في العام 2019، عدتُ إلى وطني اليمن لأطّلع على ما آلت إليه الأوضاع هناك، بعد حوالى ست سنوات من الصراع. من مدينة المكلّا الواقعة في جنوب البلاد، بدَأَت زيارتي إلى محافظة المهرة في شرق اليمن برحلة امتدت سبع ساعات بالسيّارة عبر الطريق البحري، الذي كان شبه فارغ في السابق، لكنه أصبح مزدحماً بأعداد كبيرة من شاحنات بيك-آب التي تقلّ الناس والسلع، من وإلى المهرة. هذه التغيرات تكشف كيف أن الحرب دفعت آلاف اليمنيين للبحث عن حياة آمنة في تلك المدينة وما خلفها من حدود.

Cars being transported along the coastal road
Cars being transported along the coastal road
نقل السيارات على طول طريق المهرة البحري؛ معرض للسيارات المستعملة قرب ميناء نشطون

انتقل حوالى ربع مليون شخص للعيش في المهرة منذ العام 2015، ما أدّى إلى ارتفاع عدد سكانها ليصبح 650 ألف نسمة منذ أوائل العام 2019، وفقاً للسلطات المحليّة. إذا صحّ هذا التقدير، فهذا يعني أن أكثر من ثلث سكان المهرة يتحدّرون من محافظات أخرى.

يُعتبر الكثير من الوافدين الجدد نازحين داخلياً فرّوا من أعمال العنف السائدة في مناطق أخرى من اليمن. لكن، على الرغم من أن المهرة ليست النقطة الساخنة للصراع مع الحوثيين، يشي الانتشار العسكري المكثّف بصراع ظل قيد التشكّل، وبأن القوى الإقليمية منخرطة بشكل كبير في المنطقة.

تسيطر قوات النخبة الحضرمية، التي جنّدتها وموّلتها الإمارات العربية المتحدة، على المناطق الواقعة على طول ساحل محافظة حضرموت المؤدّي إلى المهرة. بينما تسيطر القوات العسكرية التي تشرف عليها السعودية على معظم طرق المهرة ومديرياتها الرئيسة، منذ هيمنتها العسكرية على المحافظة في تشرين الثاني/نوفمبر 2017. يُشار إلى أن عدد هذه القوات يزداد باطّراد، وقد نصبت السعودية مؤخراً مواقع عسكريّة عدة في مناطق مختلفة في المحافظة. ليس لدى عُمان، وهي الدولة المحاذية للمهرة، وجود عسكري فيها. لكنها تدعم بشكل غير مباشر القبائل المحلية التي تواجه السعوديين.

regional map

على الطريق المؤدّي إلى المهرة مررنا بعشرات نقاط التفتيش العسكرية، حيث يتم التدقيق بهويات المسافرين للتأكد من أن الجميع ليس من الشخصيات الموالية للحوثيين، الذين يُعتقد أنهم يعبرون خلسة إلى المهرة أو سلطنة عُمان.

في الغيضة، وهي المركز الإداري للمهرة، ثمة ساحة صغيرة تضم مدرّجاً كان مخصّصاً للاحتفالات الرسميّة، بيد أنه تحول إلى موقع للاحتجاجات التي يشارك فيها المئات، لا بل أحياناً الآلاف من الأشخاص ضد التواجد العسكري السعودي في المحافظة. في أيلول/سبتمبر 2019، أسّس قادة احتجاجات المهرة، بدعم من عُمان، مجلس الإنقاذ الوطني الجنوبي لمواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات وطرد القوات العسكرية التابعة للتحالف بقيادة السعودية من كلٍّ من المهرة وجنوب اليمن. يُطالب هؤلاء القادة من السعودية بوقف التدخلات، وإعادة جميع المرافق الحيوية بما في ذلك المنافذ والمؤسسات الحكومية، وتسليمها إلى أبناء المهرة.

العلم التاريخي لسلطنة المهرة في قشن وسقطرى، التي امتدت 500 عام، حتى سنة 1967؛ وقد رفعه المتظاهرون لتذكير التحالف الذي تقوده السعودية بهوية المهرة المستقلّة.

جاذبية المهرة

على الرغم من التوترات، تنعم المهرة باستقرار نسبي، إذ تقع على بعد 800 ميل من العاصمة صنعاء. ومع أنها لا تضم سوى 1.3 في المئة من مجموع عدد سكان اليمن، إلا أنها ثاني أكبر محافظة في البلاد، إضافةً إلى أنها تشكّل الشريان الأساسي لعلاقات اليمن التجارية مع عُمان. ومنذ الحصار الجوي والبحري والبرّي الذي فرضه التحالف بقيادة السعودية في آذار/مارس 2015، أصبحت المهرة بمثابة شريان حياة يسمح للتجار باستيراد السلع من خلال معابرها الحدودية.

تزخر المهرة كذلك بمواردها الطبيعية. فساحلها الذي يبلغ طوله 350 ميلاً غنيٌّ بالحياة البحرية، وجبالها الخصبة في الشرق – على عكس الصحراء الشاسعة في الشمال – معروفة بأشجار اللبان المنتجة لمادة صمغية تُستخدم في العطور والزيوت والبخور.

A Boswellia tree in eastern Mahra
Local fishermen’s boats docked near Ghayda’s fish market
Yemen-Oman border
الأعلى: شجرة لبّان في شرق المهرة. الوسط: زوارق الصيادين المحليين ترسو بالقرب من سوق السمك في الغيضة. الأسفل: المعبر الحدودي بين اليمن وعُمان في منطقة صرفيت الجبلية في المهرة.

مع أن شجرة القات المنشّطة، لا تُزرع في المهرة، إلا أنها تضطلع بدور اقتصادي يتنامى باطّراد. فهي لم تعد ممارسة معيبة اجتماعياً بالنسبة للكثير من سكان المهرة، لكنها لاتزال ممنوعة في عُمان، لذا يأتي البعض من محافظات عُمان القريبة لمضغ القات في المهرة. وعبر دواوين القات المشتركة، يتعزّز الكثير من الروابط الاجتماعية والتجارية، بين المهرييّن وأولئك الوافدين إلى المحافظة.

A large qat market in Mahra
أحد أسواق القات في المهرة

اقتصاد ناشئ، لكن من المُسيطر؟

من غير الواضح التنبّؤ من سيكون المستفيد الأكبر من النمو الذي تشهده المهرة. فالقوى الإقليمية هناك تتنافس لفرض نفوذها على القبائل اليمنية المحلية التي نأت بنفسها عن الصراع الأوسع في سائر المحافظات اليمنية، إلا أنها تعاني من غياب شبه تام للحكومة اليمنيّة. وحتى الآن، نجحت كل قوة إلى حدٍّ كبير بتعزيز مصالحها الخاصة.

يكمن هدف السعوديين الأساسي والمعلن في إبقاء الحوثيين خارج شرق اليمن، لكن مصالحهم الاقتصادية المتزايدة في المهرة دفعتهم لإبعاد الإمارات، التي تريد هي الأخرى السيطرة لحماية خطوط الملاحة التجارية على الساحل الجنوبي اليمني. أما عُمان، التي كانت أكثر حياديةً في السابق، فقد عزّزت بدورها دعمها غير المباشر لليمنيين – المال والسيارات والتغطية الإعلامية والاتصالات الدبلوماسية – لتأمين حدودها. لايزال مجهولاً كم ستدوم فترة السلام النسبي هذه في ظل ظروف كهذه.

يسعى سكان المهرة القدامى والجدد إلى الاستفادة من الجانب الإيجابي لهذه التحولات، التي أفرزها التنافس الإقليمي، بيد أنهم يواجهون صعوبات كبيرة في إيجاد طريقهم في بيئة تعاني باستمرار من الفساد وترزح تحت وطأة قيود شتّى. فيما كنتُ أجوب أسواق الغيضة، التقيت بسائق أجرة يُدعى رامي، في الثلاثينيات من عمره، ويتحدّر من محافظة إب الواقعة شمال غرب اليمن. قال لي: "كنتُ طالباً في قسم المحاسبة في جامعة إب، لكن عندما تقدّم الحوثيون إلى مدينتي في العام 2014، شعرتُ بخيبة أمل شديدة لأني لم أُرِد رؤية تحكّم الميليشيات بمدينتي الحبيبة. لذا قررت ترك الجامعة، وانتقلتُ إلى المهرة لأعمل في بقالة يملكها أحد أقربائي. ثم بعد ستة أشهر على وصولي، قرّرتُ أن أكون مستقلاً أكثر وبدأتُ العمل كسائق أجرة". بات هذا العمل قيّماً بالنسبة إلى رامي: "أصبحتُ دليلاً أكثر من سائق أجرة. فالكثير من الناس يثقون بي لتيسير أعمالهم بحكم معرفتي للسلطات المحلية في المهرة". في الواقع، ثمة الكثير من الأشخاص مثل رامي، الذين يساعدون بعض التجّار على التعامل مع الإجراءات الحكومية التي غالباً ما تتطلّب دفع الرشى للسلطات والاعتماد على شبكة العلاقات الشخصية.

Popular market in Ghayda City
A man buying qat in a Ghayda market
سوق شعبي في مدينة الغيضة، حيث تُعتبر الدراجات النارية وسيلة نقل أساسية بسبب زحمة السير؛ في الصورة رجلٌ يشتري القات في سوق الغيضة، وفتاة صغيرة تبحث عن الطعام لأسرتها التي تعيش على الأرجح في مخيّم للأشخاص النازحين داخلياً.

على مدى السنوات القليلة الماضية، أُصيبت الحكومة المحلية في المهرة بوهن كبير. لهذا السبب مثلاً بدأ المحافظ السابق محمد كدّة في العام 2017 بالترتيبات لعقد مؤتمر لتعزيز فرص الاستثمار في محافظة المهرة. ونظرًا إلى الاستقرار النسبي في المحافظة، سُرعان ما أبدى عدد من رجال الأعمال اليمنيون، ولاسيما أولئك الذين يعيشون في دول الخليج والأردن ودول القرن الأفريقي، اهتمامهم بذلك، لكن بناءً على طلب السعوديين، أقال الرئيس عبد ربه منصور هادي المحافظ الذي لم يكن على وفاق مع السياسات السعودية في المحافظة، وعيّن راجح باكريت الموالي للسعوديين بديلاً له، وكان أول قرار له إلغاء المؤتمر. مؤخرًا أُقيل باكريت، على إثر صداماته المستمرة مع قبائل المهرة التي تعارض سياساته. وفهمت إقالته كخطوة للخلف من قبل السعودية أمام الرفض القبلي الذي تواجه في المهرة.

خلال فترة وجود راجح باكريت، انتهجت السلطات المحلية في المهرة سياسات سعودية، من ضمنها شراء الولاءات، وتمكين السعوديين في كل مفاصل المحافظة. اقتصادياً، تم رفع التعرفة الجمركية، وحظر حوالى 100 سلعة من دخول المحافظة (إذ يدّعي السعوديون أن الحوثيين قد يستخدمونها لتصنيع الأسلحة).

أحمد ناجي
أحمد ناجي باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركز أبحاثه على الشؤون اليمنية.
More >

ليس السعوديون الطرف الوحيد المنخرط في ملء فراغ الدولة. كان من الصعب خلال تجوّلي في أنحاء المهرة عدم رؤية العدد الكبير من اللوحات الإعلانية التي تحمل أسماء مشاريع تنموية، يحظى معظمها بتمويل من مركز الملك سلمان والهلال الأحمر الإماراتي وجمعيات خيرية عُمانية. وعلى الرغم من أنها تبدو كجهات خيرية تنموية، إلا أنها مرتبطة بحكومات الدول المعنية، وبالتالي فهي مقيّدة باعتبارات سياسية واقتصادية. على سبيل المثال، يدير الهلال الأحمر ضباط عسكريون.

عملت هذه المنظمات على بناء المدارس والمراكز الطبية وتأهيل الطرق والآبار التي تشتدّ الحاجة إليها. لكن وفق ناشط محلي، لا تكمن الدافع وراء مشاريعهم في تطوير المنطقة بل في توسيع نفوذهم. كما أن العديد من المشاريع التي تم الإعلان عنها لم ترَ النور.

شراء الاستقرار

بصرف النظر عما يبدو أنه تلبية لاحتياجات سكان المهرة الأساسيّة، تستخدم القوى الإقليميّة طريقة أخرى مباشرة أكثر لتعزيز نفوذها. ويعتبر أفراد القبائل المسلحة الذين أجريت معهم مقابلات، خلال العامين الماضيين، أن القوات المدعومة من السعودية جنّدت حوالى 6000 شخص من سكان المهرة لكسب ولائهم.

يتم إغراء المجندين إلى حد كبير برواتب مرتفعة نسبياً. يقول أحد المجندين الذين التقيتهم في الغيضة: "كنت عاطلاً عن العمل، قبل العام 2015، ومن دون دخل، لكن عندما بدأ التحالف الذي تقوده السعودية تدخّله في اليمن في آذار/مارس 2015، انضممت إلى صفوف القوات المدعومة إماراتياً، التي كانوا وقتها في المهرة، تقوم بدعم القطاع الأمني. كنت من بين 2500 مجنّد من مختلف أنحاء المهرة. وبعد مضي ثلاثة أشهر من التدريب العسكري، أصبحنا جزءاً من قوات الأمن هناك. كنت أحصل على راتبي الشهري [ما يعادل 400 دولار أميركي] من الإمارات، لكن منذ أن استولى السعوديون على المهرة، صرت أحصل على راتبي منهم".

كما يُمنح رجال القبائل المسلحون رواتب من قادتهم القبليين، المدعومين بمعظمهم من عُمان، ويرغبون في ضمان درجة معينة من الولاء للقبيلة. الأمر الذي يشير إلى أي درجة صار دخل البعض يعتمد على استمرارية الصراع.

عسكرة الساحل في تزايد مستمر

لايزال قسم كبير من سكان المهرة يواجه تحديات جمّة في كسب لقمة عيشه. التقيت محمود وابنه من حجة في غرب اليمن في سوق السمك، وكان قد أتى إلى المهرة لبدء صفحة جديدة من حياته. قال لي "اعتدنا العمل في صيد الأسماك في مدينتي ميدي، القريبة من الحدود اليمنية- السعودية، لكن عملنا توقف عند اندلاع المعارك، لذا قررنا المجيء إلى هنا للعمل نظراً إلى نشاط الصيد السمكي الموجود في المهرة".

ahmoud (left) selling fish in a market near Ghayda’s coast
محمود يبيع السمك في سوق قرب ساحل الغيضة

لكن محمود وغيره من الصيادين يواجهون قيوداً متشددة، إذ يحظر صيد الأسماك الآن في المناطق القريبة من النقاط والمواقع العسكرية السعودية، التي تواصل انتشارها على طول الساحل. الأمر الذي يجبر الصيادين على الذهاب إلى المناطق النائية، بما في ذلك بحر الصومال. وعلى الرغم من وجود علاقات اجتماعية واقتصادية وثيقة تجمع مجتمع المهرة وبعض القبائل الصومالية، إلا أن صيد الأسماك في تلك المنطقة خطر، فأساطيل البحرية تخطئ بين صيادي المهرة والقراصنة في بعض الأحيان.

"خلال العام الفائت، أوقفتني سفينة هندية وسط المحيط، ضربوني واقتادوني إلى سفينتهم، حيث استجوبوني ثم ألقوا بي في .المحيط. واضطررت إلى السباحة حوالى 300 متر للوصول إلى قاربي"

في مقابلة مع سالم، وهو أحد الصيادين المهريين، التقيته في ميناء نشطون، يقول: "خلال العام الفائت، أوقفتني سفينة هندية وسط المحيط، ضربوني واقتادوني إلى سفينتهم، حيث استجوبوني ثم ألقوا بي في المحيط. واضطررت إلى السباحة حوالى 300 متر للوصول إلى قاربي".

كما حظّرت القوات السعودية وصول سفن الشحن إلى الموانئ، على أن يتطلب ذلك الحصول على موافقة مسبقة. وفي كل مرة ترسو فيها سفينة، يصعدون غالباً إلى القوارب بحثاً عن مواد محظورة، مثل أنظمة الكهرباء الشمسية والبطاريات والأسمدة.

A Mahri fisherman preparing to sell his catch
صياد من المهرة يستعدّ لبيع ما اصطاده في سوق الغيضة

يزداد الوضع سوءاً منذ نشر السعوديين لقواتهم في ميناء نشطون في أيلول/سبتمبر 2018. ويزعم هؤلاء أنهم يكافحون شبكات التهريب عبر الحدود اليمنية-العُمانية، ولاسيما تلك المرتبطة بالحوثيين. لكن السلطات المحلية المدعومة من السعودية تصرّح بأن منافذ المحافظة خالية من أي نشاط لشبكات التهريب.

في المقابل، من المرجّح أن السعوديين يعملون على وضع خطط جديدة لإنشاء خط أنابيب نفط ضخم يعبر مضيق هرمز الخاضع إلى سيطرة إيران، ويمتّد من منطقة الخرخير في السعودية إلى ساحل المهرة، في خطوة ستعزّز الأمن وتقلّص تكاليف النقل البحري إلى حدّ كبير. وقد ظهر العديد من التسريبات حول توجهات السعودية لإقامة هكذا مشروع، وتمت تسميته في بعض الصحف السعودية بـ"مشروع القرن".

Salem, a Mahri fisherman (second from the left) with this commentary’s author
On the coast near Nishtun Port
أعلى: الصياد سالم من المهرة (الثاني من اليسار) مع كاتب هذا المقال أحمد ناجي (في الوسط)، وفي الخلف قوارب الأمن السعودية الراسية في ميناء نشطون. أسفل: مشروع تطوير تابع لرجل أعمال نفط يمني موال للسعوديين، على الساحل قرب ميناء نشطون.

المهرّبون على الساحل يزاولون نشاطهم بحرية تامة

مع ذلك، تشكّل طرق التهريب التي تصل إلى الساحل مشكلة كبيرة. يتحدّث بعض السكان المحليين الذين قابلتهم في مديرية قشن، عن "تدفق البضائع المهربة ملحوظ على طول الساحل من المهرة حتى عدن [جنوب غرب اليمن]، الذي يبلغ طوله 1000 كيلومتر تقريباً [621 ميلاً]، وتنتشر هذه الأنشطة في جميع أنحاء الأراضي اليمنية، حتى بين مختلف الأطراف المتحاربة، بما فيها قوات هادي والمجلس الانتقالي الجنوبي والحوثيين. وبالنظر إلى الدخل الجيد الذي يتمّ جنيه من هذه الأنشطة، أصبحت شبكات التهريب إحدى مظاهر اقتصاد الحرب".

تسرّب عائدات السلطة المحلية

على الرغم من حركة التهريب، شهدت إيرادات الجمارك، تضخماً منذ العام 2015، حيث يتحدث مدراء منفذ شحن عن أنها تصل حالياً إلى ما بين 3 و4 ملايين دولار شهرياً. وفي قلب الحدود العُمانية- اليمنية، بات منفذ شحن من بين المنافذ البرية الأكثر ازدحاماً في اليمن. ويُعدّ الآن الطريق الرئيس لدخول البضائع إلى اليمن، ونافذة على العالم بالنسبة إلى الأشخاص الساعين إلى السفر وممارسة الأعمال التجارية مع عُمان، إضافةً إلى السفر عبرها إلى الصين والهند، أكبر شركاء اليمن التجاريين. منذ العام 2015، قامت السلطات العُمانية بتخفيف القيود على التأشيرات بشكل كبير عند المعبر، في محاولة ربما لتعزيز صورتهم من خلال تقديم بديل آمن لرجال الأعمال والطلاب والمرضى الراغبين في السفر إلى الخارج.

لكن للأسف، تسيطر السلطات المحلية المدعومة من السعودية على المعبر، وترفض إرسال الإيرادات الجمركية المطلوبة إلى المصرف المركزي. وبدلاً من ذلك، تُستخدم الأموال لشراء ولاء القبائل المحلية. وفي الوقت نفسه، لاتزال المؤسسات العامة في المهرة تعاني عجزاً مالياً.

معبر شحن على الحدود اليمنية- العُمانية. من اليسار: العام 2015. من اليمين: العام 2018.

هل نمو المهرة مستدام أم بيت من ورق؟

من المرجّح أن يحمل المستقبل معه المزيد من التحديات للمهرة، إذ يشير أحد السيناريوات المطروحة إلى تفاقم حدّة التوترات، بحيث تواصل السعودية توسيع سيطرتها على مناطق المهرة ومجتمعها، وتزيد القبائل المعارضة للسعودية مقاومتها بدعم من سلطنة عُمان، التي قد تدفع بتعزيزات عسكرية قرب الحدود. وفي حال حدوث ذلك، قد يؤدي اندلاع أعمال قتالية إلى الحدّ بشكل كبير من الاستقرار النسبي، والنمو الذي تشهده المهرة.

في سيناريو آخر، قد تخفف السعودية تواجدها العسكري وتترك المجال أمام المجتمع المهري لتقرير نمط إدارة منطقته عبر السلطة المحلية. لكن لا توحي التحركات العسكرية السعودية في المهرة باحتمال حدوث هذا السيناريو. فكل المؤشرات تكشف عن رغبة جامحة للسعودية بالهيمنة العسكرية الكلية على هذه المحافظة.

أخيراً، لا يمكن أن يتحقّق السلام والنمو الدائمين في المهرة، أو غيرها من مناطق اليمن، إلا عبر عودة حكومة يمنية قوية، تحول دون التدخلات الخارجية. لكن، ونظراً إلى مدى تعقيد الوضع في اليمن واتّساع رقعة الصراع، يبدو هذا الهدف بعيد المنال.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.