المحتويات

ستصبح نسخة الpdf من هذا التقرير، إضافةً إلى الحواشي الكاملة، متوافرة على الموقع الإلكتروني في وقت قريب.

ما هو المسار المُحتمل للاقتصاد العسكري، وما المضاعفات السياسية لذلك؟ إن تطوّره كان يحذو دائمًا، وإلى حد كبير، حذو الاقتصاد السياسي الأوسع في مصر، ويستنسخ ممارسات المؤسسات المدنية والقوى الاجتماعية. بيد أنه الآن يقف على عتبة تغيير كبير نوعي، وحتى تحوّلي، يوازي ويضارع وضعيته السياسية والدستورية الجديدة المُعزّزة. لقد توسّع الاقتصاد العسكري على نطاق واسع خارج جيبه منذ عام 2013، وعلى الرغم من أن هذا لم يحدث وفق سابق تصوّر وتصميم من طرفه، إلا أن هذا القطاع لن يعود بعد الآن إلى حجمه ووضعيته السابقة. ويعود ذلك جزئياً إلى أن المسرح السياسي بات معداً لتمارس المؤسسة العسكرية تأثيراً أكثر مركزية على ترتيبات الحكم. بيد أن المضاعفات التراكمية للمشاكل الاقتصادية الحادة في مصر والعجز المتفاقم لمؤسسات الدولة، يولّدان أيضًا سياقات وفرصًا لاحتمال حدوث تشابك وتقاطع أكبر بين القطاعين العسكري والمدني، وكذلك لانخراط مباشر أوسع للهيئات العسكرية في تحديد الوجهة الاقتصادية.

في مقدمة هذا التقرير، جادل كاتب هذه السطور بأن جوهر المُشكل الاقتصادي في مصر يكمن في الطريقة التي تعمل بها الدولة، ما يعكس الكيفية التي تتولّد وتُستخدم بموجبها السلطة السياسية. وفي عام 2018، كتب خالد إكرام، الاقتصادي الكبير والمدير السابق لدائرة مصر في البنك الدولي، أنه منذ عام 1952 كان همُّ الحفاظ على بقاء النظام يتغلب دومًا على الاهتمام بنقاط الضعف الاقتصادية في اعتبارات صانعي السياسة المصريين. هذه كانت السمة الرئيسة التي حدّدت طبيعة الاقتصاد السياسي المصري، حيث سعت الأنظمة المتعاقبة إلى تعزيز شرعيتها الواهنة "من خلال زيادة الإنفاق على الاستهلاك العام.. وتقليص تعبئة الموارد من المصادر المحلية". ويعتقد إكرام أن المشاكل الاقتصادية في مصر نجمت "ليس عن نقص الموارد المالية، بقدر ما انبثقت من الفشل في مجال الحوكمة"، ما سمح لأطراف نافذة داخل الدولة والمجتمع "بالإفادة من الريع الاقتصادي الذي تخلقه حالات الكفاءة هذه في الاقتصاد".

كتب المدير السابق لدائرة مصر في البنك الدولي، أنه منذ عام 1952 كان همْ الحفاظ على بقاء النظام يتغلب دوماً على الاهتمام بنقاط الضعف الاقتصادية في اعتبارات صانعي السياسة المصريين.

يضيف إكرام أن فشل الحوكمة أفرز اقتصادًا سياسيًّا يتميّز:

بحقوق ملكية غير واضحة، وبيروقراطية بليدة، ونظام قضائي مُثقَل، ومنظومة ضرائبية ركيكة وغير متوازنة، وفساد، وتسعير غير إقتصادي للموارد الشحيحة (على غرار الكهرباء والماء)، ونظام تعليمي لا يوفّر المهارات، خاصة منها المهارات النوعية التي يتطلّبها اقتصاد سوق دولي تنافسي؛ هذا علاوة على شيوع رأسمالية المحسوبيات، والتكتلات الاحتكارية، وتراجع التنافس في العديد من قطاعات المجتمع، والتضخم الكبير في أعداد موظفي الشركات العامة، ونقص المساءلة على مستويات عديدة في الجهاز الحكومي. والحال أن اللائحة هنا تطول وتطول، وتخلق عوائق وعراقيل ترفع من كلفة قطاع الأعمال، ما يسفر عن إثباط الاستثمار وخفض مستوى الإنتاجية.

لخّص جورج عبد، المدير السابق لدائرة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، بإجادة المضاعفات على الاقتصاد الكلي، حين أظهر أن متوسط معدل النمو في مصر في العقود الثلاثة المنصرمة تخلّف وراء بلدان الأسواق الناشئة. فقد ازداد الناتج المحلي الإجمالي لكل فرد بنسبة 50 في المئة من 1988 إلى 2018، بالمقارنة مع 600 في المئة لمجموعة الأسواق الناشئة التي رصدتها مؤسسة التمويل الدولية في صندوق النقد الدولي ، ومع 400، و600، و700 في المئة في تركيا وماليزيا وكوريا الجنوبية على التوالي.  ويتدنى حجم الاستثمار الكلي (العام والخاص) منذ عام 1991 بنحو الثلث عن معدل الأسواق الناشئة عمومًا، فيما لم ترتفع القيمة المضافة الصناعية للفرد إلا بنسبة 105 في المئة بالمقارنة مع 273 في المئة للأسواق الناشئة ككل، فيما ركدت عملياً الصادرات السلعية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بالمقارنة مع زيادات قدرها 36، 100، و165 في كوريا الجنوبية وتايلاند والهند على التوالي.  ولاحظ عبد، في معرض ردّه في عام شباط/فبراير 2019 على الخطاب البلاغي الحماسي حول الانتعاش الاقتصادي الذي أدلى به مسؤولون مصريون وغربيون على حد سواء، أنه لايزال يتعيّن على الاقتصاد أن "يُحقق معدلات زيادة في رأس المال، والتوفير، وفي نوعية الموارد البشرية" بنحو ضعف تلك التي حافظت عليها مصر في السنوات الخمسين الماضية"، إذا ما أرادت البلاد الاستجابة للتحديات التي تواجهها.

والحال أن المؤسسة العسكرية لم تسيطر رسميًّا البتة على أدوات السياسة العامة المالية أو الاقتصادية، مثل وضع الضرائب أو معدلات الفائدة، عدا خلال الفترة القصيرة التي أمسكت خلالها بزمام السلطة الحكومية في 1952-1956 وفي 2011 -2012. بيد أنها ساهمت في المحصلات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية التي لخصناها أعلاه، من خلال حماية ومناصرة التحالف السلطوي البيروقراطي استراتيجية الحفاظ على النظام، طيلة كل العقود السبعة الماضية، ولكن لم تكن المضاعفات والتأثيرات غير مباشرة فحسب. فادعاءات المؤسسة العسكرية بأن لديها الحق المعنوي في إدارة دفّة سفينة الدولة، بأنها تساهم على نحو وازن في خطط التنمية الاقتصادية القومية التي تضعها الحكومة، إمتلاك المهارات الإدارية التي تتيح لها تنفيذ الأعمال بطريقة "أفضل، وأسرع، وأرخص"، تؤكد الصورة النمطيةالتي تقدمها بأنها منخرطة بشكل مباشر في السجل الاقتصادي لمصر، والذي تصوره طبعاً على أنه سجل بأنه إيجابي. وكما هو متوقّع، تستنسخ المؤسسة العسكرية في جيبها الاقتصادي الخاص منطق الحفاظ على النظام، فتضع الأولوية للمكوّنات العسكرية، خاصة منها سلك كبار الضباط، سواء من هم في الخدمة أو بعدها. والأهم أنها ساعدت على إعادة إنتاج هذا المنطق، من خلال سلوكياتها اليومية وممارسة النفوذ التي يعمل وفق إيقاعها آلاف كبار الضباط العاملين في الخدمة والمتقاعدين المنغرسين في الإدارات البيروقراطية المدنية والهيئات للدولة والإدارات الاقتصادية، وقطاع الأعمال العامة، ودوائر الحكم المحلي. 

لم ينجح الاقتصاد العسكري في حل أيٍ من مشاكله المزمنة وحالات قصوره. بيد أن الأولانية التي حققها في الميدان السياسي الذي تم تفريغه على نحو منهجي من كل المنافسين الجدّيين منذ عام 2013، تمكّنه من الدخول في مرحلة جديدة من التوسّع والتجذّر. نظريًّا، يمكنه استئناف الدور الذي كان يمارسه ما قبل عام 2013، حين تنتهي المشاريع العملاقة التي تُجسّد إلى حد كبير دوره المتوسّع، أو إذا ما نفد تمويل مشاريع جديدة. علاوة على ذلك، يمكن للتحسّن في الاقتصاد الوطني أن يقلّص أيضًا من الحوافز التي تحدو بالمؤسسة العسكرية إلى الانخراط في الإدارة الاقتصادية، والإنتاج، وتوفير العرض. وبالمثل، يمكن للرئيس أن يشجع لامركزية يُعتدّ بها في المجالات الإدارية والخاصة بالميزانية، وأن يجعل الحكم المحلي تشاركيًّا حقًا ويستجيب لحاجات المواطنين كوسيلة لتحقيق التنمية الاجتماعية والنمو والتنوّع الاقتصاديين. لكن الأرجح أن يحدث العكس في لواقع، حيث يضاعف كلٌ من السيسي والمؤسسة العسكرية تعزيز التدخلات المركزية، وسياسة التوجيه والقيادة، والاستثمار في المشاريع العملاقة التي تتجاهل الربحية الاجتماعية.

لم ينجح الاقتصاد العسكري في حل أيٍ من مشاكله المزمنة وحالات قصوره. بيد أن الأولانية التي حققها في الميدان السياسي تمكّنه من الدخول في مرحلة جديدة من التوسّع والتجذّر.

إن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الكامنة التي أدّت إلى ثورة 2011 وإعادة تموضع المؤسسة العسكرية منذ عام 2013 كمدير ومُنتج للأصول الاقتصادية على نطاق متوسّع، أدّت إلى إعداد المسرح لتحولات أكثر عمقًا في علاقتها بالاقتصاد الوطني وبالمالية العامة. فالأصول والفرص الاقتصادية التي تحظى بها توسّعت إلى درجة أن المؤسسة العسكرية قد تلقي بثقلها في هذا المجال بقوة أكبر. وهكذا، كانت المؤسسة العسكرية ترفض مرارًا وتكرارًا على مدى عقود عدة، التخلّي عن الأصول أو المداخل الاقتصادية التي استحوذت عليها. بل أن حجم التغييرات منذ عام 2013 تدفع بالمؤسسة العسكرية إلى تشديد قبضتها أكثر على حصصها. وفي المقابل، يتعيّن عليها التأثير، إن لم يكن السيطرة، على أدوات السياسة الإقتصادية والمالية العامة إذا ما أرادت الحفاظ على مصالحها وتنميتها. على أن ترويج الذات له ثمن: فالدور الكبير للمؤسسة العسكرية في خضم تفاقم الفقر واللامساواة، بدأ يولّد حالة سخط ويؤثِّر على صورتها في أذهان المواطنين الذين لطالما أسبغوا عليها أسمى مشاعر التقدير والإجلال.

بيد أن التعميق والتوسع ليسا قدرًا لا مناص منه. فالاقتصاد العسكري يمر في مرحلة انتقالية، وتتبدى فيه مؤشرات متباينة ومناحٍ متضاربة. ثم إن فشل الاستحواذات في قطاع الإعلام قد يكبح الشهية العسكرية، وكذا الأمر، مثلاً، حيال أعباء الاستثمار في قطاعي الإسمنت والصلب حالما يهبط الطلب على الإنتاج العسكري وتتصاعد ممانعة القطاع الخاص المحلي والشركات الأجنبية. إضافة إلى ذلك، ثمة مؤشرات على وجود رغبة لدى القوات المسلحة بالتركيز على تطورها المهني الخاص وتحسين قدراتها العملانية. وقد يمثّل دستور نيسان/ إبريل 2019، الذي فوّض القوات المسلحة "حماية الدستور والديمقراطية" و"الحفاظ على ركائز الدولة المدنية" صيغة تسمح لها بانتشال نفسها من المعمعة السياسية المعقّدة ومن حلبة المعارك الجانبية المؤسسية المتعلِّقة بحكم مصر، فيما هي تواصل ادعاء امتلاك الحق في التدخّل كلما اعتبرت ذلك ضروريًّا. 

لا تقل الأسباب التي تدفع إلى تعميق وتوسيع الاقتصاد العسكري حدّة. أحد هذه الأسباب هو الجمود والهمود الناجمين أولاً عن الرغبة بالإحتفاظ باالأصول الحالية، التي تمثّلها أفضل تمثيل شركات ومصانع وزارة الإنتاج الحربي، وثانياً عن النزوع المحافظ لدى المؤسسة العسكرية نحو إعادة إنتاج وتعزيز الأنماط الموروثة. والأكثر أهمية هنا هو أن ضعف أو غياب الأطراف المؤسسية أو الاجتماعية الأخرى التي كان يمكن أن تركّز الأصول والأموال العامة بين أيديها، يُفسح المجال واسعاً أمام المؤسسة العسكرية لتكون اللاعب الرئيس في الحقل الاقتصادي الناشئ، وهذا بالمقارنة مع حقبة الخصخصة التي حَبَتْ إلى حد كبير الشركات الكبرى وأزلام مبارك وهمّشت العسكر بوضوح.

ستكون العملية في كلا هذين التوجهين تدرّجية، وتتضمّن كرًّا وفرًّا، بيد أن حدود الجيب الاقتصادي العسكري السابق قد تبقى ضبابية، أو تتحلّل كليًّا. فالمنحى التوسعي قد يشهد بروز المؤسسة العسكرية كلاعب اقتصادي كبير مُنغرس رسميًّا وعلى نطاق واسع في هيكلية الإدارة الاقتصادية الوطنية وفي عملية صنع القرار. فتدخلاته في تحديد العرض والأسعار في قطاعات الإسمنت والصلب وفي استيراد سلع تراوح بين اللحوم والدواجن إلى حليب (لبن) الأطفال لمواجهة القصور في السوق، قد تشي بدور أكثر روتينية في مجال وضع السياسة العامة. وتوفّر توأمة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مع هيئة الرقابة الإدارية في إدارة مشاريع البنى التحتية العامة نموذجاً بارزاً لنوعية الشراكة العسكرية-المدنية التي يمكن أن تسحب نفسها أيضًا في مجالات أخرى.

نظرياً، مجددًا، يمكن لمسار النمو الاقتصادي الإيجابي أن يولّد ظروفاً يتراجع في سياقها الدور العسكري في الاقتصاد عن حجمه ومداه الراهنين. بيد أن مصر تفتقد كلًّا من الإرث السياسي والمتطلبات والمستلزمات الاجتماعية-الاقتصادية لاستنساخ تجربة تشيلي أو تركيا حيث خَلَقَ النمو الاقتصادي المستدام تحوّلًا اجتماعيًّا، ومكّن قطاعي رجال الأعمال والعمال من الضغط لاستعادة الحكم المدني والعودة الكاملة للعسكر إلى ثكناتهم. ما يحدث في مصر هو العكس، حيث في الغالب لا يؤدي النمو الذي تقوده الدولة على نطاق واسع والذي يأتي استجابة لمبادرات فوقية من أعلى إلى أسفل، سوى إلى توكيد دور المؤسسة العسكرية كلاعب اقتصادي أو حتى كلاعب أكبر، ومد نفوذه أبعد من البرنامج الطارئ للإنشاءات العامة وتوليد الدخل الذي أطلق بعد عام 2013 وتوسيع هذا الدور على المدى الطويل.

لكن في المقابل، لن يؤدي تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، أو تفاقم الدين، إلى إثباط أو إعاقة تحرُّك الشبكات العسكرية المُتجذّرة لشفط موارد التمويل التي يحتاجها النمو المستدام والإدخار المحلي. والواقع أن الأنظمة السلطوية تحتاج إلى ترقية الكفاءة الاقتصادية حالما تستنفد مراحل النمو الأوّلية، خاصة إذا ما تعيّن عليها استرضاء القواعد الأساسية التي تستند إليها سلطتها. بيد أن مصر، كما هو واضح، ليست مهيّأة لتحقيق ذلك. بل العكس هو الصحيح، حيث قد تحفّز وتسرِّع المصاعب الاقتصادية الحادة المزيد من عسكرة الاقتصاد عبر الوسائل التي أشرنا إليها أعلاه، وجزئياً بحجة أن الظروف الطارئة تتطلّب الإجراءات الطارئة وحتى زيادة الاستثمارات في المشاريع المموّلة من القطاع العام وليس العكس.

لكن في المقابل، لن يؤدي تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، أو تفاقم الدين، إلى إثباط أو إعاقة تحرُّك الشبكات العسكرية المُتجذّرة لشفط موارد التمويل التي يحتاجها النمو المستدام والإدخار المحلي.

الآن، إذا ما أقدمت إدارة السيسي والمؤسسة العسكرية على ذلك، فإنهما سيمهدان الطريق أمام تربّح مجاني واقتناص فرص واسعين من قبل جماعات مصالح عسكرية (غير عسكرية حليفة). اذ أن السيسي، الذي يبدو متفوّقًا بالمطلق، يتكل بالواقع وبشدة على شركائه داخل الائتلاف الحاكم لمؤسسات الدولة، وحتى على شلل متباينة في صفوف كبار ضباط القوات المسلحة. وكل هؤلاء يتوقعون الحصول على مقابل لقاء دعمهم. وبالتالي، فإنَّ هذه الاعتبارات السياسية تقارع في أهميتها في بعض المجالات أهداف سياسات السيسي الخاصة بحفز النمو وتدبّر أمر أكلاف معيشة المواطنين، وتعزيز مصداقية وشرعية نظامه على الصعيدين المحلي والدولي. لا شك أن الشبكات العسكرية وجماعات المصالح مُتجذّرة ومُستحكمة بما فيه الكفاية لمقاومة أي منهج عمل مغاير. بل وقد يكون هؤلاء في الواقع في وضع يتيح لهم توسيع الاقتصاد العسكري غير الرسمي وتعميق الممارسات الافتراسية الضارية، بغض النظر عما يمليه السيسي أو قادة الاقتصاد العسكري الرسمي. وهنا، قد يكون ابتزاز الشركات الناشئة لتقدم حصصًا في رأس مالها، آخر مثال على السلوك الذي لا يعتبر ضارياً وحسب، بل حاذقًا أيضًا، وهذا أمر لا يمكن أن يحدث من دون مساعدة وتواطؤ من جانب السلطات العسكرية الرسمية.

تُواجه إدارة السيسي مهمة توفير سلع اقتصادية كافية لمواصلة مواجهة التحديات السياسية على المدى المتوسّط. وهذا يقتضي، من جهة، الحفاظ على عضوية كل الهيئات القسرية (القوات المسلحة، وزارة الداخلية الواسعة والمديدة- بما فيها الشرطة والأمن الداخلي، ومديرية المخابرات العامة) في داخل الائتلاف الحاكم، لا بل العمل أيضًا على توسيع هذه العضوية. لكن، من جهة أخرى، مثل هذا الحفاظ والتوسّع لا يجب أن يتحققا إلى درجة تُثقل بإفراط الاقتصاد. وهذه مهمة شاقة بالنسبة إلى إدارة تفرض قبضة شديدة على الاقتصاد وديناميات السوق، وتضيّق قاعدتها السياسية إلى حد كبير بالمقارنة مع حقبة مبارك، من خلال إقصاء كل أطياف الإسلاميين، والليبراليين، والنخب الاقتصادية القديمة. ثم إن محاولاتها استلحاق الطبقة الوسطى عبر تحبيذ الشركات الصغيرة والمتوسطة في عقود الأشغال العامة أو وضع برامج تمويلية لتشجيع الشركات الجديدة، تتعرّض إلى الإعاقة بفعل الاستثمار غير المناسب والمخاطر السياسية الكبيرة، بما في ذلك الانكشاف أمام السلوك الافتراسي الضاري للشبكات الموالية للنظام نفسه. ولذا، بقي الاستثمار الخاص في الاقتصاد ضئيلاً للغاية.

على أي حال، فإن الصعوبات والعوائق أمام الحفاظ على إئتلاف مستقر، والحفاظ في الوقت نفسه على الرساميل الضرورية لتوطيده - في غياب الإصلاحات الإقتصادية والإدارية العميقة، التي ستصطدم بالضرورة بالمصالح العسكرية الرسمية وغير الرسمية - تبدو أضخم مما تعتقده التقديرات الوردية لمؤشرات الاقتصاد الكلي المصري (معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي واحتياطي العملة الصعبة) التي يصدرها المسؤولون المصريون ونظراؤهم في الحكومات الغربية والمؤسسات المالية الدولية.

لا بل يبدو أن المسؤولين الغربيين، الذين يؤيدون جهارًا هذه التقديرات ويغازلون إدارة السيسي مشيدين بالتزامها المزعوم بالمسار الديمقراطي على الرغم من القمع المنهجي الذي تمارسه هذه الإدارة بحق الحريات السياسية والاجتماعية والخروقات السافرة والمشينة لحقوق الإنسان، يتشبثون في مجالسهم الخاصة بالأمل بأنه (أي السيسي) سيكون قادراً بطريقة ما على بناء دكيتاتورية تنموية ناجحة تنتج نموًّا اقتصاديًّا يكون في آن كافيًا ومستدامًا. وثمة إطلالة مماثلة في أوساط الخبراء الاقتصاديين والماليين، ربما ناجمة عن الاعتقاد الجديد الذي يعترف بدور الدولة في حل مشكلة فشل التنسيق في السياسة الصناعية؛ وهي مقاربة تعترف بأن العناصر الداخلية في النظام ستستفيد بداية، لكنها تفترض أن كل الأطراف الاقتصادية ستنتفع في نهاية المطاف من المداخل العامة إلى الفرص والموارد. وفي حالة مصر، يعلّق المسؤولون الغربيون والدوليون، الذين يبحثون عن ملاذ داعم لهكذا استدلال، أمالهم عملياً على المؤسسة العسكرية لدفع هذه المحصلات قدمًا إلى الأمام. بيد أن هذا لا يعكس مجرد تفكير رغائبي وحسب، بل هو أيضًا يُعتبر تعمية متعمّدة على الحقائق الكامنة في الاقتصاد المصري.

"مصر أكبر من أن يُسمَح بإخفاقها": هذا هو الرد المُبتذل للعواصم الغربية حين تُواجِه مقاربتهم المقاومة. واللازمة الخفية لهذا الاعتقاد، رغم النفي المُعلَن، هي أن المؤسسة العسكرية هي بالفعل طرف ومدير اقتصادي كفؤ كما تدّعي هي. وهذا يقفز عن عمد على إرث عمره 66 سنة من الدور الاقتصادي العسكري، ويوضح، من ضمن ما يوضح، أسباب على سكوت صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حيال النشاطات الاقتصادية العسكرية، والتي يؤكد عبد أن هذه الأطراف "على بيّنة منها منذ وقت طويل". والواقع أن بصمات المؤسسة العسكرية في الاقتصاد تنامت على نحو كبير تحت سمع وبصر برنامج صندوق النقد الدولي الذي قدّم 12 مليار دولار لمصر منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2016.

"مصر أكبر من أن يُسمَح بإخفاقها": هذا هو الرد المُبتذل للعواصم الغربية حين تُواجِه مقاربتهم المقاومة. واللازمة الخفية لهذا الاعتقاد، رغم النفي المُعلَن، هي أن المؤسسة العسكرية هي بالفعل طرف ومدير اقتصادي كفؤ كما تدّعي هي.

إن الإيمان بقدرة المؤسسة العسكرية المصرية على انتزاع النجاح من بين براثن الانهيار الاجتماعي لا يستند إلى معطيات يُعتد بها. فمصر ستبقى بدلاً من ذلك معتمدة على نحو حاسم، وعلى رغم مرور سبعة عقود تقريباً، على صيغة الحقن المتكرر للرساميل الأجنبية لتجنّب أزماتها الأكثر حدة. حالياً، وحدها القوات المسلحة قادرة على تجنيب حشر البلاد في الزاوية، مجددًا اقتصادياً ومالياً. لكن هذا يتطلّب منها المبادرة إلى إطلاق حوار سياسي وعملية إصلاح لا يمكنهما إلا أن ينتهيا إلى تفكيك كلً من الاقتصاد العسكري الرسمي والاستحقاق التلقائي للسلطة البيروقراطية والاقتصادية الذي تتشبث به شبكات الضباط المتقاعدين.