، أو إلى أهمية رأس المال والخبرة والسعة الإنتاجية التي تستطيع القلعة القابضة أن توفّرها. ثم إن انخراط شركة نوسكو المملوكة للدولة يؤكد مجددًا التشابك والتداخل بين المشاريع الممولة من الحكومة وبين جمهورية الضباط.

لكن، لا تكمن الأهمية الأساسية للعلاقة بالقلعة القابضة في جانب المحسوبية، بل في تحوّل المؤسسة العسكرية نحو الشراكة مع شركات تمتلك كلاًّ من الخبرة الفنية والرساميل الضرورية لتحسين معدلات نجاح وتسليم المشاريع. في بعض الحالات، تشاركت القوات المسلحة مع عمالقة اقتصاديين متجذرين، وبينهم: الشركة متعددة الجنسيات أوراسكوم للإنشاء والصناعة التي فازت بعقود من الباطن للعمل في تطوير محور تنمية قناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة في عامي 2014 و2015؛ والسويدي للكابلات، وهي أكبر منتج للكابلات الكهربائية في مصر والشرق الأوسط؛ والمقاولون العرب، التي هي الآن شركة متعولمة ومشتركة في مشروع ميناء البرلس في محافظة كفر الشيخ بقيمة ملياري جنيه مصري (حيث شركة نوسكو هي مجددًا متعاقدة من الباطن). وقد اعتمدت وزارة الدفاع أيضًا على شركات عربية متعددة الجنسيات مثل دار الهندسة التي تم التعاقد مع فرعها المصري في عام 2014 لتصميم خطة رئيسة لتطوير محور قناة السويس برمته، ووضع مسودة كراسة الشروط والمواصفات لتوسيع القناة وقيادة تطوير شرق بورسعيد. .

وكما توضح هذه الأمثلة، لم تهمّش المؤسسة العسكرية الشركات الكبرى كليًّا. ولكنها تتحاشى التحالف مع أولئك الذين تعتبرهم منافسين سياسيين أو تجاريين. وبشكل خاص فإن العلاقات كانت غير مريحة مع الشركات المتعَولمة التي سعت إلى النأي بنفسها بعيدًا عن السيطرة من خلال نقلّ جلّ أعمالها ورساميلها إلى الخارج كضمانة ضد تذبذبات السوق والضغوط السياسية في مصر. فعلى الرغم من فوزها بحصة من العقود العامة التي وفّرتها المؤسسة العسكرية، تدرك هذه الشركات تمامًا أنها مهُمّشة للغاية في مجال صنع القرار الاقتصادي. وأعرب الرئيس التنفيذي لشركة أوراسكوم، نجيب ساويرس، مرارًا عبر شاشة التلفاز في عام 2014، عن معارضته انخراط المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المدني، ومطالبته بأن تركّز هذه الأخيرة "على حماية البلاد وبذل الاهتمام بالكوارث التي تحل بالعراق وليبيا". كما تعهّد باستثمار 500 مليون دولار في مشاريع البنية التحتية والطاقة، وذلك في أثناء مؤتمر الاستثمار في شرم الشيخ في آذار/مارس 2015، الذي أدى إلى مروحة من المشاريع العملاقة بإدارة وزارة الدفاع، لكنه أقرّ لاحقًا بأنه لم يُنفق أيًّا من هذه الأموال.

لم تھمّش المؤسسة العسكریة الشركات الخاصة الكبرى كلیا. ولكنھا تتحاشى التحالف مع مَن تعتبرھم منافسین سیاسیین أو تجاریین.

يبدو أن المؤسسة العسكرية قد سعت إلى الالتفاف على التعقيدات السياسية المتصلة بالعمل مع الشركات الكبرى هذه، من خلال الالتفاف نحو المستثمرين الأجانب وإلى صنف جديد من الشركات التي تجمع بين رأس المال المصري والدولي. وقد ظهر تركيز واضح على جذب الاستثمارات الرئيسة من أوروبا والصين والهند التي تستطيع تقديم التكنولوجيا ورأس المال للمجمعات الصناعية والتجارية الجديدة التي يتم إنشاؤها تحت الإدارة العسكرية في المنطقة الاقتصادية للسويس، على سبيل المثال. ويوفّر هذا للهيئات العسكرية ولجمهورية الضباط التأثير التجاري بفضل سيطرتها على استخدامات الأراضي والأذونات اللازمة لذلك، كما يسهِّل وصولهم إلى الائتمانات الخاصة، التي كانت تُوَجَّه بشكل أضيق باتجاه الشركات المرتبطة سياسيًّا في حقبة مبارك.

مثال آخر هو شركة "كاربون القابضة"، التي تقوم بحجم كبير من الأعمال في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي حوَّلتها المؤسسة العسكرية منذ عام 2004 إلى محور تركيز رئيس للاستثمارات في السياحة والتجارة والصناعة والبنية التحتية المتصلة. مؤسس رئيس الشركة هو باسل الباز، نجل أحد مستشاري مبارك الأهم للسياسة الخارجية وعضو مجلس إدارة صندوق تحيا مصر (تتم مناقشتها أدناه). فتوِّظف كاربون القابضة علاقاتها في الإمارات العربية المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة، وبمؤسسات الاقتراض الدولية، للوصول إلى الاستثمارات والتكنولوجيا. ويضم مجلس إدارتها المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لشركة القلعة القابضة، ووزير سابق للبترول والموارد المعدنية، ورؤساء عدة شركات خليجية، ما يكشف محورًا جديدًا لرأس المال المحلي والأجنبي المرتبط سياسيًّا والذي تفضّل المؤسسة العسكرية التعامل معه. لا يعني كل ذلك أن الشركات الكبيرة من نموذج كاربون القابضة هي حليفة أو متداخلة مع المؤسسة العسكرية أو أنها لا تواجه صعوبات جمّة في التعامل معها، رغم الالتقاء بينهما في مجالات محددة؛ فقد صارعت كاربون القابضة لمدة عشر سنوات تقريبًا قبل أن يُسمح لها بإطلاق مشروع مجمع البتروكيماويات.

التزامل مع السمكات الصغيرة: دائرة المؤسسة العسكرية من الشركات المتوسطة والصغيرة

يكشف نمط العلاقات العسكرية بالشركات الكبيرة الدوافع الاستراتيجية تمامًا، الاقتصادية والسياسية. والأمر ذاته بالنسبة إلى الجهد العسكري لبناء دائرة جديدة من الشركات المتوسطة والصغيرة، علمًا أن الأهداف والحسابات تختلف في هذه الحالة. بيد أن وزارة الدفاع والهيئات التابعة لها قد وجّهت العقود إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة لمشاريع لا تتطلب خبرات متقدّمة وتكون كثيفة العمالة لا الرساميل. واشتد هذا الاتجاه بقوة مع التزايد المفرط في حجم المشاريع الإنشائية التي تولّتها المؤسسة العسكرية منذ عام 2013. هذا التوجّه الذي يستهدف ظاهريًّا توليد فرص العمل وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، أدى أيضًا إلى إعادة هيكلة شبكات المحسوبية الساعية إلى قطف الريع. أما بالنسبة إلى الشركات الخاصة التي هي أصغر من أن تحظى بالعقود بفضل ارتباطاتها السياسية، فربط مصائرها بالعربة العسكرية يشكّل بوضوح استراتيجية تجارية ناجعة.

هذه هي الخلفية وراء تصريحات المسؤولين العسكريين، مثل تلك التي أدلى بها رئيس إدارة المشاريع الكبرى في القوات المسلحة اللواء كرم سالم محمد، الذي زعم في كانون الأول/ديسمبر 2015 أن إدارته أعطت أعمالًا إلى 198 شركة كبيرة وصغيرة ومتوسطة في مشروع مدينة الإسماعيلية الجديدة، ووفّرت من خلالها عمالة مباشرة لـ80 ألف شخص ولمليونين آخرين بشكل غير مباشر. وبعدها بشهرين، قال رئيس الهيئة الهندسية في القوات المسلحة، اللواء كامل الوزير، إن إدارته وفّرت الأعمال "لألف شركة مدنية، و300 مكتب استشاري، وأكثر من مليون عامل وفني، في 1377 مشروعًا.

هنا، تستجيب الهيئات العسكرية مجددًا إلى أحد توجيهات السيسي، هذه المرة لتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة. وهذا يُشبه جهودها لزيادة الدخل وأيضًا لمساهمتها التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة في صندوق تحيا مصر، بعد أن فشل رجال أعمال بارزون في الوصول إلى هدفها، ألا وهو تجميع 100 مليار جنيه مصري (5,4 مليارات دولار آنذاك) في عام 2014. لكن، على الرغم من أن المؤسسة العسكرية لم تنحِّ شبكات المحسوبية المتمحورة حول الرئاسة ومؤسسات الدولة الأخرى، إلا أن إدارتها للمشاريع العملاقة والانتفاع الاقتصادي الكثيف - وأحيانًا الحصري - الذي تتمتع به في مناطق استراتيجية مُحددة كقناة السويس، عمّقا علاقتها التعاضدية مع شركات صغيرة ومتوسطة مفضّلة لديها، فيما كانت تقوم بزيادة العراقيل أمام باقي فئات القطاع الخاص.

يؤكد المقاولون العاملون في مصر أنه في معظم المشاريع الكبرى التي تديرها الهيئات العسكرية، يقوم بالعمل عشرات من صغار المقاولين من الباطن، قد يتولى كلٌ منهم تشييد مبنى واحدٍ أو مبنيين أو بضعة كيلومترات من الطرق السريعة. مثلًا، قامت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة بمنح عقود من الباطن لمشروع مدينة الإسماعيلية الجديدة إلى 90 شركة صغيرة، في حزيران/يونيو 2015. لكن المثل الأهم هنا حول هذا المنحى كان العقود التي أعطيت لتوسيع قناة السويس: إذ إن التحالفات التجارية التي تقودها الشركات في حقبة مبارك أو حتى شركاء وزارة الدفاع السابقين على غرار شركة المقاولون العرب أو الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري لم تفشل في الفوز بالعطاءات الرئيسة وحسب، بل كان أيضًا ثلثا الـثمانين شركة التي حازت على عقود من الباطن إما متعاقدة سابقًا من الباطن مع وزارة الدفاع أو، في أغلب الحالات، شركات غير معروفة نسبيًّا أو غير معروفة على الإطلاق. شددت المؤسسة العسكرية على منح التراخيص إلى الشركات الصغيرة أو الناشئة ذات القدرة التكنولوجية المنخفضة في منطقة السويس الاقتصادية.

ولا غرابة بعد ذلك، كما لاحظ المحلل ماجد عطية في عام 2015، بأن هنالك قلقًا شائعًا في مصر "بأن تتحوّل كل الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى مقاولين من الباطن للجيش". وعلى الرغم من أن ثمة مبالغة في ملاحظته هذه، إلا أنها تعكس المنحى المطّرد الذي يكمن خلف هيكلية واضحة للحوافز لدى كلا الطرفين: ففي سبيل الفوز بعقد أو مدخل ما، يدفع المقاولون من الباطن الرشى عادةً. لكن هناك أيضًا مقايضات أخرى. فمجندو القوات المسلحة الذين يتمتعون بمهارات خاصة، يقولون إنهم يرسَلون إلى العمل لدى شركات مثل صندوق التأمين التكميلي أو شركة الدلتا للسكر، فيما توظّف الشركات الخاصة متخرجين من الكليات العسكرية التقنية أو تنتج سلعًا يمكن للشركات العسكرية بعد ذلك تسويقها على أنها من إنتاجها.

تستفيد الهيئات العسكرية وشركاؤها من القطاع الخاص من التدوير الدائم للمال من خلال التعاقد من الباطن وكسب رسوم الإدارة. مثلًا، بعد الفوز بعقود حكومية ضخمة لتشييد مساكن مدنية في أواخر عام 2013، قامت وزارة الدفاع بالتعاقد من الباطن مع الشركة العقارية للبنوك الوطنية في كانون الثاني/يناير 2014 لبناء الإسكان العسكري. وكانت قد جاءت 10 عقود من أصل 12 عقدًا لهذه الشركة آنذاك من وزارة الدفاع (بقيمة إجمالية قدرها 209 ملايين جنيه، أي 30 مليون دولار)؛ وفي نيسان/أبريل 2016، كشفت الشركة النقاب عن أنها تلقت استثمارًا عقاريًا كبيرًا بقيمة 250 مليون جنيه من وزارة الدفاع، وأنها تعمل على مشروع آخر لهذه الأخيرة قيمته 100 مليون جنيه في مدينة نصر (على أرض كانت عسكرية في السابق)، كما توقّعت أن تخوَّل العمل في مشروع ضخم تديره وزارة الدفاع. وبالمثل، شيّدت الشركة الاستشارية للتصميم الهندسي 1000 وحدة سكنية لضباط القوات المسلحة في مدينة السلام لحساب شركة النيل للمقاولات العامة، التي كانت قد حصلت على العقد، وكذلك "بانوراما" 6 أكتوبر، لكن هذه المرة مباشرة لحساب دائرة الأعمال العسكرية في وزارة الدفاع.

شهيّة عسكرية مُتَفَتِّحة؟

حتى عام 2015، تجنّبت الهيئات العسكرية غالبًا القطاعات الاقتصادية التي تركّزت فيها مساهمة الشركات الخاصة إلى الناتج المحلي الإجمالي وتوليد الوظائف. فظل بإمكان المحلل الاقتصادي عبدالفتاح برايز أن يؤكد، في مطلع 2016، أن المؤسسة العسكرية "غائبة تقريبًا أو حائزة على حصة صغيرة للغاية في عدد من القطاعات الاقتصادية المفصلية التي نمت بشكل كبير منذ التسعينيات في القرن العشرين"، بما فيها "مروحة واسعة من الصناعات التحويلية كالإسمنت والأسمدة والزجاج والسيراميك والألومنيوم والحديد والصلب، علاوة على القطاعات الخدمية المفتاحية كالاتصالات السلكية واللاسلكية والاستضافة والسياحة". أي بقيت الهيئات العسكرية متركّزة في القطاعات غير السلعية أو الخدمية التجارية.

إلا أن الاستحواذ القسري على شركات الإعلام المصرية منذ عام 2016 والاستثمارات العسكرية في إنتاج السلع القابلة للمبادلة التجارية في قطاعات كانت تسيطر عليها الشركات الخاصة في السابق، ما دلّ على انعطاف هام بعيدًا عن الممارسة الماضية. وسرعان ما لاحظت وزارة الخارجية الأميركية في "تقرير المناخ الاستثماري في مصر" الذي نشرته في عام 2017 أن الشركات العسكرية (بإلاضافة إلى الشركات المملوكة للدولة عمومًا) تنافس الشركات الخاصة مباشرة في العديد من القطاعات الاقتصادية. والواقع أن خليطًا من الاعتبارات السياسية والاقتصادية يشكّل السلوك، حيث تهدف هذه التطورات إلى خدمة محاولات إدارة للسيطرة على الفضاء العام (كما في حالة الإعلام)، وتوفير المنافع العامة كالإسكان والغذاء بأسعار معقولة لتأمين التأييد الاجتماعي، وتحقيق الإدخار من خلال المشروعات العملاقة (كما في حالتيْ الصلب والإسمنت)، وزيادة جباية الدولة والصادرات. ولكن ثبتت عيوب الاستراتيجيات العسكرية المتبعة لإنجاز كل مسعى من هذه المساعي، ما أوقع الأكلاف المالية التي كان بالإمكان تجنّبها على الطرفين والأضرار السياسية نتيجة استعداء الشركات الخاصة الأكثر تأثرًا.

الإعلام: الاستحواذ القسري

لقد احتلت وزارة الدفاع والهيئات الحليفة موقعًا مسيطرًا في وسائل الإعلام العامة والخاصة في مصر منذ عام 2015، ولكن نتائج ذلك جاءت متباينة. يعود الانخراط العسكري في القطاع إلى عهد عبد الناصر عندما كان لضباط القوات المسلحة دور رئيس في المجالس الإعلامية الحكومية وغيرها من الهيئات المشكِّلة للرأي العام. ثم أدى نزع الطابع العسكري في عهد السادات إلى تقليصٍ أدوارهم وتأثيرهم المباشريْن، لاسيما في وسائل الإعلام المطبوعة، وكذلك فعل ظهور القنوات الفضائية التلفزيونية الخاصة بدءًا من عام 2001 فصاعدًا. ولكن استغلت الهيئات العسكرية والأمنية احتواء إدارة السيسي لوسائل الإعلام الخاصة المنتشرة، من أجل تحقيق مكاسب تجارية لها. وقد تيسر ذلك بفضل استمرار احتكار البث التلفزيوني الإذاعي والأرضي من قبل اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري المملوك للدولة، فضلًا عن القبضة المحكمة على شركات البث عبر الأقمار الصناعية الخاصة التي يُسمح لها بالعمل فقط في "مناطق حرة" محددة.

وقد أبدت وزارة الدفاع اهتمامها بالإعلام بعد فترة وجيزة من تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة صلاحيات مبارك في عام 2011، حيث تبرعت بمبلغ 58 مليون دولار كمساعدات لميزانية اتحاد الإذاعة والتلفزيون الذي كان يعاني عجزًا بقيمة 19 مليار جنيه مصري (3,2 مليارات دولار) في عام 2012. ويرأس لواءٌ متقاعد من القوات المسلحة شركة الأقمار الصناعية الرئيسية (نايل سات، التي تملك فيها الهيئة العربية للتصنيع حصة تبلغ 1 في المئة) التابعة لاتحاد الإذاعة والتلفزيون. وعندما حولت الحكومة اتحاد الإذاعة والتلفزيون إلى هيئة عامة في كانون الأول/ديسمبر 2016، ضمّ مجلس إدارتها الجديد ممثلين عن العديد من الهيئات التي تتمثّل فيها أيضًا وزارة الدفاع. والأهم من ذلك هو الاستحواذ على عددٍ من أبرز شركات الإعلام الخاصة في مصر من خلال الاستيلاء القسري الصريح. وأُرغمت شركات أخرى على الخروج من السوق بسبب سيطرة الهيئات العسكرية والأمنية على شركات الإنتاج الإعلامي وإعادة توجيه عقودها إلى الشركات المستحوذَة مؤخرًا.

تصدرت مديرية المخابرات العامة العملية بداية، إذ تملَّكت مجموعة من الشركات الكبرى للأخبار والترفيه والإعلانات والإنتاج في عام 2015. وكانت الأداة الاستثمارية للمديرية هي شركة "إيجل كابيتال للاستثمارات المالية"، وهي صندوق اسثمار مباشر يدير كافة شركات المديرية وفقًا للصحافي الاستقصائي حسام بهجت، بما في ذلك شركة "بلاك أند وايت" التي كلفها اتحاد الإذاعة والتلفزيون إنتاج برنامج تعبوي حواري تلفزيوني يومي. ودخلت المخابرات الحربية أيضًا وبقوة إلى القطاع، بالتنسيق مع المستشارين العسكريين في الرئاسة. وفي كانون الثاني/يناير 2017، جاءت شبكة "العاصمة" التلفزيونية تحت إدارة شركة "شيري ميديا" التي يشغل منصب نائب رئيسها الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السابق. وفي آب/أغسطس، جرى الاستحواذ على "العاصمة" وشركاتها التابعة من قبل مجموعة فالكون انترناشونال، الواجهة للمخابرات الحربية، والتي أسست شركة "تواصل" للعلاقات العامة لتولي محفظتها الإعلامية المتنامية. واشترت "تواصل" فورًا قناة "الحياة" التلفزيونية الخاصة بأكملها، ما جعلها تكسب إذاعة "د.ر.ن.(DRN) وشركة "هوم مِيديا" للإدارة.

ليس واضحًا ما إذا كان اندفاع المخابرات الحربية يشير إلى المنافسة مع مديرية المخابرات العامة للحصول على الإيرادات أو إلى توطيد سيطرة النظام على وسائل الإعلام. ففي عام 2016، انضم ضابط مخابرات حربية إلى مجلس إدارة صحيفة "اليوم السابع" التي كانت مملوكة لرجل الأعمال الموالي للسيسي، أحمد أبو هشيمة. لكن شركته، "إعلام المصريين" للإنتاج والتسويق، تم شراؤها قسرًا من قبل شركة "إيجل كابيتال" التابعة للمخابرات العامة في أواخر عام 2017، كما شرح حسام بهجت بالتفصيل.

وبالإضافة إلى الصحيفة، استحوذت إيجل كابيتال على موقعه الإلكتروني الإخباري "دوت مصر" وقناة "أون تي في" (OnTV) التي كان قد جرى شراؤها من رجل الأعمال المستقل نجيب سويرس في عام 2016. وفي عام 2018، قامت شركةُ "إعلام المصريين" بإدارتها الجديدة بشراء شبكةَ الحياة أيضًا، وعلى الأرجح من شركة تواصل ذات الصلات العسكرية. ومن بين الشركات التابعة لها الأخرى هي جريدة "صوت الأمة" (المكتسبة قبل أن تستحوذ عليها المخابرات).

على أي حال، فإن الاستحواذ على وسائل الإعلام الخاصة مكّن المؤسسة العسكرية في آن من استثمار رأس المال وتوفير العمالة والأجور الإضافية لكل من الضباط العاملين والمتقاعدين الذين يجري دمجهم في وسائل الإعلام والذين يراقبون محتواها. وقد خدم ذلك أيضًا أجندة سياسية: فقد أعلنت إدارة الشؤون المعنوية في القوات المسلحة في تشرين الأول/أكتوبر 2017، باعتزاز أنها أنتجت ثلاثة أفلام روائية "لأول مرة منذ حرب 1973". وعكس ذلك أيضًا سعي الهيئات العسكرية أو المرتبطة بها لإنجاز توجيهات الرئيس في توليد مصادر جديدة للدخل، واندفاع الضباط (والمسؤولين المدنيين) المتلهّفين للتنافس على ولوج قطاع مُربِح؛ وبلغ هذا أشكالًا مثيرة للسخرية، كما يتضح من قيام شركة النيل الوطنية للملاحة بإنتاج الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والمقاطع الموسيقية. غير أن التركيز على الدعاية وضعف جودة الكثير من وسائل الإنتاج الإعلامي التجاري التي تسيطر عليها الهيئات العسكرية أثّرا بشدة على جدواها؛ فبحلول أواخر عام 2018، كانت تلك الهيئات تخفض عدد الموظفين من أجل خفض التكاليف وتبحث عن مشترين من أجل الخروج من القطاع.

تحقيق استقرار السوق أم افتراسه؟

ساق رئيس الهيئة الهندسية في القوات المسلحة اللواء كامل الوزير مجموعة من المبررات للتدخل العسكري في قطاعيْ الصلب والحديد في حديث له في نيسان/أبريل 2016، قائلًا إن ذلك يهدف إلى ضمان استقرار العرض (الإمداد) والأسعار، ومنع الاحتكارات في القطاعات والسلع "الاستراتيجية"، ودعم عمل المؤسسة العسكرية في المشاريع العملاقة. كان المبرر الأخير صحيحًا بوضوح، نظرًا إلى أن قضبان حديد التسليح تمثل 30 في المئة من تكاليف الإنشاءات و10-25 في المئة من تكاليف البناء في مصر. ولكن ناقضت بقية ادعاءات كامل الوزير حقائق السوق. فالشركات الخاصة تهيمن على قطاعي الصلب والإسمنت، ولا تتمتع أي منها بمكانة احتكارية، بل إن كلًّا من القطاعين عانى من معدلات عالية من السعة غير المستغلة حتى قبل أن تزيد الهيئات العسكرية من سعتها الخاصة ابتداءً من عام 2016. وجاء عدم استقرار الأسعار والعرض، في ذلك الوقت بالتحديد، بسبب تزامن النقص الحاد في إمدادات الطاقة في مصر وندرة الدولار نظرًا للانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري، وليس بسبب التلاعب بالأسعار من قبل القطاع الخاص أو العوامل الهيكلية في تلك الأسواق.

إن ما فعلته الهيئات العسكرية هو تأمين العرض والأسعار للمشروعات العملاقة التي تديرها، مع عزل المرافق الإنتاجية التي تملكها عن التحديات التي تؤثر على القطاع الخاص. علاوةً على ذلك، فهي قادرة على تخفيض أهم تكاليف الإنتاج مقارنة بكلِّ من الشركات الخاصة وشركات القطاع العام القليلة المتبقية التي لا تزال تعمل في هذه المجالات. وتشمل هذه التكاليف المواد الخام (لاسيما تلك المستوردة) والطاقة والوقود على الأرجح، وهي تمثل مجتمعةً 60 في المئة من إجمالي تكلفة الإنتاج، بما أن المؤسسة العسكرية تستفيد من الإعفاءات الجمركية، وأسعار صرف العملة التفضيلية، والتخفيضات غير المعلنة؛ ومن العمالة بما أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يمكن أن يلجأ إلى المجندين؛ ومن النقل الذي يسهم بشكل كبير في تكاليف الوقود، نظرًا إلى قدرة المؤسسة العسكرية على استخدام عربات القوات المسلحة مجانًا، وإدراج استهلاك الوقود ضمن ميزانية الدفاع، وتجنب دفع الرسوم على الطرق السريعة التي تديرها وزارة الدفاع أو الهيئات التابعة لها. إلى ذلك، تُعفى الهيئات العسكرية من ضريبة القيمة المضافة المطبقة في عام 2017، ولم تكن ستتأثر كثيرًا عندما زاد البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بنسبة 7 نقاط مئوية بين تشرين الثاني/نوفمبر 2016 وتموز/يوليو 2017، ما رفع تكلفة الاقتراض على الشركات الخاصة، بينما يمكن لتلك الهيئات أن تسحب على الأموال الخاصة التي تحتفظ بها.

وهذه المزايا مكّنت الهيئات العسكرية من منافسة الأسعار في بقية السوق، وبالتالي فإن توسعها في قطاعي الصلب والإسمنت يبدو افتراسًا. إذ بدلًا من كسر الاحتكارات الإنتاجية ،فقد ولّدت احتكارًا شرائيًا: أي أنه بوصفها مشتريًا كبيرًا للسلعتين، يمكنها أن تفرض أسعارهما، فيما تُنتجهما أيضًا. إلا أن الهيئات العسكرية لم تكن لديها قدرة تنافسية لولا تمتعها بمزايا تجعل السوق غير متكافئ، بل إن التخفيض القسري في أسعار السلع في ظل هكذا ظروف يضر بالقطاع الخاص، رغم سعي السيسي إلى تمتين العلاقات معه على أمل زيادة الاستثمار وتوسيع القاعدة السياسية لنظامه. كما ويثبط ذلك عزيمة المستثمرين الجدد، الذين تبحث عنهم الحكومة منذ عام 2016.

وبالأهمية نفسها، فإن الاستثمار العسكري في قطاعي الصلب والإسمنت ليس بوسعه أن يكون مجديًا إلا إذا ضمن العائدات بفضل الطلب الضخم على منتجات الشركات العسكرية الذي تولّده المشروعات العملاقة. وحين تتباطأ وتيرتها، سوف تجد المؤسسة العسكرية نفسها تملك رأس مالٍ عقيم وتتحمّل استنزافًا ماليًّا دائمًا للاحتفاظ بمنشآتها الكبيرة لإنتاج الصلب والإسمنت. أو أنها سوف تضطر إلى تغطية تكاليفها التأسيسية من خلال التنافس بشراسة على حصة سوقية أكبر في بقية الاقتصاد المدني، ما يؤدي إلى مزيد من الضرر والنفور لدى القطاع الخاص. إن وفرة الإسمنت الذي تتنجه المصانع العسكرية في الأسواق المدنية (بدلًا من بيعه بشكل مباشر وحصري لمشاريع الإنشاء التي تديرها الهيئات العسكرية) تشير إلى أن هذا النوع من المنافسة بدأ يحدث بالفعل.

إن الاستثمار العسكري في قطاعي الصلب والأسمنت لیس بوسعه أن یكون مجدیًا إلا إذا ضمن العائدات بفضل الطلب الضخم على تلك المنتجات الذي تولّده المشروعات العملاقة.

الصلب

يؤكد قطاع الصلب هذه الديناميات. فقد تجاوزت السعة الإنتاجية المحلية الاستهلاك باستمرار منذ عام 2000؛ إذ بلغ الإنتاج السنوي من قضبان حديد التسليح للبناء حوالي 6,5 ملايين طن بحلول عام2017، تاركًا ما يصل إلى 35 في المئة من السعة غير مستغلة، حسب التقديرات المتحفظة. وحتى بعد الزيادة على الطلب الذي أحدثته المشروعات العملاقة، فقد تمت تلبيتها بسهولة من خلال السعة الموجودة، إذ بلغت الإنتاجية8 ملايين طن في عام 2018، فيما ارتفعت تقديرات السعة الإجمالية إلى ما بين 12,8 و13,5 مليون طن. وارتفع معدل نقص استخدام السعة إلى ما بين 38 و59 في المئة (حسب المرجع). وعندما ادعى رئيس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، اللواء مصطفى أمين، في آب/أغسطس 2018، أن الجهاز قد دخل قطاع الصلب لزيادة الإنتاج الوطني لأن العرض الإجمالي لم يكن كافيًا، كان هذا الإدعاء زائفاً، زيفا جليًّا وكبيرًا.

منذ عقود والمصنع الضخم للصلب الذي دشّنه عبدالناصر في عام 1954 هو الذي يغذّي الصناعة الحربية المصرية. واقتصر الإنتاج العسكري منه غالبًا على مصنع كبير للدرفلة تملكه شركة أبو زعبل للصناعات الهندسية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، والتي بدأت العمل في عام 2010. ولكن كان هذا مصنعًا نصف متكامل، لا ينتج سوى المنتجات الوسطية، فكان حصول جهاز مشروعات الخدمة الوطنية على شركة "السويس للصلب" المتعثرة في عام 2016 هو الذي مكّنها في النهاية من إنتاج منتجات الصلب الكاملة اللازمة للبناء. شركة السويس للصلب هي ثاني أكبر منتج للصلب في البلاد، وقد تكبدت خسائر بلغت 1,48 مليار جنيه بحلول حزيران/يونيو 2015. فاشترى جهاز المشروعات نسبة 40 في المئة من الأسهم وهي حصة المالك السابق جمال الجارحي بمبلغ 3,8 مليارات جنيه في صفقة تم الانتهاء منها في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، وسدد أكثر من 5 مليارات جنيه في شكل قروض مستحقة للبنوك المحلية، ورفع إجمالي رأس مال الشركة إلى 13,9 مليار جنيه (ما كان يعادل مبلغ 1,138 مليار دولار). وقد شمل ذلك ملياريْ جنيه من الاستثمارات الجديدة، جاء جزء منه من البنوك؛ وليس من الواضح ما إذا كان الجهاز قد وفر المبلغ المتبقي من أمواله الخاصة، لكن انتهى الأمر بحصوله على 82 في المئة من الشركة بعد إعادة هيكلتها.

وبعد أن حصل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية على حصة مهمّة في هذا القطاع، ورد أنّه يخطط لرفع إنتاج شركة السويس للصلب إلى 1.4 مليون طن من حديد التسليح. وقد تكون شركة السويس للصلب قد سعت للحصول على قرض مصرفي إضافي بقيمة مليار جنيه في حزيران/يونيو 2017 من أجل تمويل هذا التوسع. ظاهريًّا، كان الهدف هو استبدال 800 ألف طن من شركة "مصر الوطنية للصلب" (عتاقة)، وهي شركة شقيقة لشركة السويس للصلب التي بقيت في ملكية الجارحي، لكن هذا يعني ببساطة إضافة المزيد من السعة الإنتاجية لقطاع مُشبع أصلًا، بدلًا من استخدام سعة القطاع الخاص الموجودة بشكل أكمل.

وقد تصرفت وزارة الدفاع بنفس الطريقة تقريبًا عندما استحوذت على حصة غالبة في شركة "مصر للصلب" في تشرين الثاني/نوفمبر 2018. وكان قد سبق بسنة واحدة فقط للرئيس التنفيذي للشركة والمؤسس المشارك أحمد أبو هشيمة، أن توقّع بثقة أنها ستحصل على حصة بنسبة ما بين 20 و25 في المئة من السوق المصري، ببلوغ إنتاجها مليونيْ طن. لكن النقص في الغاز والكهرباء الذي أصاب القطاعات الصناعية بشدة في عام 2016 تسبب في أزمة شركة مصر للصلب، وكما شركة السويس للصلب، فقد تعرضت مصر للصلب لضغوط لتسديد أكثر من 3 مليارات جنيه في شكل قروض مصرفية. (كان أبو هشيمة قد عمل سابقًا واجهةً لمديرية المخابرات العامة في شراء مجموعة من وسائل الإعلام الخاصة اعتبارًا من عام 2014، لكنه اضطر إلى الخروج بعد تكبده خسائر كبيرة، وبالتالي فقد يكون استحواذه على شركة مصر للصلب عكس ديناميية مماثلة خفية). وجرى تسديد مليار جنيه من ديون الشركة في صفقة إعادة الهيكلة التي تم التوصل إليها في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، كما تم شراء حصة المؤسس الشريك القطري الشيخ محمد بن سحيم آل ثاني (يُعتقد أن حصته بلغت 70 في المئة)، فيما تم رفع إجمالي رأس مال الشركة. وجرى تعيين مساعد وزير الدفاع لشؤون التسليح، اللواء هشام الخطيب، رئيسًا لشركة مصر للصلب، وأبو هشيمة نائبًا له.

في حالتي شركتي السويس للصلب ومصر للصلب، كان يمكن للمؤسسة العسكرية أن تزعم بأنها تنقذ شركات متعثرة. إلا أن هذا لم يكن له علاقة تُذكر بكسر الاحتكارات، أو تثبيت أسعار الصلب، أو المساعدة في تطوير قطاع الصلب الأوسع. بل إن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ووزارة الدفاع عزلا نفسيهما عن التعرض لكل الأمورالتي تجعل إنتاج الصلب مشروعًا عالي التكلفة وعالي المجازفة بالنسبة للشركات الخاصة في مصر: المنافسة من قِبَل حديد التسليح المستورد، ونقص الدولار والطاقة، وتقلب أسعار الصرف وأسعار السوق العالمية (بما في ذلك للمواد الخام التي يجب استيرادها)، وارتفاع استهلاك الوقود. والنتيجة هي خلق انفصام في قطاع الصلب، حيث تختلف المجازفة والفرص اختلافًا كبيرًا لكل من المنتجين العسكريين والمدنيين (ولاسيما مَن هم في القطاع الخاص. فالفئة الأولى توفّر منتجاتها بحرية للمستهلكين المدنيين، فيما تخلق ظروفًا في السوق تحول دون تدفق معاكس (أي للمنتجات المدنية في السوق العسكري). وجدير بالذكر أن الملكية العسكرية في هذا القطاع بلغت 12-16 في المئة على الأقل، بسعة إنتاجية وصلت إلى 1,55-2,3 مليوني طن، علمًا أن النسبة قد تبلغ 27 في المئة في حال إتمام التوسعات المخطط لها في شركتي السويس للصلب ومصر للصلب، والتي سيكون من شأنها زيادة السعة الإنتاجية المشتركة إلى 3,52 ملايين طن.

من جهة، حقق جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ووزارة الدفاع هذه النتيجة من خلال الحصول على سبل إنتاج ليس حديد التسليح فحسب، بل أيضًا المنتجات الوسيطة التي يُصنع منها حديد التسليح: البليت (الحديد الخام)، الذي يتوجب على الشركات الأصغر استيرادها من الخارج ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الصرف، والحديد الإسفنجي، وهو بديل أرخص من خردة الصلب (المُكلِفة في مصر). وفي إشارة إلى ضعف وضعها، أوقفت الشركات الأصغر العاملة في مجال إعادة درفلة البليت الإنتاج والمبيعات ردًا على الزيادة في الرسوم الجمركية في نيسان/أبريل.2019 ومن جهة أخرى، فإن الشركات العسكرية تنعم بالطلب المضمون على منتجاتها من المشاريع العملاقة، ما يسمح لها باستخدام نسبة أعلى من سعتها الإنتاجية حتى لو كان هذا يعني تخزين المخرجات، لأنه يمكنها السحب من المخزون لتلبية الطلبات المستقبلية المضمونة. ويمكن لهذه الشركات أيضًا خفض أسعار السلع قسرًا عن طريق استخدام فائض السعة لديها لمنافسة القطاع الخاص في سوقه هو. ويُفترض نظريًا أن يكون ذلك في صالح المستهلكين، ولكن فقط على حساب إرغام الشركات الخاصة على البيع بأقل من التكلفة (ما يعني امتصاص الخسائر الكبيرة)، أو تقليص المبيعات (ما يعني تكبد تكاليف التخزين)، أو خفض الإنتاج (ما يعني زيادة نسبة السعة الخاملة).

الإسمنت

شهد قطاع الإسمنت نمطًا مطابقًا، فيهيمن عليه أيضًا القطاع الخاص، ويعاني من زيادة مُفرطة بحجم العرض مقابل الطلب. وكما هي العادة في بيانات مصر الاقتصادية، تتنوع تقديرات السعة الإنتاجية الإجمالية، حيث تراوح ما بين 68,5 مليون طن سنويًّا في الفترة 2017-2015 وفقًا للأرقام الرسمية المقدمة من وزارة الخارجية المصرية إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في أيار/مايو 2018، و79 مليون طن حسب تقدير مصادر صناعية، و83,5 مليون طن وفقًا لجمعية الإسمنت التابعة للاتحاد المصري للصناعات. لقد كان الاستهلاك ثابتًا نسبيًّا، حتى بعد إطلاق المشروعات العملاقة: 50 مليون طن سنويًّا في عامي 2013 و2014، ليرتفع إلى 55-54 مليون طن سنويًّا في الفترة 2015-2018. وحتى وقت قريب، استحوذت الشركات الأجنبية على 52في المئة من السوق (أحيانًا من خلال فروع محلية)، والشركات الخاصة المصرية على حوالي 40 في المئة، حيث امتلكت شركة الإسمنت الوطنية، وهي ملكية عامة، وشركة العريش للإسمنت التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية.، الحصة المتبقية.

وكما في حال الصلب، قدم المسؤولون العسكريون صورة مشوهة عن السعة الإنتاجية عند تبرير الاستثمارات العسكرية الجديدة في قطاع الإسمنت. فقد دشّن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أول خطيْ إنتاج له بطاقة إجمالية تبلغ 3,2 ملايين طن في نيسان/أبريل 2012، وهو ما مثّل 6 في المئة من الإنتاج الوطني في عام.2015 لكن في عام 2016، أقرّ الجهاز مضاعفة طاقة مصنع العريش إلى 6,5 ملايين طن سنويًّا بحلول عام 2018، وزيادة حوالي 13 مليون طن من السعة الإضافية بحلول عام 2019 من خلال بناء مصنع جديد تمامًا في بني سويف بتكلفة 1,12 مليار دولار (وهو أيضًا ملك لشركة العريش للإسمنت). وأوضح اللواء مصطفى أمين، رئيس جهاز المشروعات، أن هناك حاجة إلى التوسع من أجل تلبية الطلب المتوقع البالغ 86 مليون طن بحلول عام 2022، متجاهلًا حقيقة أن هذا الهدف يمكن تحقيقه بالكامل تقريبًا من خلال السعة الحالية. بالفعل، حتى مع إنتاج مصانع الجهاز بكامل طاقتها، من المتوقع أن تصل السعة غير المستغلة في القطاع ككل إلى 19 في المئة بحلول عام 2020.

مرة أخرى، أغفلت التوقعات المتفائلة العواقب الضارة للقطاع الخاص ولمخططات الحكومة المتعلقة بتطوير قطاع الإسمنت، فضلًا عن المخاطر المالية المستقبلية على المؤسسة العسكرية. فقد شهد معظم شركات الإسمنت الخسائر المتزايدة في عامي 2017 و2018 بسبب تعرّضها إلى النواقص في الطاقة والدولار في عام 2016، ما أدى إلى تباطؤ الطلب على مواد البناء، بالإضافة إلى منافسة شديدة في أسواق التصدير من قِبل المنتجين الإقليميين المستفيدين من انخفاض تكاليف المدخَلات لديهم. ووفقًا لتقرير صادر عن شركة الخدمات المالية "سِي آي كابيتال"، فقد ارتفعت أسعار الإسمنت بنسبة 20 في المئة في عام 2017 فيما زادت كلفة الإنتاج بنحو 37 في المئة، لكن منتجي القطاع الخاص لم يتمكنوا من نقل الزيادة إلى المستهلكين. فسعى العديد منهم إلى التوفير عبر تخزين الكلنكر (الخَبَث)، وهو المنتَج الوسيط في صناعة الإسمنت، بدلًا من تحويله إلى منتج نهائي، مع أن في ذلك خسارة إضافية. فبلغ المخزون الوطني من الكِلنكر ما بين 5 و7,1 ملايين طن بحلول الربع الأول من عام 2018، وقد يصل إلى 15,7 مليون طن بحلول عا م 2022 .

وفي مواجهة أوجه عدم الكفاءة العميقة فيها، علّقت الشركة الوطنية للإسمنت المملوكة للدولة الإنتاج في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، وفي النهاية أقفلت بعد أقل من عام. وكما لاحظ تقرير خاص صادر عن وكالة رويترز، فإن خسائر شركتي السويس للإسمنت والإسكندرية للإسمنت، اللتين تملك غالبية أسهمهما شركة ألمانية وأخرى يونانية على التوالي، ارتفعتا بنسبة 100 و1000 في المئة مقارنةً بعام 2017، بينما اضطرت شركة النهضة للإسمنت المملوكة للدولة، التي كانت قد أعلنت تحقيق ربحٍ في عام 2017، إلى تقليص الإنتاج في مطلع عام 2018 والبدء بتخزين الكِلنكر. وفي آب/أغسطس من السنة ذاتها، توقع تقرير صادر عن شركة "فاروس للاستثمار المصرفي" المصرية أن حجم الطلب في السوق ليس كافيًا لإنقاذ الشركات الأصغر، وأنها سوف تضطر إلى الإغلاق في غضون السنة التالية.

هكذا، فقد استغل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية عزله النسبي عن العوامل الخارجية السلبية لتوسيع شركته الخاصة، بدلًا من تأمين توريد الإسمنت وتثبيت الأسعار من خلال مساعدة القطاع الخاص على التغلب على التقلبات الملحوظة في الفترة 2017-2016، أو عن طريق الاستحواذ على الشركة الوطنية للإسمنت المتعثرة وإعادة تأهيلها كما فعل تقريبًا مع شركتي السويس للصلب ومصر للصلب. وبذلك، تجاهل تمامًا جهود الحكومة الموازية لتوسيع قطاع الإسمنت، وقام فعليًا بتقويضها. فكانت الهيئة العامة للتنمية الصناعية قد عرضت أربعة عشر ترخيصًا لإنشاء مصانع إسمنت أو توسيعها، في عام 2016، إلإ أنها لم تتمكن من بيع سوى ثلاثة حتى عام 2018 (ما أضاف 6 ملايين طن من السعة الإنتاجية سنويًّا في نهاية المطاف). فترددت الشركات المحلية والأجنبية في الاستثمار في قطاع تُقدّر سعته الفائضة بنحو 30 مليون طن في السنة. هذا، وبعد تعرّضها إلى الضغوط من الشركات الخاصة، التي ادعت أن مبيعاتها قد انخفضت بنسبة 50 في المئة في غضون السنوات القليلة السابقة، تعهّدت الحكومة في تموز/يوليو 2019 دعم إنتاجها، ما يعني أن الخزانة العامة ستتحمّل تكاليف الولوج العسكري إلى القطاع.

وقد يكون بدا مغريًا من وجهة نظر تجارية رفعُ حصة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية من السعة الإجمالية إلى حوالي 23 في المئة في قطاع صناعي يُقدر أنه يمثل 10 في المئة من الصناعات التحويلية المصرية و1 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. لكن تحقيق الجدوى السوقية له متطلبات أخرى أظهرت المؤسسة العسكرية أنها لا تُمسك ولا تتحكم بها. من الناحية النظرية، يمكن للإنتاج الحربي أن يساعد في تصحيح مسار الأسواق والأسعار، كما تفعل الحكومات، ولكن فقط إذا كان مصحوبًا بالتشاور المكثّف وبالتنسيق الوثيق مع أدوات السياسة الأخرى، ومحسوبًا بدقة. بدلًا من ذلك، جاءت التدخلات العسكرية في قطاعي الصلب والإسمنت لتشوّه السوق وتوقع نتائج عكسية به، ماليًّا وسياسًّا. وحسب تأكيد موظف سابق في شركة إسمنت العريش تكلم مع الصحافية أميمة إسماعيل في أيلول/سبتمبر 2019، فإن مصنعها الجديد في بني سويف كان يعمل بنسبة 40 في المئة من سعته فحسب. ولعل الإدراك الجزئي لهذا الوضع هو ما يفسر عدم تنفيذ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية لمقترح صادر عن مديره العام والسيسي في آب/أغسطس 2018 بأن الجهاز سيطرح أسهمه في شركتي العريش للإسمنت والسويس للصلب للبيع في البورصة.

انعدام الثقة، والمزاحمة، والتحويل

لقد ساهمت الشراكة العسكرية مع الشركات الخاصة في إنتاج السلع والخدمات العامة تحت الإدارة العسكرية بإضافة القيمة الاقتصادية من حيث استثمار رأس المال. ولكنها أدّت أيضًا إلى نتائج عدة أضرَّت بتنمية القطاع الخاص حين تضافرت وانسجمت مع بعضها البعض، تقريبًا بقدر الضرر حين تعارضت مع بعضها الآخر. إذ إن الارتباطات السياسية التي ضمنت الحصول على العقود للعديد من الشركات قد ساهمت عمومًا إلى خنق التنافس والإبداع المعتاديْن في الأسواق. حيث أغلقت الهيئات العسكرية الأسواق في وجه منافسيها، وقلّصت فرص التوظيف (رغم ادعاءاتها بأنها تقوم بعكس ذلك)، وحوَّلت رأس المال الاستثماري، ولجأت إلى الوسائل اللاتنافسية لخفض الأسعار، بغض النظر هل حصل كل ذلك بسبب التفضيل العسكري للمحسوبين أم بسبب مقاربة اقتصادية مضلَّلَة. ومن اللافت أنه حتى في منطقة مصالح خاصة عسكرية كمطقة السويس الاقتصادية، التي بإمكانها فعلًا دفع النمو الاقتصادي والناتج الصناعي الوطنييْن، لم تتمكن المؤسسة العسكرية من حل الجدال الداخلي أو إظهار الكفاءة المهنية لتطوير الأطر القانونية والتنظيمية للاستثمار الخاص (وخصوصاً الأجنبي) ، رغم مرور ست سنوات من الاستثمارات الضخمة المالية والسياسية من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة على حدٍّ سواء.

تتمثّل إحدى المشاكل بالنسبة للمؤسسة العسكرية في أن لديها أهدافًا متعارضة من تعاملها مع القطاع الخاص. فمن جهة أولى، تبحث عن رأس المال والخبرة الفنية والمعدات التي تفتقر إليها، أكان ذلك للموظفين في المشروعات العملاقة الحكومية التي تديرها، أم في المنطقة الاستثمارية والمجمعات الصناعية ذات الأهمية الاقتصادية الخاصة بالنسبة إليها، مثل محور عين السخنة. أما من الجهة الثانية، فتسعى المؤسسة العسكرية ظاهريًا إلى مساندة تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة، بالتلاقي مع الأولويات المعلنة للرئيس واستجابة لحث الهيئات المالية الدولية. ولكن في كلتا الحالتين، كان الهدف العسكري الرئيس هو توليد الدخل والنمو لخدمة الاحتياجات السياسية للائتلاف الحاكم، والهدف الثانوي هو القبض على الريع لخدمة الشبكات الزبائنية، فيما تواصل المؤسسة العسكرية بناء قاعدتها الخاصة من رأس المال والأصول. اتفق ذلك ولو هامشيًا مع مصالح القطاع الخاص حتى عام 2013، ولكن التحوّل الجذري في النشاط الاقتصاد العسكري مذاك وضع العلاقة على مسار مختلف. ولا تكمن المشكلة أساسًا في مسألة حجم الأعمال، لأن الإدارة العسكرية لمشروعات الأشغال العامة الضخمة هي في مصلحة الشركات الخاصة أيضًا وبقدر ما تكمن في نطاق النشاط العسكري، تفرض الهيئات العسكرية على تلك الشركات المشاركة بنصيب من التكاليف وتدخل بقوة وهجومية إلى القطاعات السلعية التجارية كذلك.

تتمثّل إحدى المشاكل بالنسبة للمؤسسة العسكریة في أن لدیھا أهدافًا متعارضة من تعاملھا مع القطاع الخاص.

علَّقت على ذلك نُهى بكر، مساعدة وزير التعاون الدولي آنذاك، بالمحاججة مجددًا إن التدخلات العسكرية لا تهدف سوى إلى حماية الاقتصاد من نواقص السلع في الأسواق وتقلّباتها، وإن فائض الإنتاج العسكري وحده هو الذي يتم بيعه لسد الثغرات التموينية في الأسواق المدنية. وأضافت أن "منتجات المصانع العسكرية لم تعكّر صفو السوق ولم تؤثر على قواعد السوق الحر". وشدد وزير الدولة للإنتاج الحربي اللواء محمد العصّار لاحقًا، على أن 70 في المئة من مشاريع وزارته تتم بالشراكة مع الشركات الخاصة؛ وثم سعى مجددًا في آذار/مارس إلى طمأنة القطاع الخاص بأن وزارته لا تريد استحواذ أو احتكار أي قطاع صناعي.

إن مصداقية هذه المزاعم كانت مثار شك في عام 2015، في وقت كانت الهيئات العسكرية المتنوعة تشحذ الهمّة لتوسيع دورها الاقتصادي، ولكنها باتت لاغية تمامًا الآن. وكما تدل غزواتها في قطاع الإعلام والصلب والإسمنت، فإن المؤسسة العسكرية تسير على مسار توسّعي للاستحواذ على حصصٍ فيها، وثم الدفاع عن تلك الحصص، ما يجعلها في تنافسٍ مباشر مع القطاع الخاص. وللمزيد من الدلالة على ذلك، قام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بتوسيع ضخم لسعته لإنتاج الرخام والغرانيت المشغول (تمت مناقشته سابقاً)، وبتدشين بناء مجمع صناعي للفوسفات والأسمدة تملكه شركة الناصر للكيماويات الوسيطة ذات الملكية العسكرية، في آب/أغسطس 2019. وتتميز هذه الشركة بسعة إنتاجية تبلغ 3,45 ملايين طن، ما يزيد عن مجمل سعة الإنتاج السنوي المتوقعة لمصر، البالغ ثلاثة ملايين طن من المنتجات الكيماوية بحلول عام 2020.

إن ما يزيد من تعقيد العلاقات العسكرية بالقطاع الخاص هو التغيير الملحوظ في النظرة والنبرة منذ أن قامت إدارة رئاسية جديدة في تموز/يوليو 2013. فقد ووجهت الشركات الكبيرة، التي كانت ستنظر عادةً بعين الرضا إلى الحكم السلطوي بمثابته مربحاً وستسعى إلى علاقة خاصة معه، بسلوك مُتقلّب وتصريحات متضاربة من السيسي وكبار المسؤولين العسكريين. وجاءت حالة مُبكّرة لذلك في إطلاق الرئيس لصندوق "تحيا مصر" في عام 2014. كان يأمل السيسي تحويل ذلك إلى "صندوق سيادي للأجيال" برأس مال يبلغ 100 مليار جنيه مصري من خلال الاستثمار في المشاريع المُولِّدة للصادرات والمُتَطَلّبة للكثافة العمالية والشراكات التجارية وتبرعات القطاع الخاص. ولكن، حسب إقراره، لم يجمع الصندوق سوى 4-5 مليارات جنيه حتى كانون الثاني/يناير 2015، رغم قدوم التبرعات من بعض نظائر المؤسسة العسكرية المألوفين مثل شركة المقاولون العرب، ومدينة نصر للإسكان والتنمية، والاتصالات، وأوراسكوم للإنشاء والصناعة. ولم يصل إجمالي التبرعات سوى إلى 7,7 مليارات جنيه بحلول آذار/مارس 2018، إلا أن تخفيض قيمة الجنيه قلَّص قيمة الصندوق بالدولار إلى أقل من نصف مستواها الأصلي.

وفي نيسان/ابريل 2015، قام رئيس الوزراء آنذاك إبراهيم محلب بتعيين رئيس الهيئة المالية لوزارة الدفاع أميناً لصندوق تحيا مصر، وعميدٍ من القوات المسلحة مديرًا ماليًا له أيضًا. ليس واضحًا ما إذا كان هذا هو السبب أم لا، إلا أن رجال الأعمال باتوا يتعرضون للضغوط المباشرة للتبرع إلى الصندوق، في ممارسة يستاؤون منها وتستمر حتى الآن، كما تؤكد المقابلات التي جرت في إعداد هذا التقرير. بل حتى الشركات الصغيرة، كالفنادق في المنتجعات السياحية المعروفة، تتعرّض أيضًا إلى التبرع شهريًا بالإكراه إلى الصندوق. إن إحساس السيسي بوجوب طمأنة رجال الأعمال في كانون الأول/ديسمبر 2015 بأن التبرع إلى تحيا مصر أمر اختياري، وإنهم لن يجازفوا بمخاطر تأميم أو مصادرة شركاتهم لو امتنعوا عنه، يدل بشكل ساطع على المخاوف التي تثيرها إدارته، وعلى حاجتها لرأس مالهم، وتواضع استثماراتهم الفعلية. غير أن مسؤولًا رفيعًا هو محافظ شمال سيناء (وهو لواء متقاعد، كالعادة) عكر قيمة مثل هذه التطمينات حين ألقى بالمسؤولية عن إخفاق التنمية في المحافظة على كاهل القطاع الخاص الذي اتهمه بتسليم مجرد 1 في المئة من المشاريع بدلًا من نسبة 60 في المئة المُناطة به.

والجديد أيضًا التغيير في كيفية عمل الارتباطات السياسية. ففي حقبة مبارك، حسب ما اثبت الخبيران الاقتصاديان فرديناند آبيل وعديل مالك، استفاد المحسوبون وغير المحسوبين العاملين في نفس القطاع الاقتصادي من الحماية التجارية لذلك القطاع على حد سواء، وكان بإمكان الشركات المدنية أن تلقى المعاملة التفضيلية إياها عند الدخول إلى القطاعات التي تحضر فيها أيضًا الشركات العسكرية. ولكن التطورات في قطاعات الصلب والإسمنت والكيماويات الصناعية منذ عام 2016 تُظهر انقلاب هذا النمط إلى عكسه، حيث للتعرفات الجمركية الحمائية وقع ٌ متباينٌ تمامًا على كل طرف، إذ تضرّ بمنتجي القطاع الخاص فيما تفيد نظراءهم العسكريين.

لم تغب النواحي البراغماتية والانتهازية التي حكمت غالبًا العلاقات بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية والقطاع الخاص حتى عام 2011، ولم يتم استبدالها كليًا، ولكنها تتآكل. وفي رأي الخبراء الاقتصاديين اسحق ديوان وفيليب كير ومارك شيفباور، فإن السيسي قد سلك طريق العودة إلى حكم سلطوي قاسٍ، بما في ذلك من خلال إعادة بناء غلبة الدولة [في الاقتصاد]. وفي هكذا وضع، من غير المرجح أن تثق الدولة بالقطاع الخاص، وفي الوقت عينه، ابتعد السيسي عن عددٍ من محسوبي مبارك القدامى ليبني شبكته الشخصية الخاصة التي غالبًا ما يديرها الجيش مباشرة. ولكن طالما بقيت المخاطر السياسية كبيرة، وهي مخاطر متأصّلة في جهود "لإستعادة" [أي إعادة بناء النظام السلطوي السابق] المبنية على أساس استراتيجية "فرق تسد" العنيفة، فإن مجموعة المحاسيب الجدد ستظل ضيقة والنمو متدنيًا.

هذا، وإلى جانب إعادة إنتاج التشويه المُزمن للحوافز السوقية، فإن تركيز السيسي على المشروعات العملاقة والتمدد العسكري في قطاعات اقتصادية مستقرة يكثفان المقاربة الماضية المتكلة على توفير رأس المال، بدلًا من تشجيع توسّع وتنوّع الأسواق واللذين تحتاج إليها الشركات الخاصة من أجل النمو، وذلك يفترض أن تكون هي المدخل الرئيسي إليهما. وبدلًا من ذلك، فإن تلك المشروعات تحول الموارد التي يحتاج إليها القطاع الخاص بطريقة تُذكر بحقبة عبد الناصر. ففي حينها، أثر مشروع السد العالي بشدة على الاستثمار العام والخاص معًا، فأدى إلى الانكماش في القطاعات الأخرى وحرمانها من مواد البناء التي تحتاج إليها. ومن المفارقات انه بالرغم من زيادة السعة الإنتاجية للإسمنت كثيرًا منذ 2016 على أيدي المؤسسة العسكرية، يشكو العديد من مستثمري القطاع الخاص من شفط المشاريع الإنشائية التي تديرها تلك المؤسسة للصلب والبلاط والأسلاك وغيرها من المواد من الأسواق، ما يؤدي إلى تباطؤ وتوقف مشاريع القطاع الخاص.

خاتمة: هل يبني رأس المال الخاص أم العسكري مصر؟

ليس كل ما تقوم به المؤسسة العسكرية في المجال الاقتصادي هدفه الافتراس، ولا حتى القسم الأكبر منه، إلى الآن. بل إنه يدل على واقع أن جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي في مصر ما زال تدفعه الدولة والقرارات الفوقية للجهات الفاعلة السياسية القوية، التي تتسم معاييرها الاستثمارية وأساليبها لتقييم الجدوى الاقتصادية بالبساطة الشديدة. وحسب وصف أحد المتخصصين بالمشاريع التجارية المشتركة، تتسم المقاربة الرسمية.

بالتشديد على الأهداف الكمية: "سوف ننتج عدد كذا من الأطنان في الشهور الستة المقبلة"، دون التأكد من الاحتياجات الفعلية للأسواق أو قدرتها على الاستيعاب. وحين تتجه الدولة لمعاونة الشركات، تلقي تركيزها على واحدة منها وتشجعها عبر منحها عقدًا كبيرًا، وثم تنتقل إلى الشركة التالية وتعيد فعل الشيء نفسه. إلا أن ذلك يتسبّب بطفرات من الإنتاج التي لا تتلاءم واحتياجات السوق أو قدرته الاستيعابية.

لاحظ خالد إكرام في عام 2006 أن الأداء والسياسات الاقتصادية المصرية شكّلتها "مقاربة ضيقة في اختيار المشاريع، حيث تُعتبر القدرة على إنتاج سلعة معينة مسألة بالغة الأهمية، فيما لا تلقى التكاليف الاقتصادية لإنتاجها سوى اهتماماً ضئيلاً. ولاتزال ملاحظته صحيحة في يومنا هذا، بالنسبة إلى رئاسة تعتقد أن الاقتصاد ما هو إلا تجميع للمشروعات والاستثمارات، وكذلك بالنسبة الى مؤسسة عسكرية تم إختيارها لتكون واحدة من الأدوات الرئيسة في يد تلك الرئاسة.

ويشكل ذلك الإطار الذي تسعى من خلاله إدارة السيسي والمؤسسة العسكرية وراء التحالفات الاستراتيجية مع المستثمرين الأجانب، بدلًا من الشركات المصرية التي قد تتطور لتصبح أطرافًا سياسية منافسة. غير أن هناك نمطًا آخذًا بالظهور في العلاقة مع الشركات الأجنبية، كما مع الشركات المصرية. فالشركات الصينية والروسية والخليجية، وبعضها الغربية، التي تشعر بالأمان سياسيًا ولا تخشى المجازفة (منها الإيطالية على سبيل المثال)، قد استثمرت في المناطق التنموية الاقتصادية وبالمشروعات الإنشائية والصناعية التي تفضّلها المؤسسة العسكرية. ولكن كما أكد تقرير خاص أصدرته وكالة رويترز في عام 2018، فإن المستثمرين الآخرين استمروا بتجنب مصر (بالرغم من منح قرض يبلغ 12 مليار دولار من قبل صندوق النقد الدولي، يفترض منه التمهيد للتوسع الاقتصادي)، وذلك بسبب القلق حيال الامتيازات الضريبية وغيرها التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية. وكانت النتيجة الاستثمار المباشر "البطيء" حسب وصف البنك الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2019، وجلّه في قطاع النفط والغاز، تاركًا القطاعات المنتجة الأخرى في مصر تعاني مستويات متضائلة من إستثمارات القطاع الخاص.

في كثير من الأحيان، لا تعدو المؤسسة العسكرية أكثر من مجرد أداة السياسات الرئاسية أو الحكومية، ولكن يزداد احتمال أن تستخدم أفضلياتها لمضاهاة أسعار القطاع الخاص وللسعي وراء زيادة حصتها من الأسواق بهدف حماية استثماراتها وتكاليفها التأسيسية، بعد أن أخذت بالتوسع في مجال إنتاج السلع القابلة للتسويق وبكميات ملحوظة. كما يمكن أن تُفرِط المؤسسة العسكرية بالاستثمار في نشاطات تؤمن الدخل السريع، كلما تتوغل أكثر في الاقتصاد المدني، ومن شأن ذلك أن يعزِّز نمط المضاربة الظاهر منذ أوائل عقد التسعينيات في القرن العشرين على الأقل، علمًا أن مثل هذه التحولات لن تشجع على تطور القطاع الخاص بالطريقة التي تحتاج إليها مصر. وفي أقل تقدير، ستتراجع المؤسسة العسكرية إلى الجيب الاقتصادي الذي قامت بتوسيعه بشكل كبير منذ عام 2013، كما يظهر من المجمع التجاري والسياحي والصناعي الذي تقوم بتكوينه على ساحل البحر الأحمر. تتسم الشركات مع الشركات الخاصة المختارة بالأهمية العضوية في هذا المسار، وكذلك الدور الذي تقوم به المؤسسة العسكرية بفتح الأبواب أمام الشركات الأجنبية والوكالات المدعومة من حكوماتها التي تملك موارد مالية وتكنولوجية أكبر للاستثمار في المناطق الاستراتيجية الواقعة تحت السيطرة العسكرية بالكامل تقريبًا. وتساهم الحكومات الغربية والمؤسسات المالية الدولية في هذا الاتجاه من خلال ادعاء الحياد السياسي فيما تغض الطرف عن الآثار الحقيقية لسياسات إدارة السيسي تجاه تطور القطاع الخاص والذي يزعمون تأييده رسميًا تأييده بوصفه المفتاح لحل مشكلات مصر الاجتماعية والاقتصادية.

تساھم الحكومات الغربیة والمؤسسات المالیة الدولیة في ھذا الاتجاه من خلال ادعاء الحیاد السیاسي فیما تغض الطرف عن الآثار الحقیقیة لسیاسات إدارة السیسي تجاه تطور القطاع الخاص.

وأخيرًا، حتى لو امتنعت المؤسسة العسكرية عن الإفراط بالتوسع الاقتصادي، فإن العواقب المحتملة للمضي بمسار السياسة الحالية ستكون وخيمة. فقد قدّر البنك الدولي أن السياسة الحالية ستكون وخيمة. فقد قدّر البنك الدولي في كانون الأول/ديسمبر 2018 أن مصر بحاجة إلى 675 مليار دولار لتغطية احتياجاتها من البنية التحتية والنواقص في التمويل خلال السنوات العشرين المقبلة، ولكنها تواجه عجزًا قدره 230 مليار دولار لن تتمكن من تأمينه سوى من الاستثمار الخاص والتمويل التجاري (أي الاقتراض). يتوقف ذلك كليًا على خلق مناخ مُمكن، إلا أنه صعب المنال اذا استمرت الاتجاهات الحالية وجاء منح السيسي لوزارة الدفاع السيطرة على عقارات سياحية مرغوبة في 47 جزيرة في البحر الأحمر وفي موقعيْن ساحلييْن في آب/أغسطس 2019 ليؤكد رسالة مفادها أن مستثمري القطاع الخاص لن يتمكنوا من النشاط في أحد القطاعات الأكثر ربحيةً في الاقتصاد المصري إلا إذا عملوا مع، أم من خلال، المؤسسة العسكرية.

المؤسسة العسكرية، فلا تزال متعلقة بقوة بالاعتقاد أنها الانتفاع من أصول الدولة، بل ومن الموارد القومية عمومًا، هو استحقاق لها. فبدلًا من أن تقبل بالتخلي عما تعتبره حقًا لها، ستضاعف جهودها للتمسك به وتوسيعه على الأرجح.

أما المؤسسة العسكرية، فلا تزال متعلقة بقوة بالاعتقاد أنها الانتفاع من أصول الدولة، بل ومن الموارد القومية عمومًا، هو استحقاق لها. فبدلًا من أن تقبل بالتخلي عما تعتبره حقًا لها، ستضاعف جهودها للتمسك به وتوسيعه على الأرجح. يبدو أن السيسي والمؤسسة العسكرية يراهنان، عن وعي أو غير وعي، على أن رأس المال الخاص سوف يخضع لهذه المعادلة، وأن زحم توليد رأس المال من قبل المؤسسة العسكرية كافٍ للتعويض عن أي قصور في استثمار القطاع الخاص.