المحتويات

ستصبح نسخة الpdf من هذا التقرير، إضافةً إلى الحواشي الكاملة، متوافرة على الموقع الإلكتروني في وقت قريب.

التركيبة التي تجمع السلطات الاستنسابية، والحصانة القانونية، وغموض المعلومات المتعلقة بالإيرادات والحسابات العسكرية قد ولّدت طريقة في الإدارة المالية تتمتع بقشرة شرعية، ولكن تسمح مع ذلك بالتلاعب بالأموال والأصول العامة من دون مساءلة فعلية أمام أي سلطة مدنية. بل إنه، حتى في صفوف المؤسسة العسكرية، يبدو أن الإدارة المالية تكاد تزيد عن كونها مجرد مسك الدفاتر (أي تسجيل الواردات والصادرات وإنتاج البيانات المالية في نهاية السنة). وهذا يجعل من المستحيل عمليًّا تقييم فعالية التكلفة الفردية لكل هيئة أو منشأة عسكرية أو تقديم حسابات شاملة للاقتصاد العسكري ككل. كما أن ذلك يحجب ما تعتبره المصادر الداخلية نظامًا ماليًّا يعج بالممارسات الفاسدة. وفي أحسن الأحوال، هناك نتيجة أخرى للغموض المالي وهي أنّ الهيئات العسكرية تجد صعوبة في تقييم الجدوى الاقتصادية، ما يؤدي إلى استثمارات عكسية للأموال الموجودة في الحوزة العسكرية.

وكما ورد في الفصل 1، فإن هذه البيئة الممكِّنة تفيد العديد من الهيئات المدنية والجهات الخاصة كذلك. وقد لخص "مشروع العدالة العالمية" التابع للبنك الدولي المشكلة المستمرة في أواخر عام 2014:

"إن أصحاب النفوذ في مصر نجحوا على مدى سنوات في بناء شبكات من أصحاب المصالح في القطاع الحكومي والقضاء والجيش والشرطة وبعض من القطاع الخاص الذي استفاد من العقود العامة. وقد استفاد هؤلاء ومعارفهم من السعي وراء الريع (أي تأمين المداخيل في غياب المنافسة). واستندت البيئة المؤسساتية التي اعتمدوا عليها، إلى القليل فحسب من إمكانية الوصول إلى المعلومات، إن لم ينعدم ذلك تمامًا، فسادت الاستنسابية (أي التقدير الفردي) حتى في ما يتعلق بالقرارات البيروقراطية الصغيرة".

والنتيجة هي اقتصاد عسكري لا يشدّ بمجمله في اتجاه واحد. إذ إن دينامياته تتشكل إلى حد كبير من نفس المساومات داخل الهيئات وما بينها، والشبكات التي تحركها المصالح، وبناء التحالفات، والتنافسات المستمرة عبر الخطوط القطاعية والوظيفية التي تميز أيضًا بقية قطاعات الدولة والاقتصاد السيًّاسي في مصر. في حالة المؤسسة العسكرية، فإن عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية وتدفقات رأس المال تحددها بشدة ثلاثة عوامل:

1) الكلية العسكرية، وسنة التخرج، وصنف السلاح التابع للقوات المسلحة الذي يًّاتي منه الضباط القيًّاديون، مع شللهم وشبكاتهم التي غالبًا ما تكون متمايزة ومتنافسة.

2) التفاعلات من أسفل إلى أعلى مع جماعات المصالح في الجهاز البيروقراطي للدولة (بما في ذلك الحكم المحلي فضلًا عن المنافسين المحتملين في وزارة الداخلية وأجهزة الاستخبارات)، وشركات قطاع الأعمال العام، والقطاع الخاص، وذلك عبر قنوات من شبكات غير رسمية تقبع خلف واجهة المؤسسات والنظم الرسمية.

3) الردود على الضغط من أعلى إلى تحت، الناتج عن التوجيهات والأهداف السيًّاساتية التي يصدرها الرئيس.

وبالتالي، لا توجد خطة شاملة اقتصادية أو مدرّة للدخل، حتى لو كانت الهيئات الاقتصادية العسكرية تعمل غالبًا جنبًا إلى جنب، فإنها تقوم بذلك سعيًّا وراء مصالح متسقة نسبيًّا، لكن الأدلة تشير إلى أنه يتم تحديد ومتابعة هذه المصالح بشكل مستقل عن بعضها البعض، وأن كل هيئة تدير وتتمسك، بغيرة،ٍ برأس ماله المنفصل. ولا يُقصد هنا دحض وجود سلوك استراتيجي، إنما تأكيد التبعات على رأس المال المالي الموجود في تصرف المؤسسة العسكرية. أولاً، ستنفق الهيئات العسكرية الأموال أو تستثمرها استجابة لتعليمات الرئيس، حتى عندما تكون تلك الاستثمارات غير سليمة اقتصاديًّا وتؤدي إلى خسائر مالية. ثانيًا، في المقابل، إن هذه الهيئات تتمتع بصلاحية استنسابية تامة في تخصيص الأموال التي تتحكم فيها، بمعنى أنها ليست مُلزَمة باستشارة أي هيئة حكومية أخرى مسبقًا، ناهيك عن الحصول على إذن منها، طالما أن أنشطتها تتماشى عمومًا مع التوجه السياسي للرئيس. وهذا هو ما يوفر مجالًا للشبكات غير الرسمية لالتقاط أو توليد مصادر دخل خاصة بها، غالبًا بطرق تقوّض هدف كل من الرئيس وقادة الاقتصاد العسكري الرسمي، على الرغم من أنّ هناك أدلة تشير إلى أن هذا السلوك الانتفاعي يحصل بمعرفتهم التامة. ثالثًا، تفتقر المؤسسة العسكرية إلى ما يعادل شركة "إيجل كابيتال" للاستثمارات المالية التي تعمل في الواقع كأداة خاصة لـمديرية المخابرات العامة، كما تفتقر إلى الدراية أو النية في توظيف أموالها في الأسواق المدنية كشكل من أشكال رأس المال الاستثماري للمساعدة في تطوير قطاعات اقتصادية مدنية.

يمكن ملاحظة هذه الأنماط والعلاقات من خلال تحديد كيفية توليد الدخل العسكري واستخداماته، وأين يتم إيداعه، وكيفية تجنب التدقيق المحاسبي الفاعل من قبَل أي هيئة مدنية، بما في ذلك البرلمان، بشكل كامل تقريبًا.

خارطة مصادر الإيرادات العسكرية: السعي لتحقيق مكاسب سياسية أم اقتصادية؟

من الواضح أنّ الأسلوب العسكري في الإدارة المالية ليس فريدًا من نوعه ضمن الهيئات الحكومية المصرية، التي يتعامل الكثير منها مع إيرادات وإيداعات من خارج الميزانية. لكن حجم وتنوع مصادر الإيرادات العسكرية يتجاوزان بالتأكيد أيًّا من نظرائها المدنية بهامش واسع. في الواقع، بحلول أيّار/مايو 2018 كان بوسع رئيس أحد مصانع وزارة الإنتاج الحربي أن يخبر مراسل وكالة رويترز بسعادة أنّه "حالما أتقدم بطلب للوزارة قائلًا إني بحاجة لـ60 مليون أو 40 مليون جنيه مصري.. يوافق [الوزير] اللواء العصّار على الطلب في اليوم التالي ".

  • ويشير تشريح الاقتصاد العسكري المقدم في هذا التقرير إلى المصادر التالية من التمويل التي يقرها القانون:
  • ميزانية الدفاع.
  • الرسوم المكتسبة من الفنادق والمنتجعات والمرافق الاجتماعية والرياضية الأخرى التي تملكها وزارة الدفاع.
  • مبيعات السلع الغذائية الأساسية في الأسواق المحلية وتوفير الخدمات الطبية مدفوعة الرسوم.
  • رسوم إدارة الأشغال العامة، بما في ذلك استصلاح الأراضي والمشروعات العملاقة، وغيرها من مخططات الإسكان والبنية التحتية أو هوامش الربح المشمولة في ميزانيّات المشاريع المتّفق عليها مع المقاولين المنفذّين.
  • إيرادات الإيجار، أي الرسوم أو التبرعات التي يجري تلقّيها لمنح تراخيص استخدام الأراضي وتأجير المرافق كالموانئ وفرض رسوم على الطرق السريعة أو على المناجم والمحاجر.
  • رسوم تقديم خدمات متخصصة مثل تخليص البضائع المستوردة في موانئ الدخول إلى مصر، والتفريغ، ونقل المعدات الثقيلة، وإزالة الألغام من أراض تابعة للدولة مؤجرة لأطراف مدنية.
  • الإيرادات من مبيعات السلع أو الخدمات التي تقدمها الشركات العسكرية (مصانع ومزارع وشركات أخرى)، بما في ذلك المشاريع الجديدة في مجالات التعدين والتنقيب وقطاعات الاستخراج الأخرى.
  • إيداعات محفوظة في صناديق خاصة، والفوائد المستحقة عليها.
  • رسوم عن أنشطة متخصصة مؤقتة مثل مساهمة القوات في مهمات حفظ السلام أو نزع الألغام التابعة للأمم المتحدة، أو إجراء مناورات مشتركة مع قوات مسلحة أجنبية على الأراضي المصرية.
  • الدخل من الاستثمارات التجارية من خلال شركات واجهة (هذا غير مباشر، ولكن قد يجري إدراجه في الدفاتر الداخلية للهيئات العسكرية ذات الصلة).

قد تكون هوامش الربح مهمة في عدد قليل فحسب من هذه الأنشطة، ولكن ليس جميعها يستهدف الربح أساسًا، على أي حال. على سبيل المثال، يجري إنفاق 60 في المئة على الأقل من ميزانية الدفاع على الرواتب والتعويضات (البدلات والامتيازات غير معاشات التقاعد). الرصيد المتبقّي يُنفق على مصاريف متكررة أخرى غير الرواتب مثل المواد الغذائية، والأدوات (المهام) والرعاية الصحية، والوقود، وتجديد المواد الاستهلاكية القتالية (الذخائر وغيرها)، وصيانة المعدات، وصيانة العقارات، والاستثمار في منشآت أو معدات جديدة. إنه من غير المرجح أن تتبقّى الأموال غير منفقة، ولكن إذا كان الأمر كذلك فإنه من المؤكد أنّ وزارة الدفاع تحتفظ بها ويجري ترحيلها في دفاترها كفوائض مؤجلة من سنة إلى أخرى وتحويلها إلى أحد صناديقها الخاصة. لقد أدى انخفاض قيمة العملة إلى خفض التكلفة النسبية للرواتب والمواد الاستهلاكية والخدمات المحلية (نظرًا لكونها محسوبة بالجنيه المصري)، إلا أنّ هذا الانخفاض جعل من الصعب، عمومًا، القيام بأكثر من الحفاظ على قيمة ميزانية الدفاع الإجمالية بالدولار.

مع ذلك، فإن ميزانية الدفاع تسمح بالمكافآت والزيادات في الرواتب التي تساعد في الحفاظ على ولاء ضباط القوات المسلحة. إن الرواتب العسكرية متواضعة مقارنة بقطاع الأعمال العام والشركات الخاصة (على الأقل على مستوى الإدارة)، أما عاملو قطاع الدفاع (القوات المسلحة ووزارتا الدفاع والإنتاج الحربي والهيئات الفرعية) فيُعاملون باعتبارهم "كادر خاص" في لوائح الدولة، وهم يتمتعون بتفاوتات كبيرة في الأجور والمزايا مقارنة بالموظفين المدنيين. إلى ذلك، يتلقى ضباط القوات المسلحة خلال فترات الاضطرابات، مكافآت إضافية تصل إلى ضعف رواتبهم، التي يجري تحميلها لميزانية الدفاع. علاوة على ذلك، زادت الرواتب الأساسية ثلاث مرات على الأقل منذ عام 2011، على الرغم من أن هذا لم يعوض انخفاض قيمة الجنيه المصري. ولقد شهدت المعاشات العسكرية التقاعدية ارتفاعًا تراكميًّا أكبر بنسبة 140 في المئة بحلول تموز/يوليو 2016، ثم 15 في المئة أخرى في تموز/يوليو 2018، وكذلك النسبة نفسها اعتبارًا من تموز/يوليو 2019، لكن هذه الزيادات يجري تحميلها لميزانية الدولة العامة، وبالتالي لا تتأثر ميزانية الدفاع بها.

من المفترض أن تكون الفنادق والمنتجعات والمرافق الاجتماعية والرياضية المملوكة لوزارة الدفاع توفّر لها دخلًا ثابتًا. فتمديد الإعفاءات الضريبية للمؤسسة العسكرية (بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة) لتشمل مرافقها المدنية تمكّنها من تضخيم الأرباح حتى عندما تنافس القطاع الخاص بأسعار مخفضة، علمًا أن إيرادات وزارة الدفاع من هذه المرافق ستتقلص إذا تم تقاسم الأرباح مع الضباط الذين يديرونها. علاوةً على ذلك، سعت الوزارة إلى توسيع حصتها في السوق: فيدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية سلسلة فنادق ومنتجعات "توليب" (وقد تم إطلاقها في عام 2015، مع ما لا يقل عن خمسة عشر فندقًا)، في حين تدير هيئة الشؤون المالية في وزارة الدفاع سلسلة فنادق "ألماسة"، بما في ذلك "فندق ألماسة كابيتال" الذي جرى افتتاحه في العاصمة الإدارية الجديدة في أواخر عام 2017.

يشير هذا التوسع بشدة إلى رغبة عسكرية في الاستفادة من السياحة التي تعتبر أحد القطاعات الاقتصادية الأكثر ربحية في مصر، وقد ساهم هذا القطاع بمبلغ إجمالي قدره 528,7 مليار جنيه مصري (29,6 مليار دولار) في الناتج المحلي الإجمالي (11,9 في المئة) في عام 2018. وإلى جانب المرافق الاجتماعية الأخرى مثل النوادي، يبدو أنّ الفنادق التي تملكها الهيئات العسكرية تلبي بشكل أساسي عملاء محليين مثّلوا 48 في المئة من إجمالي عدد السيًّاح في مصر في عام 2017، علمًا أن هذه النسبة كانت أعلى من المعتاد في أعقاب تراجع السياحة الأجنبية بسبب الهجمات الإرهابية. بالفعل، من الواضح أن سلسلتي فنادق ألماسة وتوليب تسعيان بشكل رئيس إلى العمل من خلال صفقات تفضيلية مع الوزارات الحكومية. قد يكون ذلك أمرًا مهمًّا لقدرتهما على البقاء في قطاع اقتصادي خدمي يهيمن عليه القطاعان العام والخاص: إن عدد وسعة الفنادق المملوكة للهيئات العسكرية ليستا سوى جزء بسيط مقارنةً بالمجموع الوطني البالغ 730 فندقًا مع أكثر من 108 آلاف غرفة بحلول عام 2017، بالإضافة إلى 1,4 مليون غرفة خططت الحكومة لإضافتها إلى السعة المملوكة للقطاع العام بحلول عام 2020. ومع ذلك، فقد يعني ارتفاع تكاليف الاستثمار والتشغيل، وعرض أسعار أقل من أسعار السوق، وتقاسم الأرباح بين المدراء العسكريين، أنّ الأرباح الصافية ستكون متواضعة نسبيًّا. ووفقًا للمقاول من القطاع الخاص الذي بنى فندق تريموف بالنيابة عن الهيئة الهندسية في القوات المسلحة (التي كُلّفت بالمشروع بالنيابة عن المخابرات الحربية)، فقد بلغت التكلفة ملياري جنيه مصري، على الرغم من أنّه تم بناء الفندق في منطقة غير مناسبة، ما يؤكد أن المصالح القائمة على المحسوبية قد تستغني عن الجدوى التجارية. ولكن تلبية توقعات شريحة كبار الضباط المتطلعين إلى الصعود الإجتماعي واحتياجات الطبقة الوسطى المدنية التي تشعر بشكل متزايد بالضائقة المالية، قد تكون هدفًا بنفس أهمية المكسب التجاري كحافز على إطلاق هذه المشروعات.

لا لبس في أن الأهداف السياسية هي التي تدفع إلى بيع المواد الغذائية وتقديم الخدمات الطبية للمواطنين، بالمقام الأول. ويؤكد السيسي والمسؤولون الاقتصاديون العسكريون ووزراء الحكومة مرارًا وتكرارًا على الحاجة إلى تزويد الجمهور بالسلع والخدمات الأساسية بأسعار معقولة، وبالتالي مواجهة ضغوط التضخم. من المحتمل أن تحقق وزارة الدفاع والهيئات ذات الصلة، مثل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، أرباحًا صافية على البضائع الرخيصة التي تستوردها بكميات كبيرة، مثل الدجاج وقطع الدجاج المجمّدة، لكن ذلك يتم استجابة للتوجيهات السياسية. ومن شبه المؤكد أن مخازن السوبرماركت العسكرية تستفيد من أي سلع مستوردة تبيعها، لأن هذه السلع معفاة من الرسوم الجمركية على الأرجح، إلا أن الحاجة إلى إبقاء الأسعار منخفضة لتلبية احتياجات أسر القوات المسلحة وذوي الدخل المحدود، من المحتمل أن تحد من الربح الإجمالي لتلك المخازن.

لا لبس في أن الأهداف السياسية هي التي تدفع بيع المواد الغذائية وتقديم الخدمات الطبية لعامة للمواطنين، بالمقام الأول

وبالمثل، تلعب الاعتبارات السياسية دوراً في تقديم الخدمات الطبية. يقدّر الباحث أيمن إمام أن إدارة الخدمات الطبية في وزارة الدفاع هي ثاني أكبر مقدّم للرعاية الصحية في مصر بعد وزارة الصحة والسكان، لكن خدماتها تقدم مجانًا إلى العسكريين وأفراد أسرهم المباشرة وإلى جميع المدنيين الآخرين بمعدلات أرخص بنسبة 50 في المئة من المرافق الخاصة. وبالتالي، ربما تنتهي من دون خسارة أو ربح، أو أنها تتكبد خسارة صافية في الخدمات التي تقدمها إلى ذوي الدخل المحدود. لا شك في أن استقبال مرضى الطبقة المتوسطة الذين يدفعون الرسوم في المستشفيات والعيادات العسكرية الأرقى، أمر مربح. ولكن لا يمكن تحديد ما إذا كان عدد المرضى كافياً لتعويض تكلفة تجهيز هذه المرافق وصيانتها وتوفير الخدمات المجانية لموظفي قطاع الدفاع ذوي الرتب العليا، من دون اكتمال الشفافية المالية. وكما في حالات أخرى، فإن مجرد خفض تكلفة تلبية توقعات الدوائر الاجتماعية الأساسية في الحصول على عناية طبية متقدمة ربما يكون الهدف الأساسي أكثر منه الحصول على حصة في السوق. إلى ذلك، فإن فشل مصر في أن تصبح مقصداً للسياحة الطبية من الدول العربية الأخرى يحدّ من الإمكانيات التجارية للمرافق الطبية العسكرية.

في جميع الحالات، لا تعتبر هذه النشاطات مصادر مالية كبرى، مع أن بعضها ينطوي على إمكانية ذلك. إن استثمار المؤسسة العسكرية فيها يستجيب جزئيًّا لمطالب دوائر اجتماعية وسياسية معينة تعتبر مهمة، وبالتالي فإن ذلك الاستثمار ليس دائمًا بدافع الجدوى التجارية أو الربح. إلى ذلك، تُستخدم الصناديق العسكرية الخاصة جزئيًّا لدفع المكافآت والبدلات للعاملين في القوات المسلحة، وفقًا لمحلل اقتصادي مصري، لكن يتم أيضًا توزيع بعض الأرباح على بضع عشرات من كبار الضباط. وكما تفيد عالمة السياسة دينا راشد في تقييمها لعمليات مشابهة في وزارة الداخلية، فهي في الغالب تفيد كبار المسؤولين والقادة. لا يمكن التحقق من نمط التوزيع الدقيق بشكل مستقل، ولكن في حالة الصناديق الخاصة التي تندرج ضمن ميزانية الدولة العامة، كان التوزيع يستند إلى نسبة مئوية من الراتب الأساسي حتى 30 حزيران/يونيو 2015، عندما جرى تحويل تقاسم الأرباح إلى مبالغ ثابتة. كما تتضمن قوانين تأسيس الهيئات العسكرية التي تنتج السلع والخدمات المدنية للمبيع التجاري، مثل الهيئة القومية للإنتاج الحربي التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، قاعدة تقاسم الأرباح أيضًا. وليس واضحًا هل يتم تطبيق هذه القاعدة بصرامة فقط عند تحقيق أرباحٍ فعلية صافية، أم يتم اقتطاع حصة من إجمالي الواردات قبل خصم جميع النفقات، وهو الأمر الذي قد يتعرض إلى الإساءة.

ما يصعب تقديره هو إيرادات وزارة الدفاع من ترخيص استخدام الأراضي، وتأجير المرافق، وجباية الرسوم على الطرق السريعة والمحاجر، وتوفير خدمات الاستيراد أو النقل المتخصصة، وإزالة الألغام، وما شابه ذلك. تنطوي هذه الأنشطة على تكاليف ثابتة أقل، ويمكنها ضمان دخل يُعتمد عليه، والذي يزداد في حالة الموافقة على استخدام أراضي الدولة. لكن قد تجري مقايضة بعض المصادر الأكثر ربحية للدخل المحتمل بأنواع أخرى من الأفضليّات. مثال على ذلك هو التخلي عن رسوم منح استخدام الأراضي أو المرافق، مقابل حقوق الملكية في مشاريع مشتركة جديدة، أو ببساطة كوسيلة لجذب المستثمرين إلى المشروعات ذات الأولوية العالية مثل محور تنمية قناة السويس. مثال آخر هو الموافقة على طلبات استخدام الأراضي مقابل منح الخدمات أو البنية التحتية أو عقود التوريد لشركات تفضِّلها الهيئات العسكرية أو يكون للضباط مصلحة تجارية فيها. إلى ذلك، يخلق عدد من هذه الأنشطة فرصًا لتأمين الدخل الجانبي غير المشروع.

من الواضح أن لدى وزارة الدفاع إمكانية الوصول إلى أموال كبيرة. إذ يشير قيام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بتأسيس عدة شركات جديدة، أو الاستحواذ عليها، منذ عام 2016، إلى أن الوزارة يمكنها الاعتماد على احتياطيات كبيرة لديها، أو الحصول على تمويلات كبرى من خزانة الدولة، أو الاستفادة من الائتمان (بفوائد بخسة) من البنوك العامة أو الخاصة، أو تشكيل حزم تمويلية مختلطة. وينطبق الشيء نفسه تقريبًا على تشييد البنية التحتية المدنية ذات الاستخدام المزدوج تحت إشراف وزارة الدفاع منذ عام 2013، مثل الطرق السريعة والجسور التي يجري تمويلها من خزانة الدولة أو الاقتراض الحكومي، حيث إنه من الممكن أن تقوم الوزارة بتمويل البنية التحتية العسكرية البحتة باستخدام صناديقها الخارجة عن الميزانية (بدلاً من ميزانية الدفاع). وبالمثل، فإن تكلفة توسيع بعض المنشآت العسكرية قد تم تعويضها، جزئيًّا على الأقل، من خلال استخدام الدخل من تزويد المشروعات المدنية بمنتجات مثل الإسمنت وحديد التسليح وعدادات المياه.

من الناحية النظرية على الأقل، يمكن لوزارة الدفاع أيضًا أن تضع احتياطياتها في عمليات شراء نظم الأسلحة الرئيسة التي لا يغطيها التمويل العسكري الخارجي الأميركي. ويشمل ذلك طلبيات مقدمة في الفترة ما بين العامين 2014 و2018 لمنظومات الأسلحة الفرنسية والروسية التي يبلغ مجموعها 8 مليارات دولار (7,15 مليارات يورو) وحوالي 7,5 مليارات دولار على التوالي. كان من المفترض أن تغطي عدة دول خليجية ما لا يقل عن نصف تكلفة شراء الطائرات المقاتلة الفرنسية البالغة 5,2 مليارات يورو، بينما يأتي النصف الآخر من القروض التجارية التي ستجمعها وستضمنها الحكومة الفرنسية، وورد أن دول الخليج تساهم في بعض مشتريات الأسلحة الروسية. كان لا يزال يتعين على وزارة الدفاع المصرية تمويل جزء كبير من هذه الصفقات، ولعل ذلك يفسِّر عدم ترجمة بعض الاتفاقيات الخاصة بالنظامين الفرنسي والروسي إلى طلبيات فعلية أو تمّ تأجيلها، إلى جانب سحب التمويل السعودي الذي جرى لاحقًا. وفي جميع الحالات، سيتعين على وزارة الدفاع تخصيص أموال من ميزانية الدفاع أو من احتياطياتها الخاصة لتغطية التكاليف المستقبلية للصيانة والإصلاحات والتحسينات وقطع الغيار، والتدريب طوال فترة الحياة التشغيلية لجميع منظومات الأسلحة هذه، وهي تكاليف قد يصل مجموعها إلى ستة أضعاف تكلفة الشراء الأصلية. ليس من المؤكد أن هذه الاستثمارات تتم بالفعل، ما قد يقوض الفعالية العملياتية للقوات المسلحة المصرية.

وبالتالي، فإن الهيئات العسكرية الوحيدة التي لديها فرص واضحة لبناء فوائض مالية كبيرة هي وزارة الدفاع وبعض الهيئات التابعة لها: جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، والهيئة الهندسية في القوات المسلحة، وقطاع التعدين. قد تكون إدارة المشروعات القومية والعملاقة قد قفزت إلى رأس قائمة مُدِريِّ الدخل منذ أواخر 2013، بالنظر إلى الحجم الكبير للأشغال العامة التي أطلقتها إدارتا منصور والسيسي بشكل خاص. تشير الأرقام الصادرة عن هيئة الرقابة الإدارية، ربطًا بالمشاريع التي تديرها الهيئات العسكرية، إلى حجم بلغ 369 مليار جنيه مصري خلال عامين تقريبًا بين شباط/فبراير 2016 وكانون الثاني/يناير 2018 (22.5 مليار دولار، باستخدام متوسط سعر الصرف لتلك الفترة). نظريًّا، إذا اكتسبت الهيئات العسكرية رسوم إدارة متفقًا عليها مسبقًا لهذه المشاريع، فإن نسبة 5 في المئة ستترجم إلى 18.45 مليار جنيه من الدخل لوزارة الدفاع، أو ما يزيد عن 500 مليون دولار سنويًّا (حسب سعر الصرف المستخدم)، بينما 20 في المئة من رسوم الإدارة سوف تترجم إلى أكثر من ملياري دولار سنويًّا. هذا هو مدى الدخل الذي تدل عليه المؤشرات الجزئية المتوفرة. وقد ادّعى رجل الأعمال الفارّ محمد علي في آب/أغسطس 2019، وهو صاحب شركة "أملاك للمقاولات" التي كانت وزارة الدفاع تعدّ زبونها الأهم على مدى 15 عامًا، بأن الهيئات العسكرية تكسب بانتظام ما بين 25 و 30 في المئة من ميزانيات المشاريع. لا يمكن التحقق من النسبة بشكل مستقل، ولا يمكن الافتراض أنها تنطبق على كل مقاولي الباطن الآخرين في جميع المشاريع العامة، ولكن حتى لو كان ذلك صحيحاً فسوف يحقق دخلًا تصل ذروته إلى 3 مليار دولار سنويًّا لصالح المؤسسة العسكرية من الأشغال العامة.

ولكن لا تسير الشؤون المالية للمشروعات القومية والعملاقة على هذا النحو. فوزارة الدفاع وغيرها من الهيئات الاقتصادية العسكرية لا تتلقى نسبًا محددة من الميزانيًّات التي وافقت عليها الحكومة مقابل إدارة هذه المشروعات. بدلاً من ذلك، تُعيَّن لهذه الهيئات ميزانية ثابتة يتم تسليم المشروع في إطارها، ومن ثم تقوم الهيئات العسكرية بالتفاوض على صفقات مع المقاولين الذين سيتولون التنفيذ. حيث يعتمد تحقيق دخلٍ صافٍ على الهامش الذي ينجح المفاوضون العسكريون في استخراجه ما بين الميزانية الرسمية وتكاليف المشروع الفعلية. هذا، وقد تختلف الهوامش على نطاق واسع. إن الهيئات العسكرية هي في موقف قوي يجعل الشركات الأصغر تتحمل نصيبًا أكبر من التكاليف، بما في ذلك تلك الناشئة عن التقلبات في أسعار الصرف وأسعار المدخَلات، أو حتى يرغمها على القيام بالعمل على نفقتها الخاصة، وهو ما قد تقوم به على أمل الحصول على عقود مستقبلية. لكن تتخلى الهيئات العسكرية أحياناً عن جزء كبير من هامش ربحها أو كله من أجل إشراك الشركات الكبيرة التي تحتاج إليها نظرًا إلى خبرتها أو عدّتها الصناعية أو رأس مالها. وتلعب العوامل السياسية أيضًا دورًا: عندما يحدد الرئيس المواعيد النهائية التي تدفع التكاليف إلى أكثر من الميزانية المخصصة الأصلية، قد تستوعب وزارة الدفاع الخسائر الناتجة من صناديقها الخاصة. كان هذا هو الحال عند بناء الكاتدرائية في العاصمة الإدارية الجديدة حيث أراد السيسي الانتهاء منها في الوقت المناسب للاحتفال بعيد الميلاد القبطي في كانون الثاني/يناير 2019. إنَّ ما يعنيه كل هذا هو أن صافي دخل الهيئات العسكرية من مشاريع الأشغال العامة التي تديرها يعادل تقريبًا مجمل التقليص بهامش الربح لمقاولي القطاع الخاص.

بالتالي، يستحيل تقريبًا تقدير الدخل الصافي للمؤسسة العسكرية من المشاريع القومية والعملاقة. لكنه لن يستمر عند المستويات المتضخمة التي شوهدت منذ عام 2014، حيث إن وتيرة المشاريع الجديدة آخذة في التراجع. استفادت الهيئات العسكرية من الازدياد الهائل في إجمالي حجم مشاريع الإسكان والبنية التحتية، إذ أدارت حوالي 24 في المئة من المشاريع التي أعلنتها الحكومة، إذا ما كانت الإحصاءات الرسمية دقيقة. إلا أن المشاريع ربما بلغت حدها الأقصى ولم تعد تنمو، حيث تُظهر الأرقام الحكومية انخفاضًا في معدل المشاريع الجديدة من 500 مليار جنيه سنويًّا في الفترة 2014-2016 إلى 216 مليار جنيه مصري سنويًّا حتى نهاية عام 2018. لكن من غير المرجح كذلك أن تنخفض الإيرادات العسكرية إلى مستويات ما قبل 2013، عندما كانت وزارة الدفاع تكسب إيرادات أكثر تواضعًا من خلال إدارة المشاريع طويلة الأجل مثل مشروع توشكى لاستصلاح الأراضي. ويعود هذا التوقع إلى حقيقة أن وزارة الدفاع والهيئات التابعة لها قد أوكلت إليها إدارة مشاريع كبرى إلى أجل غير مسمى، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، ومشروع السيسي لاستصلاح 1,5 مليون فدان، ومنطقة تنمية شرق بورسعيد، ودون شكّ سيتم تكليفها بدور رئيس في بناء ما لا يقل عن 14 مدينة صحراوية جديدة في السنوات المقبلة. وبالتالي ستظل محفظة الإدارة الشاملة أكبر بعدة مرات مما كانت عليه قبل عام 2013.

لا توجد أدلة مقنعة بربحية وزارة الإنتاج الحربي، وشركات وزارة الدفاع، والهيئة العربية للتصنيع. ومع أن وزارة الإنتاج الحربي سجلت نموًّا ملحوظًا في المبيعات بنسبة 276 في المئة بالعملة الوطنية بين العامين الماليين 2014-2015 و2017-2018، من 4.2 مليار جنيه مصري إلى 11.6 مليار، إلا أنها ارتفعت بنسبة أكثر تواضعًا بكثير من حيث القيمة بالدولار، إذ ازدادت قيمتها من 552 مليون دولار إلى 649 مليون دولار، أو 18 في المئة. ووفقًا لوزير الإنتاج الحربي العصّار الذي قدم هذه الأرقام، فإن 14 من شركات الوزارة العشرين كانت لا تزال تسجل خسائر صافية في عام 2018. ولم يحدد أي شركات كانت مربحة، لكن من المحتمل أن تكون تلك التي أنتجت المواد الكيميائية الوسيطة والتي لها حصة مهمة في السوق المصرية وساهمت في الصادرات، أو تلك التي قدمت خدمات المقاولات والإدارة، وذلك بفضل استحواذها على سوق أسيرة للعقود الحكومية. أما شركات وزارة الدفاع مثل ترسانة الإسكندرية للشحن، فلم تحقق أرباحًا حتى الآن. وليس هناك دليل عام متوفر على أن الهيئة العربية للتصنيع تعمل بشكل أفضل، على الرغم من التفاخر من وقت إلى آخر بالعقود الجديدة والمبيعات الجيدة.

كان يُفترض أن تؤدي الزيادات في حجم الأعمال إلى تحسّن في كشوف الميزانيات بشكل عام، لكن المكاسب كانت ستقابلها إلى حدما زيادة مماثلة في التكلفة الإجمالية لعوامل الإنتاج، واستمرار الإنتاجية المنخفضة، وعدم كفاية البحث والتطوير، والحاجة إلى الاستثمار في تحديث العمليات والمنشآت الصناعية. وحتى في الشركات الخاسرة، لعل الضباط في المواقع الإدارية وغيرهم من العاملين يحصلون على حصة من الدخل بموجب بند تقاسم الأرباح المنصوص عليه في نظم الشركات العسكرية، قبل احتساب الأرباح الصافية، إن وجدت بالطبع. إلى ذلك، فإن الشركات العسكرية تتلاعب على ما يبدو بقواعد وقوانين الميزانية التي تسمح لها بترحيل الفوائض من سنة مالية إلى أخرى - حتى وهي تقوم بتحميل الخسائر التشغيلية على خزانة الدولة - وذلك من أجل تكديس الودائع في صناديقها الخاصة الاستنسابية (تجري مناقشة هذا الأمر أدناه).

من الواضح أن الشركات العسكرية قد واجهت صعوبات مستمرة في إضافة القيمة في معظم مجالات الصناعة التحويلية، لكنها قد تحقق نتائج أفضل في القطاعات الاستخراجية التي تتوسع فيها حاليًّا. إذ وفقًا لبياناتها، يجري تحضير قطاع التعدين في وزارة الدفاع وشركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية ذات الصلة من أجل إنتاج حصة كبيرة من إجمالي إنتاج البلاد من الرخام والغرانيت، والذهب، والمعادن، والمعادن الثقيلة، أو على الأقل السيطرة عليها، كما يتم توسيع حصتهم من انتاج الفوسفات. ويجري ذلك جزئيًّا بغرض زيادة إيرادات خزانة الدولة، لكن من المرجّح أن تحصل الهيئات العسكرية المعنية إما على رسوم إدارية أو حصة محددة من صافي الدخل، سواء تم تخصيصها رسميًّا أو تم التأكيد عليها كأمر واقع. لكن الهيئات العسكرية ليست الطرف الفاعل الوحيد في أيٍّ من هذه القطاعات، (ربما باستثناء للمعادن الثقيلة)، وسيتعين عليه إخراج الشركات الخاصة المحلية والأجنبية التي تهيمن عليها حاليًّا بالقوة. لكن هذا قد يكون باهظ التكلفة، من الناحية السياسية طبعًا ومن الناحية المالية أيضًا، كما تشير الاستثمارات العسكرية في قطاعات الإعلام والصلب والإسمنت (التي تمّ التطرق إليها في الفصل 5(.

الودائع المصرفية والصناديق السوداء

خلافا لميزانية الدفاع المودعة لدى البنك المركزي المصري، فإن وزارة الدفاع تضع جزءًا على الأقل من دخلها في مجموعة متنوعة من البنوك المصرية، "مليار هنا ونصف مليار هناك"، وفقًا لمصدر في البنك المركزي طلب عدم ذكر اسمه. من المحتمل أن تدير الودائع هيئة الشؤون المالية في وزارة الدفاع، لكن حتى في هذه الحالة، فإن مدى سلطتها الفعلية على الأصول المالية العسكرية غير واضح: فهي غير ممثلة في مجلس إدارة جهة اقتصادية رئيسة مثل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، مثلًا، كما أنها لا تمتلك الأسهم التي تملكها وزارة الدفاع في شركات مثل "الثروة للبترول". بالفعل، فإن الهيئات التابعة لوزارة الدفاع مثل جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مخولة بموجب القانون بفتح وإدارة حساباتها الخاصة في بنوك تجارية تملكها الدولة، وتديرها بشكل مستقل على الأرجح.

وبنفس الأهمية، تحتفظ وزارة الدفاع بجزء كبير من أموالها في ودائع بالدولار. ففي أواخر عام 2011، على سبيل المثال، أقرضت البنك المركزي مليار دولار للمساعدة في دعم الجنيه المصري. ويستند وصولها السهل إلى مبالغ كبيرة من الدولارات إلى قانون ساري المفعول منذ عام 1984 على الأقل، يسمح لها بشراء "عملة حرة" والاحتفاظ بها من أجل تمويل وارداتها واستثماراتها وتسوية مستحقات الموردين. إلى ذلك، فإن اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية في ذلك الوقت، برّر في أيار/مايو 2013 احتفاظ وزارة الدفاع بالودائع بالعملات الأجنبية لتكون وسيلة لمساعدة السلطات المدنية على معالجة "حالات الطوارئ". ووفقًا للمقال نفسه الذي زعم أنه يستشهد بنصر مباشرة، كشف نصر أيضًا أن وزارة الدفاع كانت قد رفضت طلبًا من الرئيس محمد مرسي آنذاك للحصول على قيمة ملياري دولار بالعملة الصعبة لمساعدة الحكومة في التعامل مع تفاقم النقص في الكهرباء والوقود وسلع أساسية أخرى. وكما اشتكى أحد كبار المصرفيين، فإن هذا الامتياز الخاص جعل المؤسسة العسكرية "دولة داخل دولة، مع إمداداتها الخاصة من العملة الصعبة".

تحتفظ أيضًا وزارة الدفاع وهيئات عسكرية أخرى بصناديق خاصة تودع فيها فوائض الميزانية مقومة بالجنيه المصري لأنها جزء من الميزانيات الرسمية، وهو ما تفعله هيئات حكومية مدنية كثيرة. وقد جرى إنشاء صناديق خاصة من خلال سلسلة من المراسيم الرئاسية التي صدرت ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي، وهي معروفة باسم "الصناديق السوداء"، سيئة السمعة. وقد أتاح ذلك حافزا مفسِدًا للمؤسسات العامة لتحميل تكاليف استثمار رأس المال وخسائر التشغيل لخزانة الدولة، فيما تُظهر فوائض صافية في ميزانياتها (التي سُمح لها بوضعها في صناديق خاصة وترحيلها من سنة مالية إلى أخرى). وقد كشف النشر النادر للحسابات السنوية للهيئة القومية للإنتاج الحربي في وزارة الإنتاج الحربي وعدد قليل من هيئات القوات المسلحة الأخرى في عام 2011 أنها اتّبعت نفس الممارسة.

وكما كشف نزار مانِيك وجِريمي هودج في مقال مميز من الصحافة الاستقصائية، توضع الصناديق الخاصة في البنك المركزي، لكن لا يتمع البنك المركزي ولا وزارة المالية ولا الجهاز المركزي للمحاسبات بأي سلطة رقابية أو تنظيمية عليها. ووفقًا لعبد الخالق فاروق، ضابط الشرطة السابق في الإدارة المالية الذي انقلب إلى إفشاء المخالفات، كان هناك 600 صندوق خاص (تحتوي على 500 مليون جنيه مصري) بحلول 2000-2001، وارتفع العدد إلى 1045 بحلول عام 2003. في عام 2012، أعطى اللواء نصر رقم 7000 صندوق فيها 35,5 مليار جنيه (ما يقارب 6 مليارات دولار عندها) من الودائع، في حين قدّر مانيك وهودج أن الصناديق الخاصة كانت تحتفظ بعد عامين بما يعادل 9,4 مليارات دولار على الأقل. لا يمكن تحديد حصة المؤسسة العسكرية بثقة، لكن مانيك وهودج زعما أن صناديق خاصة تبلغ قيمتها حوالي 4,9 مليارات دولار في السنة المالية 2010-2011 تخص هيئات اقتصادية حكومية لها علاقات وثيقة بالمؤسسة العسكرية، مثل هيئة قناة السويس، وشركة البترول المصرية العامة، والهيئة العربية للتصنيع.

في أيار/مايو 2017، أكّد اللواء صفوت النحاس، عضو لجنة الإصلاح الإداري التي جرى تشكيلها مؤخرًا، أن الصناديق الخاصة لا تزال تفتقر إلى الهياكل التنظيمية والقوانين، موضحًا أن "تلك الصناديق ليست سوى شركة تابعة للجهة [في الدولة] التي تمتلك الصندوق". بهذا الكلام، كان يردد عن غير قصد كلام العالم السياسي والعضو المؤسس للحزب الاشتراكي الديمقراطي المصري، الراحل سامر سليمان، الذي كان قد وصف في عام 2011 تحوُّل مؤسسات الدولة في عهد مبارك إلى "إقطاعيات مالية مستقلة ذاتيًّا". أما كيفية استخدام الصناديق الخاصة بالمؤسسة العسكرية، فهذا يبقى محل تكهنات، ولكن، كما أوضح تقرير أصدرته منظمة الشفافية الدولية لعام 2018 حول آليات تمويل الأمن في نيجيريا، فإن الأموال الاستنسابية من هذا النوع قد تتجاوز أجزاء كبيرة من ميزانية الدفاع الوطني العادية، إن لم تكن تزيد عنها بالكامل.

إضافة إلى ذلك، قد تتحكم وزارة الدفاع بالأموال التي تتحصل خارج الصناديق السوداء. ففي شباط /فبراير 2015، أظهرت محادثة مسرّبة بين السيسي ومساعده اللواء عباس كامل أن الرئيس يعتزم إيداع 10 مليارات دولار من المساعدات من دول الخليج في حساب وزارة الدفاع. ليس من الواضح ما إذا كان التبرع الخليجي قد ذهب إلى حسابها العام أو إلى صندوق خاص منفضل، غير أن المؤكد هو أن وزارة الدفاع هي إحدى هيئات الدولة المرخص لها بتلقي التبرعات الأجنبية في صناديقها الخاصة.

وبالقدر نفسه، يرجح أن يكون قد تم إعفاء الهيئات العسكرية من قرار حكومي صدر في عام 2013 بتحويل 6061 صندوقًا خاصًّا بقيمة 38,6 مليار جنيه (حوالي 5,7 مليارات دولار) إلى حساب موحد في البنك المركزي. كما يحتمل أن يكون قد جرى إعفاء الهيئات العسكرية مرة أخرى تلقائيًّا من المرسوم اللاحق الصادر عن السيسي في تموز/يوليو 2014 والذي اشترط على "الهيئات العامة والقومية والاقتصادية والخدمية" التي لديها صناديق خاصة أن تسهم بنسبة 10 في المئة من دخلها السنوي في ميزانية الدولة. وفي وقت لاحق جرى رفع المساهمة الإلزامية إلى 25 في المئة في قانون الموازنة لعام 2016، ولكونها كيانًا من قطاع الأعمال العام فإن الهيئة القومية للإنتاج الحربي من المفترض أن تكون خاضعة للقانون، ولكن تمّ إعفاؤها بشكل صريح. إن انخفاض قيمة الجنيه المصري في هذه الأثناء كان من شأنه أن يقلل بشكل كبير من قيمة الصناديق الخاصة بالدولار، وبالتالي فمن المرجَّح أن يكون إعفاء المؤسسة العسكرية من تقديم مساهمات مماثلة قد أدى فقط إلى تعويض جزء من الخسارة فحسب.

يسمح التشريع الساري منذ عام 1984 على الأقل بالاقتراض العسكري من البنوك والشركات والهيئات الأخرى، بما في ذلك هيئات أجنبية، وبإقراض الشركات. ويقدّر المحلل الاقتصادي عبد الفتاح برايز أن وزارة الدفاع لم تحصل في الواقع على قروض من هذا النوع حتى نهاية العام 2015، ولم تتنافس مع القطاع الخاص في الحصول على قروض. ولكن هذا بدأ يتغير، كما يُستدل من استملاك الهيئات العسكرية لشركات الصلب منذ ذلك الوقت. كما استثمرت وزارة الدفاع رأس المال من كيانات حكومية في مشاريع تديرها الوزارة، ومن الأمثلة المهمة على ذلك الاستثمار من قبل الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي والمعاشات التقاعدية في خطة توشكى لاستصلاح الأراضي التي تديرها وزارة الدفاع.

ومن المعروف أيضًا أن الشركات التي تمتلك المؤسسة العسكرية حصة تجارية فيها استفادت من الوصول التفضيلي إلى القروض. وفي بحث لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تشير شانا مارشال إلى مثال شركة تابعة لشركة "ثروة للبترول" التي تملك فيها وزارة الدفاع حصة مباشرة والتي تمكَّنت من اقتراض 20 مليون دولار من البنك الوطني المصري في عام 2014: فبعد أن كانت الشركة التابعة تقوم بأعمال تجارية صغيرة فحسب مع الدولة سابقًا، فقد فازت بسرعة بامتيازيْن رئيسيْن. ولعل الرغبة في الحفاظ على الدعم المصرفي لشركات تملكها الدولة وذات الأداء الضعيف، بما في ذلك الشركات ذات الروابط العسكرية، قد تساعد في توضيح معارضة وزير الدفاع عندها طنطاوي للخصخصة المقترحة لبنك القاهرة في عام 2004. ولا تزال هذه مشكلة، كما أظهرت حالة الشركة الوطنية للنقل البحري، وهي إحدى الشركات التابعة لوزارة الدفاع، والتي تم اكتشاف أنّها راكمت ديونًا كبيرة في السنوات التي امتدّت حتى عام 2016.

محاسبة بدون تدقيق

يذكر المتحدثون الرسميون باسم القوات المسلحة وكبار مسؤولي الصناعة الحربية بانتظام أن الشركات العسكرية "سواء كانت زراعية أو خدمية أو صناعية أو غير ذلك، تخضع للضرائب والمراقبة من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات، مثل أي شركة أخرى في مصر". ولكن أحمد السيد النجار، الذي كان في حينه اقتصاديًّا كبيرًا في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية المملوك للدولة، أجاب بدون مواربة أن هذه المزاعم "تتعارض تمامًا مع الحقيقة". وأضاف إلى ذلك أيضًا أن النتيجة المنطقية لقيام كل وزارة حكومية بإدارة أنشطتها الاقتصادية الخاصة هو تفكيك الدولة وإيقاع ظلم بالشعب المصري.

كان ذلك في عام 2012، لكن لم يتغير الكثير منذ ذلك الحين. بشكل عام، يرتكب مسؤولو قطاع الدفاع خلط الحسابات (أي تتبّع التدفقات الداخلة والخارجة من الأموال وموازنة القوائم المالية في نهاية كل فترة محاسبية مع التدقيق – أيّ التحقق الأكثر تطلبًا من البيانات المالية لأغراض تحديد مجالات المخاطر المالية وتقييم الضوابط والعمليات وتدفقات المعلومات، وبالتالي الكفاءة الشاملة للإدارة وغيرها من النظم. فيتم إجراء الحسابات داخليًّا، في حين يتم بالعادة إجراء التدقيق بواسطة جهات خارج الهيئات قيد التحقيق ومستقلة عنها، ولكن ليس هذا هو الحال في المؤسسة العسكرية المصرية.

تمسك الهيئات العسكرية حسب الأصول دفاترها المالية - كما تفعل وزارة الدفاع مع القوات المسلحة وهيئات تابعة أخرى- لكن لا يبدو أنها تخضع لِما يمكن اعتباره تدقيقًا كاملًا. وإنه من المُستَبعد أكثر كذلك أن يقوم الجهاز المركزي للمحاسبات، أو أي هيئة حكومية أخرى متخصصة، بأي دور لجهة تقييم قدرة الهيئات العسكرية التي تقوم بنشاطات اقتصادية على تحقيق أهدافها الأدائية، وحل المشكلات، وتغيير العمليات أو إعادة تصميمها لتحسين النتائج. وما يخلق المزيد من العرقلة أمام إجراء تقييم أكثر فعالية للأداء هو غياب الشفافية ربطًا بما إذا كانت الشركات التي تم الاستحواذ عليها أو تأسيسها مؤخرًا تعتبر أصولًا أم نفقات في الكشوفات العسكرية، وما إذا كانت هذه الأخيرة تُظهر المستحقات على أنها ديون أو على أنها مستحقات متأخرة، والتي يمكن ترحيلها من سنة مالية إلى أخرى. يبدو أن هذه هي طريقة المحاسبة لدى شركات وزارة الإنتاج الحربي، على الأقل، ما يساعد على تفسير تكبدها الخسائر التراكمية الكبيرة. كما أن تأجيل الدفع للمقاولين المدنيين لأجل غير مسمى هو أيضًا وسيلة لإظهار المشاريع التي تديرها الهيئات العسكرية على أنها ناجعة ومربحة، كما أظهرت قضية شركة "أملاك للمقاولات" في أغسطس/آب 2019، والتي ادعى مالكها أنها تستحق 225 مليون جنيه مصري مقابل أعمال بناء قامت بها لصالح وزارة الدفاع.

تمسك الهيئات العسكرية حسب الأصول دفاترها المالية لكنه لا يبدو أنها تخضع لِما يمكن اعتباره تدقيق كامل.

يبدو أن وزارة الدفاع قد أدارت حسابات جميع الهيئات التابعة لها حتى مطلع القرن الحالي تقريبًا. ولكن مع تسارع المشاركة العسكرية في الاقتصاد المدني آنذاك، فقد جرى إنشاء مكتب خاص لوزارة المالية في وزارة الدفاع لمراجعة دفاتر الشركات والهيئات التابعة للوزارة وللقوات المسلحة المنخرطة في مجال الإنتاج غير الحربي والأشغال العامة. ولكن، وفقًا لمصدر مطّلع، فإن المكتب الخاص يبلّغ ببساطة عن إجمالي النفقات والإيرادات، ما يشير إلى أن مهمته الرئيسة هي بالأحرى موازنة الدفاتر وليس إجراء عمليات تدقيق تفصيلية. أيّد هذا التفسير سمير رضوان، وزير المالية المؤقت في عام 2011، الذي اشتكى من أن وزارته ليس في مستطاعها أكثر من تتبع مخصصات الأموال العامة للهيئات الحكومية والإبلاغ عن الإنفاق الفعلي، لكنها تفتقر إلى التفاصيل ولا يمكنها تقييم ذلك الإنفاق. والهيئات المتعلقة بالدفاع تخضع لرقابة أقل حتى من ذلك.

وبالمثل، قد تقوم وزارة الإنتاج الحربي بمسك الدفاتر من خلال قسم المحاسبة الخاص بها، ولكن حقيقة أن رئيس هيئة الشؤون المالية في وزارة الدفاع يحتل مقعدًا في مجلس إدارة الهيئة القومية للإنتاج الحربي التي تتبع الوزارة، تشير إلى أن ميزانية الهيئة القومية وعملياتها المالية قد تخضع أيضًا للمراجعة من قبل نفس مكتب وزارة المالية في وزارة الدفاع. لكن رئيس "قطاع الموازنة العامة للدولة" في وزارة المالية، وهو لواء متقاعد من القوات المسلحة، هو أيضًا عضو في مجلس الإدارة، ما يشير إلى مستوى إضافي من الانخراط. وفي أي حال، هذا على ما يبدو، مكّن وزير الإنتاج الحربي اللواء محمد العصّار من الادّعاء أنّ ميزانية وزارته تخضع للتدقيق "تحت إشراف وزارة المالية". (وفي مقابل ذلك، فإن الهيئة العربية للتصنيع لا تأتي رسميًّا ضمن نطاق أي هيئة تدقيق، كونها تحتفظ بمكانة منظمة دولية وبالتالي لا تحكمها إلا لوائحها الداخلية، مع أنها قد تسمح بعمليات تفتيش من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات على أساس اختياري ).

مهما كانت مزايا أو عيوب نمط المحاسبة هذا، فإنه لا يرقى إلى مستوى التدقيق، ناهيك عن التدقيق المستقل. يدّعي مسؤولو الدفاع خلاف ذلك. على سبيل المثال، في آذار/مارس 2012، صرح مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية اللواء نصر "أننا نخضع للجهاز المركزي للمحاسبات... الذي يوفد مئات اللجان الرقابية سنويًّا". وقدّم مصدر عسكري لم يكشف عن اسمه وضوحًا أشمل في عام 2015 بقوله إن الجهاز المركزي للمحاسبات قد راجع الأنشطة الاقتصادية العسكرية المتعلقة بتوفير "الخدمات العامة" على وجه التحديد، وذلك ما أكّده العصّار لاحقًا، وأضاف أن شركات وزارة الإنتاج الحربي دفعت الضرائب، ورسوم الجمارك، ومساهمات التأمين الاجتماعي عن إنتاجها للأسواق المدنية. ليس واضحاً كيف يتم التحقق من التمايز بين مجالي الإنتاج العسكري والمدني في الوزارة أو الحفاظ عليه، على فرض أنه يتم الالتزام بالتمايز أصلاً. وبالمثل، فإنه من المرجح أن تستفيد المعدات والمواد التي تمّ الحصول عليها للإنتاج من الحيز الواسع من الإعفاءات الضريبية والجمركية التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية، بغض النظر عما إذا كان استعمالها النهائي عسكريًّا أو مدنيًّا.

يبدو أن هذا التمايز سمح للجهاز المركزي للمحاسبات، الذي لا يتمتع بسلطة على الجهات المرتبطة بالدفاع، بنافذة محدودة على الاقتصاد العسكري الرسمي. وفي حديث له في أوائل عام 2014، أعطى رئيس الجهاز هشام جنينة الشركات العسكرية "شهادة السلامة الصحية". لكن دعوته بعد ذلك بعامين إلى "ثورة تشريعية" لتمكين هيئات التدقيق الحكومية جعلته في صراع مع السيسي، فقامت لجنة عيّنها السيسي للتحقيق في أقوال جنينة باتهامه باستخدام "بيانات غير صحيحة وغير دقيقة، وتعريض السلام العام للخطر وإضعاف احترام الدولة والثقة في مؤسساتها"، وتم عزل جنينة من منصبه في آذار/ مارس 2016.

توظيف التدقيق كسلاح

منذ ذلك الحين، جرى حجب الجهاز المركزي للمحاسبات بشكل كامل من قبل هيئة الرقابة الإدارية التي كان رئيسها الضابط السابق في القوات المسلحة اللواء محمد عرفان جمال الدين، الذي قاد التحقيق مع جنينة. إن صلاحية هيئة الرقابة الإدارية، التي أسسها الرئيس آنذاك جمال عبد الناصر في عام 1958 ورفع مستواها في القانون 54 لعام 1964، هي مكافحة الفساد في أي هيئة حكومية أو شركة خاصة تعمل في الأشغال العامة. من الزمن، استبعد نطاق اختصاصها قطاع الدفاع بشكل فعلي، لكن في عام 2017، صدق السيسي على القانون المعدل 207 الذي جعل هذا الاستبعاد رسميًّا من خلال قصر نطاق الهيئة على وجه التحديد على الهيئات المدنية. أزال هذا الإجراء آخر ادعاء متبقٍّ بأن أي هيئة مرتبطة بالدفاع(فيما عدا شركاتها في القطاع العام) تخضع لمراجعة خارجية للحسابات من قبل أي هيئة حكومية.

وبفضل صلاحياتها في التحقيق القضائي، فإن هيئة الرقابة الإدارية هي أقوى هيئة تدقيق في مصر، وقد استخدمها الرؤساء المتعاقبون لمعاقبة المعارضين وضبط الموالين. وبالمثل، استخدم السيسي الهيئة لتكون، كما أسماه صحافي مصري، "ذراعه الضاربة"، تأكيدًا لالتزامه العلني بالقضاء على الفساد مع ضمان الطاعة. وفي نيسان/أبريل 2015، قام السيسي بإقالة اللواء محمد عمر وهبي هيبة بعد مرور عامين ونصف العام على ترؤسه الهيئة فقط (بدلاً من السنوات الأربع المعتادة)، ليحل مكانه عرفان، زميل السيسي خريج الكلية الحربية في عام 1977.

ترأس هيئة الرقابة الإدارية ضباط مُعارين من القوات المسلحة على الدوام، وهم يقودون أيضًا العديد من أقسامها العملياتية وفروعها المناطقية وعددها 29. وكان القانون 112 لعام 1983 يعكس مدى هذا الاختراق من خلال إنشاء جدول لتحويل جميع الرتب العسكرية إلى الدرجات الإدارية المدنية المعادلة لها، وتحمّل رواتب وبدلات وأقدمية ضباط القوات المسلحة الذين تم نقلهم إلى الهيئة. وحسب وصف المحقق السابق في الهيئة، معتصم فتحي، في عام 2014، فإن هيئة الرقابة الإدارية "أقرب إلى جهاز مخابرات، حيث تأتي الغالبية الساحقة من ضباطها من الجيش والشرطة ويتمتعون بصلاحيات واسعة في إجراء التحقيقات والتفتيش والمراقبة". وهذا يجعل هيئة تفتيش القوات المسلحة هي الجهة الوحيدة المخولة بالتحقيق في الفساد في داخل القوات المسلحة، ويُنظر في القضايا على وجه الحصر من قبل المحكمة العسكرية، ما يضمن عدم دخولها إلى نظام العدالة المدنية حتى في تهم غير عسكرية.

منذ توليه الرئاسة، رسّخ السيسي هيئة الرقابة الإدارية كأداة للسلطة الرئاسية. وفي عام 2015، حددها المرسوم الصادر عن رئيس الوزراء باعتبارها "من الهيئات التي تقتضي اعتبارات الأمن القومي سرية تعاقداتها". وفي تشرين الأول/أكتوبر 2017، وافق البرلمان على إنهاء استقلالية الهيئة من خلال تمكين رئيس الجمهورية من تعيين وتسريح رئيسها، ومنح رئيس الهيئة رتبة ومزايا وزير، وأعفاها من أحكام قانون التأمين الاجتماعي الذي يقصر الأجر الداخل في حساب المعاش التقاعدي على 80 في المئة من الراتب الأساسي النهائي (وبالتالي رفع الحد الأقصى المسموح به إلى 100 في المئة).

وبشكل مواز، علت صورة هيئة الرقابة الإدارية. فقام عرفان، الذي تم تجديد ولايته لمدة أربع سنوات أخرى في 31 آذار/مارس 2017، بتوسيع محفظة أعماله من خلال زيارة مشاريع البنية التحتية والتحدّث عن التنمية الاقتصادية الوطنية. في غضون ذلك، فاز المقدّم مصطفى السيسي، الابن الثاني للرئيس الذي تم نقله من القوات المسلحة إلى هيئة الرقابة الإدارية بعد أن تولى والده الرئاسة، بدعاية غير عادية لمسؤول من رتبة متوسطة إذ نُسب الفضل إليه في تقديم عدة قضايا بارزة. وقامت وسائل الإعلام الموالية للحكومة بتلميع صورته، واحتفلت به باعتباره "حامل الشعلة" و"الرجل القوي" الذي وجه "ضربة مؤلمة إلى مافيا الفساد في مصر"، ما يشير إلى أنه يجري إعداده لرئاسة السلطة في نهاية المطاف. بدا موقف عرفان آمنًا بعد أن كلف الرئيس هيئة الرقابة الإدارية بحل نزاعات ضريبية بقيمة 900 مليار جنيه في تموز/يوليو 2018، لكن عزله المفاجئ بعد شهر واحد فقط أعطى وزنا للتنبؤات بالصعود السريع لمصطفى السيسي.

من الواضح أن الرئيس السيسي قد استخدم هيئة الرقابة الإدارية ليتبرّأ من شبكات فاسدة ويلمّع مصداقيته، لكنه يواصل استخدامها بشكل انتقائي، ولم يتعامل مع السلطات الاستنسابية والضبابية التي تُمكّن الفساد المنهجي المنظم في مصر. ربما أدى انخراط الهيئة في مراجعة المناقصات والمزايدات الخاصة بالأشغال العامة التي تديرها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة منذ نهاية عام 2015 إلى تدقيق أكثر صرامة في شروط مرجعية العقود الممنوحة للشركات الخاصة، لكنها لا تشكل تدقيقًا ذا معنى في التمويل والنشاطات الاقتصادية العسكرية. بل في الواقع، قد يشكل تزامل هيئة الرقابة الإدارية مع الهيئة الهندسية وسيلة للالتفاف على القواعد والنظم الحكومية، التي تشكل مصدر إزعاج للسيسي، وهو الذي وبّخ جهاز الدولة الإداري صراحة في 2015 واصفاً إياه "عقبة أمام تقدم مصر". أسوة بذلك، فقد انتقد بشدة دراسات الجدوى، إذ صرّح بعد مضيّ ثلاث سنوات على توبيخه إياه أنه "في تقديري، إذا كنت مشيت فيها [أيّ اتبعتها] وأخذتها العامل الحاسم في حل المسائل في مصر، أنا أتصور أننا كنا سنحقق فقط 20-25 في المئة مما حققناه".

وعلى حد تعبير مُفشي الخبايا عبد الخالق فاروق، يظل قطاع الأمن الأوسع في مصر (الدفاع والداخلية والعدالة) يتميز "بطابع الغموض وانعدام الشفافية "تحت ذرائع ودعاوى "اعتبارات الأمن القومي" ما سمح بتوسع "سرطاني" من الناحيتين التنظيمية الإدارية والمالية الاقتصادية، وهذا أدى إلى إضفاء طبيعة أخطبوطية وخرائط إدارية جينية غير مفهومة.

تخلي البرلمان عن واجبه

إن عجز مجلس الشعب عن ممارسة الرقابة على ميزانية الدفاع أو أي جانب آخر من جوانب شؤون الدفاع (وعدم رغبته في ذلك) يؤكد غياب مساءلة المؤسسة العسكرية أمام السلطات المدنية، ليس إلا. لعقود من الزمن، كان يُسمح للبرلمانيين بالموافقة على ميزانية الدفاع كبند من سطر واحد، دون الحصول على بيان تفصيلي. بعد إطاحة مبارك سعى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى تقليص حتى هذا الحد الأدنى من الصلاحيات البرلمانية، من خلال إصدار إعلان دستوري في حزيران/يونيو 2012 يطالب بتقديم ميزانية الدفاع إلى مجلس الدفاع الوطني فقط (الميِّت سريريّاً منذ تأسيسه بموجب دستور عام 1971). جرى التأكيد على هذا التقييد في الدستوريْن المنقحيْن اللذين تم تمريرهما عن طريق الاستفتاء تحت إدارتي مرسي ومنصور في عامي 2012 و2014. وقام السيسي من حين إلى آخر بعقد اجتماع للمجلس منذ توليه الرئاسة وأنشأ أمانة عامة مقرها في وزارة الدفاع لجعل أعماله روتينية في تموز/يوليو 2014، ولكن ليس من الواضح أن المجلس قد راجع ميزانية الدفاع قط.

إن عجز مجلس الشعب عن ممارسة الرقابة على ميزانية الدفاع أو أي جانب آخر من جوانب شؤون الدفاع (وعدم رغبته في ذلك) يؤكد غياب المساءلة للمؤسسة العسكرية أمام السلطات المدنية، ليس إلا.

على أي حال، كانت المعارضة نادرة في مجلس الشعب الخانع سياسيًّا. وحقيقة أن المحاولة التي قام بها النائب علوي حافظ لكشف الفساد في المشتريات الدفاعية في عام 1988 لا تزال تُذكر اليوم، توضح بحد ذاتها كم كانت محاولته استثنائية. وقد أدت جهوده أخيرًا إلى استجواب في عام 1990، ولكن حتى هذا الاستجواب جرى شطبه لاحقًا من السجل البرلماني. وبعد عشرين عامًا، فإن أيمن نور، العضو السابق في البرلمان الذي خاض الانتخابات الرئاسية عام 2005 ضد مبارك دون نجاح، استفاد من ثورة عام 2011 لمعارضة مسودة "وثيقة المبادئ" فوق الدستورية التي اقترحها المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم. فبحجة أن هذا يجعل "الوطن هبة للجيش"، رفض العودة لزمن "المناطق السوداء" فى الموازنة العامة، حيث لا رقابة ولا مراجعة ولا حساب". كما طالب أيضًا بـأن "تختص لجنة برلمانية بعينها بمناقشة "الجزء العسكري"، فى موازنة القوات المسلحة"، بما في ذلك "النفقات الخاصة بالتسليح، والصناعات الحربية، وما يدور فى هذا الإطار من نفقات، بعيداً عن الشركات الربحية، ومصانع الإسمنت والسيارات والغسالات وشركات المياه المعدنية، ومشاريع الخدمة الوطنية، وغيرها مما ينبغى أن يخضع للقواعد العامة دون غيرها". وأضاف نور محذرًا من أن "يتحول الجيش إلى دولة داخل الدولة، ويصبح هناك وطن للجيش بدلاً من أن يكون لدينا جيش للوطن".

تصدّت المؤسسة العسكرية لذلك. ففي آذار/مارس 2012، أصر مساعد وزير الدفاع وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة اللواء مختار الملا على أن ميزانية الدفاع ستظل معفية من الرقابة البرلمانية. وبعد شهر، قال مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة اللواء ممدوح شاهين إن ميزانية الدفاع "في الفترة الماضية، كانت خاضعة لقوانين معينة ليست مذكورة في الدستور". وعلّق على اقتراح تعديلات دستورية تعفي مجال الدفاع من المنقاشة في البرلمان، بأنّ "هذا بكل بساطة تأكيد واقع كان قائمًا لفترة طويلة. ما هي المشكلة في ذلك..؟" كما قام زميلهما اللواء محمود نصر، مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية، بالتباهي علنًا بعد مرور عام على أنه عرقل الجهود التي بذلها الإخوان المسلمون والإسلاميون المتحالفون مع حزب النور لإخضاع ميزانية الدفاع (وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية) للتدقيق البرلماني.

على الرغم من هذه الاعتراضات، جرى تقديم بعض التفصيل العام للغاية لميزانية الدفاع في سابقة هي الأولى من نوعها إلى مجلس الشورى في نيسان/أبريل 2013. وكان هذا قبل ثلاثة أشهر من حل المجلس بأمر من المحكمة خلال الفترة الوجيزة من إدارة مرسي. لكن الاستثناء لم يفعل إلا تثبيت القاعدة. ففي نيسان/أبريل 2012، وافق البرلمان الذي تهيمن عليه جماعة الإخوان المسلمين على المرسوم الذي أصدره رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة طنطاوي في أيار/مايو 2011، والذي خوّل وزارة الدفاع أن تقرر في ما يتوجب لناحية مقاضاة ضباط القوات المسلحة المتهمين بالمكاسب غير المشروعة في المحاكم المدنية أو العسكرية. وفي تشرين الأول/أكتوبر2017، وافق البرلمان على مشروع القانون 207 الذي يقصر بشكل صريح التدقيق من قبل هيئة الرقابة الإدارية على الهيئات المدنية وحدها، ما وضع الهيئات العسكرية خارج صلاحيتها بشكل قانوني للمرة الأولى على الإطلاق.

أصبح مجلس الشعب الخنوع تاريخيًّا متواطئًا بشكل علني مع المؤسسة العسكرية. ولقد حصل ضباط متقاعدون من القوات المسلحة أو الشرطة أو الأمن على 84 مقعدًا برلمانيًّا في انتخابات عام 2015، انضم ما لا يقل عن 17 منهم إلى لجنة الدفاع والأمن القومي. وقد ضمن هذا الحضور تأييدًا معلنًا للهيئات الاقتصادية العسكرية في مجلس الشعب، علمًا أن هذا الدعم لم يكن موضع شك قط في يوم من الأيام. وعند سؤالهم في تشرين الأول/أكتوبر 2016، مثلًا، عن ولوج وزارة الإنتاج الحربي مجال التصنيع الطبي، أشاد العديد من النواب بهذا الأمر باعتباره "ضمانًا للجودة". ودعا نائب آخر وزارة الدفاع إلى الإشراف على القطاع الصحي في مصر بالكامل، بحجة أن "أي حاجة فيها الجيش أضمن نجاحها 100%"، مؤكّدًا أنّه "لو الجيش أشرف على قطاع الصحة هيطلع فساد بنسبة 90%" [في القطاع الحالي]. كما أضاف، للمزيد من التأكيد، أنّه "لو الجيش مسك البلد هنبقى زي أوروبا خلال سنة من دلوقت [الآن]". ونائبٌ آخر كان قد أقرّ أن استخدام المجندين للعمل في الشركات العسكرية منحها ميزة تنافسية على القطاع الخاص قد أيّد، مع ذلك، أيّد توسّع الشركات العسكرية المستمر على أساس أنها تملأ "فراغًا اقتصاديًّا لتوفير السلع التي لا تستطيع الدولة توفيرها".

وقد أظهرت مشادة في أثناء نقاش في 25 تموز/يوليو 2016 علاقة البرلمان بالمؤسسة العسكرية بوضوح. المطروح كان اقتراح لزيادة المعاشات العسكرية التقاعدية التي يتم تحميلها للميزانية العامة. ففي كلمته أمام ممثل وزارة الدفاع الذي حضر الجلسة، اعترض رئيس اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان (وابن شقيق الرئيس الراحل) محمد أنور السادات معتبرًا "أننا مش مطلعين على المرتب الأساسى ولا نظام الأجور وده اللي مش مخلينا عارفين نطلب زيادة". وأضاف السادات أن المشكلة هي عدم معرفة الأجور ومعاشات التقاعد الممنوحة من الموازنة (العامة) إلى الضباط الذين "يتقلدون الآن مناصب مدنية سواء وزراء أو محافظين أو رؤساء مدن أو هيئات أو شركات". هنا أسكت رئيس مجلس النواب السادات بالقوة، وقد جُرّد هذا الأخير من مقعده البرلماني بعد بضعة أشهر من هذه الحادثة. وأثار رئيس مجلس النواب ذاته موجة استنكار عالمية وجيزة في تشرين الأول/أكتوبر 2019 بعدما شبّه طموح السيسي التنموي بطموح ألمانيا النازية، قائلاً بأن "هتلر كانت له أخطاؤه، ولكن ما سمح له بالتمدد شرقًا وغرباً، هو أنه وضع بنية تحتية قوية".

إنّ التخلي البرلماني يمكّن الاقتصاد العسكري بطرق مهمة. على سبيل المثال، حكمت لجنة الخطة والموازنة بأنها لا تستطيع مراجعة ميزانيات مشاريع عملاقة تُديرها الهيئات العسكرية. وأخبر عضو مجلس النواب ياسر عمر الصحافية الاستقصائية بيسان كساب "أن ما ينطبق على موازنة القوات المسلحة من قواعد ينطبق على موازنة شركة العاصمة الإدارية". وقد برّر هذه الحالة تحديداً على أساس أنها "لا تأخذ مليمًا واحدًا من موازنة الدولة"، وهو أمر مغلوط لأن الحكومة قدمت بعض التمويل الأولي، كما أنه أمر مضلِّل لأن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وهيئات مدنية أخرى ضالعة تتلقى في الواقع تمويلًا عامًّا رسميًّا، وإن كان ذلك بموجب ميزانية الهيئات العامة المنفصلة عن ميزانية الدولة. وكان مسؤولون آخرون، من ضمنهم السيسي والناطق بإسم الشركة التي تدير مشروع العاصمة الإدارية، قد أضافوا التبريرات الأخرى التي تفيد بأن تطويرها قد مُوِّل فقط من عائدات مبيعات الأراضي. وكان مجلس النواب قد سمح ضمنيًّا بهذا النقل الشامل لحقوق الانتفاع على أراضي الدولة وأصولها والعائدات منها إلى جهات مؤسساتية فاعلة تحظى بإمتيازات. كما أنها امتنعت عن طلب توضيحات حينما اعترف السيسي باستخدام المال العام لبناء قصور رئاسية متعددة في نواحي البلاد في أيلول/سبتمبر 2019 وتعهد ببناء أخرى، مدعيًا "بأن هذه ليست لي. لا شيء لأجلي.. هذه من أجل مصر".

أجور الإفلات من العقاب

لقد غرست القوات المسلحة بدأب صورة من النزاهة والاستقامة المالية، وبنجاح غالبًا كما يؤكد تملّق أعضاء البرلمان المذكور أعلاه. يتناقض هذا مع التصور السائد بأن الفساد يتفشى لدى نظيراتها المدنية، سواء في القطاع الخاص أو العام، وهذا التصور يُروّج له العسكريون بشكل نشيط ولكن غير رسمي ولكن نشيط. كانت أمور مثل سوء إدارة أصول الدولة والموارد الوطنية، والفساد الصريح، هي من السمات البنيوية للاقتصاد المصري منذ قيام القوات المسلحة بتأسيس الجمهورية، ولم يكن شذوذًا. وبإعادة صياغة تقييم المحلل توم دي وال للفساد في أوكرانيا، فإن المشكلة ليست في أن الدولة التي تعمل بشكل جيد قد تعرضت لعَيب بسبب بعض الممارسات غير القانونية، بل هي في أن تلك الممارسات الفاسدة تشكّل القواعد التي تدار بها الدولة. لكن الفكرة القائلة إن المؤسسة العسكرية تمكَّنت من البقاء مَعقلًا للنزاهة وسط بحر من الفساد لعقود من الزمن ليست مقنعة ولا تؤكدها الحقائق. بل إن الأدلة السردية والروايات الداخلية وانكشاف الفضائح من الأنواع المذكورة أدناه تشير إلى فساد نمطي وواسع النطاق، على الأقل داخل تلك الأجزاء من قطاع الدفاع المعنية بالمشتريات والتموين، وترخيص الأعمال من جميع الأنواع والمقاولات والخدمات العامة.

لقد حدّد السيسي في العلن، مرارًا وتكرارًا، الفساد على أنه يشكل تحديًا كبيرًا، مشيرًا إلى أن مكافحته تتطلب وقتًا وجهدًا كبيريْن. وقد أدرك علاوةً على ذلك أن هذا يؤثر على مؤسسات الدولة الكبرى. على سبيل المثال، فهو اعترف لمسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية استشهد به الصحافي بيتر هِيسلر بأنه غير قادر على معالجة الفساد في الشرطة لأنها "مافيا من مليون رجل". لكن مسؤولًا أميركيًّا آخر رفيع المستوى، عمل سابقًا في إدارة العلاقة الرسمية الثنائية مع وزارة الدفاع المصرية، يقول إن هذا الأمر يعمل أيضًا لصالح السيسي، إذ إنه "كمدير سابق للمخابرات الحربية، على دراية تامة بالاقتصاد العسكري بكل أبعاده. . . [و] يعرف مكان دفن الجثث المجازية". ووفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، فإن خطر الفساد ازداد سوءًا في الواقع منذ توليه الرئاسة: سجلت مصر باستمرار بين 32/100 و37/100 على مؤشر إدراك الفساد الشامل لعامي 2014 و2018، ما يضعها في حيز الأداء الضعيف من المؤشر.

واللواء مايكل كولينغز، الذي شغل منصب كبير ممثلي الدفاع للولايات المتحدة لدى مصر ورئيس مكتب التعاون العسكري في القاهرة من عام 2006 إلى عام 2008، قال في وقت لاحق لصحيفة نيويورك تايمز إن الفساد أصبح مستوطنًا في هيئة كبار ضباط القوات المسلحة. وأكد أن "مَبلغًا لا بأس به" من دخل الأعمال العسكرية الرسمية "يعود إلى كبار الضباط المسؤولين عن هذه المصانع المعينة". وكشف كولينغز أيضًا أنه وفقًا لنظرائه في القوات المسلحة الذين التقى بهم عندما كان يعمل في مصر، كان مبارك يصرف دفعات نقدية لقادة صنوف القوات المسلحة الأربعة، وهو ادّعاء أكدّه بشكل منفصل لصحيفة نيويورك تايمز ضابط متقاعد رفيع المستوى من القوات المسلحة المصرية. يمتد النمط تنازليًّا من أعلى الهرم القيادي إلى أسفل، إذ يقال إن المجندين المقتدرين يدفعون رشاوى مقابل تعيينهم في الوحدات أو المواقع التي يفضلون، وقد وصلت الرشوة إلى 15000 جنيه مصري في عام 2015 (2000 دولار عندها).

تتعزز الحصانة القانونية أكثر بفضل الحظر الرسمي المفروض على إفشاء المعلومات العسكرية، بدءًا بالقانون 313 لعام 1956 واستمرارًا في تشريعات أكثر عمومية مثل المرسوم الرئاسي 35 لعام 1960 بشأن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وقانون المحفوظات والمخابرات الوطني رقم 100 لعام 1971. واستنتج المؤشر الدولي لمكافحة الفساد في قطاع الدفاع الحكومي التابع لمنظمة الشفافية الدولية أن الإجراءات والآليات المعمول بها لمنع الفساد تضع مصر في المرتبة الأولى بين البلدان التي يكون فيها خطر الفساد في قطاع الدفاع "حرجًا" في كل فئة يجري قياسها.

وتكشف روايات داخلية أن هذه المخاطر حقيقية، وليست عرضية. على سبيل المثال، يوجد نمط ثابت في الإدارة المالية لوزارة الدفاع حيث توافق على فواتير معروف بأنها مغشوشة، في حين أن مسؤولي المشتريات يطلبون رشاوى بشكل روتيني لمنح العقود. كما تبين أدلة متناقلة ازدياد مبالغ الرشوة بشكل حاد منذ استيلاء القوات المسلحة على السلطة عام 2013، ما يعكس وضعها السياسي المعزّز. بالفعل، إن الموانع المرتبطة بمفاهيم الشرعية قد ضعفت أكثر، ما أدى إلى ما يمكن أن يطلق عليه "ريادة الأعمال" الجشعة: أي زيادة الإدراك بفرص توليد الدخل الإضافي والجسارة في انتزاعه من الجهات المدنية. وأهم مثال على ذلك هو التدخل العسكري في تشغيل شركة الاستثمار الحكومية التي توفر رأس مال أوليًّا للشركات الناشئة، وإرغامها على انتداب الضباط الى عضوية مجالس إداراتها أو المطالبة بحصة من أسهمها (تصل إلى 20 في المئة) في مقابل الموافقة على التمويل.

هنالك أدلة تراكمية كبيرة عن هذه الممارسات، وهي تعود إلى عدة عقود مضت. وقد لاحظ العالم السياسي جون واتربري في أوائل ثمانينيات القرن الماضي أن "كبار ضباط القوات المسلحة المصرية يستغلون نفوذهم، ويتقاضون عمولات على كل شيء من صادرات الحمضيات إلى مشتريات الأسلحة، وقد استحوذوا على ممتلكات وإيرادات من خلال تخصيص أو إدارة الممتلكات المُصادرة". كما أكد زميله العالم السياسي والخبير في شؤون مصر روبرت سبرينغبورغ التقارير الواردة من المتعاقدين الأجانب العاملين في مصر والتي تفيد بأن ممارسات مربحة مماثلة تركزت في تلك الحقبة على الموانئ الرئيسة لجهة تأجير الأرصفة، وإصدار أذونات تفريغ البضائع، وتقديم طلبات تعويض زائفة عن تأمين سلع تالفة. وبعد ثلاثين عامًا كان ضباط القوات المسلحة لا يزالون يضيفون إلى دخلهم من خلال تحصيل الرسوم نقدًا مقابل تقديم الخدمات الروتينية التي يسيطرون عليها مثل المرور عبر قناة السويس، وذلك وفقًا لدبلوماسيين أجانب قابلهم الصحافي ماثيو أكسلرود في عام 2011. وفي آذار/مارس 2014، اشتكى علنًا تاجر خاص يستورد أجهزة استقبال الأقمار الصناعية، من اضطراره حديثاً إلى دفع آلاف الدولارات رشاوى للضباط العسكريين الذين يعملون مع هيئة قناة السويس نظير إطلاق شحناته. وكانت السفن التي تمر عبر قناة السويس مضطرة بشكل روتيني إلى استئجار طواقم محلية لتسهيل عبورها، بالإضافة إلى دفع رشاوى وإكراميات أصغر.

يحصل استخراج الدخل غير المشروع حينما تتحكم الهيئات العسكرية بأدوات الوصول المادي أو التنظيمي إلى موارد أو قطاعات محددة. يؤكد رجال الأعمال أنه قد طُلب منهم بانتظام التبرع لصناديق وزارة الدفاع مقابل الحصول على رخص لتسجيل أراضٍ أو تغيير وجهات استخدامها منذ عام 2001، أو دفع رشاوى مباشرة. إلى ذلك، غالبًا ما يتم تقديم الطلبات المتعلقة باستخدام الأراضي إلى قادة القوات المسلحة المحليين بدلاً من إدارة وزارة الدفاع المفوضة بذلك، ناهيك عن وزارات التنمية المحلية أو التجارة والصناعة أو المالية، التي يشكّل كل منها المرجع الأكثر بديهية، الأمر الذي يخلق فرصًا لطلب الرشاوى، ولاسيما من الشركات الصغيرة. لكن القطاع العام والهيئات الحكومية ليست أقل تضرراً؛ فيؤكد مطّلعون من الداخل أن وزارة الإسكان، على سبيل المثال، دفعت رشاوى تصل إلى ملايين الجنيهات بشكل روتيني لموظفي وزارة الدفاع مقابل الموافقة على طلبات استخدام أراضٍ لمشروعات يمولها القطاع العام.

توفر السيطرة على الحدود فرصًا أخرى مربحة. ومنذ عام 2014 على وجه الخصوص، يقال إن محاصيل المَزارع العسكرية في واحات الفرافرة والبحرية التي كانت تُباع للجهات الحكومية أصبحت تُباع في الأسواق السوداء الليبية. تقوم العشائر المحلية بتسيير قوافل كبيرة من البضائع في الاتجاهين عبر الحدود بمعرفة القوات المسلحة، ويتبلغ الجنود الذين يخدمون في المنطقة من قبل قادتهم عن أي قافلة ينبغي اعتراضها وأيها يجب حمايتها.

ينتشر الفساد في الاقتصاد والإدارة الأوسع نطاقًا إلى حد يجعل المسؤولين يصنفون، بشكل روتيني، محاربة الفساد كأولوية. في عام 2010، مثلًا، شدد اللواء محمد إبراهيم يوسف، رئيس الشركة القابضة للنقل البحري والبري، على هذه المعركة باعتبارها واحدة من المسؤوليات الاجتماعية الرئيسة للشركة، إلى جانب خدمة المجتمع، ضمان حقوق العمال، وحماية البيئة. لكن الكثير من عمليات الاحتيال أو سوء الإدارة المبلّغ عنها يحدث في القطاعات التي تصدّرت فيها وزارة الدفاع. على سبيل المثال، خلصت دراسة بتكليف من مجلس الوزراء في عام 2009 إلى أن خطة تنمية سيناء التي تقودها وزارة الدفاع في تحديد الأولويًّات والتنفيذ قد قصرت في تحقيق غاياتها بنسبة 70 في المئة في الزراعة، و66 في المئة في الصناعة والتعدين والنفط، و86 في المئة في المياه والصرف الصحي. وعزا محافظ شمال سيناء اللواء منير شاش هذا الفشل إلى الفساد، دون انتباه إلى سخرية الموقف.

ثمة تصور عام أنّ الحكم المحلي يشهد أعلى مستويات الفساد ضمن السلطة التنفيذية للدولة المصرية. إنه أيضًا مجال تم اختراقه بشكل كبير من قبل متقاعدي القوات المسلحة، وقد تجمّع معظم الفساد الذي جرى الكشف عنه على مدار العقد الماضي حول الموانئ والمطارات والبنية التحتية للنقل البري، وهي جميعها معاقل جمهورية الضباط. في عام 2011، وجدت هيئة الرقابة الإدارية أن هيئة ميناء بورسعيد وقطاع النقل البحري التابع لوزارة النقل كانا قد منحا سلسلة من العقود والتمديدات والشروط الحصرية لشركة قناة السويس لنقل الحاويات منذ عام 1999، ما كان سيؤدي إلى تكبّد خزينة الدولة خسائر بمبلغ 489 مليون دولار (بما في ذلك 350 مليون دولار من الأرباح المستقبلية). والمسؤولون كانوا ثلاثة لواءات متقاعدين ترأسوا هذه الهيئات في ذلك الوقت. كانت بورسعيد مرة أخرى محور تحقيق في الفساد في عام 2015، عندما اتُهم المحافظ، وهو لواء متقاعد آخر، بارتكاب صفقات استيراد مزورة.

في العام نفسه، أعلن رئيس الشركة الوطنية للملاحة البحرية، اللواء (بحري) نبيل لطفي، أن 15 عامًا من تدهور الأداء قد تركت الشركة مدينة بمبلغ 100 مليون جنيه، مع بقاء ثماني سفن فقط بحلول عام 2015 من أسطولها الأصلي الذي كان يبلغ سبعين سفينة. لم يفسّر ذلك، ولكن في سوريا، حصل استنزاف شديد مماثل لأسطول تجاري تملكه الدولة بسبب الاختلاس. وقد جرى استبدال لطفي بلواء (بحري) آخر في العام التالي، ونقلت الحكومة الشركة إلى قطاع الأعمال العام المُنشأ حديثًا. وفي شباط/فبراير 2016، حُكم على مساعد سابق لقائد سلاح البحرية ورئيس هيئة موانئ بورسعيد بالسجن لمدة خمس سنوات لقبوله رشاوى.

بالمثل، تأثر الطيران المدني، وهو من معاقل سلاح الجو كما هي قناة السويس والموانئ للبحرية. اللواء المتقاعد من سلاح الجو عاطف عبد الحميد كان يرأس شركة الصيانة والخدمات الفنية لشركة مصر للطيران ثم ترأس مصر للطيران نفسها قبل أن يصبح وزيراً للنقل (من 2011 إلى 2013)، عندما اتهمه جهاز الكسب غير المشروع وأحد نواب البرلمان بتلقي أرباح بمبلغ 4 ملايين جنيه من شركة الطيران بطريقة غير قانونية. وفي نيسان/أبريل 2015، أعرب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة، علناً كيف هاله "كم الفساد المسشري في المطار"، وألقى باللوم فيه على "شلل الفسَدة والمنتفعين". وقد أمرت هيئة الرقابة الإدارية بإقالة الرئيس الجديد للشركة القابضة لمصر للطيران بسبب انتهاكات مالية، ثم أعلنت "تنظيف" الشركة القابضة للطيران المدني بناءً على تعليمات السيسي في نهاية آب/أغسطس.

من غير المفاجئ أن يتعرض مجال التموين الغذائي المحلي للاحتيال. فقد زعمت وزارة الدفاع أنها أنتجت ما يصل إلى 60 في المئة من متطلبات القوات المسلحة من الأغذية والزي والسلع الاستهلاكية الأخرى بحلول أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأنها كانت تبيع فائض إنتاجها في الأسواق المحلية (وأسواق التصدير كما كانت تدعي) ابتداءً من أوائل العقد الأول من هذا القرن. ومع ذلك، فهي تستمر في استيراد كميات كبيرة من نفس السلع أو في شرائها من موردين محليين. وكما هو الحال مع استيراد السلع الأساسية مثل القمح والسكر والأدوية، قد يستدر موظفو المشتريات في وزارة الدفاع ووكلاؤهم التجاريون المفضلون أرباحًا كبيرة من فروق الأسعار بين الأسواق المفتوحة والإنتاج العسكري المدعوم. وبشكل لافت، جرى توقيف عدة متقاعدين عسكريين كانوا يرأسون الشركة القابضة للصناعات الغذائية أو يعملون مستشارين لوزير التموين والتجارة الداخلية في أيار/مايو 2018 بتهمة قبول رشاوى بقيمة مليوني جنيه. كما عُلم أن هيئة الرقابة الإدارية كانت تحقق في الوقت نفسه في شركات فرعية عدة تابعة للشركة.

يشكل تدوير المسؤولين سيئي السمعة من وظيفة إلى أخرى استجابة نمطية عندما لم يعد من الممكن إخفاء سوء الإدارة أو الاحتيال. لا يعكس "الباب الدوار" دائمًا الممارسات الفاسدة، لكنه يخفي بشكل روتيني الديون الناشئة عن الأداء الضعيف والاحتيال. مرة أخرى، لهذا تاريخ طويل. ففي عام 1986، على سبيل المثال، اتُهم رئيس مجلس إدارة المصنع 360 التابع لوزارة الإنتاج الحربي، باختلاس أموال وإجراء صفقات سرية مع شركات أجنبية وتقديم هدايا من ممتلكات الشركة "إلى كبار المسؤولين في مختلف قطاعات الدولة"، ما أدى إلى خسارة إجمالية قدرها 20 مليون جنيه ( 28,6 مليون دولار عندها) في غضون عامين. وزعمت شركة عسكرية أخرى، وهي شركة قادر التابعة للهيئة العربية للتصنيع، أنها طردت ضباطًا فاسدين بين عامي 1998 و2004، إلا أن مديرها حوكم هو الآخر في عام 2011 لتلقي رشاوى من شركة "مرسيدس بنز" مقابل منح الشركة عقود توريد. في عام 2012، أحالت هيئة الرقابة الإدارية الرئيس السابق للهيئة العربية للتصنيع الفريق سيد مشعل نفسه إلى المحاكمة بتهمة منحه عقوداً بأسعار أعلى من التكلفة.

يشكل تدوير المسؤولين سيئيي السمعة من وظيفة إلى أخرى استجابة نمطية عندما لم يعد من الممكن إخفاء سوء الإدارة أو الاحتيال.

المظلة القانونية التي تحمي ضباط القوات المسلحة من التدقيق، سواء مَن كان في الخدمة الفعلية أو المتقاعدين، تحميهم أيضًا عندما يواجهون المتاعب. على سبيل المثال، جرى اتهام رئيس الشركة القابضة للصوامع والتخزين، وهو لواء متقاعد من القوات المسلحة ، بتثبيت عقود احتيالية في عام 2011 ثم مرة أخرى في عام 2012، وبإثقال الشركة بنفقات قانونية زائفة، غير أنه ظل في منصبه حتى قامت الجمعية العامة للشركة أخيرًا بإحالته إلى النيابة في عام 2016. وبالمثل، عاد إلى مجلس إدارة الشركة لواء متقاعد من القوات المسلحة كان يترأس شركة بيع المنتجات المصرية والذي اتُهم أيضًا في نفس قضية احتيال الشركة القابضة عام 2011، وكانت عودته بعد دمج الشركة مع شركة صيدناوي العامة في عام 2018.

إن واقع أن تكون الحالات المذكورة أعلاه تعكس نمطًا وليس استثناءً إنما يبرز في سجل هيئة الرقابة الإدارية نفسها. فدورها في حماية كبار المسؤولين من التحقيق أثناء عهد مبارك جعلها جزءاً لا يتجزأ من شبكات محسوبيات النظام، وكان من المحتم أن يُتهم العديد من رؤسائها بالفساد، في حين جرت معاقبة من لم يمتثلوا. ففي عام 1996، مثلًا، ورد أنه تم استبدال اللواء أحمد عبد الرحمن بعد إصراره على متابعة قضية فساد ضد وزير الإسكان آنذاك إبراهيم سليمان، وهي قضية كان رئيس الجمهورية يريد غض الطرف عنها. لكن عبد الرحمن، أيضًا، اتُهم بعد ذلك بترؤّس شركات إسكان عدة بالشراكة مع أمير سعودي ومن ثمَّ بيع أصولها لتحقيق مكاسب خاصة به.

من الواضح أن خليفة عبد الرحمن كرئيس لهيئة الرقابة الإدارية، اللواء هتلر طنطاوي، أثبت أنه أكثر مرونة في خدمة رغبات مبارك، حيث حصل على ثلاثة تمديدات، كلّ منها لمدة عام، بعد انتهاء فترة ولايته المعتادة لأربع سنوات في المنصب. وبعد تقاعده في عام 2004 (متقلداً وسام الجمهورية من الدرجة الأولى الذي منحه إياه مبارك)، اتُهم بإساءة استخدام منصبه للحصول على أراض ومساكن مدعومة للضباط بشكل غير قانوني في مناطق تنموية ذات قيمة عالية، وبحسب ما ورد، فإنه سجّل بعض هذه الممتلكات باسماء أطفاله وأحفاده. وتلا طنطاوي اللواء محمد التهامي، وجرى تمديد فترة خدمته بالمثل أربع مرات بعد انتهائها في عام 2008. وقد أصدر التمديد النهائي قائد المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفريق محمد حسين طنطاوي في كانون الأول/ديسمبر 2011، على الرغم من الاتهامات بأنّ التهامي قد أمر بإتلاف وثائق متعلقة بالفساد في عهد مبارك.

في نهاية المطاف، أُقيل التهامي في أيلول/سبتمبر2012 من قبل الرئيس آنذاك محمد مرسي. جاء ذلك بعد توجيه اتهامات إليه من قبل الضابط المبلغ عن المخالفات في هيئة الرقابة الإدارية، المقدم معتصم فتحي، بأن التهامي منع تقصي أوضاع ضباط متقاعدين من القوات المسلحة، بمن فيهم محافظ شمال سيناء ووزير الإنتاج الحربي فضلًا عن أعضاء حاليين في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حيث ادّعى فتحي أنهم اكتسبوا ما يصل إلى 7 ملايين دولار من تهريب الوقود المدعوم. ويُزعم أن التهامي نفسه تلقى "ملايين الجنيهات" بشكل هدايا من شركات حكومية، واستخدم أموال هيئة الرقابة الإدارية لشراء هدايا لوزراء مبارك وعائلته. (كان التهامي أيضًا مرشدًا للسيسي في إدارة المخابرات الحربية، وجرت مكافأته في نهاية المطاف من خلال تعيينه رئيس مديرية المخابرات العامة مباشرة بعد استيلاء القوات المسلحة على السلطة في تموز/يوليو 2013. )

وقد عرض رئيس هيئة الرقابة الإدارية الجديد الذي عينه مرسي، اللواء محمد عمر هيبة، صورة مختلفة من خلال الاعتراف صراحة بأن "زواج رأس المال والسلطة" في عهد مبارك قد أعاق هيئة الرقابة الإدارية من القيام بواجباتها بشكل صحيح. وكشف أيضًا أن مرسي قد اتخذ خطوة غير مسبوقة بجعل الرئاسة خاضعة لتدقيق هيئة الرقابة الإدارية، وتعاون مع الجهاز المركزي للمحاسبات تحت قيادة جنينة في تحقيق مشترك حول التعديات غير القانونية على أراضي الدولة التي تم الإبلاغ عنها في تشرين الأول /أكتوبر 2015 كونها كلّفت الخزينة العامة 440 مليون جنيه من خسائر في الإيرادات. لكن فترة رئاسة هيبه للهيئة كانت قصيرة إذ استبدله السيسي في منتصف مدته بعرفان.

انتقل ضباط هيئة الرقابة الإدارية ذوي الرتب الأدنى إلى استشارات مربحة في هيئات حكومية ومؤسسات تملكها الدولة عند التقاعد، بما في ذلك في شركات سبق أن دققوا فيها. على سبيل المثال، كشف تقرير صحفي في شباط/فبراير 2009 أن الضابط السابق في القوات المسلحة اللواء سمير يوسف قد انتقل من مدقّق الشركة القومية للتشييد إلى استشاري لها، وعينته لاحقً االشركة رئيسًا للجنة التي أعادت شركتها الفرعية المعروفة، عمر أفندي، إلى الملكية العامة في عام 2013. كما انضم إليه في الشركة القومية للتشييد، نائب رئيس هيئة الرقابة الإدارية سابقًا اللواء حمدي راشد. وبالمثل انتقل اللواء محمد أمين عبد الغني من منصب مساعد رئيس هيئة الرقابة الإدارية إلى رئاسة شركة مصر لتجارة السيارات.

ومع وجود العديد من الهيئات العسكرية والهيئات القضائية التي تتداخل والتي يُحتمل أن تتنافس، فإن الضباط الأفراد يمكن أن يزعموا بسهولة أنهم السلطة الشرعية لترخيص نشاط ما أو حظر نشاط آخر.

قد يكون السيسي قد عمد إلى كبح إمكانيات سوء الإدارة والاحتيال في مشاريع الأشغال العامة التي تديرها الهيئات العسكرية عندما أمر هيئة الرقابة الإدارية بالتعاون مع الهيئة الهندسية في القوات المسلحة في أواخر عام 2015. لكن تأثير هذا يمكن أن يكون جزئيًّا فحسب لأن العلاقة بين هيئة الرقابة الإدارية والقوات المسلحة حميمة جدًّا، ولأن هيئة الرقابة تركّز فقط على الأوراق الرسمية للعطاءات والفواتير. هذا لا يعيق بالضرورة فرصة تحصيل أرباح غير مشروعة من تحويل العقود إلى المقاولين من الباطن من القطاع الخاص، لتنفيذ العمل الفعلي، أم من شراء أو توريد المواد والمعدات اللازمة للمشاريع، ما يوفر فرصًا أكبر للاحتيال، كما يشير أيمن إمام. وكما يوضح هذا التقرير بشكل أعم، هناك القليل فحسب من العوائق الأخرى التي قد تحُول دون انخراط ضباط القوات المسلحة في مجموعة من الممارسات الفاسدة نظرًا لتغلغلهم الواسع في هيئات القطاع العام والحكم المحلي، لوضعهم خارج نطاق التدقيق من قبل هيئة الرقابة الإدارية أو أي هيئة مدنية أخرى، ولحصانتهم شبه المضمونة من المقاضاة في المحاكم المدنية. ومع وجود العديد من الهيئات العسكرية والهيئات القضائية التي تتداخل والتي يُحتمل أن تتنافس، فإن الضباط الأفراد يمكن أن يزعموا بسهولة أنهم السلطة الشرعية لترخيص نشاط ما أو حظر نشاط آخر. ولكن كما أظهر مثال ابتزاز الأسهم من الشركات الناشئة مقابل الموافقة على طلباتها للحصول على رأس المال الاستثماري، حتى ورقة التين هذه آخذة بالزوال.