المحتويات

ستصبح نسخة الpdf من هذا التقرير، إضافةً إلى الحواشي الكاملة، متوافرة على الموقع الإلكتروني في وقت قريب.

يشكِّل الموقع النافذ للقوات المسلّحة المصرية داخل الدولة، كونها القابض النهائي للسياسة في مصر، القاعدة الوطيدة التي لا غنى عنها للاقتصاد العسكري الرسمي، ولكنه أيضاً الركيزة الثابتة لجمهورية الضباط المكوَّنة من شبكات ضباط القوات المسلحة المتقاعدين، المُدغمة في كل قطاعات جهاز الدولة والتي تعيد إنتاج نفسها. وعلى الرغم من شغلهم مناصب في الجهاز البيروقراطي الرسمي، إلا أنهم يشكلون دعامة لما يمكن تسميته بالجناح غير الرسمي للاقتصاد العسكري، حيث إن الهيئات التي يرأسونها أو يسيطرون عليها والموارد التي يديرونها، لا تخصّ المؤسسة العسكرية بصفة رسمية.

ينطوي جوهر جمهورية الضباط هذه على مئات عدة من ضباط القوات المسلحة المتقاعدين الذين يحتلون مناصب رؤساء، أو مديرين عامين، أو أعضاء مجالس إدارات الدولة وشركات قطاع الأعمال العام التي تدير الأصول الاقتصادية، وتضطلع بالإنتاج، والتجارة، والخدمات، أو تقدّم العقود في سياق هذه الأنشطة. هذا علاوة على أنها تُسيطر على حيِّز كبير من الإطار السياساتي والناظم لعمل القطاعين العام والخاص. وثمة عنصر مُكمّل وازن لجمهورية الضباط يتألف من الآلاف من متقاعدي القوات المسلحة العاملين في الوزارات والهيئات الحكومية ومجمل دوائر الحكومة المحلية، التي تشكل بدورها هيكلية ضخمة، حيث يتقلد هؤلاء الضباط مناصب عليا، بينما يعمل آخرون كوكلاء أو مستشارين للوزارات. وتكفل جمهورية الضباط للعديد من كبار الضباط المتقاعدين المداخيل التي تزيد كثيراً عن تلك التي كانوا يتلقونها أثناء الخدمة، كما أنها تضمن رواتب متواضعة لما بعد التقاعد لمئات، إن لم يكن لآلاف، المتقاعدين الآخرين الذين يتوزعون في المراتب الأدنى في هيئات الدولة.

ينطوي جوهر جمهورية الضباط هذه على مئات عدة من ضباط القوات المسلحة المتقاعدين الذين يحتلون مناصب رؤساء، أو مديرين عامين، أو أعضاء مجالس إدارات الدولة وشركات قطاع الأعمال العام

وجود جمهورية الضباط هو ما يفسر إلى حدٍّ بعيد الاعتقاد الشائع أن المؤسسة العسكرية تسيطر على ما بين 25 إلى 60 في المئة من الاقتصاد الوطني. بيد أن التوغل الكثيف للضباط المتقاعدين في جهاز الدولة لا يترجم نفسه سيطرةً عسكرية مباشرة على الأصول المالية وغيرها للهيئات والشركات الاقتصادية العامة، ناهيك عن تملّكها. بالطبع، يضمن هذا الوجود المداخيل للشركات العسكرية المُسجلة رسميًّا ويُعزز المنفعة الاقتصادية المتأتية من عوامل الإنتاج التي تقع بشكل أساسي تحت السيطرة العسكرية، خاصةً الأراضي. لكن عدا ذلك، فإن هذا السلوك الساعي إلى الريع قائم أيضاً وبنفس القدر لدى الجهات المدنية، في كلٍّ من القطاعين العام والخاص. فالهيئات الحكومية التي لا يرأسها ضباط متقاعدون تعمل بالطريقة نفسها تقريباً لضمان الحصول على العقود أو منحها، والمسؤولون المدنيون يستخدمون سلطاتهم البيروقراطية في مجال التراخيص الاقتصادية والتنظيمات في جهد مماثل، والشركات الخاصة تسارع إلى الإفادة من كل ذلك من خلال الرشى والروابط التفضيلية.

فضلًا عن ذلك، ليس بوسع المؤسسة العسكرية أن تبلغ حتى النسب والادّعاءات الأكثر تواضعاً التي تُطرح حول إمبراطوريتها الاقتصادية، ناهيك عن تلك المبالغ فيها. فإنه سيتعين على المؤسسة العسكرية أن تستحوذ على مجمل إنتاج القطاع العام للبضائع والخدمات في مصر والتي شكَّلت نسبة 31 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2016. ولإعادة التأكيد، فإن السعي لتحديد قيمة دقيقة ليس من المستحيل فحسب، بل إنه يصرف النظر عن استيعاب الأثر الحقيقي لجمهورية الضباط على الاقتصاد السياسي المصري. وكما فعل نظراؤهم في الاقتصاد العسكري الرسمي، يستخدم الضباط المتقاعدون في أجهزة الدولة سلطاتهم الاستنسابية المُقرّة قانونًا باستمرار لمنح العقود غير التنافسية إلى العملاء المُفضَّلين، فيخفون عدم الكفاءة الاقتصادية وسوء إدارة الأموال والأصول العامة، ويمكّنون التربّح والمضاربة من الداخل ويحمونها، حتى حين تصل أحيانًا إلى حد العمل الإجرامي المنظم. وباختصار، تعد جمهورية الضباط جزءاً لا يتجزأ، ونتاجاً في آن لنهج المحافظة على استمرارية النظام السياسي والآخذ في التطور منذ عام 1952، وكذلك للنهج المتبع من قبل كل الأطراف التي تلعب دورًا فعالًا في الاقتصاد المصري وإدارته.

جمهورية الضباط

يُشكل ضباط القوات المسلحة المتقاعدون مجتمعين العمود الفقري للاقتصاد العسكري غير الرسمي، ويضمنون آلية الولاء التي تمنح جمهورية الضباط تماسكها. فهم موجودون في كل أنحاء جهاز الدولة، لكن الأهم بالنسبة إلى الاقتصاد العسكري هو تركّزهم في شطرين كبيرين من القطاع العام: الأول، هو البيروقراطية الإدارية المدنية التي تتضمن ما يُدعى الهيئات العامة والقومية، والإدارات المركزية والهيئات التنظيمية الأخرى، وهيئات الحكم المحلي؛ والثاني هو الشركات الاقتصادية التي تملكها الدولة، بما في ذلك العدد الكبير منها الذي جرى خصخصته جزئياً أو كلياً منذ عام 1991.

يُشكل ضباط القوات المسلحة المتقاعدون مجتمعين العمود الفقري للاقتصاد العسكري غير الرسمي، و يضمنون آلية الولاء التي تمنح جمهورية الضباط تماسكها

إرث راسخ

انبثقت جمهورية الضباط من عوامل عدة، بيد أنها تضرب جذورها عميقًا في سياسات حقبة الرئيس جمال عبد الناصر، التي تميّزت بتعيين ضباط القوات المسلحة في مناصب وزارية أو مدنية، كوسيلة لضمان كلٍ من الكفاءة الفنية والولاء في القطاع العام الذي نما إلى 900 ألف موظف بحلول عام 1960، ثم توسّع بشكل كاسح غداة المراسيم الاشتراكية في تموز/يوليو 1961 التي أدت إلى تأميم شطر وازن من الاقتصاد. علاوةً على ذلك، كان الاعتماد على ضباط القوات المسلحة جزءاً من الصراع على السلطة في رأس الدولة: فمن جهة كان هناك عبد الناصر "الذي كان عليه أن يُشرف على تغيير الموظفين حتى في المراتب الدنيا من الجهاز البيروقراطي، والقوات المسلحة، والقطاع العام للاقتصاد، وأن يُبقي عينه ساهرة كي لا يبني أحد أنصاره السابقين 'مركز قوة' يمكن أن يعرّضه إلى مخاطر". ومن جهة أخرى، كان هناك وزير الدفاع القوي عبد الحكيم عامر الذي استغل انبجاس التوسّع المؤسسي للعمل على تمديد شبكات محسوبياته العسكرية الخاصة.

تركت حقبة عبد الناصر إرثًا راسخاً. وأهم ما تضمنه هو تولّي ضباط القوات المسلحة مناصب مدنية، علمًا أن التنافس مع عامر ضمن أن هذا جاء أيضًا بامتيازات ومزايا عديدة وعادات مترسخة قوّضت المهنية العسكرية، كما ظهر بشكل كارثي في حرب حزيران/يونيو 1967 مع إسرائيل. وقد ورد في الوصف المؤثر لخبيرة الاقتصاد السياسي سامية سعيد أن "عامر رأى أن المؤسسة العسكرية بمثابة قبيلة بشكل فعلي، وإنه شيخ هذه القبيلة". وقد منح عامر من يفضّلهم مهام عسكرية سهلة، ووضع آخرين داخل إدارات الدولة في مناصب مثل رؤساء شركات ومحافظين، أو تم إرسالهم إلى دول أجنبية مع مزايا وبدلات دبلوماسية. ويذكر أن عبد الناصر حاول أن يجعل الضباط يتركون الخدمة في القوات المسلحة عند توليهم المناصب المدنية، ولكنه فشل في ذلك المسعى. ولم يتم تعليق رواتب ومعاشات ضباط القوات المسلحة عند توليهم مناصب مدنية أكان ذلك في حالتي الإعارة أثناء الخدمة الفعلية أو بعد التقاعد، سوى في عام 1975، عندما قام خليفة عبد الناصر أنور السادات بإصدار قانون الضمان الاجتماعي رقم 79 لعام 1975 وقانون التقاعد والتأمين الاجتماعي والمعاشات للقوات المسلحة المعدل رقم 90 لعام 1975.

أما الآن، لا تضمن جمهورية الضباط تدفق العقود والموارد التي تساعد على ديمومة الشركات العسكرية فحسب، بل إنها تعمل على أشياء أكثر من ذلك بكثير. فوظيفة جمهورية الضباط الأخرى هي أن تكون "آلية الولاء" فمن جهة أولى، تربط كبار ضباط القوات المسلحة بالرئاسة وبالنظام السياسي الحاكم، وتربط الضباط من الرتب المتوسطة برؤسائهم. ومن الجهة الثانية، توفّر جمهورية الضباط قوة احتياط بيروقراطية عسكرية يمكن استدعاؤها لملء الإدارات المدنية. وتعود فوائد ذلك على كلا الجانبين. فلأن متقاعدي القوات المسلحة يبقون خاضعين للنظام القضائي العسكري، يمكن لوزارة الدفاع والهيئات التابعة لها استخدام نفوذها على إدارات الدولة التي تقوم بعمليات التدقيق - مثل هيئة الرقابة الإدارية التي يرأسها دائمًا ضابط رفيع، ويعمل فيها عدة مئات من الضباط المفروزين من الخدمة الفعلية والمتقاعدين - لبدء التحقيقات والملاحقات القضائية بهدف معاقبة رؤساء الشركات الذين يختلفون عن تفضيلات نظرائهم العسكريين. إن الضباط السابقين على دراية تامة بتوقعات المؤسسة العسكرية ويمتثلون إلى حد كبير لتجنب أي عمل انتقامي. صحيح أن المرسوم التشريعي الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة في أيار/مايو 2011، والذي منح مدعي وزارة الدفاع صلاحية تحديد ما إذا وجُبت إحالة ضباط القوات المسلحة المتهمين بالمكاسب غير المشروعة أثناء الخدمة إلى المحاكم العسكرية أو المدنية، حتى إن كانوا قد غادروا الخدمة وقتها، قد وفر الحماية لهم، إلا أن المرسوم شكَّل أيضاً سيفاَ مصلطاً فوق رؤوسهم.

أما الآن، لا تضمن جمهورية الضباط تدفق العقود والموارد التي تساعد على ديمومة الشركات العسكرية فحسب، بل إنها تعمل على أشياء أكثر من ذلك بكثير. فوظيفة جمهورية الضباط الأخرى هي أن تكون "آلية الولاء"

آلية الولاء

ما سمّاه العالم السياسي الراحل سامر سليمان "علاوة الولاء"، هو، في آنٍ، سمة مُستدامة من سمات جمهورية الضباط، وجزء لا يتجزأ من الاقتصاد العسكري غير الرسمي. إذ منذ حقبة عبد الناصر، كان ضباط القوات المسلحة يُعيّنون في المراتب العليا من القطاع العام، وهم تجذّروا في كل القطاعات تقريباً وعلى كل مستويات جهاز الدولة المصرية الضخم. فمن نحو 1500 ضابط في عهد عبد الناصر، يشي نموذج عشوائي للقطاع المدني ورد في كلٍّ من دراسة كاتب هذه السطور المعنونة "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر" والصادرة عام 2012، وكذلك في مسوحات إضافية أُجريت إعدادًا لهذا التقرير، أن عدد هؤلاء الضباط ازداد أضعافًا مضاعفة. ويستخدم هؤلاء الضباط العلاقات والصداقات التي أنشأوها في الكلية العسكرية (أي "الدفعة" و"الشلة")، والتي تتواصل في خدمتهم اللاحقة بمختلف صنوف القوات المسلحة والهيئات التابعة لها. وقد جاء في بحث أجرته وكالة المخابرات المركزية الأميركية عام 1985 أن شبكات الرفاق القدامى هذه لها تأثير كبير في تشكيل سلوك الهيئات المدنية التي تنضم إليها.

تراجع هذا المنحى مؤقتاً حين وصل أنور السادات إلى السلطة، إذ سعى لتوكيد سلطته الرئاسية على القوات المسلحة، وإلى نزع الصبغة العسكريّة جزئيًّا عن جهاز الدولة في سبعينيات القرن العشرين. غير أن جمهورية الضباط عادت إلى النمو بزخم مجددًا في ظل المشير محمد حسين طنطاوي، الذي كان وزير الدفاع من 1991 وحتى الإطاحة بمبارك عام 2011، وثم لمدة عام آخر حينما كان بمثابة الرئيس الفعلي للبلاد. وقد رأى ضباط القوات المسلحة أن قوتهم الشرائية واستحقاقاتهم الرسمية تقلصت بسبب التضخم والتدهور مقارنة بنمو وتوسع القطاع الخاص على مدى العقد الماضي (أي الثمانينيات)، علمًا أن طنطاوي قام بنجدة الكثيرين من خلال منحهم فرصًا لتحقيق الدخول الإضافية بعد التقاعد مقايضةً لولائهم أثناء الخدمة. وشهدت جمهورية الضباط نموًّا ضخمًا خلال هذه الفترة. وساهمت في ذلك التحولات التي شهدها القطاع العام خلال موجتين من الخصخصة بين أعوام 1991-1997 و2004-2009، وكذلك التوسع الذي شهده سوق العقارات بسرعة صاروخية، وغير ذلك من أعمال المضاربة والنمو بالاستثمار والتجارة الخارجية، والتي ضاعفت جميعها فرص توظيف متقاعدي القوات المسلحة.

كانت آلية الولاء بالغة الأهمية السياسية إلى درجة أن مصدرًا وثيق الاطلاع متعاطفًا مع حكم الرئيس محمد مرسي يدّعي أن أعداد الضباط المتقاعدين المُعينين في جهاز الدولة ازدادت على نحو كبير: من 400-500 إلى نحو 4000 خلال سنة واحدة من رئاسته. وسواء كان هذا الرقم دقيقًا أم لا، إلا أنه يعكس القوة الراسخة لهذه الآلية غير الرسمية، بقدر ما يدلّ على توق جماعة الإخوان المسلمين لاسترضاء القوات المسلحة. إن هذا الإرث لا يزال قائمًا، بل وقد تعزز بالفعل عقب تولّي القوات المسلحة حكم البلاد في تموز/يوليو 2013 واعتماد السيسي عليها لتحقيق النتائج الاقتصادية.

تركّز آلية الولاء على وجه الخصوص على كبار الضباط. ويُقدّر أحد اللواءات المتقاعدين أنهم يمثّلون 15 في المئة من مجموع ضباط القوات المسلحة في عام 2012. وهذه نسبة مرتفعة وفق المقاييس الدولية، وهي تشير إلى وجود نظام مُصمَّم للحفاظ على ولاء الضباط عبر زيادة عددهم إلى ما يفوق المتطلبات العسكرية والعملياتية، وتمديد مدة خدمتهم إلى ما بعد سن التقاعد المقررة. يُلاحَظ أيضاً تواجد عدد كبير غير اعتيادي من اللواءات المتقاعدين في مصر. وهذا يعود جزئياً إلى الترقية الفورية للعمداء إلى رتبة لواء حال تقاعدهم، ما يضمن لهم معاشات ومكافآت نهاية الخدمة، إضافة إلى تحسين فرص الدخل. يشكّل هؤلاء الضباط القاعدة المكينة لجمهورية الضباط، جنباً إلى جنب مع عدد أصغر، لكنه مهم، من رفاق آخرين في القوات المسلحة المنتدبين إلى مديرية المخابرات العامة أو إلى إدارات أخرى كهيئة الرقابة الإدارية، حيث يؤدون الخدمة الفعلية.

فيما يُنظر إلى آلية الولاء على أنها استحقاق، فإنها توفر راتباً متواضعاً نسبياً يَضاف بعد التقاعد إلى المعاش العسكري لغالبية المتقاعدين. فبموجب القانون رقم 31 لعام 1992، لا يجوز أن يتجاوز المعاش الممنوح لأي فرد من أفراد القوات المسلحة (بعد الأخذ في الاعتبار كل البدلات) إجمالي راتبه الأساسي عند التقاعد، مما يجعل إعادة التوظيف ضرورية. وبعد نهاية خدمتهم الاعتيادية التي يستحقون على أساسها المعاش التقاعدي، يمكن إعادة تعيين المتقاعدين بموجب عقود "استدعاء" لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، ما يسمح لهم بالبقاء في الزي الرسمي وفي الخدمة (غير القتالية). وفي معظم الحالات، تستمر وظائف ما بعد التقاعد لسنوات قليلة، يُخلون بعدها مواقعهم للسماح بتعيين متقاعدين جدد مكانهم. بيد أن عقود المتقاعدين الذين يلعبون أدوارًا رئيسة في جمهورية الضباط يمكن أن تُجدّد إلى نحو عشر سنوات، وربما أكثر من ذلك في بعض الحالات، حيث أنهم يتنقلون بين سلسلة من الوظائف الجديدة. ويجري التعاقد مع متقاعدين آخرين على أساس أنهم مستشارون لمدد محدودة اسميًّا، إلا أنها في الواقع تُجدد بحسب ما يستنسب مسؤولو التوظيف. زد على ذلك أن كل التعيينات تأتي مع كافة الامتيازات ومخصصات الخدمة والعلاوات المرتبطة بها.

وقد تعززت خطة الولاء منذ أن أصبح السيسي رئيسًا في عام 2014. وبعدها بعامين، صادق البرلمان على مسودة قانون اقترحته وزارة الدفاع، يقضي بمنح الرئيس صلاحية تمديد الخدمة أربع سنوات أخرى لضباط مختارين برتبة لواء ممن يتقاعدون عادةً في سن الـ58. وفي كانون أول/ديسمبر 2017، تمت الموافقة أيضاً على تعديل القانون رقم 90 الذي رفع سن التقاعد لمن هم برتبة فريق بأربع سنوات أيضًا (حتى 64 سنة). وتمدد هذه الخطوات التشريعية القدرة على انتداب الضباط قيد الخدمة في مناصب مختارة في أجهزة الدولة. وبذلك، تُحوّل وزارة الدفاع التكاليف إلى إدارات أخرى، وهو الأمر الذي بات واضحًا مثلًا حين نقل المجلس الأعلى للقوات المسلحة أربعة لواءات للعمل في وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي في عام 2011، إذ طلب من هذه الحهات "بوصفها الجهة المستفيدة أن تتحمّل كل الرواتب والتعويضات العسكرية المستحقة لهم طوال مدة الإعارة، فضلًا عن الحوافز المالية والإدارية التي يتم صرفها لأسرهم". والواقع أن هذا قد يكون عاملًا محفزًا لتعيين الضباط قيد الخدمة الفعلية في الهيئات المدنية، ويُذكر أن هيئة الرقابة الإدارية وحدها توظّف مئات عدة، في حين أن مديرية المخابرات العامة قد يكون فيها بضعة آلاف.

بديهي بعد كل ذلك أن تُجرى التعيينات وفق سلّم مُتدرج غير رسمي، استنادًا إلى درجة الولاء الظاهرة، وكأنه ترتيب هرمي. فالضباط الذين يصلون إلى هيئة الأركان العامة في القوات المسلحة أو هيئات أركان الصنوف الأربعة للقوات المسلحة (الجيش، سلاح الجو، سلاح البحرية، والدفاع الجوي)، أو إلى الإدارات المركزية كالهيئة الهندسية للقوات المسلحة والوحدات الخاصة مثل الحرس الجمهوري، هم ظاهريًّا الأكثر كفاءة، لكنهم في الواقع أولئك الذين أظهروا ولاءً لا يتزعزع لأطول فترة زمنية. هذه الشريحة العليا تُضمن لها التعيينات بعد التقاعد في أرقى المناصب الإدارية في الجهاز البيروقراطي المدني والشركات المملوكة للدولة والتي تقدم رواتب متساوقة مع رواتب الشركات التجارية. كما تحصل على فرص لتوليد مداخيل إضافية ومراكمة الأصول، حيث يرأس بعض الضباط أكثر من شركة، ويعملون أعضاء منتدبين في مجالس فروع الشركات أو يُفرَضون على مجالس إدارة الشركات الخاصة. وعمومًا، يصبح كبار الضباط رؤساء أو أعضاء في مجالس إدارات الشركات العامة لسنوات قليلة، ثم يُخلون المجال للصف التالي من العسكريين. أما الضباط من ذوي الرتب المتوسطة فهم يتحمّلون الحصول على رواتب وشروط خدمة متواضعة نسبياً على أمل أن يأتي دورهم لاحقًا.

بديهي بعد كل ذلك أن تُجرى التعيينات وفق سلّم مُتدرج غير رسمي، استنادًا إلى درجة الولاء الظاهرة، وكأنه ترتيب هرمي.

الإقطاعيات العسكرية

لا يستند التعيين في الإدارات الحكومية أو الكيانات التجارية إلى أي مسوّغات أو استحقاقات قانونية -عدا في حالة شركات مملوكة للدولة مثل "مصر للاتصالات"، التي يستوجب القانون أن ينضم رئيس أركان سلاح الإشارة في القوات المسلحة إلى مجلس إدارتها. بل إن التعيين يعكس نفوذ القوات المسلحة والانتشار الأخطبوطي لجمهورية الضباط. وقد تكثّف هذا المنحى بحدة غداة إطلاق عمليات الخصخصة في عام 1991، التي وسّعت بسرعة الفجوة في الرواتب بين القطاعين العام والخاص. ووفق معلومات كشفها بعض الضباط، فإن أكثر المتقاعدين حظًّا باتوا يحصلون على رواتب كثيرًا ما تراوح بين 100 ألف جنيه مصري ومليون جنيه (كان هذا يساوي آنذاك 16670 دولارًا و166670 دولارًا على التوالي) بحلول عام 2011؛ فيما يُعتقد أن الشراكات الخفية التي أقامها بعض المتقاعدين كانت ترفع المداخيل السنوية لذوي الرواتب الأعلى إلى ما بين 12 مليون جنيه و100 مليون جنيه (مليونا دولار و16,67 مليون دولار على التوالي).

كما بات معتادًا أيضاً أن يخدم الضباط في مسارهم نحو المناصب القيادية العليا دورة أو أكثر كملحقين عسكريين، أو على رأس مكتب المشتريات العسكرية في واشنطن، أو كمدراء في الشركات العسكرية. ويتلقى هؤلاء "بدلات مهمة" ومجموعة إضافية من الامتيازات والعلاوات الخاصة بكل منصب - بما في ذلك وحدات سكن إضافية يمكنهم بيعها أو تأجيرها - سواء كوفئوا أم لا بمزيد من الترقيات أو بالتعيين في رئاسة هيئات أو شركات حكومية.

بعضٌ من هذا العدد الكبير من كبار المتقاعدين الذين لا يصلون إلى هذه المراتب العليا، يُمنحون مناصب إدارية في النوادي والفنادق العسكرية، حيث يتولى المواقع المرغوبة الضباط أصحاب العلاقات الأفضل، فيما يذهب المتقاعدون الأقل حظًّا إلى المواقع الأبعد. ويُعيّن عدد أكبر بكثير من المتقاعدين في جهاز الدولة المدني الضخم، أو في هياكل إدارات الحكم المحلي. ويحتل الضباط المتنفذون مواقع تتحكم بالمقدّرات مثل سلطة منح تراخيص مقالع الرخام أو مشاريع التنمية المموّلة دولياً، والتي توفِّر الفرص أمام التربّح وتلقي الرشى. ويجري توظيف متقاعدين آخرين كمستشارين واستشاريين في الوزارات والإدارات أو في الشركات التي تملكها الدولة. ويقال إن الرواتب الشهرية لهؤلاء تراوح بين 6 آلاف و28 ألف جنيه (ألف إلى4670 دولارًا)، وكانوا ينالون أيضاً علاوات ومخصصات تقدّر بنحو 10 آلاف جنيه (1667 دولارًا) شهرياً في عام 2011. قد لا تكون هذه العطاءات سخية للغاية بالمقارنة مع موظفي الشركات المدنية الذين لديهم نفس الأقدمية والمؤهلات، لكنها تشكّل تزخيمًا مهمًا للّواءات الذين بلغ تعويضهم عند نهاية الخدمة في ذلك العام زهاء 40 ألف جنيه (6670 دولارًا) مع معاش تقاعدي وتعويض شهري يصل إلى 3 آلاف جنيه مصري (500 دولار).

واضح، إذاً، أن الاستنساب وليست الأهلية المهنية أو الكفاءة، هو صلب آلية الولاء. على سبيل المثال، يتمتّع وزير الدفاع بصلاحية منح الضباط حق استخدام الشاليهات لمدى الحياة في المنتجعات الساحلية المرغوبة والتابعة لوزارة الدفاع، لكنه يستطيع أيضاً سحب هذه الإجازة، بهدف التحفيز على الولاء والطاعة. وهناك حاجز مُضمر يفصل الضباط من ذوي الرتب الصغيرة والمتوسطة عن كبار الضباط، وهو يتمثل في أن الأوائل يُمنحون شققًا مقابل دفع أقساط شهرية لمدة ثلاث إلى خمس سنوات، وقروضاً من الصناديق العسكرية لشراء سيارات، في حين أن كبار الضباط يحظون بفيلات وسيارات، ويُخصص لهم سائقون حين يتقاعدون. صغار الضباط يجب أن يعلّموا أولادهم على نفقتهم الخاصة، وهذه شائبة مهمة نظرًا إلى حالة الوهن والضعف في نظام التعليم الرسمي الحكومي المصري، ما يضطر الوالدين إلى دفع تكاليف الدروس الخصوصية. لكن أولاد كبار الضباط (بل وأقاربهم حتى الدرجة الرابعة وفقًا لأدلة سرديّة) يستفيدون من منح دراسية للانتساب إلى مدارس دولية تديرها القوات المسلحة أو تدار لصالحها.

أن الاستنساب وليس الأهلية المهنية أو الكفاءة هو صلب آلية الولاء

في المقام الأول، تؤمّن جمهورية الضباط ببساطة مصالح دائرة كبيرة من الضباط السابقين. فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة وهيئة التنظيم والإدارة في وزارة الدفاع هي التي تقرر تعيين الضباط المتقاعدين في المرافق الاجتماعية والشركات العسكرية (بحيث يبقى هؤلاء في السلك ويحتفظون بامتيازات الرتبة)، ما يخدم في المقام الأول خطة "الولاء" أكثر من خدمة منطق استراتيجي واضح. إلا أن العملية بالنسبة إلى غالبية المتقاعدين أكثر عشوائية. فهيئة الرقابة الإدارية ترسل بشكل روتيني إلى الوزراء أسماء ومؤهلات ضباط القوات المسلحة الساعين إلى تعيينٍ بعد التقاعد. وقد أدّت هيئة التنظيم والإدارة المسؤولة عن التطوير الإداري والإصلاح، والتي ترأسها اللواء المتقاعد صفوت النحاس في الفترة بين 2004 و2016، دورًا مماثلًا أيضاً.

قوة الاحتياط البيروقراطية العسكرية

وعلى مستوى آخر، انتهجت عملية توزيع متقاعدي القوات المسلحة نمطين أساسيين اثنين ميّزا الاقتصاد العسكري غير الرسمي: الأول، يتم بشكل منهجي تعيين المتقاعدين من كل من صنوف القوات المسلحة في هيئات إدارية أو اقتصادية تتّسق مع مجال خدمتهم السابقة. وتعود جذور هذه الاقطاعيات العسكرية البيروقراطية إلى حقبة الخمسينيات حين عمل الضباط الذين تم تعيينهم في جهاز الدولة على بناء شبكاتهم العسكرية الخاصة في داخل مؤسسات القطاع العام التي أداروها ومنذ ذلك الوقت وهي تضمن للضباط القادمين من كل صنف عسكري المناصب والمهام الميسَّرة والمُدِرَّة للدخل. باتت هذه سمة دائمة من سمات جمهورية الضباط.

على سبيل المثال، يتسلّم ضباط سلاح الجو السابقون إدارة هيئات وشركات الطيران المدني؛ وضباط سلاح البحرية يقومون بعمل مماثل في القطاع البحري وقناة السويس؛ فيما زملاؤهم في سلاح الإشارة يهيمنون على قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات السلكية واللاسلكية؛ وضباط الجيش يسيطرون على قطاعات البناء والنقل البري والأشغال العامة. أما الضباط المسؤولون عن إدارة النوادي والفنادق التابعة للقوات المسلحة، فهم ينتقلون (كما هو متوقع) إلى قطاع السياحة بعد تقاعدهم. وكذا، أصبح مدير إدارة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة وزيرًا للإعلام في العام 2011، ثم رئيساً لاتحاد الإذاعة والتليفزيون. وبرزت أنماط مشابهة في سياقات أكثر تباينًا. مثلًا، كان ثلاثة من أصل أربعة رؤساء للهيئة العربية للتصنيع قادة سابقين في الحرس الجمهوري؛ وجاء كل رؤساء الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء منذ عام 1977 من الجيش، الأمر الذي كان تجسيدًا جليًّا لمبدأ منح المناصب الميسَّرة.

النمط الأساسي الثاني كان التعايش النفعي الذي ترعرع بالتدريج بين مختلف أذرع القطاعات الاقتصادية العسكرية، الرسمية وغير الرسمية. في البداية، كان هذا بالدرجة الأولى استمرارًا للمسار السابق، حيث نَحَتْ الإقطاعيات إلى أن تتمركز في قطاعات يعتبرها رؤساء الجمهورية والحكومات المتعاقبة محركات الاقتصاد المصري، وعلى رأسها البنى التحتية الرئيسة والخدمات المرتبطة بها، والصناعات التحويلية والمغذية المختارة، والهيئات العامة، الإدارية والتنظيمية ذات الصلة. وقد جاء التوازي بين توسّع آلية الولاء التي تطبّقها القوات المسلحة وبين برامج الخصخصة الحكومية في عام 1991 ليدفع قُدُمًا وبقوة عملية تركّز المتقاعدين في تلك القطاعات، لكنه كان لا يزال يعكس على الأرجح إرثًا أكثر من كونه منطقًا استراتيجيًّا واضح الملامح. وتمثل الاستثناء الهام الوحيد هنا في سياسة وزارة الدفاع القاضية بتعيين الضباط في الهيئات المدنية المسؤولة عن التخطيط لاستخدام أراضي الدولة، علمًا أن دافع ذلك ربما كان الأمن القومي إضافة إلى كونه محاولة مبكّرة لتوليد الريع.

منذ عام 2013، طفا على السطح هدف استراتيجي أكثر اتّساقًا أسفر عن تعميق النشاطات والاستثمارات في القطاعات الاقتصادية التي حققت فيها الأطراف العسكرية أصلًا وجودًا مرموقًا، وعن التوسّع في قطاعات أخرى أيضاً. لعل نمط تولي الضباط المتقاعدين رئاسة الهيئات العامة (بما في ذلك الشركات المملوكة للدولة) على أن يكون لديهم نواب مدنيون من المدراء المحترفين أو المتخصصين في المجالات ذات الصلة، يعكس وعياً متزايدًا بالحاجة إلى ضمان الإنتاجية وحتى الربحية. فهذا يؤمن النفوذ العسكري، إن لم تكن سيطرة، مع ترك أعمال إدارة هذه الهيئات فعلياً للأفراد أصحاب الكفاءة. لكن الحصيلة بقيت مجرد تعايش نفعي بين الاقتصاد العسكري الرسمي وبين جمهورية الضباط، أكثر منه تعاونًا تآزرياً. صحيح أنه كان مفيدًا للجميع، إلا أنه لم يؤد إلى نتائج مشتركة أكبر. ومن هذا المنطلق، فإن الاقتصاد العسكري غير الرسمي هو أشبه بمجرد صورة طبق الأصل عن بقية القطاع العام. ودليل آخر على الإدارة الاستراتيجية يتمثل في تدوير ضباط مؤتمنين بين الهيئات الحكومية والشركات المملوكة للدولة المختلفة (وكثيرًا ما تم ذلك، وإن ليس دائمًا، داخل القطاع نفسه)، وأيضاً في تولّي المناصب البيروقراطية العليا داخل الحكم المحلي.

لكن، بدلًا من أن يدل كل ذلك على وجود اقتصاد ظلٍّ واسع يديره الضباط برقابة مُحكمة وسيطرة مكثفة، فإن ظاهرة "الباب الدوّار" تعكس على الأغلب عوامل متقاربة ولكنها متميزة: توظيف وزارة الدفاع شبكات الضباط لتأمين مصالحها في قطاعات محددة مثل التوريد والتجارة الخارجية من جهة، ومن جهةٍ أخرى تمديد السلطة الرئاسية عبر المحافظين الذين يمثلونه (فيما يستكملون الأنشطة الاقتصادية العسكرية أيضاً). ويخدم كل ذلك منطق المحافظة على النظام القائم والمتبع منذ قيام الجمهورية في عام 1952. ويتعين تفكيك شبكات الضباط وخطة الولاء التي تشكّل اللحمة بينهم وبين الإدارة الحاكمة، إذا ما أُريدَ للحكومة المصرية أن تتمكّن يومًا من ممارسة إدارة اقتصادية فعّالة وتحقيق تنمية مُستدامة.

نخبة إدارية عسكرية، أم إقطاعيات عسكرية؟

هناك أربعة أنواعٍ رئيسة من المؤسسات العامة المشاركة في النشاط الاقتصادي في مصر إلى جانب الوزارات الحكومية: المؤسسات الإنتاجية للحكم المحلي، والهيئات العامة الخدمية، والهيئات العامة الاقتصادية، وشركات القطاع العام. وتعتبر الهيئات العامة الاقتصادية وشركات القطاع العام هي الجهات الفاعلة الاقتصادية الرئيسة. وستتم مناقشة شركات القطاع العام لاحقًا، لكن يوجد حاليًا بين 51 و61 هيئة عامة مسؤولة عن الأصول الاقتصادية والميزانيات التشغيلية، والأطر التنظيمية، وقرارات الاستثمار والتطوير، والتنفيذ في أهم قطاعات الاقتصاد، بما في ذلك قناة السويس، والبترول، والتوريد والتجارة، والتأمين الاجتماعي والصحي، والبنية التحتية العامة واستصلاح الأراضي، وغيرها. كما ينبغي إضافة بعض الهيئات من أصل حوالي 120 هيئة عامة خدمية إلى ذلك، حيث تؤثر على النشاط الاقتصادي أو تدرّ دخلًا بطريقة أو بأخرى. وتعمل الهيئات العامة كشركات شبه مستقلة بموجب القانون رقم 11 لعام 1979، الذي يفصل ميزانياتها عن ميزانية الدولة العامة.

يحتل متقاعدو القوات المسلحة موقعاً مهمًا في الهيئات العامة التي تمنح العقود الحكومية في مروحة واسعة من المجالات تشمل النقل، والإسكان، والبناء، واستصلاح الأراضي، والبنى التحتية، والمرافق العامة، والمناجم والمحاجر، والنفط، والسياحة، والأعلام، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والطاقة (شاملة النووية منها)، والأوقاف الدينية. تقع معظم هذه الهيئات، التي تأسست بمراسيم رئاسية، تحت سلطة الوزارات المعنية المسؤولة عن تلك القطاعات، ماعدا حفنة تعتبر مستقلة تمامًا، كهيئة قناة السويس. وبالإضافة إلى ذلك، صدر في عام 1995 المرسوم الرئاسي رقم 281 الذي أعطى الهيئات العامة اختصاصات محددة للقيام بأعمال التخطيط، والتنفيذ، والتشغيل، وصيانة الأعمال المتعلقة بمياه الشرب والصرف الصحي في بعض المحافظات. وعشية تنفيذ برنامج الخصخصة عام 1991، كانت الهيئات العامة تمثّل 23 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المصري، وكان يجري تمويل موازناتها التشغيلية إما من نشاطاتها الخاصة، أو من بنك الاستثمار القومي، أو من أقنية المساعدات الخارجية عبر الحكومة - ومعظم الهيئات تعمل بخسارة.

تولى متقاعدو القوات المسلحة رئاسة أو نيابة أو عضوية مجلس الإدارة في 40 هيئة من أصل 72 هيئة عامة تم معاينتها من أجل هذا التقرير (معظمها اقتصادية ولكن بعضها خدمية)، أي نسبة 56 في المئة منها، في عام 2018. وهذا لا يشمل عشر هيئات تابعة لوزارة الدفاع، يرأسها كلها ويشغل مناصبها ضباط من القوات المسلحة. كما يحتل متقاعدون عسكريون نسبة مماثلة من المناصب في نحو 24 من الهيئات الحكومية التي تقوم بتشكيل المجال الاقتصادي: الهيئات القومية التي تشرف على السكك الحديد، والتأمين، ومعاشات التقاعد، والبريد، وغير ذلك، التي تأسست بموجب قوانين منفصلة تمنحها مكانة متساوية مع الوزارات. والمجالس أو المراكز القومية المُناط بها التخطيط أو وضع السياسة العامة في حقول محددة وضيقة النطاق مثل الطاقة واستخدام الأراضي؛ وأجهزة الدولة المركزية التي تقوم بالرقابة، والتنظيم، والإحصاء وغيرها من المعلومات. ثم إن بعض الهيئات العامة لها فروع جهوية أو إقليمية يرأسها غالباً متقاعدون عسكريون. المثل البارز هنا هو الجهاز المركزي للتعمير في وزارة الإسكان، الذي يُعتبر موظِّفًا رئيساً لمهندسي القوات المسلحة.

تولى متقاعدو القوات المسلحة رئاسة أو نيابة أو عضوية مجلس الإدارة في 40 هيئة من أصل 72 هيئة عامة تم معاينتها من أجل هذا التقرير.

يكشف التوزيع القطاعي لمتقاعدي القوات المسلحة تمركزًا ملحوظًا بشكل خاص في البنى التحتية للنقل والخدمات المرافقة؛ وفي مرافق معينة؛ والإسكان والمجتمعات العمرانية؛ واستصلاح الأراضي. فالضباط هم رؤساء أو أعضاء مجالس الإدارة في 15 من أصل 16 هيئة عامة للنقل (البري، بما فيها الطرقات، والجسور، والأنفاق؛ والبحري، بما في ذلك الموانئ؛ والجوي)؛ كما يرأسون كذلك الهيئتين القوميتين للأنفاق والسكك الحديد؛ واثنتين من أصل ثلاث هيئات عامة في الإسكان والمجتمعات العمرانية الجديدة؛ وهيئة واحدة من أصل هيئتي استصلاح الأراضي؛ وثلاثًا من أصل سبع هيئات في القطاع الزراعي؛ والهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي.

من الجلي هنا أن القاسم المشترك هو المقاولات والإنشاءات، لكن السيطرة على استخدامات الأرض هو العامل الداعم الرئيس: فهي تكمن في جوهر النهج التجاري الذي تتبعه المؤسسة العسكرية. ومتقاعدو القوات المسلحة قد ترأسوا المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة لنحو عقدين. علاوة على ذلك، فإن تلك السيطرة توطّد تمدد جمهورية الضباط في مجال تنمية وبناء المنتجعات السياحية وخصوصًا في المناطق الساحلية الرئيسة، التي تقع كلها تحت سلطة وزارة الدفاع بوصفها "مناطق استراتيجية". ويرأس متقاعدو القوات المسلحة أو ينضمون إلى عضوية مجالس الإدارة في 7 من أصل 11 هيئة عامة للسياحة. وهم موجودون للسبب نفسه بكثافة في هيئات إقليمية مهمة، أبرزها قناة السويس، ومحور التنمية الاقتصادية في السويس، والهيئة العامة لتنمية سيناء. أيضاً يلعب متقاعدو القوات المسلحة دورًا مهمًّا في الهيئات الحكومية التي تتعامل مع العقارات، بما في ذلك المباني التعليمية، والأوقاف الدينية (التي تدير أصولًا مقدرة بقيمة 70 مليار جنيه مصري في العام 2016، أو 4.24 مليارات دولار أمريكي)، وإدارة العقارات للتأمين الاجتماعي.

السيطرة على استخدامات الأرض هو العامل الداعم الرئيس: فهي تكمن في جوهر النهج التجاري الذي تتبعه المؤسسة العسكرية، ومتقاعدو القوات المسلحة قد ترأسوا المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة لنحو عقدين

تمتد جمهورية الضباط بطبيعة الحال أيضاً إلى استصلاح الأراضي والمشاريع الزراعية واسعة النطاق المتصلة، ما يواصل مسلسل طويل من الانخراط والتدخّل الذي لم يتوقّف منذ عهد عبد ناصر. وكما لاحظ روبرت سبرينغبورغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي أن "حالة الحضور القوي للضباط العسكريين السابقين لم تنتهِ بوفاة عبد الحكيم عامر أو جمال عبد الناصر، ومعظمهم من منتفعي عامر، في الإدارات البيروقراطية والقطاع العام المسؤولة عن استصلاح وزراعة الأراضي". كما أضاف أنهم كانوا ملتزمين بمواصلة هذه الأنشطة لأنهم اعتقدوا أنها مرغوبة، وكذلك "لأنه بدون مثل هذه الأنشطة، لن يترك للشركات والمؤسسات الحكومية التي يعملون فيها سوى القليل لتفعله أو لا شيء". إن هذا التركيز مستمر بعد أربعين عامًا. فعلى سبيل المثال، إن رئيس الهيئة العامة للتعمير والتنمية الزراعية، وهو من متقاعدي القوات المسلحة، هو أيضاً عضو في مجلس إدارة شركة تنمية الريف المصري التي تشكلت من أجل تنفيذ استصلاح مليون ونصف مليون فدان من الأراضي الصحراوية بناء على أوامر السيسي في عام 2014، وذلك إلى جانب رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ونائب وزير الإسكان، وهما أيضاً من متقاعدي القوات المسلحة. وعلاوة على ذلك، تقع الأراضي الصحراوية هذه في منطقة مشاريع استصلاح أراضٍ سابقة كانت قد استثمرت فيها القوات المسلحة منذ عقود في الفرافرة وتوشكى وغرب المنيا الغربية والمغارة.

تضم جمهورية الضباط أيضاً ستًّا من أصل تسع هيئات عامة تقع تحت صلاحيات وزارة التجارة والصناعة، ولها تأثير على كلِ من الشركات العامة والخاصة. ويمارس متقاعدو القوات المسلحة نفوذاً متنامياً من خلال الهيئات القومية كالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء - وهو الهيئة العامة الوحيدة المخوّلة بإصدار الإحصاءات الرسمية، والتي كان يرأسها متقاعد من القوات المسلحة منذ عام 1980- وهيئة الرقابة الإدارية. إضافة إلى ذلك، يحتلّ ضباط هيئة الرقابة الإدارية مواقع في نحو 18 هيئة حكومية كالمجلس القومي للمدفوعات، والمجلس الأعلى للسياحة، والمجلس الأعلى للاستثمار، الأمر الذي لا يمدد سلطة رئيس الجمهورية فحسب، إنما يخدم أيضاً جمهورية الضباط. وللضباط المتقاعدين وجود قوي أيضاً في اتحاد الإذاعة والتلفزيون (المعروف باسم ماسْبيرو)، هذا في حين أن رئيس أركان سلاح الإشارة بالقوات المسلحة هو قانونياً عضو في الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية (وكذلك شركة الاتصالات الرسمية في البلاد "المصرية للاتصالات").

ويمارس متقاعدو القوات المسلحة نفوذاً متنامياً من خلال الهيئات القومية كالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء- وهو الهيئة العامة الوحيدة المخوّلة بإصدار الإحصاءات الرسمية.

توضح الهيئة العامة للتنمية الصناعية كلًّا من امتداد النفوذ الذي تتمتع به جمهورية الضباط عندما يرأس أحدهم هيئة حكومية تعمل كمحور هام لهيئات أخرى. فقد خضعت الهيئة العامة للتنمية الصناعية لضابط متقاعد لأول مرة في عام 2011، وقبل ذلك كان يرأسها دائمًا مدير سابق في الهيئة الهندسية أو إدارة المياه التابعتين للقوات المسلحة. إن اللواء الذي شغل هذا المنصب في عام 2016، هو بفضل ذلك أيضاً عضو مجلس إدارة كلٍّ من الهيئة العربية للتصنيع، والمركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، ومركز تحديث الصناعة، والهيئة العامة لتنفيذ المشروعات الصناعية والتعدينية، وشركة أبو قير للأسمدة، والهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة، والهيئة العامة للمناطق الاقتصادية، وهيئة كهرباء الريف، والمنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين، وهيئة المواد النووية، وجهاز شؤون البيئة، ومركز بحوث وتطوير الفلزّات.

يُعدّ قطاع الملاحة البحرية خير مثال على إظهار الكيفية التي تعمّقت وتوسعت فيها جمهورية الضباط. يأتي في مقدمة ذلك إحكام القبضة المستمرة على هيئة قناة السويس، وهي واحدة من أهم مصادر مصر من العملات الأجنبية. فقد ترأس ضباط القوات المسلحة هذه الهيئة على نحو متواصل منذ عام 1964، كما أن العديد من قادة سلاح البحرية السابقين يشغلون حالياً مناصب نواب رئيس الهيئة. والحال أن ضباط البحرية سيطروا لعقود على 29 ميناءً مصرياً من أصل 43 ميناء مرفأ متخصص (للتجارة، والتعدين، والنفط، والسياحة، وصيد السمك)، كما هيمنوا على العديد من الشركات والوكالات البحرية المتُخصصة (وهذا ما سنتطرق إليه في القسم التالي). هذا التموضع سمح لجمهورية الضباط بالتمدد الأفقي نحو هيئات على غرار الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وهي منظمة مشتركة بين الحكومات العربية، ومعها مركز الأبحاث والاستشارات التابع لها. فإن 17 من أصل 28 عضواً في مجلس إدارة الأكاديمية هم ضباط بحريون يرأسون الهيئات العامة والشركات البحرية. ومن ناحية ثانية، يرأس متقاعد عسكري بحري الاتحاد العربي لغرف الملاحة، الذي أسّسه مجلس الوحدة الاقتصادية العربية التابع للجامعة العربية. بيد أن إدارة قطاع النقل البحري في مصر كانت بائسة إلى درجة أن المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة وضعتها على اللائحة السوداء في عام 2010، مُشيرة إلى الفساد المتفشي الذي يؤثّر على عمليات تفحّص سلامة وصيانة السفن والعبّارات.

فضلًا عن ذلك، يترافق حضور متقاعدي القوات المسلحة في مناصب قيادية داخل الهيئات الحكومية مع انتشار جمهورية الضباط بشكل أوسع في كافة أرجاء الإدارات البيروقراطية التي يرأسونها. على سبيل المثال، تضمنت لائحة غير كاملة نشرتها أجهزة الإعلام خلال عام 2016 لعدد اللواءات في وزارة النقل: أربعة مستشارين للوزير، ورئيس ومستشار في قطاع النقل البحري، مدير الإدارة العامة للمراسم، مدير الإدارة المركزية للديوان العام، مدير وثلاثة أعضاء في مركز الأزمات، رئيس هيئة السكك الحديد، رئيس ونائب رئيس في الإدارة المركزية للشؤون الإدارية، رئيس الإدارة المركزية للمنشآت والمحطات، مساعد رئيس لهيئة الأملاك والإعلانات في الهيئة العامة للطرق والكباري والنقل البري، رئيس قطاع التنفيذ والمناطق، رئيس قطاع الحركة، رئيس الإدارة المركزية للشؤون الإدارية للموانئ البرية والجافة، رئيس الهيئة المصرية لسلامة الملاحة البحرية، رئيس قطاع المنائر في هيئة السلامة البحرية، ومستشار شؤون الموانئ والمنائر في قطاع النقل البحري. أما الوزارة نفسها فكانت في الفترة بين 2015 و2016 برئاسة لواء متقاعد من القوات المسلحة، والذي سبق له أن ترأس الهيئة العامة للطرق والنقل البري في 2014- 2015.

عسكرة الحكم المحلي

تتواجد هذه الأنماط نفسها في الحكم المحلي، الذي يتضمن حتمًا أكبر تمركز للعسكريين - البيروقراطيين تقريباً، علمًا أن ليس لديهم سيطرة حصرية، حيث إن الحكومة المحلية هي أيضاً مزودة بكثافة من قبل ضباط الشرطة والأمن السابقين، ما يولِّد، ما يطلق عليه روبرت سبرينغبورغ، الاحتكار الثنائي على السيطرة. ويأتي دمج متقاعدي القوات المسلحة المصرية في الحكم المحلي على نطاقٍ واسعٍ للغاية، ليوحي بقوة بأن المؤسسة العسكرية موجودة في جميع أنحاء الفضاء العام في مصر. هناك الآن 27 محافظة كانت مقسَّمة في عام 2002 إلى 166 مركزًا و200 منطقة حضرية مسجّلة كمدن، تليها مئات من الأحياء المدينية و4617 قرية (بينها 920 بحجم يتيح لها مجلسها المحلي الخاص). ويتم تعيين المسؤولين في كل مستويات الحكم المحلي بالأمر التنفيذي منذ الستينيات في القرن الماضي ـــ المحافظون من قِبَل الرئيس، ورؤساء المراكز والمدن من جانب رئيس الحكومة، وهلم جرًّا - الأمر الذي جعل هذا القطاع الحكومي مصدرًا مثالياً للمناصب الميسّرة لمتقاعدي القوات المسلحة.

ويأتي دمج متقاعدي القوات المسلحة المصرية في الحكم المحلي على نطاقٍ واسعٍ للغاية ليوحي بقوة بأن المؤسسة العسكرية موجودة في جميع أنحاء الفضاء العام في مصر.

وقد وصل عدد المحافظين المتحدّرين من القوات المسلحة إلى أدنى مستوياته في أواخر عهد السادات في عام 1980، حيث بلغ 20 في المئة، لكنه ما لبث أن ارتفع إلى ما بين 50 إلى 80 في المئة على نحو متواصل منذ التسعينيات، مع هبوط حاد ولكن مؤقت في عهد مرسي في الفترة 2012-2013. ومنذ الاستيلاء العسكري على الحكم في تموز/يوليو 2013، عاد هذا النمط إلى التزايد، حيث تم تعيين 17 من أصل 27 محافظاً في تشرين الثاني/نوفمبر جاءوا من القوات المسلحة (واثنين من لواءات الشرطة)، أي بمعدلات أعلى مما كانت عليه في حقبة مبارك، التي كانت عالية في الأساس. وكان قد تم الاحتفاظ بهذه الأعداد خلال جولة التعيينات الرئيسة التالية التي أعلنت في آب/أغسطس 2018.

وعلى الرغم من أهمية عدد المحافظين، إلا أنه يحوّل الانتباه عن الحقيقة الأكثر أهمية المتمثلة في احتلال المتقاعدين العسكريين نسبة أكبر في المناصب التابعة للحكم المحلي، ومنها: نائب المحافظ، مدير مكتب المحافظ، الأمين العام ومساعد الأمين العام للمجلس المحلي للمحافظة، وكذلك مساعدون ومستشارون للمحافظ في مروحة واسعة من المجالات التخصصية. وهذا المنحى يتكرر على المستويات الإدارية الأدنى للمراكز، والمدن، والأحياء، والقرى. علاوةً على ذلك، لكل محافظة مع توابعها من مراكز ومدن مديروها الخاصون في مجالات التخطيط، والأملاك، والمالية، والمشاريع والشؤون الفنية والهندسية، الذين يديرون الإدارات الخدمية، وفروع شركات المرافق، وكيانات حكومية أخرى. هؤلاء المسؤولون يستنسخون أو يشرفون على نشاطات الإدارات الحكومية في مجالات الخدمات الاجتماعية، والصحية، والتعليمية، وفي الرعاية والتنمية، ويحددون في كثير من الأحيان كيف ستنفق موازنات تلك الإدارات محلياً. كما يرأس متقاعدو القوات المسلحة الإدارات المركزية في وزارة التنمية المحلية، مثل هيئات تنمية القرى والحرف.

إن التغطية الإعلامية البارزة تشجّع المواطنين على إسباغ الفضل في الخدمات التي يقدّمها الحكم المحلي على القوات المسلحة. لكن الأقل وضوحاً هنا هو الاقتصاد الموازي الذي يديره الرؤساء المحليون في إدارتي البيئة والجيولوجيا وباقي الخدمات الإدارية، الذين يستغلون سيطرتهم على إجراءات التسجيل ومنح الرخص لرجال الأعمال، والمنظمات غير الحكومية، والمحاجر، والمناجم، وغيرها، لاقتناص مداخيل غير قانونية من رشى وعمليات ابتزاز. وهذا واضح في التقارير التي تشير إلى أن الفساد في مؤسسات الدولة يبلغ ذراه في الحكم المحلي. وهذه الأنماط جليّة وواضحة على وجه الخصوص في المحافظات التي يُعتبر أنها تؤثر على الأمن القومي مثل سيناء، التي يتمركز فيها متقاعدو القوات المسلحة بكثافة، وكذلك في مناطق الموارد المعدنية والاستثمارات الحكومية.

إن التغطية الإعلامية البارزة تشجّع المواطنين على إسباغ الفضل في الخدمات التي يقدّمها الحكم المحلي على القوات المسلحة.

يكشف الحكم المحلي عن مدى تداخل وتشابك مختلف أجزاء الاقتصاد العسكري غير الرسمي. فتوزيع المحافظات يتّبع نمطاً واضحاً، حيث قادة المناطق العسكرية السابقون (الذين يأتون من القوات البرية، أي الجيش) يتسلمون عادة رئاسة محافظة القاهرة (أو مناطقها الفرعية الأربع)، والسويس، ومحافظة سيناء، على سبيل المثال، فيما البحرية تأخذ عادةً المحافظات الساحلية، وتحكم القوات البرية أو إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع المناطق الداخلية أو الحدودية الحساسة كمنطقة الصعيد. هذا التوزيع يترافق مع خريطة الِأشغال العامة والنشاطات والمشاريع الاقتصادية التي تقوم بها جهات عسكرية رسمية جنباً إلى جنب مع زملائهم العسكريين غير الرسميين في الهيئات الحكومية. فضلًا عن ذلك، يستثمر الجميع بكثافة في بناء الطرق السريعة وتوابعها من بنى تحتية وخدمات تتعلق بمناطق التمركز هذه.

يتم اختيار المحافظين من بين ضباط القوات المسلحة الأكثر ولاء وفعالية في خدمة السلطة الرئاسية، ولهذا السبب يتنقلون باستمرار بين مواقع الاقتصاد العسكري غير الرسمي. ويكفي هنا مثالان حديثان على ذلك: الأول هو اللواء عمرو عبد المنعم الذي كان مدير هيئة التسليح، ثم مدير مكتب المشتريات العسكرية في واشنطن خلال حكم مبارك، وأصبح أمينًا عامًا لمجلس الوزراء غداة الاستيلاء العسكري على الحكم في تموز/يوليو 2013، وبعدها عُيِّن نائب وزير في 2014، وأخيرًا أصبح محافظ القليوبية في أيلول/سبتمبر 2016. والمثل الثاني هو اللواء عاطف عبد الحميد مصطفى الذي أصبح محافظاً للقاهرة في العام نفسه، وترأس سابقًا مجلس إدارة شركة مصر للطيران للصيانة والأعمال الفنية وكذلك الشركة القابضة لمصر للطيران من 2002 وحتى 2008.

برّر وزير التنمية المحلية في العام 2016 أحمد زكي بدر الاعتماد الكثيف على الضباط بالقول إن "الناس لم تعد تُقبل على منصب المحافظ ولا تحبه، لأن أعباءه كثيرة ومن دون أي مقابل. كما أن المرشحين الكفوئين أصبحوا يحجمون عن هذه المناصب". وفي خطوة بدا أنها تؤكد هذه النقطة، جاء 19 من 93 من المرشحين رفيعي المستوى في منافسة لتعيين "قادة ممتازين" في الوزارة في تموز/يوليو من القوات المسلحة وحدها. ومن سخرية القدر أن من خلفَ بدر في التعديل الوزاري الذي جرى في شباط/فبراير 2018 كان اللواء المتقاعد أبو بكر الجندي الذي كان قد ترأس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء منذ عام 2005. كان أول عمل قام به الجندي هو تشكيل هيئة جديدة هي الهيئة العليا لتنمية جنوب صعيد مصر، والتي سيمثّل في مجلس مديريها كلٌ من وزارة الدفاع ووزارة الإنتاج الحربي بحكم القانون، بالإضافة إلى وضع أحد متقاعدي القوات المسلحة في منصب رئيس مجلس إدارتها.

التغلغل في الشركات المملوكة للدولة

يشكّل تمدد جمهورية الضباط في الشركات الاقتصادية التابعة للدولة، المكوّن الرئيس الثاني في الاقتصاد العسكري غير الرسمي. ومثل الكثير من الجوانب الأخرى للاقتصاد العسكري، هذا أيضاً له جذوره من عهد عبد الناصر. لكن برنامج الإصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي الحكومي للعام 1991 هو الذي وفّر لمتقاعدي القوات المسلحة الفرص التجارية الأكثر سخاءً، والتي لم يتوانوا لحظة عن اغتنامها. هذا إضافة إلى أن الخصخصة تزامنت مع تبوؤ طنطاوي منصب وزير الدفاع، ما أطلق العنان أكثر لتطبيق آلية الولاء. وبديهي بعد ذلك أن يكون التوزيع القطاعي لمتقاعدي القوات المسلحة في الإدارات البيروقراطية المدنية الذي تطرقنا إليه في الصفحات السابقة، وفي شركات القطاع العام، متماثلين تمامًا في كلا المرحلتين.

وكما لاحظ العالم السياسي جمال سليم، كان سلك ضباط القوات المسلحة "المعبر الأساسي إلى المناصب الحكومية العليا منذ حقبة عبد الناصر"، وهذا يشمل رئاسة شركات القطاع العام. وأضافت خبيرة الاقتصاد السياسي سامية سعيد أن تمديد الإدارة الأمنية المصرية لتشمل سوريا خلال فترة الوحدة قصيرة الأجل بين البلدين (1958-1961) إلى جانب التدخل العسكري المصري في اليمن (1963-1967) عمل على تعزيز دمج البيروقراطية العسكرية في مجموعة واسعة من الأنشطة التجارية، كما فعل عامر عندما ترأس المجلس الأعلى للمؤسسات العامة ذات الطابع الاقتصادي اعتبارًا من نيسان/أبريل 1961 إلى ما بعد ذلك.

وقد سمح التحرير التدريجي للاقتصاد المصري بدءاً من منتصف السبعينيات بتوسيع دائرة ومجالات توظيف متقاعدي القوات المسلحة، من خلال السماح بتأسيس ما يقدر بنحو 240 مشروعاً مشتركاً بين شركات محلية وأجنبية خاصة. وكما ناقش روبرت سبرينغبورغ وكليمنت مور هنري، كان السادات قد قام بتعويض المؤسسة العسكرية عن "فقدانها الشكلي للسلطة وسماحها بإعادة تأهيل النظام السياسي المدني" من خلال توفير "رعاية زبائنية مستمدة من عمليات اقتصادية شبه مخصخصة، والتي تم وضع الكثير منها تحت أمرة عسكرية" وبوسائل مثل "إنشاء طرق للتحكم عن بعد تمر عبر الاقتصاد السياسي". بينما تعطي القائمة الجزئية التي أعدتها سعيد شعورًا بتنوع الشركات والقطاعات التي شغل فيها المتقاعدون العسكريون مناصب عليا أو كان لديهم حصص كبيرة فيها: بنك النيل وبنك الدلتا الدولي المنشأ حديثًا، وواردات التبغ، والاستثمار العقاري، ولوازم البناء، والطباعة والنشر، ووكالة سيارات "بيجو"، والملاحة البحرية والشحن، وإنتاج الغرانيت والرخام، والبناء، والقرطاسية، والأحذية، والحفاظ على المواقع الثقافية. كما قامت الشركات الكبرى المملوكة للدولة مثل شركة "المقاولون العرب" بتوظيف "عشرات اللواءات بعشرة أضعاف رواتبهم السابقة"، وكانت هذه الأخيرة دائمًا مقاولًا فرعيًّا للمشاريع التي تديرها وزارة الدفاع منذ ذلك الحين.

أعطى إطلاق عملية الخصخصة في عام 1991 دفعة كبيرة لهذا الجزء من الاقتصاد العسكري غير الرسمي. جمّع برنامج الإصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي، الذي أُعِّد بمساعدة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، 314 شركة تملكها الدولة في قطاعات صناعية وتجارية في إطار27 شركة قابضة ووضعها تحت إشراف إدارة موجّهة نحو السوق. ويشار إلى أنه في ذلك الوقت، كانت الشركات والمؤسسات العامة تنتج قرابة العشرة في المائة من إجمالي الناتج المحلي وتوظف حوالي ستة في المائة من القوة العاملة، وهيمنت بالإضافة إلى ذلك على قطاعي البنوك والتأمين. وقد استثنى قانون المؤسسات العامة الرقم 203 للعام 1991، الذي نظّم هذا البرنامج، هذه المؤسسات من التقيّد بالإجراءات المعهودة المرعية في منح عقود المشتريات والأشغال المطلوبة من الهيئات الحكومية. كما أنها أعطت مجالس المديرين حق منح الموظفين – وأنفسهم - الرواتب والمزايا، والمعاشات التقاعدية التنافسية، وأيضاً المكافآت الاستنسابية، ما وضعهم على قدم المساواة مع شركات القطاع الخاص. فباختصار، لقد حُررت الشركات العامة في مصر من القيود التي فُرضت عليها سابقًا كشركات مساهمة اسمية تم تشكيلها بموجب القانون 97 لعام 1983، وبات يتم التعامل معها مثل الشركات الخاصة من جميع النواحي (ما لم يوجد ما ينص على خلاف ذلك).

الحاسم هنا هو أن القانون الرقم 203 طبّق ليس فقط على الشركات المُرشّحة للخصخصة، بل أيضاً على الشركات التي لم تزل في حضن الملكية العامة. وكما لاحظ المدير السابق لدائرة مصر في البنك الدولي خالد إكرام، يضع هذا القانون نشاطات القطاع العام "على قدم المساواة تقريباً مع الشركات الخاصة في مجال السياسات الإدارية والمالية والتوظيف". وقد أسفر ذلك عن فُرص لا سابق لها لمديري هذه الشركات. وسبق لقانون في عام 1980 أن وضع ميزانيات شركات القطاع العام خارج نطاق ميزانية الدولة، على الرغم من أن هذه الأخيرة هي التي تموّل عجوزاتها الصافية، لكن بات بإمكانها الآن خصخصة أرباحها فيما يتم تأميم الخسائر. وهذا بالطبع سحب نفسه أيضاً على الاقتصاد العسكري.

وسبق لقانون في عام 1980 أن وضع ميزانيات شركات القطاع العام خارج نطاق ميزانية الدولة، على رغم من أن هذه الأخيرة هي التي تموّل عجوزاتها الصافية، لكن بات بإمكانها الآن خصخصة أرباحها فيما يتم تأميم الخسائر. 

الاستجابة العسكرية

بيد أن الاستجابة العسكرية لعملية الخصخصة كانت متناقضة. فمن جهة، انتصب ضدها دعاة الاقتصاد الوطني الذين عارضوا بيع ما يعتبرونه مؤسسات ناجحة تابعة للدولة. ويتذكّر أحد زملاء طنطاوي في مجلس الوزراء أن هذا الأخير ضغط بقوة على وجه الخصوص لمنع بيع مصارف كبرى مثل بنك القاهرة وبنك الإسكندرية خلال الموجة الكبرى الثانية من الخصخصة في 2004-2009، لكن مبارك أحبط مساعيه هذه. ووفق لواء سابق، كانت شركات القطاع العام - بما في ذلك العسكرية منها - تعتمد على الاقتراض من المصارف التابعة للدولة لدفع رواتب موظفيها، ما أدى إلى تراكم الديون الهالكة. وأظهرت برقية مُسربة في عام 2008 أن السفارة الأميركية في القاهرة كانت تعتقد أيضاً "أن العسكر يعتبرون جهود [الحكومة المصرية[ للخصخصة بمثابة تهديد لموقعهم الاقتصادي، وهم بالتالي يعارضون الإصلاحات الاقتصادية".

لكن المؤسسة العسكرية عارضت الخصخصة كذلك لأن المشترين غالباً ما أرادوا ببساطة تجريد شركات القطاع العام السابقة من أصولها، خاصة الأراضي، وهددت الاستقرار الاجتماعي والسياسي من خلال صرف العمال. مثل هذا القلق كان مبررًا، حيث إن العمالة انخفضت فعلًا بنحو 75 في المئة في الشركات المخصخصة. والواقع أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة أشارت، بعد إطاحة مبارك، إلى موقفها السابق كدليل على أنها كانت تدافع عن المصلحة الوطنية، حتى قبل أن ترفض أوامره باستخدام القوة ضد المتظاهرين خلال الربيع العربي عام 2011.

ومن جهة أخرى، استفادت جمهورية الضباط من برنامج الإصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي بشكل كبير، بعد أن تمتع متقاعدو القوات المسلحة بزيادات هائلة في مداخيلهم من خلال التعيين في شركات القطاع العام، سواء أكانت مخصخصة أم لا. وقد أكد وزير سابق، استنادًا إلى مناقشة في عام 2011 مع ضباط عسكريين كانوا لا يزالون في الخدمة، أن قادة هيئة الأركان ونوابهم من مختلف فروع القوات المسلحة يتطلعون، فور تقاعدهم، إلى الحصول على رواتب شهرية تبلغ مليون جنيه مصري (168 ألف دولار آنذاك) لقاء إدارتهم الشركات التي تملكها الدولة. كما يمكنهم أيضاً أن يكونوا أعضاء في مجلس إدارة شركة أو أكثر من شركات القطاع العام وهم ما زالوا في الخدمة، فيتلقون رواتب تراوح بين 250 و500 ألف جنيه (42- 84 ألف دولار).

هذا "الفساد المُمأسَس"، على حد تعبير هذا الوزير، شكَّل ذروة آلية الولاء. ووفقًا لأحد معارضي الحكومة، كان رؤساء الخمس وخمسين شركة من أكبر الشركات في مصر، والتي ادّعى أنها تسيطر معاً على ثلث اقتصاد البلاد، من متقاعدي القوات المسلحة في عام 2014. قد يكون ثمة مبالغات كبيرة في كلا الرقمين، ولكن فيهما بعض الحقيقة أيضاً. إذ إن الضباط المتقاعدين تموضعوا بشكل جيد أيضاً للاستفادة من بيع الأسهم في شركات قطاع عام مختارة عبر ترتيبات مسبقة (وليس من خلال مزاد علني مفتوح). وقد استحوذت وزارة الدفاع على 75 في المئة من شركة النصر للخدمات والصيانة، على سبيل المثال، وكانت اليد العليا فيها للمتقاعدين العسكريين.

الارتباطات السياسية ودولة رأسمالية المحاسيب

اعتمد نمط التغلغل في شركات القطاع العام التي جرى خصخصتها بشكل كثيف على الارتباطات السياسية. كما أنه كشف أيضاً عن مدى تشبّث رأسمالية الدولة في مصر، حيث تمكّن النظام أن يأخذ نصيبه من الكعكة بل وأن أكلها أيضاً، كما لاحظ روبرت سبرينغبورغ وكليمنت مور هنري، إذ يدير نمط رأسمالية المحاسيب بينما يُظهِر نفسه وكأنه ملتزم بإجماع واشنطن المؤيد لسياسات اقتصاد السوق الحر.

فطيلة نحو عقدين من الزمن، كان السياسيون ورجال الأعمال المقرّبون من مبارك أو نجله الأكبر جمال يقطفون حصة الأسد مما تم خصخصته سواء جزئياً أو كلياً في الاقتصاد، وكان العديد منهم أعضاء في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم. ووفقًا للخبراء الاقتصاديين دارون عاصم أوْغلو، وطارق حسن، وأحمد طحون، لم يكن هناك تقاطع بين الشركات المرتبطة بالحزب الوطني الديمقراطي وبين الشركات العسكرية، علمًا أن الشركات المرتبطة بالحزب الوطني الديمقراطي كانت قيمتها أكثر بنحو عشرة أضعاف من الشركات العسكرية. بيد أن تغيّر الحظوظ السياسية في أعقاب عام 2011 قلب الصورة، حيث قامت الشركات على جناح السرعة بتغيير مجالس إداراتها "كي تضم ممثلين عن المجموعة التي وصلت إلى السلطة خلال كل مرحلة من مراحل الربيع العربي في مصر، وخاصة من القوات المسلحة. فحدث "هبوط حاد في ربحية الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة" خلال العمر القصير لإدارة مرسي، أعقبتها "زيادة واضحة في عدد الضباط في مجالس الإدارات بعد عام 2013". علاوة على ذلك، كانت 12 شركة قطاع عام قابضة لديها ضباط في مجالس إدارتها تستحوذ على 33 شركة من أصل الـ177 شركة المسجّلة في سوق الأوراق المالية في عام 2013، أو كان لديها أسهم فيها، وفق إحصاء أوغْلو وحسن وطحون.

الجدير بالملاحظة هنا أن التوزيع القطاعي لشركات القطاع العام المرتبط بالجهات العسكرية يتطابق مع باقي الاقتصاد العسكري على نحو كامل تقريبًا. فشركات القطاع العام هذه، مثلها مثل الشركات العسكرية المسجلّة والهيئات العامة التي لديها ارتباطات عسكرية، تتركّز أساساً في قطاعي النقل البحري والجوي (43 في مجالات الإدارة، والخدمات، والشحن والتخليص، وشركات التخزين)، وفي البنى التحتية والنقل (31 شركة، كلها ماعدا اثنتين ملكية عامة بالكامل). ولهذه الشركات أيضاً أدوار كبرى في الصناعات الكيماوية وتلك المتعلّقة بالبترول وفي المنسوجات (14 شركة)، وتموين تخزين المواد الغذائية (14)، والمقاولات والإنشاءات (11)، والسياحة (9)، والطاقة (5، بما في ذلك الشركات المتعلّقة بالنقل والخدمات) والعقارات والسيارات والتجارة (7). وتستند هذه الأرقام إلى مسح أُجري لهذا التقرير أظهر وجود 137 شركة قطاع عام لها ارتباطات عسكرية في عام 2016. كما كشف مسح محدَّث عن حدوث تراجع طفيف، إلا أن متقاعدي القوات المسلحة ما زالوا يرأسون مجالس إدارة 128 من أصل 374 شركة، أو هم أعضاء فيها، أي بنسبة 35 في المئة. والنسبة نفسها صحيحة أيضاً في الشركات التي جرت خصخصتها (جزئياً أو كلياً) كما في تلك التي كانت لاتزال في حيازة الملكية العامة في أيار/مايو 2018.

أدّت فوائد الإدارة الموجهة نحو اقتصاديات السوق الحر، خاصة منها التحوّل إلى قواعد أكثر ليبرالية في ما يخص إصدار العقود وتقديم الحوافز المالية للمديرين على قدم المساواة مع القطاع الخاص، إلى حدوث استجابة موازية. فمع أنه لم تتم خصخصة الهيئات العامة بموجب القانون رقم 203 لعام 1991، وبالتالي ظلت خاضعة لمعدلات الرواتب الحكومية الاعتيادية، قام مديرو بعض هذه الهيئات بالمطالبة بتحويل هيئاتهم إلى شركات قابضة أو فرعية. وقد أقّر هذا الطلب في حالات الخطوط الجوية الوطنية (مصر للطيران)، وفي الهيئات العامة للمطارات الرئيسة، وفي كل مؤسسات الطيران المدني تقريبًا، التي ضغطت كلها بقوة لإجراء هذا التحوّل. لكن القطاع البحري لم يحذُ حذوه، غالباً بسبب ضعف حيويته التجارية. وقد لاحظ سفيان العيسى، وهو مستشار للبنك الدولي، أن العديد من مدراء القطاع العام "استخدموا مداخلهم إلى الأموال العامة والشبكات لتأسيس شركاتهم الخاصة أو شراء" شركات أخرى مملوكة للدولة، ما سمح بالتوسّع والتنويع.

وفّر التوغل في الشركات التابعة للدولة لجمهورية الضباط المداخل إلى شطر كبير من الاقتصاد الوطني، بغض النظر عن الخصخصة. وكانت هذه العملية قد تباطأت بحدة بعد عام 2008، علمًا أن 382 شركة كان قد تم خصخصتها حتى ذلك الوقت - ثلثها بالكامل- وجرت تصفية بضع عشرات أخرى بحلول عام 2014. ساهمت شركات القطاع العام بنحو 37 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في ثمانينيات القرن الماضي، وحصدت 55 في المئة من الناتج الصناعي وسيطرت على أكثر من 80 في المئة من التجارة الخارجية وزهاء 90 في المئة من قطاعي التأمين والمصارف. لكن حتى بعد التجريد ونقل الأصول، لا يزال ما يصنّف "قطاع الأعمال العام" يسيطر على شطر وازن من الاقتصاد، الأمر الذي يُديم وحتى يضخّم مجالات الفساد والمحسوبيات. على سبيل المثال، لاحظت مدوّنة للبنك الدولي أنه فيما تحسّن أداء الشركات التي تمت خصخصتها بالكامل، إلا أن الشركات المُخصخصة جزئياً لم تُظهر تحسنًا، أساساً لأنه لم تحدث فيها تغييرات في الإدارة. بكلمات أخرى، قدّمت الخصخصة لأطراف متنفذة، كجمهورية الضباط، زيادات كبرى في الرواتب والمزايا الأخرى، فيما أخفت عن الأنظار استمرار الممارسات الاقتصادية السيئة وانعدام الفعالية.

قدّمت الخصخصة لأطراف متنفذة كجمهورية الضباط زيادات كبرى في الرواتب والمزايا الأخرى، فيما أخفت عن الأنظار استمرار الممارسات الاقتصادية السيئة وانعدام الفعالية

يجادل الباحث المصري محمد عبد السلام، في ما يتعلق بقطاع الطاقة، أن تأسيس شركات قطاع عام جديدة تتشابك صلاحياتها مع الهيئات العامة القائمة أصلًا، جعل من الصعب للغاية إصدار أحكام موثوقة عن أدائها الاقتصادي، بسبب الدعم الذي تتلقاه من هذه الهيئات. وقد اشترى وسطاء مُفضّلون منتوجات كالغاز بأسعار مدعومة ثم باعوها للمستهلكين بأرباح فاحشة؛ هذا في حين كان مسؤولو الشركات منخرطين في "الفساد المتفشّي في مجالات استكشاف الغاز وعقود الإنتاج مع الشركات الأجنبية". وقد تكرر هذا النمط في قطاعات أخرى "حيث تستخدم القروض التفضيلية، وتقديرات تقل عن أسعار السوق لقيمة أصول الدولة، علاوة على وسائل شائعة أخرى لمكافأة أزلام النظام"، كما لاحظت شانا مارشال. وهذا يساعد على تفسير لماذا كانت شركات القطاع العام القابضة التي أُنشئت أصلًا بهدف مواصلة العمل إلى حين خصخصتها، تتوسّع بدلًا من ذلك وتشتري المزيد من الشركات.

هذه الهياكل التحفيزية الفاسدة شكّلت سلوك كل الأطراف الاقتصادية، ولم تشذّ عنها جمهورية الضباط. صحيح أن الناطقين باسم وزارة الدفاع يُطرون بإسراف، وبشكل دائب، المهارات الإدارية المتفوّقة والخبرات الخاصة التي يتمتع بها ضباط القوات المسلحة، لتبرير التغلغل في نشاطات القطاع العام، لكن الصحيح أيضاً أن سجلاتهم تشي بالعكس في معظم الحالات. في العادة، كما يقول مستشار أجنبي، "حين تلتقي بمدراء شركات أو أعضاء في مجلس الإدارة، يكونون لواءات متقاعدين لا يفقهون شيئاً عن القطاع الذي يعملون فيه". والحال أن الأبحاث التي أُجريت من أجل هذا التقرير تكشف عن نمط ملحوظ يتمثّل في تعيين مدنيين أكفاء نوابًا لرؤساء مجالس إدارة الشركات العسكريين بهدف ضمان إدارة فعّالة، أو ضم المتقاعدين العسكريين إلى مجالس الإدارة التي يرأسها مدنيون كي يتوفّر لهؤلاء العسكريين مناصب ورواتب ميسّرة من دون توكيلهم بمهام عملية تُذكر.

الإقطاعيات التجارية العسكرية

على نحو مماثل، برزت الإقطاعيات القطاعية في قطاع الأعمال العام، حيث يُسيطر الضباط السابقون لإدارة المياه في القوات المسلحة، على سبيل المثال، على 24 فرعاً من الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي. هذا في حين يُهيمن متقاعدو سلاح الجو على شركات الطيران على كل فروعها تقريباً، على غرار المطارات الإقليمية وشركات الخدمات المرتبطة بها. فضلًا عن ذلك، تُظهر لائحة غير رسمية أن المتقاعدين يتنقلون على نحو دائب من مجلس إدارة إلى آخر على امتداد قطاع الأعمال العام، وغالباً أيضاً في الهيئات العامة والقومية وفي رئاسة المحافظات، ما يكرّس آلية الولاء ويُديمها ويشكل امتدادًا للنفوذ العسكري.

يؤكد استعراض عشوائي لشركات القطاع العام المرتبطة بالجهات العسكرية أنماطَ تغلغل شبيهة بتلك الموجودة في الهيئات العامة. فالدخول العسكري على المستويات الإدارية يوفرّ مجالًا واسعاً من التوظيف لمتقاعدي القوات المسلحة في المستويات الأدنى أيضاً - وقد يكون هذا المجال واسعاً جدًّا في بعض الحالات، كما الأمر مع المجمعات الاستهلاكية التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية - والتي لديها 4000 تعاونية في أنحاء البلاد ــــ أم مع تعاونيات الإنشاءات والإسكان التابعة لوزارة الإسكان. وتعطي شركة عامة كبرى، هي "حسن علام للمقاولات"، صورةً عن مدى هذا المجال: إذ يؤكد منبر إعلامي معادٍ (تابع لجماعة الإخوان المسلمين) أن الشركة أُرغمت على توظيف 60 لواءً متقاعدًا في عام 2016 وحده.

وكذلك فإنَ شركات القطاع العام التي لديها ارتباطات عسكرية تُشبه كثيرًا شركات الصناعة الحربية لجهة عدم كفاءاتها الاقتصادية وسوء إدائها المالي. وهذا يؤثرّ على الشركات الكبيرة والصغيرة على حد سواء. فتبيّن مثلًا أن شركة القاهرة للعبّارات والنقل البحري التي يرأسها منذ عام 2008 لواء متقاعد في القوات المسلحة، قد راكمت ديونًا وصلت إلى 80 مليون جنيه (نحو 5,2 ملايين دولار) في أيار/مايو 2016. وذُكر أن كل موظفيها الخمسين كانوا ضباطًا متقاعدين آنذاك. وكشفت لجنة تحقيق برلمانية في الوقت نفسه أن شركة الإسكندرية للتبريد، التي صُنِّفت للتصفية في عام 2002 بعد تكبّد خسائر بلغت 15,7 مليون جنيه، كانت لاتزال تعمل بعدها طيلة 14 عامًا، فيما الشركة القابضة للصناعات الغذائية التي تنتمي إليها، فشلت في تحصيل 455 مليون جنيه تخلّف عن دفعها مختلف المتعاقدين، بما في ذلك 285 مليون جنيه من شركات خاصة، الأمر الذي أثار الاشتباه بوجود احتيال. والواقع أن رئيس الشركة القابضة، وهو لواء متقاعد، اعتُقل ووجهت إليه تهم فساد في أيار/مايو 2018.

الواضح أن عمالقة قطاع الأعمال العام لم يبلوا بلاءً أفضل. على سبيل المثال، قدّر الجهاز المركزي للمحاسبات أن الشركتين القابضة لمصر للطيران وللمطارات والطيران وفروعهما، التي يهيمن عليهما متقاعدو سلاح الجو، خسرتا 7,5 مليارات جنيه ( نحو 1,19 مليار دولار) في الفترة بين السنتين الماليتين 2010-2011 و2013-2014. وفي تموز/يوليو 2015، كشف رئيس الشركة المصرية للملاحة، وهو لواء بحري متقاعد، النقاب عن أن ثماني سفن فقط بقيت من أسطولها الأصلي الذي كان يضم 70 سفينة، وبأنها مدينة بنحو 100 مليون جنيه للتأمين، والضرائب، والتصليحات، وقطع الغيار. كما أرجأت شركة المقاولات الكبرى حسن علام دفع الأرباح المُستحقة قانونًا للعمال لمدة 17 شهرًا في 2015-2016 بسبب المردود غير الكافي من المشاريع الجديدة، فيما اتهم العاملون فيها رئيسها، وهو لواء متقاعد من القوات المسلحة، ببيع شاحنات الشركة وتوظيف أقاربه برواتب عالية. كانت شركة حسن علام واحدة فقط من 13 فرعاً تابعاً للشركة القابضة للتشييد والتعمير التي اعتبرت الحكومة أنها في حاجة إلى مساعدة مالية في عام 2015. هذا إضافة إلى أن عملاق آخر في قطاع المقاولات، هو شركة المقاولات المصرية "مختار إبراهيم"، وقعت في دين قدره 350 مليون جنيه.

وفي هذه الأثناء، كانت شركات قطاع الأعمال العام، مثلها مثل زميلاتها في الصناعة الحربية، تزهو بطريقة استعراضية بأنها حققت تحسنًا باهرًا في نتائجها على الرغم من أدائها الضعيف، وهذا لم يكن بفعل زيادات مثبتة في مستوى الكفاءة والإنتاجية، بل بفضل إعادة توجيه التمويل العام. فعلى سبيل المثال، اعترف رئيس الشركة القابضة للتشييد والتعمير، وهو لواء متقاعد من القوات المسلحة، في عام 2014 أن الأداء كان ضعيفاً، حيث كانت المبيعات الكليّة مليار جنيه والأرباح 40 مليون جنيه في العالم المالي الذي سبق ذلك، واقترح إعادة هيكلة الفروع ذات الأداء الضعيف أو تصفيتها في إطار شركة جديدة لإدارة الأصول تعمل مع القطاع الخاص. لكن بدلًا من ذلك، قفزت المبيعات الكلية في السنة التالية إلى ستة مليارات جنيه مع أرباح قدرها 480 مليون جنيه، وذلك حين حصلت هذه الشركة القابضة على عقود حكومية بقيمة 18 مليار جنيه للعمل مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة لتوسيع قناة السويس وتنفيذ خطة الطرق القومية.

وفي هذه الأثناء، كانت شركات القطاع الأعمال العام، مثلها مثل زميلاتها في الصناعة الحربية، تزهو بطريقة استعراضية بأنها حققت تحسناً باهراً بنتائجها على رغم من أدائها الضعيف، وهذا لم يكن بفعل زيادات مثبتة في مستوى الكفاءة والإنتاجية، بل بفضل إعادة توجيه التمويل العام. 

كما حقق رئيس الشركة القابضة انعطافاً مالياً مماثلًا لإحدى الشركات الفرعية التي كانت تعاني من المتاعب المالية هي الشركة العربية للاستشارات الهندسية، وذلك من خلال تحويلها إلى مؤسسة استشارية حصرية للشركات الفرعية الأخرى التابعة للشركة القابضة. وحقيقة أن صحيفة "الأهرام" اليومية الحكومية وصفت قرار معاقبة رئيس الشركة العربية للاستشارات الهندسية، وهو لواء متقاعد آخر من القوات المسلحة، من خلال نقله إلى شركة أصغر، بكونه "إبعادا"، يكشف بوضوح كيف تعمل آلية الولاء، كما سلّط قرار النقل الضوء على التدوير المتواصل في المواقع التي هي خصيصة بارزة لجمهورية الضباط.

تجلّت المداورة عيانياً في لعبة الكراسي الموسيقية التي مورست حين تم اعتقال رئيس الشركة القابضة للصناعات الغذائية، وهو لواء متقاعد، بتهم الفساد في أيار/مايو 2018. كان كلٌّ من نائبه والرئيس الجديد للشركة لواءين متقاعديْن أيضاً، أحدهما رئيس سابق لفرع الشركة القابضة ذاتها، هي الشركة العامة لتجارة الجملة، إلى أن أصبح رئيساَ للشركة القابضة في عام 2016. والواقع أن وزارة التموين والتجارة الداخلية، التي تتبع لها الشركة القابضة، كان يرأسها اثنان من متقاعدي القوات المسلحة خلال السنوات القليلة الماضية: اللواء علي مصيلحي واللواء محمد أبو شادي.

تسحب هذه الأنماط نفسها على قطاعات كالبترول، التي يعمل فيها عدد كبير على وجه الخصوص من الشركات الخدمية. ففي حزيران/يونيو 2018، على سبيل المثال، كان الرئيس الجديد لشركة سيناء للخدمات البترولية والمعدنية اللواء أكرم بدوي، وهو ضابط سابق في الحرس الجمهوري، قد عمل لفترة ملحقًا عسكريًّا في الكويت قبل أن يصبح مساعدًا لرئيس شركة جنوب الوادي القابضة للبترول، ثم ضابط أمن في شركة كبرى هي الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية التابعة للدولة. وهذا يعني أن جمهورية الضباط تعيد إنتاج نفسها باستمرار عبر هذه الأساليب وغيرها. مثلًا، حين دشّنت الهيئة العامة للبترول مستشفاها في عام 2016، عيّنت لواءً متقاعدًا رئيسًا لها.

تتجلى حقيقة أن شركات القطاع العام التجارية تعمل كإقطاعيات على نحو بيّن في مثال شركة النهضة للإسمنت، وهي فرع من الشركة القابضة للصناعات الكيماوية. ففي أوائل عام 2016، كان المدير التنفيذي لشركة النهضة لواءً متقاعدًا من القوات المسلحة وعمل سابقًا كنائب محافظ قنا حيث كان مقر الشركة الفرعية، فيما كان رئيس العلاقات العامة فيها لواءً متقاعدًا آخر وعضوًا سابقًا في لجنة السياسات في الحزب الوطني الديمقراطي. وقد وجدت الشركة القابضة أن 75 في المئة من موظفي شركة النهضة جاءوا من عشيرة محلية واحدة ينتمي إليها مدير الأمن فيها، وهو لواء شرطة وعضو سابق في الحزب الوطني الديمقراطي. وقد تم تسريح مجلس الإدارة برمته في عام 2016، ومع ذلك أُحضر متقاعدان عسكريان اثنان آخران (أحدهما المدير السابق للهيئة الهندسية للقوات المسلحة) كي يديرا الشركة على الفور.

الخاتمة: الدفاع المتبادل

إن توزيع متقاعدي القوات المسلحة المصرية عبر الجهاز البيروقراطي للدولة والشركات المملوكة للقطاع العام خلال العقدين الأخيرين من عهد مبارك عكس مزيجاً من الدوافع. فعلى مستوى واحد، استجاب الضباط السابقون لبرنامج الخصخصة من خلال دخول القطاعات الاقتصادية التي توفر الفرص والحوافز الأفضل، مثلما فعل المدراء المدنيون ورجال الأعمال من القطاع الخاص. كما انجذب الضباط بشكل طبيعي نحو القطاعات أو الهيئات أو الشركات الحكومية التي تعاملوا معها أثناء خدمتهم الفعلية، سواء كان ذلك في أحد الصنوف الرئيسة للقوات المسلحة أو في شركة عسكرية أو مصنع يعمل في المجال نفسه. ويفسر هذا جزئياً العدد الكبير للمتقاعدين العسكريين في قطاعات معينة مثل الصناعة التحويلية والنقل والإنشاءات. وعلى العكس من ذلك، على مستوى آخر، فإن نمو جمهورية الضباط بعد عام 1991 قد كشف أيضاً عن التوجه والتنسيق الاستراتيجيْين، وخير مثال على ذلك وضع متقاعدي القوات المسلحة داخل الهيئات الحكومية المفصلية أو "العقدية" التي تتحكم في استخدام الأراضي، والاتصالات، والمعلومات والإحصاءات، والمحاسبة والتدقيق.

إن التوسع الهائل في اختصاص الهيئات العسكرية الرسمية في إدارة الأشغال العامة، وتوليد الإيرادات، والوساطة في الإمداد والتموين للأسواق المدنية منذ عام 2013، قد أثَّر على جمهورية الضباط، وإن كان ذلك بطرق ليس جميعها ظاهرًا للعيان. ولا يبدو أن دورها وتوزيعها قد تغيرا بشكل كبير: فلم تتغير نسبة متقاعدي القوات المسلحة في المناصب الإدارية في الهيئات والشركات الحكومية بشكل ملحوظ في معظم القطاعات، علمًا أنه جرت إعادة تشكيل عامة للنفوذ والشبكات داخل الجهاز البيروقراطي للدولة لصالح المؤسسة العسكرية. والأهم من ذلك هو أن هذا قد أدى إلى عزل الشبكات المنافسة في القطاعات المربحة مثل وسائل الإعلام والنفط والغاز الطبيعي التي كانت في السابق المجال شبه الحصري لمديرية المخابرات العامة. ولا يزال منطق الريع الذي يدفع جميع المشاركين في الاقتصاد العسكري غير الرسمي دون تغيير يذكر، وهو الشيء الأهم، بل وسيسعى متقاعدو القوات المسلحة إلى البحث عن الفرص الجديدة التي يفتحها أمامهم نشاط الهيئات العسكرية الرسمية، طالما استمر دور هذه الأخيرة في التوسع. ولكن جمهورية الضباط هي أكثر من مجرد طرف انتهازي: ولأنها تقع في نهاية حزام ناقل يبدأ داخل سلك كبار الضباط العاملين في القوات المسلحة، فهي تقدم الحماية لهم وتضمن الحماية لنفسها في آن لمواجهة أي مسعى مستقبلي لإعادة هيكلة أو ترشيد الاقتصاد العسكري، ناهيك عن تفكيكه.