أوروبا التي تشكو اليوم من الآثار السلبية على مجتمعاتها بفعل الحروب الأهلية والاستبداد والعنف في الشرق الأوسط وفي البلاد الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى، أوروبا التي تصرخ حكوماتها اليوم بسبب موجات الهجرة غير الشرعية وتغلق أبوابها في وجه الأجانب، أوروبا هذه سبق وأن أغرقت العالم في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين بفاشيتها وحروبها المجنونة في موجات هجرة ونزوح وارتحال ولجوء مشابهة حضرت بها الكثير من الحقائق الصادمة والمشاهد المخزية.

1933 ـ أحكم النازيون سيطرتهم على المجتمع والدولة وسرعان ما وظفوا آلتهم القمعية لتعقب واضطهاد ومصادرة الملكية الخاصة للمواطنين المنتمين للديانة اليهودية لدفعهم إلى الارتحال بعيداً عن المجتمع الألماني التي امتهنت النازية تراثه الإنساني المستنير والمتسامح (تطور في القرن السابع عشر في أعقاب الحروب الدينية) وفرضت عليه العداء للسامية والفكر التآمري والعقاب الجماعي وكراهية الآخر مكونات لهيستيريا عنف عام. ارتحلت أعداد كبيرة من الأسر الألمانية المنتمية للديانة اليهودية إلى الجوار الأوروبي (إلى سويسرا وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى)، وارتحلت أعداد أكبر إلى أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وإلى ملاذات آمنة أخرى في موجة هجرة ولجوء أولى واسعة النطاق.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

1938 ـ شرع النازيون في توظيف الصمت العالمي على جرائمهم واستخدام آلتهم العسكرية لالتهام الدول المجاورة، من النمسا التي ضمت من دون حرب إلى أجزاء من تشيكوسلوفاكيا السابقة، ومن بولندا التي احتلت عسكريا ودفعت تداعياتها إلى نشوب الحرب العالمية الثانية. هنا تشكلت موجة هجرة ولجوء عاتية ثانية شملت يهود أوروبا الذين نجوا من محارق النازية ومن دمار جيوشها التي كانت تغزو وتخضع البلدان المجاورة بسرعة فائقة، ومجموعات عرقية ذات خصوصية كقبائل الغجر (مجموعات الروما والسينتي تحديداً والتي تواجدت في شرق أوروبا وفي إقليم البلقان)، وأعداد كبيرة من العلماء والمبدعين والفنانين والمفكرين والكتّاب والسياسيين ممن رفضوا الاستسلام للفاشية وبحثوا عن الحرية بعيداً عنها.

وكان أن اتجهت هذه الموجة الأوسع من سابقتها والتي تواصلت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 إلى أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية بصورة أساسية، وكان أن تمكنت المجتمعات المستقبلة للنازحين والمهاجرين واللاجئين من استيعابهم على نحو أفضل، ونجحت في الإفادة من قدراتهم العلمية والفنية والفكرية والاقتصادية أيضاً. وعلى هامش موجة الارتحال إلى الأمريكتين، نزحت مجموعات سكانية كبيرة داخل القارة الأوروبية هرباً من جيوش النازية والفاشية وهرباً من الحروب الدامية (خاصة في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق) وتكررت ذات المأساة في بعض مناطق القارة الآسيوية على وقع الاجتياح الياباني الذي أدارته آلة عسكرية فاشية.

1945 ـ هزمت النازية الألمانية والفاشية الإيطالية وهزمت عسكرية القتل والدمار والتنكيل في اليابان وترتبت على ذلك موجة نزوح وارتحال ثالثة كان ضحاياها السكان الألمان للأجزاء الشرقية من ألمانيا النازية (بروسيا الشرقية) التي احتلتها الجيوش الروسية وأعملت فيها جنون الانتقام من الغزاة المهزومين (غزت الجيوش النازية الاتحاد السوفييتي في 1941 وقتلت ملايين الأبرياء). وكان لهذه الموجة الثالثة ضحايا أيضاً من الأسر اليابانية التي أرسلتها الفاشية الحاكمة للاستيطان في «المستعمرات» اليابانية المنتشرة في مناطق آسيوية مختلفة، ورتبت الهزيمة العسكرية اعتداءات ممنهجة ضدها وعنفاً واسع النطاق وتهجيراً مأساوياً باتجاه وطنهم المدمر. لم تنجح ألمانيا المهزومة ولا اليابان المدمرة في استيعاب النازحين والمهجرين واللاجئين بيسر، وأضافت عذابات «العائدين إلى الوطن المدمر» إلى مأساة الخراب العام الذي خلفته النازية والفاشية وعسكرية القتل.

تعلم الكثير من الأوروبيين وتعلم اليابانيون من درس الثلاثينيات والأربعينيات المروع وأسسوا لتجارب ديمقراطية وتنموية نجحت واستقرت وأبعدت شبح الفاشية والحرب. بل تحرك الأوروبيون الغربيون المنخرطون في جماعة ثم في اتحاد لمساعدة جوارهم في جنوب قارتهم (في سبعينيات القرن العشرين) ثم في الشرق والوسط (في تسعينيات القرن العشرين) متبوعا بإقليم البلقان (بداية الألفية الجديدة) على تطبيق مبادئ الديمقراطية والتنمية المستدامة وعلى تجاوز حروب أهلية عصفت ببعض البلدان ورتبت موجات ارتحال ولجوء (تحديداً الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة التي اشتعلت في التسعينيات وبسببها بحثت أعداد مؤثرة من سكان الدولة التي انهارت وتفتت عن ملاذات آمنة في بلدان أوروبا الغربية).

واليوم، تتحايل أوروبا وتتحايل البلدان الديمقراطية المتقدمة على ذاكرتها التاريخية وعقلها الجمعي إن ظنت إن موجات الهجرة غير الشرعية والارتحال واللجوء من الشرق الأوسط ومن البلدان الإفريقية جنوب الصحراء ستتراجع بإغلاق الأبواب في وجه الأجانب أو بفرض حزام أمني على الحدود الأوروبية (برياً وبحرياً).

فالحقيقة الثابتة الوحيدة هي أن النزوح من بلادنا لن يتوقف ما لم نتخلص من الفاشية والاستبداد والتطرف والتخلف وننفتح على تجارب تنموية وديمقراطية حقيقية.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.