المحتويات

ستصبح نسخة الpdf من هذا التقرير، إضافةً إلى الحواشي الكاملة، متوافرة على الموقع الإلكتروني في وقت قريب.

إنّ أبعاد استيلاء القوات العسكرية المصرية على السلطة في تموز/يوليو 2013 تمتد إلى أكثر من مجرد إزالة أي قيود متبقية على الاقتصاد العسكري. والسيسي هو الذي يمنح التشجيع السياسي النشِط والتشريع المُمَكِّن لذلك أكان عن طريق القصد أم الخطأ، فإن المؤسسة العسكرية تعمل كرأس حربة الجيش لانتقال مصر نحو مرحلة جديدة من الرأسمالية التي تقودها الدولة، والتي تعيد تشكيل نواحٍ أساسية من الملكية العامة أو السيطرة على الاقتصاد، حتى وهي تنسج الشراكات مع رأس المال المحلي والأجنبي وتدّعي الإخلاص لاقتصاديات السوق الحرّة التي تنادي بها الحكومات الغربية والمُقرضون الدوليون. إنّ كبار ضباط القوات المسلحة ما فتئوا يؤمنون بأن مهاراتهم الإدارية وتفوقهم الظاهر على المدنيين، يُفرِد لهم تولي قيادة النمو الاقتصادي والتحديث. إلا أنه وخلافًا لما تقدم، فإنّ سجلّ السنوات الستّ الماضية يشير إلى أن النتيجة المرجّحة ستكون تزايد اختلال الأسواق وتأثيرات معاكسة على القطاع الخاص، وتنامي تكاليف الفرص الضائعة في الاقتصاد عموماً (وإنّ ما تزال هذه مستترة إلى حدّ كبير) ، وتفتُّح متزايد لشهية العسكر لتحقيق الأرباح ووضع السياسات.

2013 تمتد إلى أكثر من مجرد إزالة أي قيود متبقية على الاقتصاد العسكري. والسيسي هو الذي يمنح التشجيع السياسي النشِط والتشريع المُمكن لذلك أكان عن طريق القصد أم الخطأ

في الوقت الراهن، أدت وفرة الفرص الاقتصادية التي أتيحت بعد عام 2013 إلى تعزيز حاد للدور العسكري بالقبض على المداخل الاقتصادية، فضلًا عن زيادة الأنشطة الريعية. إنّ النتيجة الأكثر أهمية تجلت في الدور المركزي المتزايد الذي أسنده السيسي إلى المؤسسة العسكرية لإدارة الطفرة الهائلة في المشروعات الضخمة التي تموّلها الحكومة، مع التركيز على تشييد البنية التحتية العامة والإسكان. لكن الهيئات العسكرية كانت قد توسعت أيضًا بقوة في مجموعة واسعة من الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الأخرى، مثل التدخل في نظم التموين المحلية وسوق الاستيراد، وغزو قطاعات مربحة مثل الهواتف المحمولة وخدمة الإنترنت، والبث والإنتاج الإعلامي، والمحاجر والتعدين. وإنه ليس مرجّحًا أن تتنازل المؤسسة العسكرية عن مواطئ أقدامها الاقتصادية الوطيدة التي اكتسبتها، حتى إذا استمر الزخم الأول الذي تفتقت عنه المشروعات الإنشائية العملاقة ما بعد عام 2013 بالخمود. والأكثر احتمالًا، في أقل تقدير، هو أن تعزز المؤسسة العسكرية قبضتها على المناطق ذات المصالح الاقتصادية الخاصّة التي قامت بإنشائها، ما سيُصاعد من البناء المجتزأ والتفتيت في الاقتصاد الأعم.

من الناحية الرسمية، يبحث العسكر عن زيادة الفعالية، أكان ذلك عبر توليد دخل أعلى وتخفيض الكلفة من خلال تحسين الكفاءة والدقة، أو عن طريق الحد من الخسائر الناجمة عن الفساد والإهدار. وفي الواقع، لربما ساهم التنسيق الجديد بين الهيئات العسكرية وهيئة الرقابة الإدارية منذ نهاية عام 2015 في تحقيق هذه الأهداف في ما يتعلق بالأشغال العامة التي تقوم بها أو تديرها لصالح الحكومة، ولكن ربما دون أن تقلل من المحسوبية والتربّح في الحيّز الأوسع للعقود الصغيرة التي تتشكل منها المشاريع الكبيرة في الكثير من الأحيان. إلى ذلك، فإن إناطة عدد متزايد من المهمات بوزارة الدفاع وهيئات عسكرية أخرى صارت بمثابة نقطة ارتكاز للتكامل المتزايد بين أجزاء مختلفة من الاقتصاد العسكري. لكنه أثار أيضًا مخاوف متنامية من التنافس المباشر مع القطاع الخاص، في الوقت الذي أدى فيه إلى اشتداد التنافس على الريع وإعادة التحالفات بين جماعات المصالح العسكرية المتباينة ونظرائها في الأجهزة الأمنية والإدارات الحكومية والقطاع الخاص. بالتالي، أصبح الاقتصاد العسكري راسخًا من دون زيادة الإنتاجية أو إنماء بقية الاقتصاد.

السياسة والربح والافتراس

منذ عام 2013، تباينت تقييمات دوافع وتبعات النشاط الاقتصادي العسكري المتسارع وحتى مدى ذاك النشاط. على سبيل المثال، ترى الخبيرة في العلوم السياسية زينب أبو المجد، فضلًا عن الصحافييْن محمد حسني وأسامة الصياد، هدفًا افتراسيًّا مهيمناً وراء ما يبدو أنه قبض منسق على الموارد والفرص. في المقابل، يقول المحلل عبد الفتاح برايز إن المؤسسة العسكرية تفعل أكثر من مجرد "استخدام نفوذها السياسي المتزايد لجني المزيد من المكاسب والمزايا الاقتصادية"، إذ يرى المحلل أن المؤسسة تسعى إلى إضفاء الشرعية على إدارة السيسي وتوطيد الوضع السياسي الراهن من خلال الاستثمار بكثافة في "خطط الانتعاش الاقتصادي الوطنية (مهما كانت هذه الخطط مصاغة بشكل سيئ)". ويضيف برايز أن ما يدفع هذه الأمور هو الحاجة إلى اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية واسترضاء المجموعات متوسطة الدخل، وهي دائرة ذات أهمية سياسية بالنسبة إلى السيسي.

لا تخلو وجهتا النظر من الصحة، إذ إنّ التطورات في الاقتصاد العسكري تبدو مدفوعة بأكثر من منطق. إن رغبة الرئيس الشاملة في إظهار مصداقية إدارته للحكومات الأجنبية والأسواق الدولية، تفسر استعجاله في إطلاق المشاريع الضخمة البارزة للعيان. ويعدّ توليد النمو وفرص العمل هدفًا مهمًّا أيضًا، وكذلك كبح جماح ارتفاع الأسعار في السلع والخدمات الرئيسية للتخفيف من آثار خفض دعم الغذاء والطاقة على الفئات ذات الدخل المحدود. لكن هذا كله يتطلب رأس المال، وهو ما يفسّر اندفاع السيسي إلى زيادة الإيرادات وتحقيق مدّخرات من خلال احتواء الفساد الذي يسود الكثير من القطاعين العام والخاص. وأسفرت النتيجة المتناقضة عن "تسخين" الاقتصاد العسكري، إما بسبب التنافس وازدواجية الجهود المبذولة من قبل الهيئات العسكرية، وإما بسبب ازدياد البحث عن الريع واحتدام التنافس في صفوف جماعات المصالح الخاصة، بما فيها شبكات الضباط غير الرسمية، استجابة منها للفرص التي يوفرها التركيز على المبادرات التي تقودها الدولة وتمولها الحكومة.

إن رغبة الرئيس الشاملة في إظهار مصداقية إدارته للحكومات الأجنبية والأسواق الدولية تفسر استعجاله بإطلاق المشاريع الضخمة البارزة للعيان.

تقدم تصريحات السيسي العلنية منطقًا واضحًا مفاده أن القوات المسلحة وحدها قادرة أن تكون الطليعة في هذا الجهد. وهو يعتمد عليها لدعم ما وصفه بصراحة بأنه "دولة زائفة" تفتقر إلى احترام المؤسسات والقانون، ولتعويض العجز الواضح للحكومة ووزاراتها والهيئات المدنية الأخرى عن تقديم الأشغال والخدمات العامة الحيوية بتكلفة معقولة. هذا، ويوجد أساس موضوعي لهذا التصور: إذ إنه استنادًا إلى أحد المصادر، فقد انخفضت "القدرات الأساسية" للدولة المصرية بمقدار النصف بين عامي 2011 و2014. إلى ذلك، من الواضح أنه بمجرد أن يثق السيسي في هيئة عسكرية أو جهة أخرى مرتبطة بها لإنجاز المهمة، فإنه يعتمد عليها لكي تقدم مهام إضافية تتجاوز صلاحيتها العادية. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2018 على سبيل المثال، أصدر تعليماته لهيئة قناة السويس، للمشاركة في تطويرِ ميناء العريش في شمال سيناء وتطهيرِ كامل طول قناة الملاحة لنهر النيل من أسوان إلى الدلتا.

ولكن، مع أن هذا المنطق الجامع يتمتع ببعض الاتساق، إلا أنّه يولد ديناميات ونتائج متناقضة على مستويات أدنى. وأهمها أنّ المشروعات العملاقة والمخططات التجارية الجديدة أدت إلى تعجيل الريعية التنافسية، وذلك بسبب سحب رأس المال الشحيح بعيداً عن أجزاء أخرى من الاقتصاد، بدلاً من زيادة الموارد المالية العامة في مصر. يمكن استنتاج ذلك من العمليات الظاهرة في إعادة الاصطفافات في ما بين جهات اقتصادية عسكرية فاعلة محددة وبين الشركات الخاصة أو جماعات مصالح أخرى (ممثلة في أجهزة الأمن الداخلي ووسائل الإعلام والبرلمان). كما أن المتنافسين العسكريين الذين تم تمكينهم حديثًا أبعدوا المنافسين السابقين، وأزاحوا الشركاء من رجال الأعمال المفضلين سابقًا أو حلّوا محل متقاعدين آخرين من القوات المسلحة في قطاعات معينة. أما الجهات الفاعلة بالمستويات الأدنى التي تنفذ النهج الشامل الذي يتبعه السيسي والمؤسسة العسكرية، فقد تكيّفت مع ذلك بطريقة دينامية بطبيعة الحال، لتغتنم الفرص للتربّح والافتراس. ومن وجهة نظر السيسي، قد تخدم منافستهم أيضًا وظيفة منع الانقلاب ضده، وهو يستكمل ذلك بتغيير مستمر في قيادات القوات المسلحة.

أنّ المشروعات الكبرى والمخططات التجارية الجديدة أدت إلى تعجيل الريعية التنافسية، وذلك بسبب سحب رأس المال الشحيح بعيداً عن أجزاء أخرى من الاقتصاد، بدلاً من زيادة الموارد المالية العامة في مصر.

إنّ هذه المقاربات المتنوعة مستمدة من التعايش النفعي وليس من التآزر، فتتغذى الواحدة من الأخرى بدلاً من التضافر في مجموع اقتصادي يتعدى عناصره المكّونة. ويبدو أن هذه المقاربات هي التي تشكل وتوجه الاقتصاد العسكري، فلا توجد قيادة استراتيجية تقوم بذلك كما يعتقد البعض. بالتأكيد، تشير الأدلة إلى وجود تنسيق ومشاورات مكثفة بين مختلف المسؤولين والهيئات، وهو ما ينعكس، مثلًا، في تناوب ضباط القوات المسلحة على المهام البيروقراطية والاقتصادية. ولا يمكن لجهود وزارة الدفاع الرامية إلى دخول القطاعات الاقتصادية ذات القيمة العالية أن تحصل من دون التزام على المستوى القيادي باستثمار الأموال العسكرية وتأمين التشريعات التمكينية. لكن في حين أن أفرادًا مثل وزير الدولة للإنتاج العسكري اللواء محمود العصّار، ورئيس الهيئة المالية في وزارة الدفاع اللواء محمد أمين نصر، ومدير الهيئة الهندسية في القوات المسلحة اللواء كامل الوزير (الذي جرى تعيينه وزيرًا للنقل في آذار/مارس 2019) يتمتعون بنفوذ بالغ، إلاّ أنهم لا ينسقون الاقتصاد العسكري بمجمله. بل إنّهم من بين العديد من مسؤولي الدفاع والهيئات العسكرية وشبكات الضباط والشلل التي تستجيب لتوجيهات رئيس الجمهورية. ولكن لأن هذا الاقتصاد ذو بناء مجتزأ في خطوط موازية للاتصال والولاء، فهو يتشكّل من الحصيلة الإجمالية للاستجابات المختلفة والمتباينة في الكثير من الأحيان، ويفتقر إلى اتساق السياسات ويولد النتائج المتناقضة بل والعكسية.

الاندفاع الكبير

يعتبَر توالي المشروعات الضخمة منذ أن تولّى السيسي الرئاسة في عام 2014 رمزًا للحملة الرامية إلى إظهار مصداقية نظام ما بعد عام 2013. أضفى السيسي فكرة عن حجم الاستثمار بقوله في حزيران/يونيو 2016 إن تكلفة "المشاريع القومية" في السنتين السابقتين تجاوزت تريليون جنيه مصري؛ وقد صرح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في كانون الأول/ديسمبر 2018 أن هذا الرقم ارتفع إلى 1,56 تريليون جنيه أنفقت على استكمال 8278 مشروعًا بين العامين 2014 و2018 (حوالي 87 مليار دولار بسعر صرف عام 2018). يوحي الكشف الأكثر تفصيلًا الذي قدمه كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين بزيادة كبيرة في متوسط الاستثمار السنوي في البنية التحتية العامة مقارنةً بالعقد الأخير من عهد مبارك (انظر الجدول 1). ولكن هذه الأرقام تبين أيضًا أن البنية التحتية، في الواقع، لم تستهلك الجزء الأكبر من الاستثمارات العامة التي بلغ متوسطها حوالي 312 مليار جنيه سنويًّا في هذه الفترة، ما يشير إلى أن الإسكان ربما كان يحوز على حصة الأسد. ومع ذلك، فقد استحوذت المشاريع العملاقة الاستعراضية على مكان الصدارة، ما يدل على "عقدة الصرح" الذي يتشاركها السيسي مع العديد من أسلافه.

إنّ المشروع العملاق الأكثر إفراطًا بالعظمة هو خطة السيسي لبناء عاصمة إدارية جديدة بالكامل تديرها الهيئات العسكرية. وتشمل مشاريع "الصرح" الأخرى توسيع قناة السويس، وإعادة إطلاق المجتمع العمراني الجديد الشيخ محمد بن زايد وبناء ثلاث مدن "ذكية" جديدة (سُميت كذلك نسبة لاستخدامها التكنولوجيا الرقمية لتحسين كفاءتها باستخدام الطاقة) وأربع مدن صحراوية تقليدية على الأقل. وكما توضح هذه الأمثلة، فإن إدارة السيسي تظل متمسكة بنفس إصرار سابقاتها منذ عام 1952 بنموذج تنموي تقوده الدولة يتم تطويره من الأعلى إلى الأسفل، مقاوِم للمقاربات البديلة التي يقترحها القطاع الخاص والخبراء المستقلون والوكالات الدولية. إن العجلة التي نفضت بها الإدارة الغبار عن خطط توسعة قناة السويس وقامت بتنفيذها تُظهر هذا الارتباط بشكل لافت، علمًا أن هذه الخطط كانت إدارة الرئيس مبارك قد وضعتها جانبًا على الأقل مرتين.

قناة السويس الثانية

في آب/أغسطس 2014، أي بعد ثلاثة أشهر من انتخابه رئيسا، كلف السيسي وزارة الدفاع العمل على إدارة مشروع لإنشاء ممر جانبي بطول 37 كيلومترًا موازٍ لقناة السويس وتوسيع القناة الحالية بنفس الطول تقريبًا للسماح بمرور السفن باتجاهيْن. وكان القائد السابق لسلاح البحرية الفريق مهاب مَميش قد روج لتوسيع القناة بشدة منذ أن أصبح رئيسًا لهيئة قناة السويس في آب/أغسطس 2012. وقد أفاد المشروع وزارة الدفاع والشركات الخاصة المفضَّلة، مع أنّ فائدته للاقتصاد الوطني كانت ملتبسة. وبسبب طلبِ السيسي إكمال المشروع في غضون عام واحد بدلاً من السنوات الثلاث المقدرة لإنجازها، اضطرت وزارة الدفاع إلى توظيف ائتلافيْن من الشركات الأجنبية للقيام بالحفر بتكلفة تزيد على ملياريْ دولار أميركي، ما ساهم بمضاعفة التكلفة المبدئية للمشروع البالغة 4 مليارات دولار، لتصبح 8,5 مليارات دولار.

ولكن، وكما كان السيسي والقادة العسكريون يذكّرون المواطنين بانتظام، فإن التكلفة بأكملها كان تأمينها سيتم من المصادر المصرية: جرى بيع سندات حكومية بقيمة 64 مليار جنيه مصري في غضون أسبوعين فقط، لحوالي 1,1 مليون مشترٍ. ولكن تبين أنّ استغلال الشعور القومي يهذه الطريقة أمر مكلف. إذ جرى إطلاق مشروع التوسيع على افتراض أن قناة السويس ستضاعف أرباحها من رسوم العبور إلى 13,5 مليار دولار بحلول عام 2023، ولكن هذه الرسوم انخفضت في الواقع بسبب الاتجاه التنازلي طويل الأجل في التجارة العالمية وتوافر طرق بديلة أرخص. أما هيئة القناة، التي اقترضت من البنوك المصرية ما مجموعه 1,4 مليار دولار من أجل تغطية نففات حفر التفريعة، فقد تحملت المسؤولية المالية بدلاً من خزينة الدولة، فتكبّدت مبلغ 7,7 مليارات جنيه قيمة الفوائد السنوية المترتبة عليها. تخلفت الهيئة عن تسديد ديونها منذ نهاية عام 2017، ما اضطر وزارة المالية التدخل ودفع 600 مليون دولار لسداد القروض المتأخرة في آذار/ مارس 2019، تاركة لهيئة القناة أمر سداد 300 مليون دولار من الديون المتراكمة عليها بحق بنوك أجنبية عاملة في مصر. والأهم من ذلك أن غياب العائدات على الاستثمار أبرز حقيقة أنّ توسيع القناة قد امتص حوالي 32 مليار جنيه من رأس المال المحلي المودع في البنوك، والتي كان من الممكن استثمارها في قطاعات أخرى من الاقتصاد.

مع ذلك، زاد مشروع قناة السويس من أرباح وزارة الدفاع من رسوم الإدارة. فلقد جرى التعاقُد على الجزء الأكبر من العمل مع 112 شركة مصرية كان الكثير منها قد عمل سابقًا مع الوزارة أو كانت لها صلات عسكرية أخرى، مثل شركة "دار الهندسة، مصر" التي يُعتقد أن وزارة الدفاع شريك "صامت" فيها. بعض المقاولين كان غير معروف تمامًا، فلا يظهرون في السجل التجاري أو حتى يفتقرون إلى مواقع إلكترونية، ناهيك عن امتلاك الآلات الثقيلة والتجربة السابقة اللازمة للقيام بأعمال الحفر، ما يوحي بأنهم كانوا يشكّلون شركات واجهة تم تأسيسها بمعرفة وزارة الدفاع، ربما من قبل بعض ضباط القوات المسلحة أو أقاربهم، كما يدّعي المحققان الصحافيان محمد حسني وأسامة الصياد، وذلك لمجرد كسب العقود الفرعية المربحة أو الاستفادة من إعادة بيعها. وكان رئيس هيئة قناة السويس، مَميش، صرّح أن ائتلافًا من المقاولين اختارته "شركة فرنسية محايدة" على حد قوله قد فاز بعقد التوسيع الذي تمت الموافقة على شروطه من قبل خبراء البنك الدولي، لكن هذا حجب حقيقة أن وزارة الدفاع منحت عقود العمل بعد ذلك بالأمر المباشر.

"المشروع الاقتصادي الأهم في مصر"

إلى ذلك، لم يكن توسيع القناة سوى المرحلة الأولى من خطة أوسع لتحويل مساحة تبلغ 76 ألف كيلومتر مربع - تشمل ثلاث محافظات على حدود القناة بما في ذلك مدن بورسعيد والسويس والإسماعيلية- إلى محور دولي للصناعة والخدمات الوجستية والنقل. ومن المفارقات أن هذا الاقتراح كرر مخطط إدارة مُرسي لمنطقة القناة (التي تمت مناقشتها في الفصل الثالث)، وهو تطور غير مفاجئ بما أنّ الاقتراحين كانا مستمدّيْن من التصوّر نفسه الذي جرى وضعه في عام 2002. وقد استؤنف التخطيط لتنمية المنطقة مباشرة في أعقاب الاستيلاء العسكري على السلطة في تموز/يوليو 2013، إذ بات مَميش يعتبرها "قلعة صناعية كبرى علاوة على أنها ممر ملاحي". وفي انعكاس لهذه الرؤية، بدأت الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة العمل في آب/أغسطس 2015 على طريق سريع بين الشمال والجنوب يربط بين طول محور التنمية الاقتصادية لمنطقة قناة السويس الاقصادية بتكلفة تقديرية تبلغ 4 مليارات جنيه.

أطلق السيسي المرحلة التالية من المشروع العملاق الجديد في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وقد امتثل مخطط هذه المرحلة بدقّة مرة أخرى لخطة التطوير التي كانت وزارة الدفاع قد فرضتها على إدارة مرسي في أيار/مايو 2013. فركز المشروع على المنطقة الواقعة شرق بور سعيد في الطرف الشمالي للقناة، حيث تصور ميناءً بحريًّا جديدًا، ومنطقة صناعية ومجمع خدمات لوجستية وعشرة آلاف وحدة سكنية، فضلًا عن مزرعة أسماك وإنفاق تحت قناة السويس. كان المتوخّى أن تتحول المنطقة محورًا صناعيًّا ولوجستيًّا يستقطب نحو 40 مليار دولار من الاستثمارات الدولية، وتوقع وزير الاستثمار آنذاك أشرف سلمان أن يمثل المحور في نهاية المطاف ثلث الاقتصاد المصري. وبحلول كانون الأول/ديسمبر 2018، ادعى مميش أنه تمّ استثمار 30 مليار دولار منذ عام 2015 في ما وصفه مفتخرًا بأنه "موقع عبقري على خريطة الاستثمار العالمي"، وأن ما نسبته 75 في المئة من المبلغ قد جاء من مستثمرين أجانب وعلى رأسهم الصين. (قد تكون اتفاقية التجارة الحرّة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية ما يجذب الشركات الصينية، إذ تتيح لها توريد سلعها من "المناطق الصناعية المؤهلة" إلى الولايات المتحدة الأمريكية تحت وسم "صُنع في مصر" ).

وكما هو الحال دائماً، فإن التصريحات الرسمية المتعلقة بالقيمة المالية للمشاريع والاستثمارات، غالبًا ما تخلط بين قيمة العقد والإنفاق الفعلي أو الإنتاج. إذ بعد مضيّ سبعة أشهر فحسب على تفاخر مميش، قام رئيس الوزراء مدبولي بالضغط على رؤساء مجالس إدارة الشركات السبع التابعة لهيئة قناة السويس من أجل "تحقيق أرباح، وعدم تحميل موازنة الهيئة أو الدولة أعباء جديدة." وكان قد تبيّن أن الخطط الضخمة السابقة للمنطقة واجهت مشكلات. ففي عام 2011، اتُهم العديد من الوزراء وضباط القوات المسلحة المتقاعدين في عهد مبارك، منهم اثنان ترأسا الإدارة البحرية في وزارة النقل، بسوء إدارة فادح للمشاريع السابقة التي بدأت في عام 2001 في بور سعيد، ما أسفر عن خسائر تراكمية بلغت 1,75 مليار جنيه مصري (295 مليون دولار). هذا، وتقدّر تكاليف البنية التحتية للمرحلة الأولى من مشروع تطوير محور تنمية قناة السويس، المقرر أن تنتهي في عام 2030، بنحو 15 مليار دولار، ومن المفترض أن تستمر المرحلة الثانية حتى عام 2050. ومع توقُّع أن تصل التكلفة إلى ما بين 50 و60 مليار دولار، فإن مشروع بور سعيد العملاق الذي جرى إطلاقه في عام 2015 قد يولّد مخططات جديدة جوفاء على نطاق أوسع.

فإن التصريحات الرسّمية المتعلقة بالقيمة المالية للمشاريع والاستثمارات غالباً ما تخلط ما بين قيمة العقد والانفاق الانتاج أو الفعلي

من المفترض أن يؤدي تكليف وزارة الدفاع بدور إداري أساسي إلى التخفيف من هذه المخاطر. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2015، خطا السيسي خطوة إلى الأمام من خلال إصدار تعليمات إلى هيئة الرقابة الإدارية لتتعاون مع الهيئة الهندسية في القوات المسلحة والكلية الفنية العسكرية التابعة لوزارة الدفاع من أجل مراجعة الشروط المرجعية للمشروعات والموافقة على العطاءات وإزالة العقبات الإدارية ومراقبة النفقات. أعلن اللواء محمد عرفان رئيس هيئة الرقابة الإدارية في أيار/مايو 2017 أن لجنة مكونة من 312 مهندسًا من القوات المسلحة و221 ضابطًا من هيئة الرقابة الإدارية قد استعرضت 1705 مشاريع "قومية وعملاقة" بتكلفة 285 مليار جنيه جرى تنفيذها في الأشهر الخمسة عشر السابقة. وذكر اللواء لاحقًا أن اللجنة المشتركة قد نمت إلى 800 عضو، منهم 468 من القوات المسلحة و332 من هيئة الرقابة الإدارية، مقسمين إلى 198 لجنة فرعية راجعت 2542 مشروعًا بحلول كانون الثاني/يناير 2018. كما وتكمن أهمية هذه الأرقام في النسبة التي تمثلها من موظفي هيئة الرقابة الإدارية. ففي عام 2012، قال اللواء محمد عمر هيبه الذي كان رئيس الهيئة عندها، إنها كانت تضم 420 ضابطًا ولكنها كانت بحاجة إلى 1500. وبعد عام، قال إن لديه ميزانية للوصول إلى 800 موظف، مع أن القوة الفعلية بلغت عندها 430.

كان في وسع هذا التعاون بين الهيئتين أن يشكّل تحولًا كبيرًا. فإذا ما ثبت نجاحه، فإن من شأنه أن يساعد الهيئات العسكرية على الاضطلاع بحجم العمل الضخم وتحقيق اقتصاديات الحجم، مع الحد من نطاق الاستغلال والتلاعب في الأسعار والفساد التام على أيدي الضباط والمقاولين من القطاع الخاص، على حد سواء. لكنه من غير المرجح أن يؤدي التركيز على الشروط المرجعية والإجراءات الإدارية بالتأثير على التنفيذ في الميدان، حيث يحصل أغلب الفساد من قِبَل مديري أو مهندسي ورشات العمل. مع ذلك، فإن التعتيم المستمر على العقود، ومنحها بالأمر المباشر، والموقع "الاستراتيجي لللمنطقة التنموية" لا تزال تترك لدى وزارة الدفاع سلطة إستنسابية شبه كاملة. كان أحد مسؤولي العلاقات العامة في مشروع التطوير قد أنكر، في آب/أغسطس 2013، أنّ القوات المسلحة سوف تشارك في المشروع على الإطلاق، ولكن تذرّع مميش بعد بضعة أشهر بحجة "الأمن القومي" كعامل في منح عقود العمل في المنطقة. وظلّت الشركات المفضلة تتلقّى عقود المشاريع التي تنفذها القوات المسلحة.

تبين استمرار المخاطر من خلال الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي كانت قد أُنشئت من أجل إدارة خطة التنمية الشاملة. قام أحمد درويش، وهو مدني مختص، بقيادة الهيئة في البداية، ثم جرى عزله في نيسان/أبريل 2017 بعد اتهامه بإنهاء العقود والتراخيص الصادرة لبعض شركات منطقة القناة العديدة التي يرأسها ويعمل فيها عدد كبير من متقاعدي القوات المسلحة، من دون الرجوع إلى نائبه، اللواء عبد القادر درويش (لا قرابة بينهما). تولى مميش رئاسة الهيئة بعد ذلك فيما بقي رئيسًا لهيئة قناة السويس. كما كان مجلس إدارة هيئة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يضم ممثلًا عن وزارة الدفاع وضابطيْن متقاعدين (محافظ بورسعيد ومحافظ السويس)، وأضيف رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في كانون الأول/ديسمبر 2018. ويُستكمل تأثير وزارة الدفاع من خلال قبضتها غير الرسمية على الهيئات الحكومية الأصغر العاملة في المنطقة، مثل هيئة موانئ البحر الأحمر التي يرأسها أيضًا لواء بحري متقاعد.

لقد حققت وزارة الدفاع انقلابًا اقتصادياً منذ أن هدد اقتراح مرسي حصتها الاقتصادية في منطقة قناة السويس في عام 2013. وبدلًا من من أن تقبع في الظلال هيئة التنمية الجديدة التي كان قد اقترحها مُرسي، قامت هيئة قناة السويس، وهي الأداة الاقتصادية الرئيسية لوزارة الدفاع في المنطقة، بتمديد سلطانها الفعلي على مجمل التنمية وعلى جميع الأشغال العامة المتصلة في منطقة النمو الاقتصادي الأكثر أهمية في البلاد. هذا يضيف إلى إحكام قبضة وزارة الدفاع، بحكم الأمر الواقع، على حيز كبير من قطاع الطاقة في مصر، لأن غالبية موارد النفط والغاز وبنيتها التحتية تقع في محور قناة السويس أو تمر عبره. وتعززت إلى حدّ كبير المكاسب المحتملة بفضل بدء الإنتاج في حقل الغاز البحري الضخم "ظهر" في نهاية عام 2017. وحتى لو تم الانتهاء من جميع الأشغال العامة المنفذة كجزء من مختلف هذه المخططات العملاقة بأقل قدر من الفساد أو الهدر، فإنها تضمن لوزارة الدفاع تحصيل دخل من رسوم إدارة المشروع على مدى عقود مقبلة.

لمعان العاصمة الإدارية الجديدة

في حديثه في مؤتمر التنمية الاقتصادية المصرية، المنعقد في شرم الشيخ والذي حظي بتغطية إعلامية واسعة في آذار/مارس 2015، أعلن وزير الإسكان آنذاك، مصطفى مدبولي عن إطلاق ما وصفه "مشروعًا عملاقًا"، وهو بناء عاصمة إدارية جديدة شرق القاهرة. جرى تقديم المشروع باعتباره "مدينة ذكية ستستفيد من تقنيات اليوم المستدامة، فضلًا عن كونها قابلة للتكيف مع التقنيات المستقبلية"، كما يَعد المشروع بتوفير 1,1 مليون وحدة سكنية لخمسة ملايين نسمة، والسماح بنقل "كامل الجهاز الإداري للدولة" (باستثناء بعض الوزارات) والسفارات الأجنبية من القاهرة، وتخفيف الازدحام والاكتظاظ السكاني في العاصمة القديمة على مدى الأربعين سنة المقبلة.

علاوة على ذلك، ادّعى مدبولي أن العاصمة الجديدة، التي تفاخر بأنها تقارن بمدينتي نيويورك الأميركية وبرشلونة الإسبانية، لن تكلّف الدولة المصرية "ملّيمًا واحدًا"، حيث سيتم البناء بتمويل تجاري بالشراكة مع القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب. ومع ذلك، اضطرت الحكومة على الفور تقريبًا إلى تخصيص 5 مليارات جنيه مصري للمشروع (639 مليون دولارًا)، واضطرت إلى اقتراض مليار جنيه إضافي في أيلول/سبتمبر. تقلبت تقديرات التكلفة الإجمالية بشكل كبير: فقد حددها وزير الإسكان في البداية بمبلغ 45 مليار دولار على مدى خمس إلى سبع سنوات، في حين أن محمد العبّار، الرئيس التنفيذي للشركة المقاولة الخاصة الرئيسة المشارِكة، ضاعف التقديرات إلى ما يراوح بين 80 و90 مليار دولار (ما كان يعادل عندها 500 مليار جنيه)، ومدد وزير الاستثمار أشرف سلمان الجدول الزمني المتوقع لأكثر من اثني عشر عاماً. ولقد بلغ الإنفاق الفعلي على البنية التحتية الجديدة للعاصمة 140 مليار جنيه بحلول آذار/ مارس 2019، وفقًا للمتحدث الرسمي للمشروع.

جاءت التقلبات في تقديرات الكلفة والتأخر عن المواعيد في وقت مبكر من المشروع، جزئيًّا بسبب إصرار السيسي على إكمال المرحلة الأولى من العاصمة الجديدة في غضون عامين، أي بنهاية عام 2018. أثّر الإلحاح مرة أخرى على اختياره القوات المسلحة لإدارة المشروع، ما يضمن حصولها على دخل طويل الأجل من الرسوم الإدارية، وشراكات مع الشركات الأجنبية الكبرى، ونطاقًا جديدًا هائلًا لتعزيز العلاقات مع المقاولين من الباطن المفضلين. ومن بين هؤلاء زعماء العشائر من جنوب سيناء الذين يتم تعويضهم عن فقدان دخلهم من السياحة بسبب حملة مكافحة التمرد المستمرة التي تقوم بها القوات المسلحة، بعد أن أيدوا الحكومة.

وقد انخرطت أيضًا شركات معروفة من القطاعين العام والخاص مثل المقاولون العرب حسن علام، ومجموعة طلعت مصطفى، و"بالم هيلز"، و"بتروجِت"، والشركة القابضة للتشييد والتعمير. وراء الكواليس، رفض العديد من الشركات الخاصة الكبرى الاستثمار في العاصمة، لكن جرى الضغط عليها بشدة للقيام بذلك. مع ذلك، استجاب المضاربون والمقاولون العقاريون للأهمية السياسية البالغة المعلَّقة على العاصمة الجديدة من خلال التوجه إليها، في الوقت الذي قللوا فيه استثماراتهم في مناطق جذابة سابقًا حول القاهرة، ما أدّى إلى ارتفاع حاد في القيمة السوقية لأملاك وزارة الدفاع الواسعة بين العاصمة الحالية والبحر الأحمر. في الوقت نفسه، حصلت الشركة المظلة التي جرى إنشاؤها لإدارة مشروع العاصمة الإدارية الجديدة (والتي تملك وزارة الدفاع 51 في المائة منها) على ملكية المباني الحكومية في القاهرة التي سيتم إخلاؤها بعد نقل الوزارات والهيئات الأخرى، ما منحها عقارات مرغوبة في أنحاء مركزية من العاصمة القديمة.

تُظهر العاصمة الإدارية الجديدة أنّ وزارة الدفاع أصبحت تشغل موقعًا شغله سابقًا رجل الأعمال الكبير عثمان أحمد عثمان في عهد ناصر والسادات، حيث كان يُسمح له بإدارة شركة المقاولون العرب التابعة للقطاع العام وكأنها شركة شبه خاصة. فضمتت وزارة الدفاع لنفسها بالمثل عقدًا طويلًا جدًّا لجني رسوم الإدارة وعقود الصيانة والمتابعة، كما أن لديها معرفة مسبقة بالمشروعات العملاقة الجديدة، ما يسمح لها بتوجيه أنشطتها واستثماراتها وفقًا لذلك. وبالتالي، لم تكن وزارة الدفاع مستعدة فحسب لبدء العمل في العاصمة الإدارية الجديدة بمجرد موافقة السيسي على الخطة في منتصف حزيران/يونيو 2015، بل ولقد بدأت فعليًّا في بناء شبكة الطرق قبل ذلك.

ومن التطورات المهمة الأخرى ظهور جهة اقتصادية عسكرية جديدة. ففي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، أصدر السيسي المرسوم الرئاسي 446 الذي يعدل صلاحيات جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة (الذي جرى إنشاؤه بموجب مرسوم رئاسي في عام 1981) لإدارة بيع العقارات التي لم تعد تستخدمها القوات المسلحة. فقد جرى حينها التصريح للجهاز بالمشاركة في النشاط التجاري و"تنمية موارده، وله في سبيل ذلك تأسيس شركات بكافة صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي". استتبع السيسي ذلك في 8 شباط/فبراير 2016 بقرار رئاسي رقم 57 يكلّف جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة ولهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية بتشكيل شركة مساهمة عامة محدودة للقيام بالتخطيط والبناء ولاحقًا تطوير العاصمة الإدارية ومدينة الشيخ محمد بن زايد.

جرى بالفعل إنشاء شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية بموجب القانون رقم 8 لعام 1997 بشأن ضمانات وحوافز الاستثمار الذي كان صُمّم لجذب المستثمرين الأجانب إلى مصر عبر عرض الإعفاءات الضريبية والجمركية والحوافز غير الضريبية مثل أسعار الطاقة المخفضة والدعم الحكومي لرسوم التأمين الاجتماعي للعمالة. تشاركت وزارة الدفاع وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة رأس مال شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية عند بدء التشغيل بقيمة 6 مليارات جنيه، مع أنّ المتحدث باسم شركة العاصمة الإدارية اللواء خالد الحسيني كشف في أيار/مايو 2018 أن وزارة الدفاع ووزارة الإسكان قد ضخّتا 204 مليارات جنيه (أي حوالي 11,4 مليار دولار في ذلك الوقت) في المشروع، تاركة لوزارة الدفاع بنسبة 51 في المئة من الملكية وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة (تمثّل وزارة الإسكان اسمياً) بنسبة 49 في المئة. شغلت وزارة الدفاع خمسة مقاعد وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ثلاثة في مجلس إدارة الشركة المكون من ثلاثة عشر عضوًا. ، تولَّى مدنيٌّ منصب رئيس غير تنفيذي، في البداية، لكن اللواء أحمد زكي عابدين المتقاعد من القوات المسلحة حل مكانه بصلاحيات تنفيذية كاملة في آب/أغسطس2017. إلى ذلك، خصص المرسوم الرئاسي رقم 57 ما مجموعه 16645 فدّانًا حول القاهرة إلى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية من أجل بناء العاصمة الإدارية، بحيث تشكّل قيمة الأرض حصة الجهاز من الأسهم في المشروع.

وكما أظهر إنشاء شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، فإن السماح لوزارة الدفاع باستخدام أراضي الدولة كحصة من رأس المال في المشاريع المشتركة، يعني أنَّ المرسوم الرئاسي رقم 57 قد وضع هذه الأراضي فعليًّا تحت السيطرة العسكرية بدرجة غير مسبوقة. فكانت وزارة الدفاع تتحكم أصلًا باستخدام أراضي الدولة بموجب القوانين القائمة، وهو الأمر الذي كانت تذكّر الجمهور به مرارًا وتكرارًا، مثل ما فعلت عند تهدئة المخاوف من أن الشركات الأجنبية ستستحوذ على الأراضي المصرية تحت ستار المشاريع المشتركة في محور التنمية الاقتصادية لقناة السويس وأماكن أخرى. والجدير بالذكر أنه لم يتم بعد وضع إطار قانوني لتنظيم العلاقات بين المستثمرين العسكريين والمدنيين، لكن القدرة على استخدام الأرض كحصة تجارية أعطت الهيئات العسكرية ورقة ضغط دائمة على شركاء القطاع الخاص، سواء كانوا محليين أم أجانب. ويشمل ذلك الحد من اللجوء إلى المحاكم المدنية في حالة حدوث خلافات، لأن الشركاء العسكريين يخضعون فقط لقضاء المحاكم العسكرية. ومن المفترض أن تنطبق السلطة القضائية نفسها على قاعدتي القطامية وغرب القاهرة الجويتين اللتين تم فتحهما للطيران المدني في أيار/مايو 2015 من أجل خدمة العاصمة الإدارية الجديدة واستقبال فائض حركة المرور من مطار القاهرة الدولي.

لم يتم بعد وضع اطار قانوني لتنظيم العلاقات ما بين المستثمرين العسكريين والمدنيين، لكن القدرة على استخدام الأرض كحصة تجارية أعطت الهيئات العسكرية ورقة ضغط دائمة على شركاء القطاع الخاص،

المدن الطوباوية "الذكية" للأثرياء، والمدن الصحراوية للعمال

بالإضافة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، تنطبق هذه الأنماط أيضًا على المدن الذكية الثلاث الأخرى التي كانت أيضًا قيد الإنشاء في أوائل عام 2019 من قِبل الهيئة الهندسية وإدارة المشروعات الكبرى في القوات المسلحة: الجلالة الدولية، والعلمين الجديدة، والإسكندرية الجديدة. تدل تسمية "الذكية" على نهج تسويقي جديد بعد الإخفاقات المتسلسلة للأجيال الثلاثة الأولى من المدن الصحراوية، مع تركيز الآن على مشاريع حضرية راقية تقدم مساكن ومرافق فاخرة ومزايا طبيعية مثل واجهات على الشاطئ أو مناظر مرتفعة تهدف إلى جذب زبائن ومستثمرين من الطبقة المتوسطة العليا. وكما هو متوقع، يعكس ذلك أيضًا الدور المركزي لتكنولوجيا المعلومات، سواء في إدارة البنية التحتية في المدن الجديدة أو في التمكين من مراقبة سكانها. على سبيل المثال، ستشمل العاصمة الإدارية الجديدة "مدينة ذكية" منفصلة صممتها إدارة تكنولوجيا المعلومات في وزارة الدفاع لصالح وزارة الداخلية، والتي ستتيح للشرطة مراقبة بقية العاصمة.

ووفقًا لمدبولي، فإن هدف كل من العلمين الجديدة والإسكندرية الجديدة هو "تحويل مناطق الساحل الشمالي لمدن سكنية بدلًا من كونها مصايف تعمل لمدة شهر أو اثنين فقط طوال العام". ويُخطط للعلمين الجديدة استيعاب أربعة ملايين نسمة، ولأن تصبح عاصمة صيفية. ولتحقيق هذا الهدف، تقوم الهيئة الهندسية في القوات المسلحة ببناء طرق رئيسة إضافية (يطلق عليها رسميًّا اسم "الطرق القومية" لتمييزها عن غيرها من الطرق)، وهي تربط القاهرة بالساحل الشمالي في العلمين والضبعة، حيث تشارك وزارة الدفاع في بناء مدينة حول مشروع محطة مصر النووية. والجدير بالذكر أن مشروع العلمين الجديدة تلقّى مساعدة فنية من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (هابيتات) وتمويلًا لإزالة الألغام (دُفع إلى وزارة الدفاع) من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والاتحاد الأوروبي.

في المقابل، فإن مدينة شرق بورسعيد الجديدة هي مدينة "مليونية" أخرى مصممة لجذب الصناعة والخدمات وموظفي مكاتب وعمال ماهرين وأصحاب مشاريع ريادية من الشباب. إنّ مدينة المنصورة الجديدة التي تعمل هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة أيضًا على إنشائها على دلتا النيل، تعكس مرة أخرى المنظور الإجتماعي الخاص للبيروقراطيين الحكوميين العسكريين، إذ يتم تخصيص حارات أو مدن بكاملها لطبقات اجتماعية محددة. إن التباهي بواجهة بحرية اصطناعية على طراز سعفة نخيل كتلك التي في دبي، غايته جذب عائلات الطبقة الوسطى على وجه التحديد التي ليس بمقدورها السكن في المدن الذكية الفاخرة، بالإضافة إلى الإسكان الاجتماعي للمجموعات السكانية ذات الدخل المحدود، رامية لاستيعاب مليون ونصف نسمة.

تجمع مدينة الجلالة الدولية بين كل هذه الوظائف. ويتم تقديم هذه المدينة، التي تقع في قلب منطقة مصالح عسكرية خاصة صاعدة، على أنها "مدينة متكاملة شاملة كل المنشآت والمرافق الحكومية والخدمية كالمستشفيات . . . وكذلك جار إنشاء مناطق سكنية متعددة المستويات تناسب كل الطبقات"، ستفتخر المدينة في نهاية المطاف بجامعة الملك عبد الله، وبقرية أولمبية، وبمجمع سياحي ضخم. تحتوي المنطقة أيضًا على مناجم ومحاجر رخام، وتشكل رابطًا بين العاصمة الإدارية الجديدة وعين السخنة التي برزت منذ عام 1998 كركيزة أساسية للمصالح العسكرية المتعددة، حيث الميناء البحري العميق والمجمعات السياحية والمطار، والمنطقة الصناعية، وأحواض استزراع الأسماك التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية. علاوة على ذلك، توصَف المنطقة الصناعية على أنها جزء من مخطط كبير، إلى جانب "وادي تكنولوجي" في الإسماعيلية، لتوليد مليون فرصة عمل مباشرة. وفي أواخر عام 2015، بدأت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة أيضًا ببناء ما وصفته بأنه طريق سريع مصري - أفريقي يوازي الطريق السريع الحالي من بورسعيد إلى الحدود مع السودان، وسيمر عبر جلالة وعين السخنة، إلى جانب طرق الوصل والطرق الجانبية، بما مجموعه ثلاثة آلاف كيلومتر.

تحسبًا لهذه الطفرة الهائلة في الإنشاءات، وافقت الحكومة على زيادة بنسبة 100 في المئة في ميزانية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في شباط/فبراير2015، لتصل إلى 28 مليار جنيه مصري (3,68 مليارات دولار). وفي تناقض صارخ، جرى تخصيص صندوق تنمية الأحياء الفقيرة مبلغ 500 مليون جنيه فقط، أو أقل من 2 في المئة من حصة المدن الجديدة. أعلنت القوات المسلحة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عن التخطيط لبناء أربع مدن جديدة في شمال سيناء، بهدف معلن هو توليد التنمية في المنطقة وتجاهلة السجل السيئ للمدن الصحراوية والمدن الملحقة. كما بدأ العمل في بناء مدينة الإسماعيلية الجديدة على الضفة الشرقية لقناة السويس التي وصفتها الهيئة العامة للاستعلامات بأنها "مدينة سكنية متكاملة الخدمات" تهدف إلى إسكان القوى العاملة في ممر التطوير الاقتصادي لقناة السويس و"تحقيق أحد أهداف الأمن القومي بتعمير سيناء".

ولكن هدف توفير الإسكان للطبقة المتوسطة العليا والمجمّعات السكنية المغلقة يحرّك بوضوح جزءًا كبيرًا من التطوير العمراني الجديد. والمجمّع الذي افتتحته إدارة النوادي والفنادق للقوات المسلحة في وزارة الدفاع في الإسكندرية في شباط/فبراير 2017، والذي شمل مرسى لليخوت ومطاعم فاخرة ومدرسة لتدريب القباطنة، يشكّل مثالاً على الاستثمار المتزايد في مشاريع الترفيه الفاخرة. ويضاف إلى ذلك أنه يتم التسويق لمساكن المدن الذكية من خلال معرض "عقارات مصر" المتنقل، والذي صبّ تركيزه لغاية الآن على مجموعة المغتربين المصريين في أبو ظبي ودبي ولندن، يكشف مجددًا الجمهور الحقيقي الذي تستهدفه. وقامت شركة تواصل بتنظيم المعرض، وهي شركة إعلام كانت قد أقامتها شركة مجموعة فالكون الدولية التي استحوذت على عدة شركات واجهة لصالح المخابرات الحربية. وكان السيسي قد صرّح خلال حملته الانتخابية الأولى للرئاسة في عام 2014 عن أمله بشكل خاص بأن يقدم المصريون المغتربون 120 مليار دولار من أصل 140 مليار دولار هي تكلفة مخططه العملاق الملقّب "خريطة المستقبل" لإحلال "قفزة هائلة في الاقتصاد المصري".

يؤكد الانخراط المتزايد لهيئات وزارة الدفاع في المشاريع التعليمية رفيعة المستوى مع شركاء دوليين سعي كبار ضباط القوات المسلحة لتحقيق الصعود الطبقي. ففي كانون الثاني/يناير 2018، قال رئيس إدارة المشروعات الكبرى في القوات المسلحة، اللواء عصام الخولي، إنها تشرف على بناء ست "جامعات دولية" جديدة في العاصمة الإدارية الجديدة. وأضاف أن الإدارة سوف توفّر أربع جامعات جديدة في مناطق أخرى وهي الملك سلمان في جنوب سيناء، والجلالة في مدينة الجلالة الدولية، وجامعة مصر اليابانية للعلوم والتكنولوجيا في برج العرب (الإسكندرية)، ومشروع مصر القومي لمدينة النهضة العلمية في مدينة 6 أكتوبر، فضلًا عن مرافق في تسع جامعات أخرى.

إن كون العسكر يضعون نفسهم عن وعي جزءًا من الطبقة الوسطى الجديدة المعولمة في مصر يَظهر جليا أيضًا في مدرسة بدر الدولية في مدينة السلام، التي بنتها وزارة الدفاع والتي تدرّس ما يوصف بالمنهاج الأميركي. يُشرف على هذه المدرسة الجيش الثالث، الذي يدعم بشكل شبه مؤكّد التحاق أطفال ضباطه الذين لم يكن لديهم لولا ذلك بطريقة أخرى على تحمّل الرسوم السنوية التي تراوح بين 20 و40 ألف جنيه مصري. يتماشى هذا التحيز الطبقي مع إجراءات التدقيق الاجتماعي لاستبعاد المتقدمين من خلفيات تعتبر متدنية من دخول الأكاديميات العسكرية (والقضائية أو الشرطة)، وهي ممارسة تمييزية تُعرف باسم "كشف الهيئة" ظهرت في عهد مبارك وتُستخدم الآن في جميع المجالات.

وانعكس التركيز على إنشاء العقارات التجارية المرغوبة في تعديل صلاحية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في أوائل عام 2018 لتشمل بناء "مجتمعات جديدة" في مناطق إعادة التخطيط ضمن المدن والقرى القائمة، وليس في الأراضي الصحراوية. ومن الأمثلة البارزة، جزيرة الورّاق على نهر النيل وسط القاهرة التي وُضعت تحت سلطة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في كانون الأول/ديسمبر2018 بهدف إنشاء حي راقٍ من المباني الشاهقة ومرسى يخوت. ويتبع هذا النهج إياه الذي أُرسي منذ عام 2001 على الأقل، عندما أهدى مبارك جزيرة القرصاية (وهي إحدى الجزر التي تتوسط القاهرة) إلى وزارة الدفاع، والتي قامت بدورها بالمصادقة على تطويرها سياحياً في عام 2007، وثم حاولت إخلاء السكان عنوة إثر انقلاب تموز/ يوليو 2013. وكما هو الحال في عمليات التطوير العمراني الفاخرة الأخرى في القاهرة، كمثلث ماسبيرو الذي كان يضم في السابق 41 ألفًا من سكان الطبقة العاملة، جرى تبليغ سكان الورّاق البالغ عددهم تسعين ألف نسمة أنه يمكنهم الحصول على سكن بديل في المدن الصحراوية.

تشير الأدلة المروية إلى أن لأبراج الفاخرة الجديدة بقيت فارغة، بما أنها تستهدف طبقة اجتماعية لم يعد لديها رأس المال للاستثمار. إن الدافع لتوليد الإيرادات من خلال أحد أهم الأصول وأكثرها وفرة في الدولة، أي الأرض، يثبت أنه أتى بنتائج عكسية، حتى فيما هو يثير التنافس بين الجهات الفاعلة الاقتصادية العسكرية والمدنية على الاستثمار أكثر في المشاريع العقارية. لكن السيسي والحكومة، وبدعم وتشجيع نشِط من قبل المؤسسة العسكرية، قد أقاموا أو قررّوا إقامة سبع عشرة مدينة وبلدة جديدة منذ عام 2016 وفق أحد التقديرات، على الرغم من أن سكان المجمعات العمرانية الجديدة القائمة لا تتعدى نسبتهم الـ 3،8 في المئة من مجمل النمو السكاني السنوي في مصر.

الأبوية العسكرية والإحسان الاجتماعي

أثنت وسائل الإعلام الحكومية على هذه المدن الجديدة بسبب "شمولها واتساعها، وانتشارها في مختلف أرجاء الوطن". وأضاف مسحٌ متحمس للمشاريع الجديدة قامت به الهيئة العامة للاستعلامات أنّها ستسهم "بصورة أو بأخرى في تحقيق التوازن الاقتصادي، وإرساء قواعد العدالة الاجتماعية بمفهومها الشامل ومن ثم تقليص نسبة البطالة والفقر"، فضلًا عن "إعادة توزيع السكان على امتداد سلسلة من المدن الجديدة في كافة مناطق الجمهورية، وفي سيناء والساحل الشمالي وما حولهما".

ومع ذلك، فإن الجماعات السكانية ذات الدخل المحدود، كما في حالة السكان السابقين في مثلث ماسبيرو وجزيرة الورّاق، فإنهم لم يقوموا بالانتقال إلى المدن الصحراوية التي تشيدها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والهيئات العسكرية، بل إلى مساكن متدنية المستوى غير موصولة بالخدمات العامة في أنحاء أخرى من القاهرة. وكما أشار المختص بشؤون التطوير الحضري، ديفيد سيمز، فإن جميع المناطق تقريبًا التي تم تخصيصها لانتقال الصناعات الصغيرة إليها، تقع في مناطق نائية أو في البلدات الجديدة، ما يفرض تكلفة باهظة للمواصلات سواء على المالكين أو العاملين فيها، ويهَّمش السياسات الصناعية البديلة الناجعة أكثر لتعزيز التوظيف والإنتاج.

وكأنها تتجاهل فشل هذه المقاربات الفوقية نحو تخصيص التوزيع الجغرافي للإسكان الاجتماعي وأماكن العمل، أعلنت إدارة المشروعات الكبرى في القوات المسلحة في كانون الثاني/يناير 2018 أنّها تعمل على 124 مشروعًا لبناء منشآت من أجل 424 ألف وحدة سكنية اجتماعية للمجتمعات الريفية والبدوية، وعلى "قريتين نموذجيتين" على الأقل لخريجي الجامعات شرق وغرب قناة السويس. قدّر مدبولي إجمالي الاستثمارات المخطط لها في المشروعات العملاقة في سيناء بقيمة 150 مليار جنيه مصري بحلول أواخر عام 2017، إلى جانب المشاريع التي قدمتها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لبناء 340532 "وحدة سكنية اجتماعية" (شقق للسكان ذوي الدخل المحدود) في 22 مدينة جديدة بتكلفة 37 مليار جنيه. لم يكن الجدول الزمني لتحقيق هذه الأهداف واضحًا: فقد زعم رئيس هيئة الرقابة الإدارية، اللواء محمد عرفان، بأن معدل التسليم الإجمالي ارتفع من 48 ألف وحدة سكنية سنويًّا قبل عام 2014 إلى 81 ألف وحدة في عام 2017، وبالتالي فمن غير المرجح أن تكتمل لمدة عشر سنوات على الأقل. لكن مشاريع الإسكان الأحدث كانت مضافةً إلى مشاريع جارية بالفعل، وبالتالي كان من المؤكد أن تواجه تأخيرات بالغة.

لا شك بوجود حاجة لبناء الإسكان الاجتماعي، إلا أنه يأتي جزءً مستمد من منظور عام تجاه التطوير الحضري خفق في إحداث أي تغيير يُذكر في الواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب: إذ أنَّ 5 في المئة من ملاكي الأراضي، ممن هم في الطبقات العليا كانوا يملكون ما نسبته 57 في المئة من الأراضي الزراعية، في حين يمتلك 43 في المئة ممن هم في الطبقات السفلى أقلّ من 1 في المئة من الأراضي الزراعية في عام 2015. وحتى حين تؤخذ المناطق المستصلحة بالاعتبار، فإن عدد المصريين الذين يعيشون في فقر مدقع قد ارتفع إلى 32،5 في المئة بحلول العام 2019، كما وبلغت نسبة الأمية 25،8 في المئة. إن التوجه العسكري نحو التطوير الاجتماعي والاقتصادي يعكس أيضًا التزعة الأبوية التي ميزت إدارة السيسي، كما يبدو جلياً من الانخراط العسكري في صندوق "تحيا مصر" التابع له. فقد وضعت وزارة الدفاع في حزيران/يونيو 2014 مبلغ مليار جنيه مصري (أي ما يعادل 141 مليون دولار آنذاك) من أموال جهاز مشروعات الخدمة الوطنية في تصرف الصندوق. فيما كشف مسؤول كبير في الصندوق في وقت لاحق بأنه انطلق بـمبلغ 4،7 مليارات جنيه كان قد تلقّاه من المؤسسة العسكرية.

لا شك بوجود حاجة لبناء الإساكن الاجتماعي، إلا أنه يأتي جزءاً من منظور عام تجاه التطوير الحضري خفق في إحداث أي تغيير يُذكر في الواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب.

منذ ذلك الحين والمؤسسة العسكرية ما انفكت تساهم في مشاريع مدعومة من صندوق "تحيا مصر"، كما في حالة توفير الوقاية والعلاج للعيون في المشافي العسكرية، عبر تقديمه منحة بقيمة مليار جنيه مصري للجمعية الخيرية "نور الحياة". وفي حالة أخرى عكست هذا التوجه أيضاً، قدّم رئيس أركان القوات المسلحة ووزير الإنتاج الحربي في كانون الثاني/يناير 2019، 600 ألف رزمة غذائية بمثابة صدقة للسكان المزمعين في 18 "مجتمعًا تنمويًّا" يقع قيد إنشاء الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في شمال وجنوب سيناء. كما سيتم تأثيث البيوت الجديدة وتجهيزها بالأدوات الكهربائية والتي سيتم التبرع بها بمساعدة الجمعية الخيرية "مصر الخير"؛ وهي واحدة من بين جمعيات عدة حثّ السيسي على إقامتها. إلا أنّ الهدف الأساسي الكامن خلف هذا التوجه هو عرقلة الاحتجاج الاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي، كما ظهر جلياً حين عرضت القوات المسلحة تخفيض الأسعار في حافلات الركاب التي تملكها، وذلك عقب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود في تموز/يوليو 2014. وكذلك الأمر حين زودت الأسواق بـ8 ملايين عبوة غذائية بأسعار بخسة إثر انخفاض قيمة الجنيه المصري بنسبة 48 في المئة في تشرين الثاني/نوفمبر 2016.

التآزر على صعيد البنية التحتية

الهيئات العسكرية منخرطة حتمًا بشكل كبير في بناء مرافق البنية التحتية والخدمات للمدن الجديدة، ما يؤدّي إلى توسيع نطاق ومجال نشاطها الاقتصادي بشكل ملحوظ. وقد شمل ذلك ثلاثة مطارات جديدة: مطار العاصمة الدولي الذي يخدم العاصمة الإدارية الجديدة، وسفنكس الدولي الذي يخدم مدينتيْ 6 أكتوبر والشيخ محمد بن زايد والمحافظات المحيطة بهما، ومطار الملّيز الدولي في بير الجفجافة في سيناء الذي يُزعم أن لديه طاقة 1,7 مليون مسافر سنويًّا. وقد أعلنت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة عن المليز باعتباره يحسّن الوصول إلى مصنع الإسمنت الرئيس التابع لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وإلى محاجر الرخام المحلية ومناطق الزراعة والصيد. كما ادّعت الهيئة أن عملها على الطريق السريع 6 في سيناء خدم "نقطة ساخنة" للنشاط التكنولوجي فضلًا عن مصنع الإسمنت التابع لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في العريش الذي يُفترض "أن يتضاعف حجم الإنتاج الخاص فيه خلال الفترة المقبلة، ليصل إلى 7 ملايين طن سنويًّا، لتخفيف الاحتكارات ودعم خفض الأسعار في السوق".

الهيئات العسكرية منخرطة حتما بشكل كبير في بناء مرافق البنية التحتية والخدمات للمدن الجديدة، ما يؤدّي إلى توسيع نطاق ومجال نشاطها الاقتصادي بشكل ملحوظ.

في الواقع، كان مطار الملّيز واحدًا من مطارين يجري بناؤهما من قبل القوات المسلحة في سيناء، وهو بمثابة فنائها الاقتصادي الخاص. فكانت وزارة الدفاع ووزارات وهيئات حكومية أخرى قد بدأت بالتخطيط لإنشاء مطار في رأس سدر في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2015، بناءً على اقتراح لإقامة مشروع مشترك بين القوات المسلحة ومستثمرين من القطاع الخاص على أساس البناء - التشغيل - إعادة الملكية، مع امتياز لمدة سبعين عامًا. وكالمعتاد، احتشد المتقاعدون العسكريون تأييدًا لمشروع المطار: محافظ جنوب سيناء، والأمين العام المساعد لمجلس المحافظة، ورئيس مدينة رأس سدر، ومساعد مدير إدارة مشاريع جنوب سيناء، وهم جميعًا من لواءات القوات المسلحة. ولكن الدليل الأهم على الضلوع العسكري هو أن قائد شرق قوات القناة لمكافحة الإرهاب، الفريق أسامة عسكر هو الذي أصدر الشروط المرجعية لعقد المطار.

تشكّل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي جزءًا مهمًّا آخر متأثرًا بالاندفاع الكبير للأشغال العامة التي تديرها الهيئات العسكرية. فقد التزمت الحكومة زيادة الطاقة بنسبة تصل إلى 50 في المئة بحلول أوائل عام 2018 ومنحت الدور القيادي للهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي التي يرأسها لواء متقاعد من القوات المسلحة منذ عام 2011. وكانت هذه الهيئة "اشتهرت سابقًا بالتأخير وتجاوز التكاليف المقررة وتسليم متدني الجودة وشفافية محدودة، وكانت غير فاعلة نسبيًّا". ولكن في منتصف عام 2016، ادّعت الحصول على حوالي مليار دولار في شكل قروض من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي لمشاريع جديدة مخططة. جاءت بعد ذلك توكيلات رئيسة أخرى، بما فيها تطوير البنية التحتية للعاصمة الإدارية الجديدة، وارتفعت ميزانية الهيئة من 562 مليون دولار في العام 2015-2016 إلى 999 مليون دولار (8.87 مليارات جنيه مصري) في العام التالي.

استفادت المؤسسة العسكرية كذلك من هذه المشاريع بشكل ملحوظ ومباشر. فبحسب ما أشارت إليه دراسة استشارية أجريت في عام 2011، فإن وزارتي الدفاع والإنتاج الحربي تُعَدّان مستهلكتين كبيرتين للمياه وتعملان بنشاط في بناء وتشغيل محطات معالجة المياه ومياه الصرف الصحي، سواء لاستخدامها الخاص أو كمقاول عام للقطاع المدني. وازداد دورهما بشكل كبير مع الزيادة الهائلة في الإنشاءات منذ عام 2013. وقد اضطلعت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة بمشروعات لبناء القنوات والأنفاق لنقل مياه الري ومياه الشرب تحت قناة السويس وتفريعتها، وإلى المزارع على الضفة الشرقية وإلى 100 ألف فدان من مخطط استصلاح الأراضي الذي تبلغ مساحته 420 ألف فدان في سيناء. وطرحت الهيئة مناقصةً لمحطات تحلية المياه التي ستوفر 150 ألف متر مكعب في اليوم لمدينة الجلالة الدولية التي تقوم ببنائها على ارتفاع 700 إلى 1200 متر فوق خليج السويس، بتكلفة إجمالية قدرها 500 مليون دولار. كما تعهدت الهيئة العمل على تزويد أحواض الاستزراع للأسماك الضخمة الجديدة التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في شمال سيناء بكمّ هائل من المياه العذبة التي ستتطلبها.

إلا أنه يمكن القول إنّ المثال الأبرز على التآزر هو المجمّع العملاق الذي يتوسط ميناء البحر الأحمر في العين السخنة، والذي تكوّن على مدى العقدين السابقين. إن الميناء الذي تم إطلاقه في أواسط عام 1999 بامتياز ممنوح من الحكومة لمدة 25 عاماً والذي يعمل منذ عام 2002، هو الأول من نوعه بملكية خاصة خالصة في مصر (وما يزال أحد ميناءين اثنين فحسب من هذا القبيل). وفي عام 2004، أنجزت وزارة الدفاع طريقًا سريعًا حديثًا يربط القاهرة بالعين السخنة وباشرت بتأجير أراضٍ كانت تقوم عليها ثكنات ومنشآت أخرى تابعة للقوات المسلحة لمتعهدين في المجال السياحي. جعلت وزارة الدفاع المنطقة نقطة تقاطع مجالات البنية التحتية والصناعة والتجارة والسياحة والمساكن المخصصة لعلية الطبقة الوسطى منذ عام 2013. كما حولتها لمغناطيس جاذب للاستثمارات الأجنبية وللشراكات الحكومية والخاصة. كما ويخدم الميناء العميق العاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب القاهرة، علاوة على مشاريع استصلاح الأراضي والزراعة والتعدين، التي تملكها أو تديرها الهيئات العسكرية في المحافظات الداخلية مثل الوادي الجديد، والتي أوصلتها تلك الهيئات أيضًا بالطرق السريعة الممولة من الحكومة. ثمّة تآزر مماثل بين مجمّع التعدين أبو طرطور، والذي يتم الآن العمل على توسيعه بشكل كبير، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذي يملك مصنع نصر للفوسفات في عين السخنة ويملك 20 في المئة من الأسهم في الشركة المساهمة المصرية لتسويق الفوسفات والسماد، والتي أقيمت في تشرين الأول/أكتوبر 2018 لتكون الوكيل التجاري الحصري لكافة منتجي الفوسفات في مصر.

تعكس العين السخنة التوجّه الذي تبنته الحكومة بجمع وتركيز الصناعات والخدمات ذات الصلّة في تكتلات جغرافية لتحسين التآزر بينها وزيادة صافي القيمة. كانت وزارة الدفاع منخرطة في إقامة التكتل الأول في الروبيكي، فقامت بنقل مدابغ الجلود من مركز القاهرة وأقامت منشأة إنتاج وصيانة (التي يُفترض أن تبنيها وزارة الإنتاج الحربي).

باتت العين السخنة تتطور كعصب رئيس لقطاع البنية التحتية والقطاعات الاقتصادية التي يوجد للمؤسسة العسكرية مصالح فيها على طول ساحل البحر الأحمر الممتد لنحو ألف كيلومتر من المدخل الجنوبي لقناة السويس ولغاية الحدود مع السودان. ليس من المستغرب إذاً أن متقاعدي القوات المسلحة يترأسون كافة المحافظات والهيئات الحكومية ذات الصلة في المنطقة، مثل هيئات الموانئ والتنمية. إن قُرب العين السخنة من منطقة جنوب السويس الاقتصادية يربطها بالشحن والخدمات عبر كل الموانئ، وصولاً حتى بور سعيد في أقصى شمال قناة السويس والعريش على ساحل سيناء الشمالي. وتتضمن هذه مرافق استقبال وإنتاج وتخزين وتصدير البترول والغاز الطبيعي ومشتقاتهما، وفي عام 2018 لوحده أُبرمت عقود بقيمة 10،9 مليارات دولار مقابل إقامة ما يُتوخى له أن يكون المنشأة الأكبر في العالم لتكسير النافتا، والمدعوة بمجمّع التحرير البتروكيماويات. كما تستثمر الهيئات العسكرية في هذه الأثناء في توسيع الموانئ الجنوبية، كما في سفاجا، بعضها على أراضٍ قامت وزارة الدفاع بتأجيرها لذلك الغرض والتي ستتيح التصدير من مشاريع في الوادي الجديد. إنّ هذه المشاريع التنموية وغيرها تعدّ جزءًا من مخطط حكومي تم تبنيه في عام 2016 بخصوص "المثلث الذهبي" في جنوب مصر، وهو محطّ اهتمام مركزي آخر للهيئات العسكرية، التي ترمي إلى زيادة مصالحها التعدينية والسياحية الاقتصادية الأخرى على ساحل البحر الأحمر.

كما تعكس العين السخنة ومنطقتها التحالفات الاجتماعية والسياسية لإدارة السيسي. فما انفكت مدينة الجلالة الدولية تتطور كامتداد بإدارة عسكرية لمنتجعات ومساكن الطبقة الوسطى العليا في العين السخنة، إلى جانب الاستثمارات الكبيرة في الصناعات التحويلية والاستخراجية. وفي آب/أغسطس 2019 قام السيسي بتحويل 75 ألف فدان تقع في نواحي الغردقة المعروفة كوجهة سياحية إلى وزارة الدفاع، ومعها تفويض بالسيطرة على 47 جزيرة في البحر الأحمر تستخدم من قبل منظمي الرحلات السياحية للغوص و"السفاري"، معلناً عن "أنها مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية". العين السخنة تجسد أيضًا التحالف مع الإمارات العربية المتحدة، حيث اكتسبت هيئة موانئ دبي العالمية حصة في الميناء بنسبة 90 في المئة في عام 2008، كما وتم استثمار رأس مال إماراتي في مجمع التحرير للبتروكيماويات.

"في العجلة الندامة"

إن استخدام السيسي للهيئات العسكرية من أجل تنفيذ المشاريع العملاقة قد منح شعورًا ملموسًا بالإلحاح كان مدعومًا بوعود متكررة للتسليم وفق جداول زمنية متسارعة. على سبيل المثال، بدأت إدارة المشروعات الكبرى التابعة للقوات المسلحة بتصميم مدينة الإسماعيلية الجديدة في كانون الثاني/يناير 2014 بهدف تسليم مدينة تضم 314 ألف شخص بحلول نهاية عام 2016، فيما وعد السيسي في أيار/مايو 2015 باستصلاح مليون فدان من الأراضي في "أقل من سنتين"، وهو هدف تضاءلت احتمالات تحقيقه مع اقتراب عام 2020. وقد رافقت هذه التصريحات ادعاءات مبالغ فيها عن عدد الوظائف التي يمكن توليدها، كالافتراض بأن توظف الإسماعيلية الجديدة 89 ألف شخص بشكل دائم ومليونين آخريْن بشكل غير مباشر، وعن أوقات تسليم قياسية، مثل التفاخر بأن "ثلاثة مطارات دولية جديدة تم الانتهاء منها في زمن قياسي لم يتجاوز العام"، بدلًا من السنتين بحسب جدول التنفيذ الأصلي.

ومن أجل تقديم نتائج سريعة، تعيّن على وزارة الدفاع توظيف شركات وهيئات تفتقر إلى الخبرة. على سبيل المثال، وجدت شركة الخدمات البترولية المملوكة للدولة "بتروجيت" نفسها تقوم ببناء المساكن والطرق في مشروع مدينة شرق بورسعيد الجديدة، وكذلك حفر أنفاق تحت قناة السويس. كانت الشركة تفتقر إلى نوعية العمال والخبرة ذات الصلة، ولكنّها تعاقدت من الباطن مع شركات أصغر حجماً، مخصِّصة حصصاً من الوحدات السكنية أو أطوالاً مختلفة من الطرق لكل منها، لتبنيها بإشراف عسكري. فعلت إدارة المشاريع الكبرى في القوات المسلحة الشيء نفسه، حيث وظّفت ثلاثين من شركات القطاع الخاص للعمل على 219 كيلومترًا من الطريق السريع رقم 6 في سيناء.

مع ذلك، فإنّ الاندفاع ذا الحافز السياسي لإظهار النتائج السريعة قد رفع التكاليف أيضًا: فمن أجل جذب عدد كاف من العمال إلى موقع الجلالة، مثلًا، قدمت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة أجورًا أعلى من المتوسط. وكانت تعوض الزيادات بالتخفيف من التكاليف الأخرى من طريق إقناع بعض الشركات بالقيام بالعمل مجانًا، مثل حفر الإنفاق تحت قناة السويس، والتي وافقوا عليها، على أمل تأمين عقود مستقبلية. وحتى عندما كان يُدفع لهذه الشركات فإنه من المحتمل أنها تلقت أسعارًا أقل من السوق، على عكس المتعاقدين الأجانب، وتكون هذه الشركات قد أُجبرت على إمتصاص الخسائر. إلا أن وزارة الدفاع كانت نفسها أيضًا على استعداد لتحمل تكاليف التسليم السريع، إذا ما كان ذلك يوفي بالغرض. فعلى سبيل المثال، قامت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة بتمويل الشركة الأميركية "جنرال إلكتريك" لتسريع عملية تركيب اثني عشر توربينًا لتوليد الطاقة الكهربائية في أسيوط ودمياط الغربية بدلًا من انتظار التمويل الحكومي.

وبنفس الفظاعة نجد السحب الاستثنائي لموارد مصر المائية من قبل كافّة المشروعات العملاقة تقريبًا التي تديرها الهيئات العسكرية. وهذه الموارد تعاني أصلًا من الشحّ، حيث إن البلد تحت عتبة الفقر المائي ويتّجه نحو ندرة المياه المطلقة بحلول عام 2025. ومع ذلك، فمن المتوقع أن تستهلك العاصمة الإدارية الجديدة أكثر من 500 مليون متر مكعب من المياه سنويًّا عند انتهائها. إلى ذلك، فإن الخطط لسحب حوالي 200 ألف متر مكعب من المياه يوميًّا من المدن الملحقة المجاورة تعكس مرة أخرى كيف أن الاعتبارات السياسية تتفوق على تحليلات الربح والخسارة وشحّ الموارد.

كما تُظهر هذه الحالة، تميل المؤسسة العسكرية إلى التصدي لمختلف التحديات بحلولٍ هندسية بسيطة لا تحل المشكلة الرئيسة. بل لعلها تؤدي إلى تفاقمها: فإن الاستثمار في تحلية مياه البحر لتزويد المدن الجديدة والمشروعات العملاقة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط الشمالي أو حول عين السخنة على البحر الأحمر، يستهلك الوقود بشكل مكثف. وكذلك بالنسبة إلى ضخ المياه من نهر النيل أو الأحواض الجوفية إلى التضاريس المرتفعة أو عبر القنوات العابرة للبلد أو الأنفاق تحت قناة السويس إلى مشاريع استصلاح الأراضي والمشاريع الزراعية التي تتوق إلى المياه. كما وتحمل قنوات مياه الصرف فضلات صناعية وزراعية سامة، ما يؤثّر على مناطق المصب مثل كفر الشيخ، موطن جزء كبير من ثروة مصر السمكية. لكن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية يوسّع بسرعة استزراع الأسماك هناك وفي شمال سيناء لزيادة الإمدادات الغذائية (الموضحة أدناه)، ما يضخّم كلاً من الطلب على المياه العذبة وتوليد النفايات التي تعود إلى القنوات والبحر. كما وتتركز هذه المشاريع في مناطق هي الأكثر عرضة للخطر بسبب الارتفاع المحتمل لمستويات البحر بسبب الاحتباس الحراري العالمي.

من نافل القول أنه يستحيل بشكل عام التأكد من أو تقييم الآثار البيئية المترتبة على المشاريع العسكرية، وذلك لبقاء الدراسات أو الوثائق الفنية المتعلقة بها طيّ الكتمان. فعلى سبيل المثال، إنّ مشاريع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية الزراعية الكبيرة في شرق العوينات تعتمد على مياه جوفية يُعتقد أنها غير متجددة. وبالأهمية نفسها، أطلق جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مزارع أسماك كبيرة في بحيرة البرلس، وهي واحدة من عدة بحيرات تابعة لدلتا النيل، كانت تحتوي في عام 2008 على تركيز للمعادن الثقيلة بمعدلات تتجاوز الحدّ المسموح به عالمياً، مثل الحديد والزنك والنحاس والمنغنيز والكادميوم والرصاص. كما وتقلصت مساحة هذه البحيرات بسبب استصلاح الأراضي وتحويلها إلى مزارع سمكية وأيضًا بسبب النمو المفرط للنباتات المائية، وعلاوة على ذلك فقد باتت تعاني من المخلفات الصناعية والزراعية وعلاوة على احتراق وقود القوارب والسيارات؛ ومحصلة كل هذا تقلص إجمالي لحصة البحيرات من الإنتاج القومي للأسماك من 40 إلى 12 في المئة. كما أن الحكومة قد حذرت من ارتفاع الملوحة في الدلتا، حيث يُزرع غالبية أرز البلاد، وعليه فقد قامت بالحدّ من زراعة الأرز، ومع ذلك فإن مصائد الأسماك الجديدة التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية تعدّ من أكبر مستهلكي المياة العذبة.

من المحتمل نظرياً أن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والهيئات العسكرية الأخرى تقوم فعلاً بتطبيق المعايير العالمية وأفضل الإجراءات التي يدّعون (ومعهم نظراؤهم من المدنيين) أنهم يلتزمون بها في كل ما يقومون به تقريباً. ولكن لم تأتِ أي من التصريحات الكثيرة التي تمت مراجعتها في إعداد هذا التقريرعلى ذكر أي مبادرات أو إجراءات أمان بيئية، مما يشير إلى أنه يتم تخصيص القسط الأكبر من الاهتمام لزيادة الإنتاج مقابل الحدّ من التكلفة. كما أن الهيئات العسكرية لم تُدرِج التصدي للأضرار البيئية ضمن أولوياتها في المجال المدني؛ ففي حزيران/يونيو 2019 بيّن أنَّ مصر هي المساهم الأكبر في النفايات البلاستيكية النابعة عن سوء الإدارة بين جميع بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، فهي مسؤولة عن نسبة 42،5 في المئة من مجمل 6،6 ملايين طن تسيء إدارة 93 في المئة من تدفقات نفاياتها البلاستيكية إجمالاً؛ وكل هذا للتدليل على قطاع واحد على سبيل المثال لا الحصر من بين قطاعات أخرى تنشط فيها مصانع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والمصانع العسكرية الأخرى.

أسوة بذلك، وفقًا لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، فقد تم تصريف حوالي 80 في المئة من مجمل النفايات الصناعية السنوية في النيل وقنواته دون معالجتها في عام 2007. ومع ذلك، فقد تدخلت القوات المسلحة لقمع احتجاجات السكان المحليين ضد العواقب البيئية المحتملة على إثر توسيع مصنع بيتروكيماوي (مدني) في دمياط في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، في حين أُعلم محتجون قاموا بحملة ضد ثلاثة مصانع شبيهة افتُتحت بعد شهر في الفيوم، أنه ليس بالإمكان فعل أي شيء لأن تلك المصانع كانت مملوكة لوزارة الإنتاج الحربي.

وكان المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية قد أشار في دراسة نشرها في عام 2018 أن المشاريع العملاقة التي أُقيمت في مصر على مدى العقود السابقة، قد كانت "واسعة النطاق، ذات رؤى طموحة (عادةً ما تكون لها أبعاد سياسية) وأهداف متعددة وذات تكاليف باهظة للغاية. وغالبًا ما يكون تأثيرها كبيرًا لدرجة تتعذّر معها إعادة الوضع إلى سابقه". إن التوسع المستمر للمشاريع العمرانية والصناعية التي تديرها الهيئات العسكرية ولمشاريعها الجديدة لاستخراج المعادن الثقيلة (مثل مصانع الرمال السوداء التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية والتي سيتم التطرق إليها أدناه) في مناطق زراعية وسكانية مكتظة، من شأنه أن يرفع التكاليف البيئية إلى حدّ كبير، تحديداً لكون تلك الهيئات تفلت من المراقبة والسيطرة الخارجيتين، رغم أن نشاطاتها تتصل بالأهداف المدنية.

التهافت الاستراتيجي على المشروعات

لقد تجلّى جزء كبير من الدور العسكري الاقتصادي المتوسع منذ عام 2013 في مناطق جغرافية معتبَرة استراتيجية منذ زمن طويل، مثل قناة السويس ومحورها التنموي، وسيناء وبقية ساحل البحر الأحمر، وغيرها من المناطق الحدودية، كما في قطاعات تُعتبر ذات قيمة استراتيجية بالنسبة إلى الرفاه والمصلحة القومية، مثل الإسكان الاجتماعي واستصلاح الأراضي. وتُعد المؤسسة العسكرية نفسها (ويعدها كذلك الآخرون) المؤسسة الحكومية الوحيدة القادرة على قيادة المشاريع القومية على هذا النطاق وعلى توفير رأس المال اللازم، لاسيما البشري، وفي بعض الأحيان المالي. لكن استغلت المؤسسة العسكرية سلطانها الفعلي على المناطق الاستراتيجية لتكثيف الاستغلال التجاري ومتابعة الأنشطة الجانبية التي تقع في هذه المناطق أو تمر عبرها. وفي قيامها بكل ذلك، أزاحت المؤسسة العسكرية الجهات الاقتصادية المدنية الفاعلة، أكانت من القطاع العام أو الخاص، في قطاعات مثل الإنتاج السمكي والبنية التحتية للنقل وعملياته، والتصنيع الغذائي والتجارة الزراعية والواردات.

ترسيم المناطق نفعيًّا

كما ذكر في الفصل 3، قدّم السيسي عرضًا مبكرًا عن المنفعة التجارية الناجمة عن التقسيم الاستراتيجي للمناطق من خلال تحديد منطقة شلاتين الحدودية الجنوبية كمنطقة عسكرية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، ما مكّن وزارة الدفاع وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية من تطوير أنشطة المناجم بشكل كبير وتنمية اهتماماتها في المحاجر (بما في ذلك التنقيب عن الذهب). وقد عزز السيسي مرة أخرى المنفعة عبر إصدار المرسوم الرئاسي 233 لعام 2016 الذي حدد 21 طريقًا قوميًّا على أنها "مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية". بعض هذه الطرق كان يربط مناطقَ النشاط الاقتصادي العسكري، مثل مشروع استصلاح الأراضي في الفرافرة في الوادي الجديد ومنطقة تطوير شرق بورسعيد الجديد. ولكن العديد ربط منتجعات سياحية مرغوبة ومحطات الشحن والركاب الرئيسة في سيناء (من بورسعيد إلى شرم الشيخ ونويبع وطابا)، والصحراء الغربية (سيوة وواحات الصحراء الغربية)، ومحور القاهرة - البحر الأحمر (في عين السخنة). تقوم القوات المسلحة بدوريات في هذه الطرق السريعة، وتتعامل مع حوادث المرور، وتفرض الغرامات، وتحيل قضايا إلى المحاكم العسكرية. في أيار/مايو 2017، كشف وكيل وزارة الصحة للشؤون المالية، اللواء سيد الشاهد، عن أن السيسي قد عهد إلى القوات المسلحة بإنشاء مراكز طوارئ على الطرق السريعة.

كما جعل القرار الرئاسي رقم 233 الأراضي التي تقع على عمق كيلومترين على جانبي الطرق القومية خاضعةً لسيطرة وزارة الدفاع، ما يمنحها فعليًّا امتيازًا تجاريًّا مهمًّا. من المؤكد أن هذه الأراضي ستشهد مدّ كابلات للإنترنت والاتصالات، وهو قطاع سعت وزارة الدفاع إلى الدخول فيه بقوة. وبالفعل، كانت شركة المصرية للاتصالات التي تمتلك البنية التحتية لهذا القطاع وتحتكره بحكم الواقع، قد أعلنت سابقًا أنها ستستبدل شبكة الكابلات النحاسية القديمة بكابلات الألياف البصرية بهدف الوصول إلى 4 ملايين عميل بحلول نهاية عام 2015. علاوة على ذلك، وضمن صلاحياتها الحالية، يجوز لوزارة الدفاع منح إعفاءاتها المعتادة من ضريبتي الدخل والعقارات والرسوم الجمركية إلى الشركات االفائزة بالامتيازات التجارية في جوار الطرق السريعة هذه. ويعني هذا تحويلاً مرتقبًا للعائدات من الخزينة العامة، يضاف إلى تحويل الرسوم المستوفاة من مستخدمي الطرق السريعة المدنيين لصالح وزارة الدفاع. هذا، وفي احتوائه على تعليمات إلى القوات المسلحة بإزالة التعديات على أراضي الدولة المشمولة على جميع الطرق التي جرى تحديدها على أنها "قومية"، وليس على الطرق "استراتيجية" فحسب، ضمن المرسوم الرئاسي رقم 233 السيطرة العسكرية الفعلية على الشبكة الرابطة بين المدن ككل.

كان عضو البرلمان محمد أنور عصمت السادات من بين القلائل الذين اعترضوا بصراحة على القرار الرئاسي رقم 233، مجادلًا في بيان علني أنّ أي دخل من الطرق السريعة يجب أن يعود إلى الخزينة لأنها بُنيت بأموال حكومية للمساعدة في التنمية الاقتصادية. أمّا الآخرون، فكانوا أكثر امتثالًا. فأستاذ المالية والاستثمار في جامعة القاهرة، هشام إبراهيم، ردّ يقول إنه يحق للقوات المسلحة الاستفادة تجاريًّاً "لأن الطرق التي شملها القرار تمّ إنشاؤها على أراضٍ كانت تابعة في الأصل للقوات المسلحة، وبالتالي فمن حقها أن تستفيد من التعويض على ذلك ". لكن المراسيم اللاحقة عززت امتياز وزارة الدفاع. ففي 28 شباط/فبراير 2017، قضى المرسوم الرئاسي 77 بتحويل 60 ألف فدان من الأراضي الصالحة للزراعة في "الحزام الأخضر" الخاص بمدينة 6 أكتوبر إلى مدينة الشيخ محمد بن زايد. وقد حول ذلك الأراضي الزراعية إلى عقارات سكنية عالية القيمة في المناطق المجاورة لمحور روض الفرج الذي يربط وسط القاهرة بالضواحي النائية والمدن الملحقة، والطرق السريعة القريبة التي باتت تخضع الآن لرقابة وزارة الدفاع. وبالمثل، منح القرار الرئاسي 101 الصادر في اليوم نفسه وزارة الدفاع 14596 فدانًا في محيط مجمع الضبعة النووي على الساحل الشمالي، ما يصل مرة أخرى في نهاية المطاف إلى محور روض الفرج، والذي ما لبث أن تحول إلى مغناطيس لزيادة مفرطة باستثمارات الأموال العامة.

وفي موازاة ذلك، خططت وزارة الدفاع لتوسعات في مجالات أكثر تقليدية للنشاط الاقتصادي. مثلٌ رئيسٌ على ذلك هو إطلاق مشروع لبناء "مدينة المطار" بالقرب من مطار القاهرة الدولي في آب/أغسطس 2014، بعد فترة وجيزة من الإعلان عن مخطط قناة السويس الثانية. ولأنه فهو مصَمَّم كمجّمع مختلط للخدمات والسياحة والترفيه والرياضة بتكلفة مبدئية تراوح بين 60 و100 مليار جنيه مصري، وقد ادّعى المسؤولون أنه سيولد ما بين 100 و120 ألف وظيفة وسيحقق 422 مليار جنيه من الدخل بين تاريخ الانتهاء المتوقع منه في عام 2020 وبين عام 2040. في هذه الحالة، كان المحركُ الرئيس للمشروع لواءات عسكريين متقاعدين، بمن فيهم اثنان ممن تعاقبوا على رئاسة مطار القاهرة الدولي، ورئيس هيئة الطيران المدني، ومحافظ الجيزة.

الإزاحة 1: إطعام مصر من السمك

عمدت وزارة الدفاع أيضًا إلى توحيد مصالحها في شبه جزيرة سيناء، وفي منطقة قناة السويس المجاورة، وفي دلتا النيل، وعلى الأخص من خلال غزو إنتاج الأسماك. ففي كانون الثاني/يناير2015، أعلن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية عن إنشاء مشروع جديد هو الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية بتكلفة مبدئية معلنة قدرها مليار جنيه مصري (100 مليون دولار عندها)، ثم وصلت إلى 1,7 مليار جنيه عند افتتاحها في تشرين الثاني/نوفمبر 2017. كان يرأس الشركة اللواء حمدي بدين، الرئيس السابق للشرطة العسكرية الذي كان متهماً بأنه أمر باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين وإجراء اختبارات العذرية بالإكراه على محتجزات في عام 2011.

وقد كشف تأسيس الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية عن اتجاهين مهمين. أولاً، على عكس قطاعات أخرى تشمل التمويل العام والإنتاج الاقتصادي التي تتشارك فيها هيئات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية مع نظراء حكوميين مدنيين أو تتقاسم معهم القطاعات، قامت الشركة الجديدة بإزاحة شبه تامة للهيئة العامة لتنمية الموارد السمكية (وهي جزء من وزارة الزراعة)، حيث شهدت هذه الهيئة انخفاضًا في ميزانيتها بنسبة بلغت 75 في المئة تراكمية في الفترة ما بين عامي 2014 و2016. وبحلول خريف عام 2015، كانت الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية التابعة لجهاز المشروعات قد تولت إدارة مزارع الأسماك في بحيرات البردويل والبرلس وناصر وفي أحواض التغذية على طول 120 كيلومترًا من قناة السويس وتفرّعاتها. كانت هذه المناطق تخضع سابقًا للهيئة العامة، وقد فقدت السيطرة على 123500 فدان إضافي من الأراضي لاستزراع الأسماك في شرق بورسعيد الجديد، وبركة غليون (وهي تنتج 200 ألف طن من الأسماك سنويًّا)، وعين السخنة بحلول آب/أغسطس 2016، بناءً على أوامر السيسي. وفي شباط/فبراير 7201، قام السيسي بتكليف بَدين بالإشراف على جميع الهيئات الحكومية المعنية بزيادة إنتاج الأسماك من بحيرة ناصر وبإنشاء أربعة مصانع جديدة لمعالجة منتجات التماسيح. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، افتتح الرئيس "مدينة سمكية صناعية" في بحيرة غليون تضم مصانع لتغذية الأسماك ("الأكبر في الشرق الأوسط") وإنتاج الثلج وعبوات "الفوم"، كما وافق على خطط لبناء منشآت مماثلة لها في بحيرة بردويل.

ثانيا، أصبحت الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية وسيلة إضافية لإدخال وزارة الدفاع في الروابط التجارية الخارجية للبلد. في الواقع، اتُّهمت الجهات العسكرية المصرية بالصيد عبر شباك الجر غير القانوني في قاع البحر في المياه الإقليمية اليمنية في البحر الأحمر منذ عام 2003، مستخدمة السفن المدنية. لكنها سعت مؤخرًا لدخول هذا السوق بشكل رسمي. ووفقًا لمحافظ البنك المركزي، طارق عامر، استوردت مصر سمكًا بقيمة 800 مليون دولار في عام 2016؛ وقد أكدت باستمرار التقارير الصحافية عن أنشطة الشركة بهدف زيادة الإنتاج المحلي لتلبية الطلب المحلي. وللتأكيد على الأهمية المعلّقة على المشروع، قام محافظا كفر الشيخ وبورسعيد، وكلاهما لواء متقاعد، بجولة على مزارع الأسماك الجديدة مع بَدين في نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر2016.

لكن إعلان بدين في آب/أغسطس عن حصول الشركة على أول رخصة تصدير لها لمشروع مشترك لتربية الأسماك مع شركة صينية كشف أيضًا عن دافع واضح للربح (بدلاً من إطعام مصر). وقد أعقب ذلك في تشرين الثاني/نوفمبر مشروعٌ مشترك مع شركة قبرصية تهدف إلى إنتاج 50 ألف طن من الأسماك سنويًّا للتصدير إلى الأسواق الروسية والفرنسية والبريطانية. ومن الأهمية بمكان، أنّ الشركة الوطنية للثروة السمكية والأحياء المائية كانت تأمل في الحصول على قروض أجنبية بقيمة 400 مليون يورو من خلال شريكها القبرصي، ما يؤكد نمط استخدام المشاريع المشتركة كوسيلة لتأمين التمويل والتكنولوجيا. ومن المفارقة أن بدين زار موريتانيا لتأمين حقوق الصيد للسفن المصرية في آذار/مارس 2017، وزار إريتريا في الشهر التالي للتوقيع على صفقات لاستيراد الأسماك، سواء في محاولة لتأمين احتياجات مصر حتى يتراكم الإنتاج المحلي، أو لالتقاط فرق السعر بين السمك المستورد من البحر الأحمر والمحيط الأطلسي من جهة والسمك المصري من الجهة الأخرى. في الحالتين، كان هذا مثالًا آخر على قيام وزارة الدفاع بإدخال نفسها في منظومة التموين والإمداد في مصر.

الإزاحة 2: مدن الرخام والملح والرمل الأسود

شاء القدر أن يكمن معظم الثروة المعدنية في مصر في المناطق الاستراتيجية الواسعة التي تسيطر عليها وزارة الدفاع. تمت الإشارة إلى توغل الوزارة في التنقيب عن الذهب في منطقة شلاتين الحدودية مع السودان في الفصل 3، ولكن منذ عام 2013، أنشأت الوزارة أيضًا شبه احتكار على محاجر الرخام وإنتاج الملح والاستغلال التجاري للرمال. ويشكِّل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية الأداة الرئيسة لهذه المشاريع التي تتركز بشكل أساسي في شبه جزيرة سيناء وبحيرة برلس في دلتا النيل.

في منتصف عام 2014، أطلق قطاع التعدين في جهاز مشروعات الخدمة الوطنية شركة مصر سيناء للتنمية الصناعية والاستثمار التي وافقت بعد ذلك على التعاون مع الجهاز في بناء مصنع للإسمنت ومرافق لإنتاج الرخام والزجاج في وسط سيناء. وقد ورد أنّ وزارة الدفاع تملك حصة قدرها 51 في المئة في الشركة الجديدة التي أعلنت عن رأس مال لبداية التشغيل قدره 3 مليارات جنيه مصري. أما النسبة المتبقية البالغة 49 في المئة، فكان من المفترض أن يمتلكها ستة وثلاثون من شيوخ عشائر سيناء. في كانون الثاني/يناير 2016، أعلن كل من جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ومصر سيناء أنهما سيشيدان "مدينة للرخام والملح" تضم عشرة مصانع رخام وخمسة مصانع ملح مقابل استثمار بقيمة 1,2 مليار جنيه، وقد زعما أن "المدينة" ستوظف 13 ألف شخص خلال العام. لكن في شهر أيار/مايو، حوّل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية شركة مصر سيناء إلى شركة فرعية جديدة هي الشركة الوطنية للرخام والجرانيت التي أعلنت عن خطط لبناء "أكبر" مجمع رخام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتكلفة 800 مليون جنيه.

كانت مصر تصدّر 68 في المئة من إنتاجها من الرخام بشكله الخام وتفْقد فرصة تحقيق القيمة المضافة، وفقًا لما ذكره المدير العام لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية اللواء مصطفى أمين. لتصحيح ذلك، كان جهاز مشروعات الخدمة الوطنية على استعداد لإزاحة النظراء والمنافسين المدنيين جانبًا، أكانوا من القطاع العام أو الخاص. وحقيقة أنّه أصبح لدى الجهاز الآن سلطة منْح الشركات تراخيص الاستكشاف والاستغلال في قطاع التعدين كشفت مدى تهميش الجهاز للهيئات الحكومية في ما يتعلق بالسيطرة على الموارد الطبيعية في المناطق الاستراتيجية. لكن الجهاز ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير في نيسان/أبريل 2017 عندما صدم أعضاء غرفة صناعة الرخام والمحاجر في اتحاد الصناعات المصرية بإبلاغهم أن الجهاز يقوم بتوسيع طاقته من ثلاث إلى سبع منشآت لتجهيز الرخام بهدف تزويد 80 في المئة من إجمالي إنتاج مصر. وبحلول 1 آب/غسطس 2018، كان لدى مجمع الجهاز للرخام والغرانيت في بني سويف سبعة مصانع، مع خمسة مصانع أخرى مخطط لها في مناطق محاجر غنية أخرى تحت سيطرة وزارة الدفاع في سيناء وعين السخنة وأسوان بحلول منتصف 2019.

أما الاستثمار الموازي لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في استخراج المعادن الثقيلة والعناصر الأرضية النادرة من رواسب الرمال الغرينية في بحيرة البرلس على ساحل دلتا النيل، فمن المحتمل أن يكون أكثر ربحية. في منتصف عام 2016، أسس الجهاز الشركة المصرية للرمال السوداء كشركة عامة محدودة يملك فيها الجهاز حصة 61 في المئة، بهدف معلن هو تلبية الاحتياجات المحلية والحصول على حصة 30 في المئة من أسواق التصدير. الرهان كبير: فالجهاز يسيطر على موقع الرمال السوداء الوحيد في مصر، حيث يقدر الاحتياطي بحوالي 250-285 مليون طن، ويتوقع أن ينتج بين 3 و5 في المئة من إجمالي إمدادات العالم من التيتانيوم والزركونيوم خلال العقد المقبل.

ووفقًا لمحافظ كفر الشيخ، حيث المحافظة لها حصة في شركة الرمال السوداء، من المتوقع أن يحقق المشروع 176 مليون دولار من العائدات السنوية لخزينة الدولة ما إنْ يكتمل الإنتاج. ليس من المستغرب أن الشركة جذبت استثمارات أجنبية: فبعد صفقة مع إحدى شركات الاستخراج الأسترالية في أيار/مايو2018، جرى فورًا تأسيس شركة مصرية صينية مشتركة لبناء مصنع ثانٍ للاستخراج. في كانون الثاني/يناير 2019، وافق البرلمان على قانون اتفاقية شركة الرمال السوداء المصرية الذي يجيز لها (إلى جانب هيئة المواد النووية) استكشاف واستخراج ومعالجة معادن الرمال السوداء ومشتقاتها في جميع أنحاء مصر، ما يؤدي فعليًّا إلى منح شركة تملكها المؤسسة العسكرية، إلى حد كبير، احتكارًا تجاريًّا.

منظومة الاستيراد والأزمات التنموينية

يُظهِر الكثير مما سبق الانخراط المتزايد للهيئات العسكرية والمؤسسات المرتبطة بها في منظومة التجارة الخارجية لمصر. إن التقلبات في المعروض من السلع الأساسية في الأسواق المحلية بعد عام 2013، التي تأثرت بالانخفاض الحاد في قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية وما تلاه من نقص كبير في سيولة الدولار في السوق المحلي وتضخم الأسعار في عام 2015، قدمت للاقتصاد العسكري التحفيز والذريعة، على حد سواء، للتوسع أكثر في التجارة.

إن التقلبات في المعروض من السلع الأساسية في الأسواق المحلية بعد عام 2013، قدمت للاقتصاد العسكري التحفيز والذريعة، على حد سواء، للتوسع أكثر في التجارة.

اللحوم والدواجن

كما هو مذكور في الفصول السابقة، يتركّز الكثير من الأنشطة العسكرية في مجال التجارة الخارجية على استيراد ونقل وبيع الماشية واللحوم من السودان المجاور. إن هذا قطاع تجاري رئيس، وذلك بسبب حجم السوق المصري فضلًا عن ارتفاع نسبة اللحوم في النظام الغذائي الوطني منذ تحرير الواردات في عهد السادات في سبعينات القرن العشرين، فضلًا عن وجود عدد كبير من العملاء المضمونين مثل القوات المسلحة والجهاز البيروقراطي الهائل للدولة. ولأن التجارة مع السودان تشمل نهر النيل وساحل البحر الأحمر وتخص حكومة أجنبية تربطها بمصر علاقات سياسية معقدة، وهذه جميعها تُعتبر مؤثرة على الأمن القومي، فتنخرط وزارة الدفاع ومديرية المخابرات العامة بقوة وراء الكواليس في تسهيل الوصول إلى السوق والصفقات.

تقوم شركات القطاع الخاص بالكثير من الاستثمارات التجارية الحقيقية، إن لم تكن جميعها، مثل بناء المسالخ وزراعة الأعلاف في السودان، في حين أن وزارة الدفاع والهيئات التابعة لها تعمل بشكل رئيس في مجال المشتريات والمبيعات بالتجزئة. لكن كلاهما متشابكين. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، الشريك الخاص المألوف لوزارة الدفاع، أي شركة "القلعة القابضة"، التي استثمرت بكثافة في النقل المتعلق بالتجارة. وتملك شركة "كير مارين" (التابعة للقلعة) اثنين من الموانئ النهرية في السودان، اللذين تصدّر منهما المنتجات الصناعية والزراعية إلى مصر. وفي عام 2010، قام اللواء المتقاعد في سلاح الجو الذي يترأس الشركة الوطنية القابضة لوسائل النقل (التابعة لشركة القلعة) والتي تمتلك أربع شركات تابعة موجهة نحو التجارة مع جنوب مصر والسودان، بالتفاوض على شراء ثلاثة موانئ في جنوب نهر النيل من الهيئة العامة للنقل النهري التي يرأسها زميل متقاعد من القوات المسلحة.

وقد ساعدت الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة على تبرير هذا التوجه. ففي آب/أغسطس 2016، أثنى السيسي على وزارة الدفاع "لخفض الأسعار من خلال الإدارات ذات الصلة التي تستورد الماشية واللحوم المجمدة والدواجن دون وسطاء وبأسعار منخفضة". وقد كان جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أصلًا مشتركًا بشكل علني في استيراد اللحوم للسوق المحلي، في حين أن هيئة الإمداد والتموين في وزارة الدفاع ربما فعلت الشيء نفسه تحت ستار المشتريات للقوات المسلحة. بالفعل، تدفقت إيرادات ثانوية إلى وزارة الدفاع من بناء شبكة من المسالخ التي تقدم اللحوم بأسعار مخفضة للمواطنين، في حين أن مديرية المخابرات العامة قد أقامت شركات واجهة تتاجر باللحوم. من المحتمل أن يكون تعيين الرئيس السابق لهيئة الإمداد والتموين التابعة في أيلول/سبتمبر2016، اللواء علي المصيلحي، وزيرًا للتموين والتجارة الداخلية قد ساعد في انخراط الهيئات العسكرية ومديرية المخابرات العامة في منظومة الإمداد المدني بدرجة أكبر.

أما التبعات بالنسبة للأسواق المحلية، فكانت مختلطة في أحسن الأحوال. في وقت سابق من عام 2016، قام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وهيئات عسكرية أخرى باستغلال الإزالة المفاجئة لجميع التعرفات الجمركية على استيراد الدجاج وقطع الدجاج لإغراق الأسواق المحلية بكميات كبيرة من الدجاج المستورد، ما أدى إلى تقويض الشركات الخاصة. رداً على احتجاجاتها، أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية أنها كانت قد طلبت في وقت سابق من "هيئات سيادية"، حدّدتها لاحقًا على أنها هيئات استيراد تابعة لوزارة الدفاع، استيراد الدجاج لتلبية الطلب المحلي قبل شهر رمضان في حزيران/يونيو2017. لكن الواردات أسفرت عن تخمة أدت إلى انخفاض الأسعار لبقية العام، ما أثار المزيد من الاحتجاجات من جانب جمعية منتجي الدواجن المصرية.

كشفت الطريقة التي هرعت بها الهيئات العسكرية لإنقاذ البلاد عن التفاعل المعقد بين السياسة والأعمال والاعتبارات المتناقضة التي تشكل السياسة التجارية والاقتصادية. كما أنها خلقت فرصًا مربحة لضباط القوات المسلحة والوسطاء للانتفاع. ففي مطلع عام 2017، كتب الصحافيان الاستقصائيان محمد حسني وأسامة الصياد زاعميْن أنّ مستوردي الدواجن واللحوم من القطاع الخاص وجدوا أن شحناتهم قد تتأخر في الموانئ لأسباب تتعلق ظاهريًّا بالصحة والسلامة ما لم يدفعوا رشاوى لضباط القوات المسلحة المعنيين، أو ما لم يقوموا بإحضار الشحنات إلى موانئ خاضعة للسيطرة العسكرية في سيناء من دون المرور بالجمارك.

دخول منظومة القمح

الأزمة التي حصلت في إمدادات القمح في عام 2016 قدمت أبرز دليل على الدور المتنامي للمؤسسة العسكرية في الإدارة الاقتصادية والديناميات الجديدة المتأتية عن ذلك. كان القطاع المحكوم من قبل العدد الكبير من الهيئات الحكومية والقواعد المعقدة يتّسم أصلًا باختراق واسع النطاق من قبل الضباط المتقاعدين، وفساد متعدد الأوجه، ومنافسة شبيهة بمنافسة المافيا بين العصابات المتخاصمة تدور حول الواردات والمشتريات والإمدادات المحلية والتخزين. فكانت المكاسب المحتملة كبيرة للغاية. إذ تُعد مصر أكبر مستورد من القمح في العالم حيث استوردت ما وصل إلى 12 مليون طن في الاثني عشر شهرًا حتى تموز/يوليو 2018 و12,5مليون طن في العام التالي، ما يمثّل حوالي 4 في المئة من إجمالي واردات البلاد. ولتشجيع المزارعين المصريين على زراعة القمح، كانت الحكومة دائمًا تقوم بشرائه بسعر ثابت أعلى بكثير من الأسعار الدولية: بفارق 84 دولارًا أكثر مقابل طن القمح المنتج محليًّا في عام 2014، و180 دولارًا في عام 2016. كما أن الحكومة هي المشتري الرئيس الوحيد من القمح المحلي، فضلًا عن تشغيل جميع أشكال التخزين الداخلي على نطاق واسع والكثير من التخزين في الموانئ البحرية الرئيسة.

الأزمة التي حصلت في إمدادات القمح في عام 2016 قدمت أبرز دليل على الدور المتنامي للمؤسسة العسكرية في الإدارة الاقتصادية والديناميات الجديدة المتأتية عن ذلك

ليس من المستغرب الاعتقاد بأن كميات كبيرة من الطحين والقمح يُعاد بيعها في السوق السوداء، كما أشارت مراجعة أجرتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في عام 2015. وقد أكّد تحقيق برلماني في عام 2016 أن المسؤولين الحكوميين وتجار القمح في القطاع الخاص خلطوا الحبوب المستوردة الرخيصة مع الحبوب المحلية المدعومة واستولوا على الفرق في السعر. ربما تكون هذه الممارسة غير المشروعة قد أسهمت في التحول الكبير في نسبة القمح المستورد إلى القمح المنتج محليا، من 1 مقابل 1 في عام 2002 إلى 3 مقابل 1 بحلول عام 2017. وأفاد مراسل رويترز إريك كْنِشت عن تقديرات تقول إن هذه الممارسة "تمثل حوالي مليونيْ طن من الإمدادات التي اشترتها الحكومة في العام الماضي [2015] أي ما يعادل خسارة ما يقارب ملياري جنيه مصري (ما كان يعادل عندها 225 مليون دولار)". للتستر عن ذلك، قام المسؤولون بتزوير الكميات المخزنة وبالغوا في الخسائر بسبب التعفن والقوارض والسرقة. قالت لجنة تقصي الحقائق البرلمانية إنها اكتشفت عمليات احتيال تبلغ 119 مليون جنيه في أول اثنين من مرافق التخزين التي فتشتها، وادّعى تقرير صحافي منفصل أن "إكراميات" تصل إلى 700 ألف جنيه قدّمها رؤساء شركات التخزين لكبار المسؤولين في الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات وفي وزارات التموين والزراعة والصحة.

بوجود كل هذا على المحك، لعبت وزارة الدفاع دورًا واضحًا وحازمًا بشكل متزايد في هذا القطاع منذ عام 2013. في البداية، كان الضباط المتقاعدون منخرطين بشكل أساسي. وفي شباط/فبراير 2014، قام وزير التموين والتجارة الداخلية الجديد اللواء (شرطة) محمد أبو شادي بحل مجلس إدارة الشركة القابضة للتخزين والصوامع (وهي ثاني أهم هيئة حكومية تتولى استيراد وتخزين القمح) لفشل المجلس في تحقيق الأهداف وللخسائر التي تكبدها والبالغة 89 مليون جنيه، وقام بتعيين لواء آخر رئيساً جديدًا للشركة. وأُبعد أبو شادي نفسه في تعديل وزاري بعد ذلك بفترة وجيزة إثر إلقاء القبض على مدير مكتبه بتهمة فساد، كما أفيد. وأعيد رئيس الشركة المُقال إلى منصبه وعُين لواء آخر نائبًا له. وقد ظهر ذلك على خلفية تعهد الإمارات العربية المتحدة بتمويل بناء 25 صومعة قمح بسعة تخزينية تبلغ 1,5 مليون طن. ففي آذار/مارس، اشتكت الإمارات من أن مناقصة لبناء أربع صوامع قد تضخمت كلفتها بنسبة 300 في المئة، فطالبت بإعادة إصدارها ومراقبتها من قبل وزارة الدفاع. لم يكن واضحًا ما إذا كانت الشركة القابضة أو وزارة الاستثمار التي تملكها على خطأ. لكن في حزيران/يونيو، جرى التعاقد مع الهيئة العربية للتصنيع لبناء الصوامع المتبقية الممولة من الإمارات العربية المتحدة، واختيرت لتشغيلها الشركة العامة للصوامع والتخزين (إحدى الشركات التابعة للشركة القابضة للصوامع والتخزين ويرأسها لواء سابق من القوات المسلحة).

وصلت الأمور إلى ذروتها في منتصف عام 2016 عندما أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية أن مشترياتها من القمح المحلي قد قفزت إلى ما يقارب 5 ملايين طن، من متوسط سنوي يتراوح بين 3,0 و3,5 ملايين طن على مدار العقد الماضي. ظاهريًّا، فإن الشك في أنه جرى تلاعب بالبيانات لارتكاب عمليات احتيال واسعة النطاق، هو ما دفع البرلمان إلى بدء التحقيق، وقد استشهدت وكالة رويترز بادعاءات تقول إن أكثر من مليوني طن من الإجمالي ربما كانت موجودة على الورق فقط. لكن التدخل البرلماني أشار أيضًا إلى أن جماعات المصالح الأمنية والعسكرية المتنافسة والفصائل البرلمانية التي تمثلها نقلت تنافسها إلى العلن. في أي حال، تدخّلت وزارة الدفاع فورًا، على نحو غير معتاد، ورافق لجنة التقصي البرلمانية ضابط كبير، سواء بسبب تورط الضباط المتقاعدين أو للإشارة إلى رغبة وزارة الدفاع في دخول القطاع بصورة مباشرة. كان اللواء شريف عادل باسيلي قد أشرف سابقًا على إنشاء صوامع تمولها الإمارات العربية المتحدة نيابة عن الهيئة الهندسية في القوات المسلحة، وجرى تعيينه عقب التحقيق لرئاسة الشركة القابضة للصوامع والتخزين، وهي جزء من وزارة التموين.

وما يتصف بنفس الأهمية هو أن وزارة الدفاع باتت منخرطة بشكل مباشر في إصلاح نظام التخزين المتقادم في مصر الذي يعتمد بشكل كبير على الشونات (عنابر للتخزين في الهواء الطلق معرضة للتلوث والرطوبة والطيور والقوارض)، ما يؤدي إلى فقدان ما بين 10 و50 في المئة من القمح المنتج محليًّا. في الواقع، زعمت القوات المسلحة أنها قامت بالفعل ببناء 47 صومعة حديثة للحبوب بين عاميْ 2013 و2015 (بتمويل من الإمارات العربية المتحدة)، وفي آذار/مارس 2014، تولت إدارة بناء أربع صوامع إضافية. وفي أواخر تموز/يوليو 2016، استحوذت على مفاوضات مع شركة الأمن الغذائي الأميركية "شركة بلومبرج لتخزين القمح" لبناء 300 مستودع قادر على تخزين 2,35 مليون طن من الحبوب، بتكلفة 250 مليون دولار (بتمويل من منحة حكومية أميركية). دخلت الشركة الأميركية أصلًا في السوق المصري في منتصف عام 2014، وقد ورد أنها اتّفقت مع السيسي على إقامة 164 منشأة تخزين جديدة بحلول موسم الحصاد 2015، في صفقة تبلغ قيمتها 350 مليون دولار. وكانت الشركة تتوقع أن تتولّى كامل محصول مصر بحلول عام 2018، عندما يكون المشروع قد قلّل قيمة الهدر بمقدار 550 مليون دولار في السنة وخفّض الواردات، ما يوفر ثمانية مليارات دولار أخرى بالعملة الصعبة على مدى خمس سنوات.

لكن هذه الآمال تلاشت بسبب مقاومة وزارة التموين التي كانت شركاتها تملك الصوامع والحظائر، حيث كان يتعين تخزين جميع القمح الذي تشتريه الدولة. وقد قامت شركة بلومبرج أخيرًا بتركيب 93 سقيفة تخزين من الفولاذ تتسع لما مجموعه 744 ألف طن بحلول موسم حصاد عام 2016 (أي بعد عام من التأخير). ولكن حتى هذه لم يكن ممكنًا تشغيلُها لأن الشركة القابضة للصوامع والتخزين التابعة للوزارة فشلت في تزويد السقيفات بالكهرباء، وهذا مثال آخر على التعطيل البيروقراطي من قبل جماعات المصالح الأخرى في قطاع القمح. أدى قرار وزارة الدفاع بالتعامل مباشرة مع الشركة الأميركية في أواخر تموز/يوليو إلى إظهار الصراع الذي كان يدور خلف الكواليس. عندما حذرت شركة بلومبرج من أنها ستخرج من السوق المصري ما لم يتم وضع المرحلة الثانية من البناء تحت إشراف الهيئة الهندسية في القوات المسلحة، رفضت وزارة التموين مواصلة المشروع. ثم بعد بضعة أسابيع، استقال خالد حنفي وزير التموين آنذاك فجأة، واستُبدل في أيلول/سبتمبر باللواء مصيلحي.

إذن، ربحت القوات المسلحة، جزئيًّا. إذْ قامت الحكومة بجعل أسعار شراء القمح المحلي متماشية مع القمح المستورد في كانون الثاني/يناير 2017، ما قلل من نطاق الربح من فروق الأسعار، لكن الحل النهائي لمشكلة التخزين جرى تأجيله. باتت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة الآن مسؤولة عن تحديد حلول التخزين، إلى جانب مركز البحوث الزراعية الحكومي ووزارة الإنتاج الحربي الذي تم التعاقد معها في تشرين الأول/أكتوبر 2017 على توريد وصيانة الآلات ومعدات المراقبة في مرافق التخزين. أنهت شركة بلومبرج أخيرًا المرحلة الأولى من المشروع بتسليم 105 صوامع في آب/أغسطس، وأعلنت أنها تنتقل إلى المرحلة الثانية لبناء 300 شونة محدّثة بتكلفة 150 مليون دولار، في مشروع مشترك مع الهيئة الهندسية في القوات المسلحة، وقد جرى تمويل المشروع، جزئيًّا على الأقل، من صندوق تحيا مصر. لكن عادت الشركة ومقاوليها من الباطن في الولايات المتحدة لتكشف في آب/أغسطس 2018 أن الحكومة المصرية قد تأخرت في سداد مدفوعات العقود خلال الأشهر الاثنين والعشرين الماضية وبقي عليها تسديد تكاليف مباني وأنظمة الشحن الجوي إلى مصر منذ عام 2015. الأسوأ من ذلك أنها ادّعت أنّ مسؤولي الحكومة المصرية "قدموا بشكل غير قانوني وثائق التصميم والهندسة الخاصة بهم لشركات من دول أخرى" بما في ذلك روسيا.

مضاعفة أزمات التزويد

كشفت أزمة القمح توكيد وزارة الدفاع المتزايد على الانخراط في الشؤون الاقتصادية، لكنها كشفت أيضًا أن الوزارة ظلت مقيدة بسبب جماعات المصالح البيروقراطية والخاصة الأخرى القوية. وسواء كان هدفها الرئيس هو التمسك بقطاع مربح أو حل خللٍ كبير في مجال التموين والتمويل العام، فقد أتاح التدخل لوزارة الدفاع أفضلية تجارية أيضًا. خلافًا لذلك، فإن القطاع الصحي يعكس نتيجة التقارب بين الجهات العسكرية ونظيراتها المدنية، وإنّ تمّ مزج الهدف الرامي لحل مشكلة التموين وتحقيق التوفير مع ذلك الهادف لتسجيل الأرباح التجارية.

كشفت أزمة القمح توكيد وزارة الدفاع المتزايد على الانخراط في الشؤون الاقتصادية، لكنها كشفت أيضا أنها ظلت مقيدة بسبب المصالح البيروقراطية والخاصة الأخرى القوية.

وكما أسهب الباحث في الشؤون المصرية أيمن إمام فإن وزارة الدفاع حظيت بحق حصريّ من وزارة الصحة في عام 2016 لشراء اللوازم الطبية، بما في ذلك المستوردَة، بالنيابة عن الحكومة، بما أصبح يُعرف بـ"صفقات برلين". وقد يكون هذا قد تمّ بموجب المرسوم الرئاسي رقم 82 الصادر عام 2013 والذي أعفى وزارة الصحة بالكامل من الامتثال للعتبة المالية السابقة التي كانت تحد إصدار العقود بالأمر المباشر عند شراء المعدات الطبية ذات "طبيعة استراتيجية"، والتي اعتُبر أنها تشمل اللقاحات والمحاليل الوريدية والأدوية وحتى حليب (لبن) الأطفال. انبثقت "صفقات برلين" عن مفاوضات تجارية في العاصمة الألمانية في عام 2015 بين مُوَردّين تجاريين مختلفين أجانب، أسفرت عن تكوين لجنة الشراء الموحدة برئاسة وعضوية عدة لواءات من القوات المسلحة. وقامت هذه اللجنة بتوسيع نطاق مسؤولياتها حيث تحولت في غضون عام من خدمة المنشآت العسكرية إلى تزويد قطاع الصحة الحكومي عامة. لقد بات دور وزارة الدفاع كوسيطة، جذابًا على نحو خاص نظرًا لإعفاء مستورَداتها من الرسوم الجمركية ولقدرتها على تخليص أو تجاوز القيود البيروقراطية. إنّ سلطتها التي تتيح لها منح العقود بالأمر المباشر تُكسبها ميزة إضافية، إذ تسمح لهيئات الصحة أن تعجّل من إنفاق ميزانيتها المتبقية في نهاية السنة المالية؛ وهي بمثابة عقود لا يعود بإمكان أطراف ثالثة الطعن فيها بموجب قانون تم تشريعه في عام 2014.

كان انخراط المؤسسة العسكرية رسميًّا في القطاع الصحي المدني قد تأتّى من استجابتها لأزمة تموين أخرى، وهذه المرة أزمة حليب (لبن) الأطفال، وهي خطوة كانت بمثابة رأس الحربة لدخول أوسع في قطاع الإمدادات الطبية. وفي 20 أيلول/سبتمبر2015، أصدرت الشركة المصرية لتجارة الأدوية التي تملكها الدولة إعلانًا مدفوعًا في إحدى الصحف لتشكو من أن وزارة الصحة نقلت ترخيصها لاستيراد الأدوية وتوزيعها إلى "هيئة سيادية"، وناشدت السيسي التحرك لحماية وظائف موظفيها الخمسة آلاف. أكدت وزارة الدفاع أنها قد حلّت محل الشركة بالفعل، استجابة لارتفاع الأسعار من قبل التجار من القطاع الخاص، وأعلنت عن استئناف بيع حليب (لبن) الأطفال بنصف السعر. بعد ذلك، صرح وزير الإنتاج الحربي، محمود العصّار، أن الوزارة ستنتج حليب (لبن) الأطفال محليًّا، غير أنها تولّت استيراده فحسب، بدلاً من ذلك. وقد لاحظ النقاد أنه لا يزال بإمكان الهيئات العسكرية جني الأرباح على الرغم من البيع بسعر مخفض لأنها لا تدفع الرسوم الجمركية على الواردات، وادعوا أن وزارة الصحة قد توقفت عن تقديم عطاءات مفتوحة لتراخيص استيراد حليب (لبن) الأطفال، ما منح وزارة الدفاع فعليًّا احتكارًا على السوق برمّته. وبغض النظر عن مصداقية هذه الادعاءات، تم بيع حليب (لبن) الأطفال بتكلفة إضافية بلغت 28 في المئة بحلول شباط/فبراير 2019، في وقت تم تسويقه تحت وسم صندوق تحيا مصر.

وسّعت وزارة الدفاع مشاركتها في استيراد وإنتاج المستلزمات الطبية بسرعة خلال العام التالي، بموازاة تضخيم دعائي كبير من قبل وسائل الإعلام والمسؤولين للنقص المزعوم فيها وتصويرها كأزمات إضافية. جاءت أولى هذه الأزمات في أعقاب تقرير أصدره منبر إعلامي تابع للنظام في كانون الثاني/يناير 2016 اتهم فيه "مافيا" و"أباطرة" القطاع الخاص برفع سعر الدعامات المستخدمة في جراحة القلب بغير مبرر، و"تجار الشنطة" باستيراد دعامات منخفضة الجودة غالبًا ما تبين أنها مغشوشة. كان هذا بمثابة مقدمة لإعلان المؤسسة العسكرية في شهر حزيران/يونيو أنها ستوحّد عمليات شراء الدعامات والصمامات والقسطرات في مزاد دولي واحد، ما أدى إلى إزاحة الشركات الثلاث التي يُزعم أنها تتحكم في السوق بأكمله، وإلى تزويد جميع المستشفيات العامة بتخفيض كبير للكلفة في السنة المالية الجديدة التي تبدأ في 1 تموز/يوليو. وفي 26 آب/أغسطس، أكد مساعد وزير الصحة للشؤون المالية، وهو لواء متقاعد من القوات المسلحة أنّ استيراد جميع المستلزمات والأجهزة الطبية ستقوم به إدارة الخدمات الطبية وهيئة التسليح بالقوات المسلحة وحدها، وأنّ هذا من شأنه أن يوفر 50 في المئة على العملاء والمرضى المحليين.

استمر هذا الاتجاه بإعلان الشركة القابضة للحقن واللقاحات في شهر تشرين الأول/أكتوبر عن توقيعها عقدًا بقيمة 140 مليون جنيه مع وزارة الإنتاج الحربي والشركة العربية للصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية لإنتاج المحاليل الطبية. ومع أن الوزارة ادعت أنها تهدف بذلك إلى سد العجز في العرض المحلي، فقد أعلنت أنها سوف تقوم بتصديرها أيضًا. في نفس الوقت، أصدر السيسي تعليماته إلى القوات المسلحة لإنتاج أدوية مشتقات الدم تُستخدم لعلاج السرطان وأمراض الكبد عن طريق الحقن الوريدية نيابة عن الشركة المصرية لخدمات نقل الدم، متذرعًا مرة أخرى بسبب نقص مفترض في السوق المصرية. ووفقًا لعضو في غرفة الصناعات الهندسية، لم يرغب في ذكر اسمه، فإن وزارة الدفاع تستورد حتّى القطن الطبي للمستشفيات. وسواء من أجل الاستجابة للأزمة المفترضة في المستلزمات الطبية أو من أجل الدخول في قطاع مربح، فإن الهيئة القومية للإنتاج الحربي طلبت الحصول على إذن من الحكومة لتأسيس الشركة المصرية الوطنية للمستحضرات الدوائية كشركة مساهمة محدودة في كانون الثاني/يناير 2017.

في غضون ذلك، حظيت دائرة الخدمات الطبية في وزارة الدفاع بعدد متزايد من العقود الحصرية من الجامعات التي تديرها الدولة لتلبية احتياجاتها، وبحلول أيلول/سبتمبر 2016، زاد عدد المستشفيات والعيادات العسكرية التي تخدم الجمهور العام بنسبة 50 في المئة، من 30 في عام 2013 إلى 45، ويقال إنها توفر الرعاية الصحية إلى 500 ألف شخص. وقد زعمت الهيئة الهندسية في القوات المسلحة أيضًا أنه تم التعاقد معها على بناء ما يقارب 40 مستشفى ومركزًا طبيًّا مدنيًّا في جميع أنحاء مصر ما بين عامي 2013 و2015، وأنها قامت ببناء خمسة مستشفيات جديدة وتحسين مستوى ثلاثة، وأنها بدأت العمل في 54 منشأة طبية إضافية في صعيد مصر عام 2018.

تنافست الهيئات العسكرية على دخول هذا المجال المربح. فقد أمعن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالتسويق لخدمات طبية وخدمات صيانة، كما عرض ترتيبات تمويل للعمولات التي تراوح نسبتها بين 8 إلى 15 في المئة. وفي تموز/يوليو2017، على سبيل المثال، فاز الجهاز بعقود لتوفير حزم خدمات شاملة للمستشفيات بقيمة 600 مليون دولار من اتحاد المستثمرين العرب، ولبناء مستشفى تخصصي من جامعة بَنْها. كما انضمت وزارة الإنتاج الحربي، حيث حصلت على عقد للإشراف على بناء ثلاثة مستشفيات لنقابة المحامين في تشرين الأول/أكتوبر 2018. وبعد شهرين، تعاقدت الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية مع إدارة الخدمات الطبية في وزارة الدفاع للسماح لأعضائها بتلقي الرعاية الصحية في أي مستشفى عسكري. وفي شباط/فبراير 2019، قامت وزارة الإنتاج الحربي بمقاربة المستثمرين الإماراتيين بخطة من أجل إقامة مصنع للتخلص من النفايات الطبية.

الوصول إلى "الفواكه المتدلية"

أدت هذه التدخلات في منظومة الاستيراد والتموين المحلي حتماً إلى ظهور شكاوى بمنافسة المؤسسة العسكرية للقطاع الخاص. في بعض الحالات، بدا الاعتماد على الهيئات العسكرية أمرًا لا مفر منه نظرًا لتزايد تدهور مؤسسات الدولة وعدم الكفاءة أو الفساد (أو الاثنين معاً) في الجهاز البيروقراطي المدني. لكن سعْيَ وزارةِ الدفاع إلى الحصول على حصة كبيرة في قطاعات مربحة مثل الهواتف المحمولة وتوفير خدمات الإنترنت بعد عام 2013 يشير إلى أنها كانت تسعى بنشاط للوصول إلى "الفواكه المتدلية"، على حد تعبير أحد المطلعين على القطاع. وكما هو متوقع، فإنه يتم تبرير هذا السلوك بحجة الأمن القومي، ولكنه يجمع بالمثْل الدافع لتوليد الإيرادات، بناءً على طلب السيسي، مع الانتهازية التجارية، مثلما هو الحال بالنسبة إلى الدور المتزايد للجهات الفاعلة العسكرية في القطاع الديني - أي الأوقاف العقارية وتنظيم الحج والسياحة ذات الصلة.

لكن سعْيَ وزارةِ الدفاع إلى الحصول على حصة كبيرة في قطاعات مربحة مثل الهواتف المحمولة وتوفير خدمات الإنترنت بعد عام 2013 يشير إلى أنها كانت تسعى بنشاط للوصول إلى "الفواكه المتدلية"،

سوق الهواتف المحمولة

لسنوات عديدة، كان انخراط وزارة الدفاع في مجال الاتصالات السلكية واللاسلكية يقتصر على عضوية مجلس إدارة الشركة المصرية للاتصالات التي جرى تحويلها إلى شركة مساهمة في عام 1998، لتحل محل المؤسسة الوطنية للاتصالات بجمهورية مصر العربية. احتفظت المصرية للاتصالات باحتكارها الهواتف الثابتة، لكن كانت هناك شركتان (ولاحقًا ثلاث) تابعتان للقطاع الخاص تسيطران على سوق الهواتف المحمولة. ابتداءً من ذاك التاريخ، إن لم يكن في وقت أسبق، صار رئيس هيئة سلاح الإشارة في القوات المسلحة ينضم تلقائيًّا إلى مجلس إدارة المصرية للاتصالات. بالإضافة إلى ذلك، انضم متقاعدون من عسكريين آخرين إلى المجلس أو شغلوا مناصب عليا في الشركة. ولكن مع هذا الاستثناء، كان الصحافيان في جريدة "فاينانشال تايمز"، تشارلز كلوفر ورولا خلف، محقّيْن في تصريحهما في عام 2011 بأن المؤسسة العسكرية "ليس لها وجود بالمرتفعات الحاكمة [أي أهم القطاعات المُدرّة للدخل الاقتصادي] للاقتصاد المصري، مثل الاتصالات أو النفط والغاز الطبيعي".

بقي ذلك التشخيص صحيحًا حتى الانقلاب العسكري في عام 2013، لكن سعت بعده وزارة الدفاع لتولي هذا الموقع القيادي. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2014، أكد وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات آنذاك عاطف حلمي أن وزارة الدفاع ستلعب دورًا رئيسًا في تشكيل شركة وطنية للبنية التحتية للاتصالات، إلى جانب هيئات أخرى في الدولة ومشغلي الاتصالات. وأنكر أن تكون لدى الوزارة حصة مسيطرة، لكن الرئيس التنفيذي لشركة اتصالات مصر للهواتف المحمولة، جمال السادات، نقض ذلك علنًا. وقد حدد تقرير صحفي في ذلك الوقت حصة وزارة الدفاع بمبلغ 255 مليون جنيه مصري، أو 51 في المئة من إجمالي رأس مال بدء التشغيل البالغ 500 مليون جنيه (حوالي 70 مليون دولار في ذلك الوقت). وكان المفترض أن يترأس لواء من القوات المسلحة مجلس إدارة الشركة الذي سيضم، بالإضافة إلى ذلك ممثلين عن وزارة الداخلية، أجهزة أمنية مختلفة، وستقوم شركات عسكرية بمدّ كابلات الألياف البصرية في جميع أنحاء مصر، وستكون لدى وزارة الدفاع حقوق الإشراف والمراقبة عليها. وبموجب الهيكلية الجديدة، ستُنهي شركات الهاتف المحمول الثلاث (أورانج وفودافون واتصالات) عقود الاستئجار مع المصرية للاتصالات التي تبلغ قيمتها مليار جنيه سنويًّا، وبدلاً من ذلك سوف تدفع كلٌّ من هذه الشركات 300 مليون جنيه لشركة البنية التحتية الجديدة.

في أيار/مايو 2015، جرى الإبلاغ عن أن وزارات الدفاع، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والمالية، والكهرباء، والنقل تضع اللمسات الأخيرة على خطط لاستثمار 3,8 مليارات جنيه مصري في المشروع الذي قدرت إحدى الدراسات أنه سيدرّ إيرادات إجمالية قدرها 30 مليار جنيه على مدى 15 عامًا. كانت المصرية للاتصالات قد اعترضت أصلًا على الخطة في منتصف عام 2014، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى سعيها لدخول السوق كمشغّل للهاتف المحمول. تنامت المعارضة من جهات متنوعة وسط تقارير غير مؤكدة بأن وزارة الدفاع كانت تطلب 60 في المئة من رأس مال الشركة المقترح. وفي حزيران/يونيو 2015، انسحبت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، معلنةً أن المصرية للاتصالات ستؤجر بدلاً من ذلك بنيتها التحتية (بسعر مخفض) وستحصل على ترخيص خاص بها للهاتف المحمول من الجيل الرابع.

وقد أتاح ذلك فرصة تجارية لوزارة الدفاع: فمن أجل أن تصبح مشغّلة، كان يترتب على المصرية للاتصالات بيع حصتها البالغة 45 في المئة في شركة "فودافون مصر". ووفقًا لأحد المطلعين النافذين، فإن المشتري المقصود كان وزارة الدفاع، ما يجعلها شريكة لشركة "فودافون المملكة المتحدة" التي تمتلك 55 في المئة، أي الحصة المتبقية. إلا أنّ المنافسين اعترضوا بقوة. وفي آب/أغسطس 2016، سمحت الحكومة لشركة المصرية للاتصالات بإنشاء شركة للهاتف المحمول خاصة بها من دون التخلي بدايةً عن شركة فودافون مصر، ووعدت بحل تضارب المصالح المحتمل في المستقبل. من غير المعروف ما إذا كانت وزارة الدفاع اكتسبت أسهمًا، لكنها احتفظت بالسلطة على تحديد ترددات الجيل الرابع التي سيتم منحها لمشغلي الهواتف المحمولة.

جعل الدِّين يدفع

تتبع جمهورية الضباط حيثما تذهب الهيئات العسكرية الاقتصادية الرسمية. ولكن على النقيض من أسواق الاتصالات أو الإعلام التي تتطلب استثمارات مؤسساتية كبيرة، فقد سعى المتقاعدون العسكريون إلى الحصول على فرص تجارية في القطاع الديني الذي يوفّر عائدات أكثر تواضعًا ولكن يمكن الاعتماد عليها. ويصبح ذلك ممكنًا من خلال تغلغلها في هيئات ومحاور النقل، ولاسيما في المناطق الاستراتيجية التي تمر من خلالها طرق السياحة والحج، وفي هيئات وشركات السياحة الحكومية. يؤكد البحث الميداني أن الاستراحات الحكومية التي يستخدمها الحجاج المسلمون في طريقهم إلى مكة يديرها ضباط من القوات المسلحة. كما أن هناك موانئ مثل الغردقة، وهي نقطة الانطلاق للعديد من "حجاج العمل" في مصر الذين يحصلون على تأشيرة الحج والعمل لمدة ثلاثة أشهر إلى المملكة العربية السعودية.

كذلك أصبحت الهيئات العسكرية تشارك رسميًّا في القطاع الديني. فابتداءً من عام 2017، سيطرت الحكومة على جميع تأشيرات الحج الصادرة في مصر، ثم كلفت القوات المسلحة إدارة "القرعة" التي يتم من خلالها منح التأشيرات. دخلت الهيئة العربية للتصنيع أيضًا في سوق السياحة الدينية من خلال توفير خيام مجهزة للحجاج المسيحيين الذين يسلكون درب "الهرب إلى مصر" التابع لوزارة السياحة، وهو يتبع مسار العائلة المقدسة من سيناء إلى أسيوط في صعيد مصر. وبما أنه يمكن فقط لوكالات السياحة المعتمدة تنظيم رحلات الحج، فذلك يتيح لمتقاعدي القوات المسلحة الذين يرأسون الهيئة العامة للسياحة والعديد من شركات السياحة في القطاع العام توجيه العقود في اتجاه الوكالات المفضَّلة.

لكن الفرصة المالية الأكبر تكمن في الأوقاف الدينية. إذ يرأس ضباط متقاعدون الهيئة العامة للأوقاف التي تدير العقارات الحضرية والأراضي الزراعية والمؤسسات التجارية التي قُدّرت قيمتها بمبلغ 70 مليار جنيه مصري (3,9-4,6 مليارات دولار) في عام 2016. (تندرج الهيئة العامة اسميًّاً تحت إشراف وزارة الأوقاف الدينية، لكنها مستقلة فعليًّا بفضل تأثير المتقاعدين العسكريين الذين يرأسونها). وكجزء من اندفاع السيسي لزيادة إيرادات الدولة، التي ادعى أحد الخبراء بتفاؤل أنه يمكن نقلها إلى 10-15 مليار جنيه سنويًّا، فقد كلّف الهيئة الهندسية في القوات المسلحة الانضمام إلى لجنة جديدة مهمتها حصر واسترداد أصول الأوقاف وزيادة عائدها الاقتصادي. وفي ما أصبح نمطًا مألوفًا، تدخلت وزارة الإنتاج الحربي بعد ذلك، حيث أبرمت اتفاقًا رسميًّا مع وزارة الأوقاف الدينية في حزيران/يونيو 2018 لمساعدتها على ترقية أصولها واستثماراتها، وتحسين الكفاءة في مشاريعها، وتدريب موظفيها.

كذلك فإن الانخراط العسكري في قطاعي الثقافة والتعليم هو أيضًا طويل الأمد، وهما قطاعان مترابطان بشكل وثيق، ولاسيما في ما يتعلق بالمباني التاريخية والآثار. ويلحظ العالِم السياسي روبرت سبرينغبورغ الذي عمل في مصر في سبعينيات القرن الماضي أن المؤسستين العسكرية والأمنية والرئاسة، جميعها لديها "مصالح مادية غير مباشرة على الأقل في الحفاظ على التراث الثقافي للأمة، وعادة ما تكون هذه المصالح على شاكلة شركات منافسة يسيطر عليها زملاء أو أشخاص مفضلون". بعد عقود من الزمن، لاحظ الباحثان جِيريمي هودج ونزار مانِك أن المجلس الأعلى للآثار الذي وظّف ما لا يقل عن 88 لواءً متقاعدًا في عهد مبارك عُرف بمنحه عقودًا بقيم مضخمة للشركات ذات الارتباطات العسكرية. ويتكرر التركيز على قطاع العقارات المملوكة للحكومة في قطاع التعليم أيضًا، كما في حالتي السياحة والأوقاف الدينية، حيث يترأس المتقاعدون العسكريون باستمرار الهيئة العامة للمباني التعليمية.

جماعات المصالح العسكرية

إن منح الامتيازات التجارية للعديد من الهيئات العسكرية والأمنية يخدم أغراض السيسي الرئيسة المتمثلة في تأمين تأييدها السياسي له ومحاولة حل المشكلات الاقتصادية الهائلة في مصر. لكن مقاربته هذه تحمل عواقب متناقضة تتمثل في تمكين وإضفاء الشرعية على السعي الضيق لتحقيق الأرباح من جانب جماعات المصالح داخل هذه القطاعات، وتقويتها مع المزيد من عرقلة تطوير استجابات موحدة ومتسقة من جانب المؤسسات التي تنتمي إليها هذه الهيئات. تطورت هذه المصالح منذ عام 2013، لكنها غالبًا ما تتداخل أو على الأقل لا تتعارض بشكل مباشر طالما استمرت الفرص التجارية والاقتصادية في التوسع.

ويمتد اعتماد السيسي على شركاء في الائتلاف الحاكم حتى إلى العلاقات مع القوات المسلحة. وكما لاحظت المحللة مارينا أُوتاوي، على سبيل المثال، تأخر بدء تشييد العاصمة الإدارية الجديدة بسبب رفض وزارة الدفاع التخلي عن الأراضي مجانًا، لأن "اهتمامها بتحقيق أقصى قدرٍ من عائدات الأراضي التي تسيطر عليها تفوق مصلحة السيسي في إنجاز بناء العاصمة الجديدة، ما يشير إلى أن السيسي ليس له سيطرة كاملة على شؤون المؤسسة العسكرية". إنّه يملك الأدوات للتلاعب بجماعات المصالح العسكرية المختلفة ولتأليب الواحدة على الأخرى، ولكن يتحتم عليه أيضًا منحها الموارد والفرص الاقتصادية بغية احتوائها. ويؤثر هذا المنطق بشكل مباشر على الهيئات العسكرية الرسمية بشكل خاص، ولكنه يمتد تأثيره أيضًا بشكل غير مباشر لصالح شبكات الضباط المتنافسة.

الازدواجية

حتى الآن اتخذت المنافسة بين الهيئات العسكرية غالبًا شكل الازدواجية غير الفعالة في أنشطة اقتصادية محددة. واتضح هذا بشكل خاص في أيار/مايو2015، عندما أنشأت وزارة الإنتاج الحربي مجموعة تجارية للمقاولات والإنشاءات خاصة بها هي "شركة الإنتاج الحربي للمشروعات والاستشارات الهندسية والتوريدات العامة". من المفترض أن تقوم الشركة الجديدة بتنفيذ المشاريع نيابة عن القوات المسلحة والعملاء المدنيين والتجاريين في مجموعة واسعة من المجالات: التنمية الحضرية والإسكان والاستثمار العقاري، والمَرافق الرياضية والمدارس والمستشفيات والمصانع والفنادق والمنتجعات السياحية والعلاقات العامة والإعلان. أُطلقت الشركة برأس مال لبدء التشغيل بقيمة 100 مليون جنيه مصري (13،1 مليون دولار عندها) وتملكها بالكامل الهيئة القومية للإنتاج الحربي، كما جرى تفويضها الدخول في عمليات الدمج والاستحواذ وفي الشراكات مع الشركات المحلية والأجنبية. كانت وزارة الإنتاج الحربي قد نفذت سابقًا مشاريع من نفس نوع تلك التي تقوم بها مختلف إدارات القوات المسلحة أو جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، كمثل عقودها في 2011-2012 لتطوير الصرف الصحي وسوق الجملة في الجيزة. لكن شركة الإنتاج الحربي قامت بتكرار مروحة واسعة من الأنشطة تزيد عن تلك التي كانت وزارة الإنتاج الحربي قد قامت بها في السابق. بل ادعى العصّار بأنها حققت ما قيمته 15 مليار جنيه مصري من العقود بحلول حزيران/يونيو 2019. ونظرًا إلى هذا التركيز على المقاولات، حتى جهاز الخدمات العامة التابع لوزارة الدفاع، والذي عادة ما يدير المنافذ العسكرية للمبيعات المدنية، قام بإبرام عقود بناء على الرغم من كونه لاعبًا اقتصاديًّا ثانويًّا ويفتقر إلى المهارات المطلوبة لذلك.

ظهرت ازدواجية مشابهة في مجالات أخرى. ففي عام 2016، على سبيل المثال، أنشأ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية "الشركة الوطنية للزراعات المحمية" للتوسع في الصوب الزراعية بالتعاون مع شركات إسبانية وصينية. لكن الهيئة العربية للتصنيع ووزارة الإنتاج الحربي أطلقتا أيضًا مشروعات مماثلة خاصة بهما، وعملتا مع شركاء من كوريا الجنوبية وهولندا وبيلاروسيا. ومنذ عام 2016، أنشأ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أيضًا شركة فرعية جديدة لاستكشاف النفط وتطويره (هذا حقل تعمل فيه شركات حكومية عديدة أصلًا)، وشركة ثانية لاستخراج المعادن والتعدين (موازية لقطاع التعدين في وزارة الدفاع)، وشركة مصاعد (موازية لشركة المصاعد التي شكلتها وزارة الإنتاج الحربي بشراكة خاصة سعودية). وبالمثل، أبلغ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أنه زود الصيدليات بـكمية 23 مليون وحدة من حليب (لبن) الأطفال استجابة للنقص المفاجئ في عام 2017، مع أن وزارة الإنتاج الحربي قد أعلنت سابقًا أنها تتخذ تدابير لتلبية الاحتياجات من خلال الاستيراد أو الإنتاج بنفسها.

تستجيب هذه الهيئات العسكرية بطرق متشابهة لظروف مشتركة: فهي تسعى جميعها إلى الدخول إلى القطاعات الاقتصادية التي توفر عوائد آمنة، وملاحقة الشراكات الأجنبية كمصدر للمعرفة الفنية ورأس المال. علاوة على ذلك، فهي تموضع سلوكها في الحالتين ضمن جدول أعمال السيسي المتمثل في زيادة الدخل وتعزيز التحالفات السياسية مع البلدان الأجنبية. لكنها تفعل ذلك بشكل منفصل عن بعضها البعض، كما تفعل الشركات الخاصة التي تتنافس في السوق المفتوحة، ما يوحي بأنها ترى مصالحها متمايزة وليست تبادلية، وما يكشف عن ضعفِ تكاملِ هذا القطاع في الاقتصاد العسكري. وقد ادعى الصحافيان الاستقصائيان محمد حسني وأسامة الصياد في مطلع عام 2017 أن وزارة الإنتاج الحربي كانت تزيح شركتين لمديرية المخابرات العامة كانتا تمتلكان في السابق عقودًا حصرية لتزويد المستشفيات العامة بمواد مثل حليب (لبن) الأطفال، لصالح شركة الأدوية الخاصة بها وغيرها من الشركات ذات الانتماءات العسكرية غير الرسمية، بما فيها شركة يديرها صهر الفريق المتقاعد مهاب مَميش، رئيس هيئة قناة السويس.

وينطبق الشيء نفسه على قطاعات أخرى مثل إمداد الأسواق المدنية بالسلع الغذائية، الأمر الذي ازداد في استجابةٍ مباشرة لتوجيهات السيسي السياسية. لقد تمّ التطرق سابقًا لبيع الخبز واللحوم والدواجن وغيرها من السلع الأساسية من خلال شبكة وزارة الدفاع من المخابز والمجازر والمسالخ ومحلات السوبرماركت "صَن". لكن جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وسّع أيضًا من قدرته على البيع بنسبة 400 في المئة في عام 2016، وأعلن أنه يقوم بواجبه في مكافحة التضخم من خلال توفير 250 طنًّا من اللحوم والسلع الأخرى يوميًّا بأسعار مخفضة عبر 700 منفذ بيع على مستوى البلاد. وادّعى المدير العام لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية فيما بعد، أنه في عام 2017 وفّر للأسواق المحلية 300 ألف طن من اللحوم والدواجن وزيت الطهي وغيرها من المواد الاستهلاكية (بما في ذلك واردات ربما) من خلال منافذ البيع التابعة للجهاز ولوزارة التموين، فضلًا عن 210 آلاف طن من القمح المحلي. وقد ورد أن مديرية دائرة المخابرات العامة استخدمت أيضًا شركاتها التجارية لزيادة إمدادات الأغذية للأسواق، كما فعلت وزارة الداخلية التي بدأت في أواخر عام 2015 بيع اللحوم والدواجن والبقول وما شابه ذلك، من خلال منافذ بيع منشأة حديثًا (باسم "أمان")، بدءًا من 120 وصولًا إلى ألف منفذ بحلول منتصف عام 2018.

تَكمن شركات أو وكالات مشتريات منفصلة تابعة لكل هيئة أو وزارة وراء كل حلقة من هذه الحلقات التموينية، ما يزيد من احتمال تنافس كل منها على حصتها في السوق بموازاة تسعيها لتحقيق الهدف السياسي للرئيس. لكن حتى لو لم تكن المنافسة عاملاً أساسيًّا، فإن حقيقة أن جزءًا كبيرًا من المواد الغذائية التي تبيعها هذه الهيئات المختلفة يتكون من واردات رخيصة تثير شكوكا كبيرة بشأن المنطق الاقتصادي والاستدامة المالية لنهجها. وكما لاحظ أحد المعلقين ساخرًا في مقال رأي بعنوان "بطاطس هيئات الأمن"، لا يمكن أنْ يضمن ذلك أنّ الأسعار ستبقى منخفضة ولا أنّ ذلك سيوفّر أكثر من مجرد إغاثة عابرة للأسر ذات الدخل المحدود في غياب نظام شامل لمراقبة السوق وتنسيق الإنتاج.

تصادم الشبكات

إن غياب القواعد الصارمة يعني أن تضارب المصالح يجري حلّه غالبًا من خلال التنازع المباشر. كان هذا واضحًا بشكل خاص في ردود شبكات المتقاعدين العسكريين وجماعات الضغط المدنية المتنفذة والمتمركزة في الجهاز البيروقراطي للدولة، التي قاومت حين توغلت الهيئات العسكرية بقوة في أسواق الاستيراد والتموين، مهددة بإزاحة الفئات الأولى. في الوقت ذاته، فقد كانت المؤسسة العسكرية هي المنتفع الرئيس من حلّ شبكات المحسوبيات التي ارتبطت بمبارك لغاية عام 2011. حيث أدت عملية إعادة التشكيل العامة لشبكات الامتياز داخل الإدارات البيروقراطية المدنية إلى تمكين المؤسسة العسكرية من تنحية منافسين أقوياء إنّ لم يكن تغييبهم بالكامل، مثل مديرية المخابرات العامة، التي اضطرت للتراجع في مختلف المجالات، بما في ذلك في قطاعيّ النفط والغاز المهميّن واللذين كانا سابقًا مجالاً حصريّاً تقريبًا للمديرية.

إن غياب القواعد الصارمة يعني أن تضارب المصالح يجري حلّه غالبا من خلال التنازع المباشر.

تتوضح هذه الدينامية عبر خلافٍ شديد على إمدادات القمح نشب في أواخر عام 2015. إذ قام مشتري القمح المركزي في الدولة والمتمثل في الهيئة العامة للسلع التموينية، بتغيير المستوى المسموح به للفطر "أرجوت" الشائع في القمح المستورد إلى الصفر، بدلاً من المعيار العالمي للصحة النباتية وهو 0,05 في المئة. كانت هذه حالة نمطية لاستخدام معايير الجودة كحاجز غير تعرفي لتوجيه الأسواق نحو شركات مفضّلة أو إبعاد الشركات المنافسة.

هذا الإجراء عطّل الواردات من فرنسا وكندا، لكن الأمر الأكثر خطورة كان تعليق صفقة ضخمة لاستيراد 6 ملايين طن من القمح الروسي، ما أدى إلى توتر العلاقات الدبلوماسية وإلى حظر روسي (قصير الأجل) على استيراد الحمضيات المصرية في أيلول/سبتمبر2016. جرت إعادة إحدى أكبر الشحنات إلى روسيا في نهاية المطاف بعد مكوثها في ميناء دمياط مدة شهرين، وفقًا للباحثة شانا مارشال. كانت الشحنة مملوكة لشركة "مِدسوفت"، وهي شركة خاصة نشطة، جعل توسعها في مجال النقل النهري منها منافِساً للمصالح العسكرية في ذاك القطاع.

ويُذكر أن مجلس الهيئة العامة للسلع التموينية تضمّن العديد من المتقاعدين العسكريين الذين ترأسوا كلًّا من الشركة العامة للصوامع والتخزين والشركة القابضة للصناعات الغذائية والمطاحن والمضارب والشركة القابضة للصناعات الغذائية الشركة القابضة للنقل البري والبحري. وجاء عزل رئيس الهيئة العامة للسلع التموينية في آذار/مارس 2016 ثم عزل خلَفه في كانون الثاني/يناير 2017 ليعزّزا التصور السائد بأن التنافس بين التجار الأقوياء والبيروقراطيين الحكوميين كان يقود الدافع وراء أزمة القمح.

وفي كانون الثاني/يناير، نقلت الحكومة أيضًا معظم مسؤولية فحص القمح والواردات الزراعية الأخرى إلى الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، التي تولى متقاعدو القوات المسلحة رئاستها بشكل دائم منذ عام 2005 على الأقل. وانتقل النزاع بعد ذلك إلى المحكمة الإدارية العليا التي أعادت اختصاص الهيئة العامة للسلع التموينية في منتصف حزيران/يونيو2017. وشهد المزيد من التعديلات في القطاع رحيل رؤساء مجالس إدارة عشر شركات تابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية بين آذار/مارس ونيسان/أبريل 2018، ويرتبط معظمها بالمطاحن والمخابز، وقد تلا ذلك فورًا اعتقال اللواء المتقاعد الذي ترأس الشركة والعديد من كبار المسؤولين بتهمة الفساد في أيار/مايو.

شرح الصحافيان الاستقصائيان محمد حسني وأسامة الصياد الحادثة بأكملها كمثال على المنافسة بين "مافيات" الاستيراد المتنافسة المرتبطة بالقوات المسلحة أو بمديرية المخابرات العامة بغطاء ثلاث شركات استيراد من ناحية، وبين مسؤولين مدنيين حكوميين من ناحية أخرى. علاوة على ذلك، ظهرت هذه المنافسات بوضوح في مجلس الشعب، كما اتضح عبر إطلاق التحقيق البرلماني في أزمة القمح في تموز/يوليو 2016. هذا، وكان جميع أعضاء البرلمان تقريبًا الذين تم انتخابهم في أواخر عام 2015 موالين للحكومة، ومع ذلك، كما أرّخ الصحافي الإستقصائي والناشط في مجال حقوق الإنسان حسام بهجت، فإن جماعات المصالح المختلفة التفت حول الفصائل المتنافسة المدعومة من قبَل قطاع الأمن الوطني (مباحث أمن الدولة سابقاً) الذي يندرج ضمن وزارة الداخلية، من جهة، ومن قبَل مديرية المخابرات العامة والمخابرات الحربية، من جهة أخرى.

ملخّص: تسخين الاقتصاد العسكري

إن التوسع المتسارع للاقتصاد العسكري منذ 2013 يكشف النقاب عن ارتقاء في مستوى التخطيط الاستراتيجي والتصويب والتنسيق الاستراتيجي. ويتجلى ذلك في اختيار القطاعات الاقتصادية والمناطق الجغرافية هدفًا للاستثمار، وكذلك، وإنّ بدرجة أقل، في التوجّه المتمايز نحو عقد الشراكات مع شركات القطاع الخاص، سواء الصغيرة أو المتوسطة أو الكبيرة منها. ولكن لا تدل قرارات التوسع والاستثمار هذه على وجود منطق اقتصادي سليم أو أنها تتناغم في ما بينها. بنفس القدر، فقد ضاعف هذا التوسع السلوك الانتهازي والريعي، ما خلق أنماطًا جديدة من التنافس والإزاحة التي تعرقل الترتيبات والتفاهمات غير الرسمية التي كانت في السابق تنظّم توزيع النشاطات الاقتصادية المدرّة للدخل. إنّ هذه النهوج باتت تؤدي إلى "تسخين" الاقتصاد العسكري بشكل خطير، وإلى البدء بمزاحمة القطاع الخاص بشكل مباشر أكثر، ما زاد من الاحتكاك الضار ومن تكلفة المعاملات. وبذات القدر، فإنها (أي النهوج الصاعدة) تشير إلى تحوّلات استراتيجية أوليّة داخل الائتلاف الحاكم والاقتصاد السياسي الأعمّ في مصر.

إن التوسع المتسارع للاقتصاد العسكري منذ 2013 يكشف النقاب عن ارتقاء في مستوى التخطيط الاستراتيجي والتصويب والتنسيق الاستراتيجي.

يُظهر مسح النشاط الاقتصادي العسكري منذ عام 2013 أن مداه وأنماطه وعائداته المادية تختلف إلى حدّ كبير من قطاع إلى آخر. إذ أنَّ المؤسسة العسكرية تستمد إلى حدّ كبير وبشكل واضح حصّة الأسد من دخلها عبر سيطرتها على الأرض ومن العقود العامة، حيث تحظى بقدرعالٍ جدًّا من النفوذ، في حين تُبقي شركات القطاع الخاصّ رهنًا لها. إن التحكم العسكري بهذه السوق الأسيرة هو ما يعوض عن ضعف الهيئات العسكرية في أغلب قطاعات الصناعة التحويلية، حيث أُثبتت عدم قدرتها على تجاوز عجزها عن إضفاء القيمة أو التنافس مع القطاع الخاص في أي سوق منفتح إنفتاحاً حقيقياً. إلا أنّ قدرة الهيئات العسكرية على تثبيت دور علني في التجارة الخارجية، سواء كانت مُورّداً أو وسيطاً، تثقل كاهل منافسيها من القطاع الخاصّ بطرق أخرى لا تقل أهمية عن تلك المذكورة. وما فتئت تلك الهيئات تتوسع منذ عام 2016، متجاوزة تركيزها التقليدي على السلع غير القابلة للتداول إلى حدّ كبير، لتشمل سلعًا متداولة في قطاعات محميّة تغذي الأشغال العامة مثل الإسمنت والصلب، فيما يتحمل القطاع الخاصّ وطأة اضطراب السوق.

كما تتموضع المؤسسة العسكرية كذلك بشكل جليّ من أجل اكتساب حصّة كبيرة من إنتاج وبيع الموارد الطبيعية، على الرغم من أنه يتحتم عليها أيضًا تقاسم ذلك مع الشركات الخاصّة (محلية أو أجنبية على حدّ سواء) التي تحافظ على نفوذها وحصتها في السوق من خلال تحكُمها بالتكنولوجيا اللازمة ومنفذها إلى أسواق التصدير. إنّ حضور شركات أجنبية مهمة في القطاعات المربحة مثل الهواتف المحمولة، يفرض على المؤسسة العسكرية توخي الحذر، لكن يبدو أنها تقوم بالتعويض عن ذلك عبر استخراج دخل من الشركات المحلية التي تعمل على ولوج هذا القطاع وغيره من القطاعات.

تعكس هذه التمايزات اختلاف هيكلية التكاليف والفرص المتفاوتة، كما أنها تصوغ التنافس بين جماعات المصالح، سواء كانت عسكرية أو غيرها. إنّ نمط استجابة الجهات العسكرية الرسمية وغير الرسمية للفرص منذ عام 2013 يعزز الميول نحو البناء المجتزأ والتفتيت في الاقتصاد، وتساهم في تباين النتائج المتزايد بالنسبة للمشاركين في السوق. إنّ ما يمكّن كل هذا هو مزيج ما بين "السلطوية التفويضية" التي أرسيت قواعدها في عهد إدارة السيسي، والتي تحرر المشاركين في الائتلاف الحاكم من جميع القيود على سلوكهم ما عدا التوازنات الداخلية في ما بينهم، مع حّد أدنى من الكوابح الدستورية أو القانونية، وبين الموقف المتساهل، إن لم يكن المؤيد، للحكومات الأجنبية والهيئات الدولية المتلهفة التقاط الرسالة التي كررتها إدارة السيسي مرارًا بأن مصر "مشرّعَة الأبواب" للفرص الاستثمارية".

إنّ المؤسسة العسكرية ماضية في طريق ستؤدي، إلى مأسسة انخراطها في الاقتصاد المدني وبتحويل شريحة كبار الضباط من جماعة مصالح ذات خاصّية إلى ضابطي السوق

إنّ المؤسسة العسكرية ماضية في طريق ستؤدي، إذا ما تُركت دون مراقبة، إلى مأسسة انخراطها في الاقتصاد المدني وبتحويل شريحة كبار الضباط من كونهم مجرد جماعة ذات مصالح خاصة، وإنّ كانت كبيرة ومتنفذّة، إلى ضابطي السوق، إن لم نقل صانعي السياسات. وفي مقابل ذلك، فإن التعلق العسكري بمزيج من المفاهيم الدولانية التقليدية عن الاقتصاد والشراكات المتسمّة بالمحسوبية ما بين القطاعين العام والخاص من جهة، ومن جهة أخرى الحظوة العسكرية بالسلطة التي تمكّن تجاهل ديناميات السوق وإشاراته (سوى عند الحاجة لاستيعاب المنافسين داخل الائتلاف الحاكم والجهاز البيروقراطي للدولة)، فإن تأثير المؤسسة العسكرية المرجح سيكون إسباغ مساق الاقتصاد المصري بقدر أكبر من التناقض والتقلّب.