كيف وصلنا إلى هنا؟

الأزمة الاقتصادية هي، في جوهرها، أزمة حوكمة مُنبثقة من نظام طائفي يعاني من خلل بُنيوي، بما حال دون صنع سياسات عقلانية، وسمح بانتشار ثقافة الفساد والهدر. وقد عاشت البلاد، وفي مقدّمتها القطاع العام، بقدرات تتجاوز إمكاناتها. وبعد مرور عقود على اعتماد هذا النموذج، كانت النتيجة اقتصاداً شديد المديونية، وقطاع مصرفي منتفخ وهش.

ومع مرور الوقت، أدّت الزيادة الكبيرة في الدين، بصورة محتومة، إلى ارتفاع متزايد في مجال خدمته. كما جعلت الاحتياجات التمويلية السنوية الضخمة البلاد عرضة إلى التأثُّر بالصدمات الخارجية والإقليمية. ومع تباطؤ التدفقات المالية الخارجية إلى لبنان، اضطُرّ مصرف لبنان إلى بذل جهود يائسة وباهظة التكلفة للغاية من أجل استقطابها. وفي نهاية المطاف، ثبُت أنها هذه السياسة المالية غير مستدامة. فمنذ تشرين الأول/أكتوبر، شهدنا توقفاً فعلياً لتدفق الرساميل إلى الداخل وتسارعاً حاداً في التدفقات إلى الخارج.

أين نحن الآن؟

يضع هذا الواقع لبنان في مهب ثلاث أزمات متزامنة:

الأولى، أزمة في ميزان المدفوعات والعملة. نتوقّع أن تصل الفجوة بين عرض الدولار الأميركي والطلب عليه إلى 8 مليارات دولار في العام 2020. وفي حال عدم ردم هذه الفجوة ، سيواجه الاقتصاد صعوبة في سداد الدين الخارجي؛ ونقصاً في السلع المستوردة؛ وتراجعاً في قيمة الليرة اللبنانية؛ وانكماشاً اقتصادياً.

الثانية، أزمة في المالية العامة. بعد بلوغ العجز 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2019، بدأت الإيرادات الحكومية حالياً بالانهيار تحت وطأة الركود والأزمة المصرفية. كما يتهاوى الإنفاق المعدّل الحقيقي (اي الانفاق المحسوب بعد التضخم. ونتوقّع أن تكون البلاد أمام عجز أساسي يصل إلى 3 مليارات دولار (باستثناء مدفوعات الفوائد) في العام 2020. وفي ظل الوضع الراهن، سيصعب تمويل هذا العجز.

الثالثة، أزمة في النظام المصرفي. بما أن القطاع المصرفي يستثمر نصف موجوداته تقريباً في الديون السيادية اللبنانية، بما في ذلك مصرف لبنان، وربعاً آخر في قروض للقطاع الخاص محفوفة بالمخاطر، تعاني المصارف فعلياً من عدم الملاءة والشحّ في السيولة. وعلى الرغم من الإجراءات غير الفاعلة التي وُضِعت مؤخراً لتقييد حركة الأموال والتعاملات المصرفية، تشهد المصارف إقداماً كثيفاً على سحب الودائع. في ظلّ تجارب عالمية مشابهة، يُقدم المصرف المركزي عادةً على التدخّل وتزويد المصارف بالسيولة الضرورية. بيد أن مصرف لبنان يجد نفسه مقيّداً باحتياطياته محدودة من الدولار الأميركي، وكذلك بسبب مخاوف من فائض في السيولة بالليرة اللبنانية من شأنه إضعاف العملة المحلية أكثر.

تداعيات الاستمرار في المسار الحالي

ستدفع السياسات الراهنة البلاد إلى الانفجار والتشظي السياسي. وفي تقديرنا، سيقود المسار الحالي إلى سبع عواقب:

  1. الاقتصاد سيعاني من ركود شديد. نظراً إلى شحّ الدولار، سيكون على الاقتصاد التكيّف مع تراجع الواردات. وستشكّل القيود المفروضة على حركة الأموال والتعاملات المصرفية صفعة للقطاع الخاص الذي يعتمد على السيولة والائتمان، كما اتسعت عمليات إقفال الشركات وخفض الرواتب وتسريح الموظفين. من جهته، سيلجأ القطاع العام إلى خفض النفقات نظراً إلى الظروف التمويلية الصعبة. وفي ظل هكذا سيناريو، نتوقّع أن يشهد الاقتصاد انكماشاً برقم مزدوج في العام 2020، أي ركوداً موازياً لما شهدته الولايات المتحدة خلال الكساد الكبير.
  2. سعر الصرف سيضعف بشكل حاد. ستتكيّف قيمة الليرة اللبنانية بشكل تنازلي لإعادة التوازن إلى عرض الدولار وطلبه. وإذا تُرِك سعر الصرف من دون تدخّل، نتوقّع أن تفقد الليرة أكثر من نصف قيمتها، ما يؤدّي إلى ارتفاع معدل التضخم. وسيكون لذلك تأثير سلبي ضخم على تكلفة المعيشة، وتوافر السلع الأساسية والمواد الغذائية والرعاية الصحية، والشركات ومعدل البطالة.
  3. القيود على حركة الأموال والتعاملات المصرفية ستزداد. ستستمر المصارف في تقنين السحوبات على الودائع والتحويلات الخارجية. وسيزداد شح السيولة في القطاع الخاص، ولن يكون هناك مفر من التخلّف عن سداد الديون (بما فيها سندات اليوروبوند) على نحوٍ عشوائي وغير منضبط. كما سيستنزف مصرف لبنان احتياطياته الأجنبية.
  4. أزمات اجتماعية وخيمة ستتفاقم. هذا النوع من الانهيار الاقتصادي سيتسبّب بتدمير كارثي للثروات، وخصوصاً لدى الطبقة الوسطى. وقد تصل معدلات الفقر إلى أكثر من 40 في المئة من اللبنانيين، بحيث يصبح 1.6 مليون لبناني غير قادرين على تأمين قوتهم واحتياجاتهم الأساسية غير الغذائية. وسترتفع معدلات البطالة، فيما تواجه الطبقة الوسطى خطر الانحسار.
  5. تحوّل سياسي جذري قد يطرأ. لن توفر الأزمة الاحزاب السياسية من التداعيات المتلاحقة. وستكون التداعيات الأمنية للاضطرابات الاجتماعية كبيرة ويصعب توقّعها.
  6. من دون معالجة الأسباب الجذرية للمشكلة، يبدو أن الأزمات ستكون طويلة الأمد. بعبارة أوضح، سنختبر أزمة اقتصادية طويلة قد تستمر عقوداً، واحتمالات النهوض منها ضئيلة جداً. وسينتج عن هذا السيناريو ما يمكن وصفه بـ"العقد الضائع".
  7. أخيراً، سيكون الدعم المالي الدولي على الأرجح أقل بكثير مما هو ضروري لتخفيف الضغوط عن الاقتصاد.

هل من مقاربة أفضل؟

إنها متاحةٌ في رأينا. نعرض في ما يلي برنامجاً لثلاث سنوات يهدف إلى التخفيف من حدّة الأزمة ومعالجة جذور المشكلة، ووضع البلاد على مسارٍ يقوده نحو التعافي. ويسعى البرنامج إلى فرض تقاسم عادل للأعباء في إطار معالجة تبعات الأزمة، مع حماية الفئات الأضعف بخاصةِ خلال الفترة الانتقالية. ولابدّ من الإشارة هنا إلى ضرورة تطبيق هذه الخطوات العملية العشر الواردة أدناه بشكل متوازٍ، عوض العمل عليها بشكل جزئي.

  1. إنشاء لجنة طوارئ بالصلاحيات اللازمة لتسيير الاقتصاد، من أجل صياغة البرنامج، التفاوض حوله وتنفيذه. في موازاة ذلك، نوصي بإنشاء آليات إشراكية لمناقشة رزمة السياسات مع مجموعات المجتمع المدني، وتمكين المواطنين من مراقبة التنفيذ.
  2. استبدال الإجراءات غير المنظمة وذاتية الإدارةاتقييد حركة الأموال والتعاملات المصرفية. من المرجّح أن تكون هذه القيود ضرورية لفترة أطول حتى في ظلّ أفضل السيناريوهات. ويجب إدارتها بطريقة مركزية وشفافة بدعمٍ من التشريعات المناسبة.
  3. التعامل بشكل حاسم مع دين القطاع العام. لابدّ من الإعلان الفوري عن تعليق سداد الديون (الخارجية والمحلية)، والاستعانة بمستشار قانوني، وتشكيل لجنة دائنين. ونرى أن المعطيات الأساسية في لبنان تبرّر عبء ديون تتراوح بين 60 و80 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط. ولبلوغ هذا الهدف، ينبغي أن تُعرض على الدائنين قائمة من التنازلات بما فيها خفض رأس المال الأصلي ومعدلات الفائدة وتمديد فترات الاستحقاق.
  4. الشروع في عملية إصلاحية مالية ذات صدقية. ينبغي إحداث تحوّل في الإنفاق العام، فهو حالياً غير فعّال، ويتّسم بالهدر وعرضة إلى التأثُّر بالفساد. ويُعتبر قطاع الكهرباء أحد الأمثلة على ذلك، فضلاً عن الحاجة إلى برنامج إصلاحي شامل في مجالَي الحوكمة والتنظيمات بما يحدّ من الثقافة الريعية. هذه الإصلاحات، إلى جانب المبالغ المدّخرة نتيجة انخفاض خدمة الدين، يجب أن تسمح بزيادة الإنفاق على القطاعات الاجتماعية والبنية التحتية. ثانياً، تبرز حاجة إلى إصلاح واسع لإيرادات الدولة من شأنه التركيز بدرجة أقل على رفع الضرائب والتطرّق بصورة أكبر إلى معالجة ضعف التحصيل والاعتماد المفرط على قطاعات محددة. ثالثاً، نوصي باعتماد "قاعدة مالية" ملزمة وذات صدقية تضع سقفاً لحجم عجز الموازنة في المستقبل.
  5. إيجاد حلول لديون القطاع الخاص. يواجه القطاع الخاص أزمة حادة. من المفيد أن تُعقد طاولة مستديرة تضم الدائنين والمدينين للاتفاق على خطوات الإغاثة المالية التي تهدف إلى صون الشركات القابلة للصمود وتصفية تلك المتعثّرة بشكل منظّم. ونوصي بإقرار سريع لمسودة مشروع القانون الحالية بشأن إفلاس الشركات وإعادة هيكلتها.
  6. معالجة الميزانية العامة لمصرف لبنان. مصرف لبنان هو الدائن الأكبر للحكومة، ويُعرضه صافي الاحتياطي السلبي بالعملات الأجنبية الذي يُقدّر بنحو 30 مليار دولار، للتأثُّر بانخفاض قيمة العملة. وإلى حين معالجة ذلك، سيكون من الصعب استعادة الثقة بالليرة.
  7. إستعادة سلامة القطاع المصرفي كشرط مسبق لتنشيط الاقتصاد. قد تؤدي إعادة هيكلة الدين العام وارتفاع القروض المتعثّرة إلى انعدام ملاءة العديد من المصارف. ما يزيد الأمور تعقيداً أن المصارف منكشفة إلى حدّ كبير على مصرف لبنان الذي انخفضت ميزانيته العمومية. كما تُعتبر الأسهم الحالية للمصرف بعيدةً كل البعد عن أن تكون كافية لتغطية تكاليف هذه المشاكل. وتشير توقعاتنا إلى أن حجم رؤوس الأموال الجديدة التي تشتدّ الحاجة إليها بصورة فورية يتراوح بين 20 و25 مليار دولار. وعلى المساهمين الحاليين أن يسدّدوا حصتهم من الخسائر، ويجب أن يُطلَب منهم في الوقت نفسه ضخّ أموال جديدة. وهذا قد يقتضي خفض عدد المصارف القائمة. في المقابل، قد يكون المجال متاحاً أمام الاستخدام السديد للقروض الأجنبية وموجودات الدولة من أجل إعادة رسملة القطاع (انظر أدناه). وبما أن ما سبق لن يكفي على الارجح ، تبرز الحاجة الملحة إلى خفض أجزاء من الودائع الكبيرة ومبادلتها بأسهم في المصارف.
  8. صون السلم الاجتماعي من خلال التركيز على العدالة الاجتماعية. يتطلّب ذلك توزيع الخسائر على نحوٍ يتركّز قدر الإمكان على تجنب صغار المودعين وإلقاء وزرها على كاهل الأشخاص الأكثر ثراء في المجتمع. وفي هذا الصدد، من شأن التمويل الخارجي أن يساهم في تخفيف عبء التعديلات المطلوبة. كما لابدّ من إنشاء شبكة أمان لمكافحة الفقر ودعم الخدمات الصحية والتربوية، إضافةً إلى الحاجة إلى مساعدة العمّال في الانتقال من القطاعات المترهلة إلى تلك التي تستفيد من تراجع سعر الصرف.
  9. إعادة النظر في مزيج سعر الصرف/السياسة النقدية. تسبّب تثبيت سعر الصرف وتحديده بأعلى من قيمته الفعلية إلى حد كبير بحدوث عجوزات كبيرة في الحساب الجاري، وألحق الضرر بالقطاعات الموجّهة للتصدير، وأجبر مصرف لبنان على المحافظة على معدلات فائدة مرتفعة. في المرحلة المقبلة، نوصي بأن تكون سياسة سعر الصرف أكثر مرونة وتتركز حول ليرة أضعف. لكن، إلى أن تعود الثقة بالليرة اللبنانية، سيكون من الخطر السماح بتعويم العملة. لذا سيتعيّن الحفاظ على شكل من أشكال إدارة العملة على المدى المتوسط.
  10. إنشاء صندوق الاستقرار والإصلاح الهيكليّ لسنوات عدّة. نتوقّع أن تبرز الحاجة إلى صندوق برأس مال قدره 25 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات. ويمكن استخدامه لرفع الاحتياطيات الصافية لمصرف لبنان، والمساهمة في تمويل احتياجات الحكومة العاجلة المرتبطة بالموازنة، وتمويل الإنفاق الاجتماعي الذي تشتدّ الحاجة إليه، والمساعدة على إعادة رسملة المصارف. يمكن للبرنامج الاقتصادي الموصى به أعلاه الحصول على هذا النوع من الدعم من مصادر عدّة، بما فيها البنك الدولي والاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. مع ذلك، سيتطلّب هذا عملياً برنامجاً لصندوق النقد الدولي كمظلة. ونعتقد أيضاً أن المجال متاحٌ لتمويل هذا الصندوق جزئياً بواسطة الأصول الحكومية والإيرادات التي يؤمَل تحقيقها من قطاعَي النفط والغاز. انطلاقاً من ذلك، لا مبالغة في التشديد على أهمية الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة في هذا الصدد.

خاتمة

تترتب عن المسار الحالي نتائج كارثية. فالتأخير سيؤدّي حكماً إلى تعاظم التفكك، وزيادة حجم التكيّف الضروري أضعافاً مضاعفة، وإلقاء العبء على كاهل الأشخاص الأقل قدرة على تحمّله. ثمة خيارٌ أفضل. لن يكون الأمر سهلاً، وقد يكون موجِعاً في بعض الأحيان، ولا شك في أنه سيتطلب عقداً اجتماعياً جديداً. لكننا نعتقد أن هذه المقاربة ستمهّد الطريق لمستقبل أفضل يعمّه الازدهار.

الموقّعون (بصفتهم الشخصية)

فراس أبي ناصيف، إدوارد عسيلي، بلال بزي، هالة بجاني، عامر بساط، هنري شاؤول، إسحاق ديوان، حنين السيد، علي الرضا يوسف، صائب الزين، نبيل فهد، فيليب جبر، سامي نادر، مي نصر الله، بول رافائيل، جان رياشي، نسرين سلطي، ناصر السعيدي، كمال شحادة، مهى يحيَ، بسام يمين، جيرار زوين