طرابلس، ليبيا – عند تقاطع تكسوه الوحول، على مسافة نحو مئة وخمسين قدماً من الجبهة الأمامية، اقترب منّا مقاتل ميليشياوي نحيل لدى مرورنا من هناك هذا الشهر، ثم استدار فجأةً عندما رآني بعدما تنبّه إلى أنني مواطنٌ غربي. كنتُ أغطّي النزاعات في ليبيا منذ سنوات، وقد لاحظتُ بعض التفاصيل الصغيرة إنما المختلفة في مظهره: فقد كان يربط خرقة حول رأسه، ويرتدي سترة قتالية زيتية اللون، وربما كانت لديه وقفةٌ عسكرية معيّنة. وقد أكّد القائد الليبي الذي كنت برفقته الأمر، وقال ضاحكاً: "هذا ليس مظهراً ليبياً".

بعد خمس عشرة دقيقة، أصبحتُ داخل فيلا من الخرسانة المصبوبة تُستخدَم مسكناً لمجموعة من المقاتلين السوريين الأشدّاء. جلس أمامي على أريكة أرجوانية مصنوعة من نسيج البَلش، خلف طاولة قهوة تناثرت عليها المنافض والأباريق المصنوعة من الزجاج المنفوخ، قائد المقاتلين السوريين، وهو ضابط سابق في الجيش السوري يدعى أحمد في الرابعة والثلاثين من العمر، ومعه مقاتلان سوريان آخران. يبلغ عدد المقاتلين السوريين نحو خمسمئة عنصر في هذا القطاع من الجبهة، وقد أخبروني أنهم وصلوا إلى ليبيا منذ بضعة أيام، وأنهم جزء من فرقة أكبر مؤلَّفة من حوالي ألفَي عنصر ميليشياوي سوري بدأوا بالوصول قبل شهر، فضلاً عن عسكريين أتراك. وقالوا إنه يُرتقَب قدوم ستة آلاف مقاتل سوري إضافي.

التدخّل العسكري التركي في ليبيا، الذي يشمل نشر مقاتلين سوريين، هو أحدث خطوة على رقعة الشطرنج في إطار الحرب الأهلية التي اندلعت بعد ثورة 2011 ولاتزال تتوالى فصولاً، وكذلك في إطار التدخل الذي يقوده حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعملية إطاحة الديكتاتور معمر القذافي. ومنذ ذلك الحين، تفكّك هذا البلد الغني بالنفط وتحوّل إلى خليط من المناطق والبلدات والميليشيات التي تتناحر على النفوذ والثروات.

وقد تسبّب الدعم العسكري الخارجي للفصائل المتناحرة بتفاقم الفوضى. واندلعت جولة القتال الأخيرة في 4 نيسان/أبريل من العام الماضي، عندما شنّت الميليشيات الخاضعة لأمرة اللواء خليفة حفتر الذي يتخذ من بنغازي مقراً له، هجوماً على حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً في العاصمة طرابلس، ماأدّى إلى تقويض الحوار الذي أُطلِق برعاية الأمم المتحدة لإنهاء النزاع في البلاد. وقد أسفر القتال عن مصرع مايزيد عن ألفَي شخص حتى تاريخه، بينهم مئات المدنيين، ونزوح مئات الآلاف.

قدّم عددٌ من البلدان المساعدات العسكرية إلى حفتر، إعجاباً منها بميوله السلطوية والمناهضة للإسلام المتشدّد، وهذه البلدان هي فرنسا ومصر والأردن والسعودية، وبوجهٍ خاص الإمارات العربية المتحدة التي أرسلت طائرات مسيّرة مسلّحة وطائرات ثابتة الأجنحة لمؤازرته، وغالباً ماتسبّب بسقوط ضحايا في صفوف المدنيين. وفي مطلع أيلول/سبتمبر من العام الماضي، وصلت قوة خارجية فعالة أخرى كناية عن مئات المقاتلين الروس الذين ينتمون إلى مايُسمّى بمجموعة واغنر، وهي شركة مقاولات عسكرية تعمل في الظل وتشارك في العديد من النزاعات الأخرى حول العالم، ويُقال إنها مرتبطة برجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوزين، الملقّب أحياناً بـ"طاهي بوتين" لأنه كان يؤمّن خدمات الطعام للكرملين. وقد منح مقاتلو واغنر هجوم حفتر تفوّقاً كبيراً على طرابلس من خلال شنّ هجمات أكثر دقّة بالمدفعية، والاستعانة بقنّاصين ذوي تدريب جيد.

في تلك الفترة، عاينتُ عن كثب كيف تسبّب الدعم الروسي بإحباط معنويات مقاتلي حكومة الوفاق الوطني على الجبهة، وأتاح لقوات حفتر بأن تحقق شيئاً فشيئاً مكاسب على الأرض. وفي مواجهة هزيمةٍ محتملة، اعتمدت حكومة طرابلس بصورة متزايدة على حليفتها المخضرمة تركيا التي تُعتبَر الجهة الخارجية الوحيدة الراعية لها عسكرياً. ومنذ أيار/مايو 2019، تقوم تركيا سراً بإرسال طائرات مسيّرة مسلّحة دعماً لقوات حكومة الوفاق الوطني، وتولّت أيضاً تأمين أعداد صغيرة من المستشارين والتقنيين العسكريين. لكن، وبعدما كانت تركيا متردّدة في إرسال قوات برية، تبدّل الوضع على مايبدو في مطلع كانون الثاني/يناير، عندما صادق البرلمان التركي على اتفاق دفاعي مع حكومة الوفاق الوطني الليبية في طرابلس.

ذكّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في سياق دفاعه عن دور عسكري أوسع لبلاده في ليبيا، بالروابط التاريخية بين البلدَين. ولكن ثمة دوافع اقتصادية أيضاً خلف هذه الخطوة. فقد وقّعت أنقرة اتفاقاً في تشرين الثاني/نوفمبر مع حكومة الوفاق الوطني حصلت بموجبه على حقوق التنقيب في حقول النفط والغاز قبالة شاطئ المتوسط، وتتطلّع أيضاً إلى إبرام عقود في مجالَي البنى التحتية والسلاح في ليبيا، وهو ماقد تخسره في حال استيلاء حفتر على السلطة.

يندرج ذلك كله في إطار السعي إلى توسيع نفوذ تركيا الجيوسياسي في عهد الرئيس أردوغان. لكنه يحمل مخاطر سياسية على المستوى الداخلي: فخوضُ تركيا مغامرة عسكرية في ليبيا قد يؤدّي إلى إغراقها في مستنقع. ولذلك تُشكّل الاستعانة بالمقاتلين السوريين وسيلةً ملائمة يستخدمها أردوغان لتجنّب هذه المخاطر، فيما يستمر في ممارسة تأثيره على مستقبل ليبيا. وفي بعض الحالات، يُستمَدّ هؤلاء المقاتلون من القوات السورية نفسها التي أرسلها أردوغان إلى شمال سورية كي تخوض القتال بالوكالة عن بلاده. ولكن هذا الانتشار الجديد في شمال أفريقيا يَحدث بعيداً جداً من الحدود التركية، ويعكس تطلعات أنقرة إلى فرض نفوذها على المستوى الإقليمي.

لقد عمدت الحكومة التركية، منذ أواخر العام الماضي، إلى تجنيد هؤلاء الميليشياويين السوريين للخدمة في ليبيا وقطعت لهم وعوداً بإعطائهم راتباً شهرياً مغرياً (يُقال إنه يبلغ 2000 دولار في الشهر) ومنحهم الجنسية التركية (علماً بأن أحمد ذكر أنه حصل على هذه الجنسية قبل أكثر من خمس سنوات). في نظره ونظر السوريين الآخرين في الغرفة، الرابط مع تركيا عميق التجذّر: فهم تركمان سوريون لناحية الانتماء الإثني، أي مواطنين سوريين تجمعهم بتركيا روابط متوارثة أباً عن جد. وهم أيضاً جزءٌ من ميليشيا سورية أوسع مدعومة من تركيا تُعرَف بفرقة السلطان مراد تيمّناً بأحد الحكّام العثمانيين، وتضم عدداً كبيراً من التركمان.

قال أحمد: "أنتمي إلى الجيش التركي، ولدينا جميعنا منازل في اسطنبول أو غازي عنتاب [مدينة كبرى في جنوب تركيا]".

قبل المجيء إلى ليبيا، حارب أحمد ورفاقه السوريون في الجيش السوري الحر ضد نظام الرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية الدموية التي تشهدها سورية. يعرف أحمد نظام الأسد تمام المعرفة. فقد أبصر النور في حلب من أبٍ تركي وأمٍ سورية، وكان ملازماً في القوات الخاصة السورية قبل أن ينشق عن القوات الحكومية في عام 2011، في بداية الثورة السورية.

بعد ذلك، خاض القتال على مدى سنوات عدّة، في حلب وحمص والقصير وإدلب، كما قال وهو يتنقّل عبر مقاطع فيديو تحتوي على مشاهد حيّة في هاتفه الخلوي. وذكر "صديقَين" أميركيين "جون وجوش" – يُفترَض أنهما من موظفي وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) – تولّيا تدريب الجيش السوري الحر وتسليحه. كانت حرباً همجية ومتواصلة اتّسمت بالتحالفات المتبدّلة والخيانة، وهو أمضى في إحدى المرات تسعة أشهر مسجوناً لدى مجموعة ثورية معادية هي جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة. وقد اتُّهِمت فرقة السلطان مراد، إلى جانب مجموعات سورية أخرى مدعومة من تركيا، بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، آخرها في العام 2019 خلال توغّل قادته تركيا في شمال شرق سورية.

روى المقاتلون السوريون في ليبيا أنهم وصلوا إلى هناك من خلال المطار الوحيد الذي لايزال يعمل في طرابلس، على متن طائرة عسكرية تركية آتية من اسطنبول. وتوجّهوا إلى غرفة عمليات في المطار تضم مجموعة من الضباط الأتراك الذين يعملون عن كثب مع قادة ميليشيات سوريين وليبيين. كان أحد هؤلاء القادة الليبيين في استقبالي على الجبهة، وهو مهندس سابق يدعى محمد الضراط وتولّى قيادة المقاتلين في معارك عدّة منذ العام 2011.

رافقتُ الضراط في العام 2016 عندما كان يحارب الدولة الإسلامية في مدينة سرت الليبية، بمساعدة من الهجمات الجوية وأجهزة الاستخبارات الأميركية. أما الآن فقد سحبت الولايات المتحدة، كما يقول، الفرقة العسكرية الصغيرة التي كانت تعمل مع القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني في العاصمة بعدما بدأ حفتر هجومه العام الماضي. وبعيد انطلاق الهجوم، اتصل الرئيس ترامب هاتفياً باللواء حفتر للتعبير عن تأييده للعملية التي يشنّها. وفي حين عاد بعض العناصر الاستخباريين والعسكريين الأميركيين إلى غرب ليبيا الخاضع لسيطرة حكومة الوفاق الوطني، لاتزال السياسة الأميركية في الملف الليبي ملتبسة. فالالتزام الأميركي المتأرجح هو من الأسباب التي دفعت بحكومة الوفاق الوطني المحاصَرة إلى الاعتماد على الدعم التركي الذي يتجلّى من خلال هؤلاء المقاتلين السوريين الذين تتفاوت ردود الفعل تجاههم في ليبيا.

نجح التدخل التركي-السوري في ليبيا في منح جرعة من الزخم لحكومة الوفاق الوطني التي هبطت معنوياتها في مواجهة حلفاء حفتر الخارجيين الأكثر عدداً. وفي هذا الصدد، قال لي الضراط: "نشعر بثقة أكبر الآن"، واصفاً كيف اندمج السوريون سريعاً في الميليشيات الليبية، وباتوا يتشاطرون المهام في ساحات المعارك ويسدّون الثغرات على مستوى العناصر في الجبهة الأمامية الممتدّة حول العاصمة. وشرح لي أنهم يشاركون، عندما يصبحون ملمّين بطبيعة الأرض المحلية، في الهجوم المضاد إلى جانب الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

علّق القائد العسكري محمد شابِكاً أصابع يدَيه: "نحن ممتزجون معاً على نحوٍ كامل". وأقرّ بأن بعض السوريين هم محاربون قدامى كانوا سابقاً عناصر في جيش الأسد، لكن بعضهم الآخر مدنيون اكتسبوا خبرة قتالية من خلال مشاركتهم في الحرب الأهلية السورية على مر سنوات عدة، ولكنهم يفتقرون إلى التدريب العسكري النظامي. وتتولى فرقة شرطة داخلية مرافقة المقاتلين في ليبيا لفرض الانضباط، في إطار مسعى يُعتقَد أن الهدف منه هو الحؤول دون تكرار المزاعم التي تُوجَّه إلى الميليشيات المدعومة من تركيا في شمال سورية بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. وقد أخبرني أحد العاملين في المجال الإنساني في ليبيا لاحقاً أن منظمته لم تتلقَّ، حتى تاريخه، أي تقارير من مدنيين ليبيين عن تعرّضهم للمضايقات على أيدي المقاتلين السوريين.

بيد أن الليبيين ليسوا جميعهم راضين عن الوجود السوري. ففي نظر بعضهم، وصول السوريين إلى الجبهة هو إهانةٌ لعزّة ليبيا الوطنية وجبروتها في القتال، ومصدر إحراج لحكومة الوفاق الوطني مع قيام معسكر حفتر بتحويل هذا الاستياء إلى أداة للبروباغندا. وقال لي خالد المشري، وهو مسؤول كبير في الإدارة في طرابلس، إن القادمين ليسوا سوريين بالمعنى الحصري بل تركمان فقط، ويعملون في تأمين الخدمات اللوجستية وفي مجال الترجمة وحسب، ولا يشاركون في القتال، لكن هذا الكلام يتنافى مع ماقاله لي المقاتلون السوريون والقادة العسكريون الليبيون على الجبهة.

إضافةً إلى ذلك، يقول بعض القادة العسكريين الليبيين إن الحاجة الفعلية للقوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني ليست إلى مزيد من المشاة، بل إلى مساعدة تقنية وسلاح متطوّر، أي مزيد من الطائرات المسيّرة، وأجهزة التشويش على الطائرات المسيّرة، ومزيد من المدفعيات، ونظم الدفاع الجوي. وقد بدأت هذه المعدات بالوصول من تركيا وتساهم في حدوث تحوّل في ميزان القوى في ساحة المعركة، أكثر مما يفعل الوجود السوري، كما يقول بض القادة العسكريين الليبيين.

ويبدو انتشار السوريين في ليبيا سهلاً نسبياً – في الوقت الحالي – مقارنةً بالظروف السائدة في وطنهم الأم الذي يرزح تحت وطأة الحرب. فقد ظهرت علامات الاسترخاء على أحمد الذي يرتدي سترة من الصوف ويضع الجِل على شعره – ولديه حتى متّسع من الوقت لممارسة الرياضة على آلة المشي في الفيلا. وقد زعم أحمد أن عدد القتلى في صفوف السوريين في ليبيا اقتصر على قتيل واحد حتى تاريخه، علماً بأن مصادر المعارضة السورية تتحدث عن رقم أعلى هو ثمانية وعشرون. وعلى الرغم من إبرام هدنة هشّة بين حكومة الوفاق الوطني وقوات حفتر قبل أسابيع عدة، لاتزال البلاد تشهد جولات متقطّعة من القصف والهجمات الجوية والقنص.

نهض أحد المقاتلين في فرقة أحمد ليُقدّم لنا كوباً آخر من القهوة سريعة التحضير.

وقد سأل الضراط السوريين ساخراً: "ألا يوجد سكر لإضافته إليها؟"

فأجاب العنصر السوري ببرودة أعصاب: "هذا نسكافيه".

فأسرّ إليّ الليبي ضاحكاً: "لايمكنني أن أشربه". فهذا الشراب الخفيف ذو المذاق المحروق هو إهانةٌ لذوق الليبيين الذين يحبّون القهوة الإيطالية الرغويّة التي تُشكّل جزءاً من الإرث الذي خلّفه الحكم الاستعماري الإيطالي.

شدّد أحمد على مشروعية الدور الذي يؤدّيه السوريون في ليبيا قائلاً: "لسنا مرتزقة. جئنا بطلبٍ من الجيش الليبي والشعب الليبي، ونحن نعارض الديكتاتورية". ولكن لاتلتقي مصادر سورية أخرى تماماً حول تأييد هذه السردية التي تعبّر عن رغبة في مساعدة الغير. فهم يشتكون من أن التدخل التركي في ليبيا يُشكّل ملهاةً عن المعركة ضد نظام بشار الأسد في سورية، ولاسيما المعركة على مدينة إدلب التي تُعتبَر من آخر معاقل الثوّار. وقد قال لي محللٌ في تركيا مقرّب من المعارضة السورية، في مكالمة هاتفية هذا الأسبوع، إن "هذه العملية [في ليبيا] تسببت بتصدّع واضح بين فصائل المعارضة... فقد جاءت في وقتٍ تعاني فيه إدلب وتحتاج [إلى المقاتلين السوريين]". فضلاً عن ذلك، تشير بعض الروايات إلى أن الحرمان الاقتصادي في سورية والرواتب والمنافع المغرية التي تُقدّمها تركيا هي العوامل الأساسية التي تدفع بالسوريين إلى الموافقة على التوجّه إلى ليبيا.

سألت السوريين، إلى متى يتوقعون البقاء في ليبيا؟

فكان جواب أحمد: "طالما هناك حاجة إلينا. لانريد أن تُدمَّر ليبيا مثلما دُمِّرت سورية". ومن أجل الحؤول دون حدوث ذلك، يجب، وفقاً له، مواجهة الدولة الأجنبية التي قلبت موازين المعركة في طرابلس لمصلحة حفتر في أواخر العام الماضي، وهذه الدولة هي عدوٌّ لدود يعرفونها جميعاً تمام المعرفة.

أضاف أحمد: "روسيا هي العدو الأكبر في نظرنا". وأكّد أن مقاتليه قتلوا، قبل يومَين، قنّاصاً روسياً كان موجوداً على مقربة من الفيلا (علماً بأن أحمد لم يقدّم أي إثبات فيما خلا صورة بندقية عثروا عليها في المكان). كان هذا شكلاً من أشكال الثأر بالنسبة إلى هؤلاء السوريين الذين شاهدوا مدنهم تُدمَّر تحت وابل القذائف الروسية.

قال لي دبلوماسي غربي لاحقاً: "يقومون بتصفية حسابات هنا في ليبيا، ويتقاضون أموالاً طائلة مقابل ذلك".

ولكن المعركة ضد التدخل الروسي في هذه الشواطئ المتوسطية تنطوي على مفارقة. فقبل بضعة أسابيع، بدأت قوات واغنر، وفقاً لمقاتلين ليبيين ودبلوماسيين أجانب، بخفض دعمها القتالي لقوات حفتر على الجبهة، واكتفت بالاستعانة بالقنّاصين على غرار القنّاص الذي يزعم رجال أحمد أنهم أردوه قتيلاً. وجاء الانسحاب الجزئي عقب اجتماع بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس أردوغان في اسطنبول في مطلع كانون الثاني/يناير، ماأسفر عن توقيع اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار في ليبيا في 12 كانون الثاني/يناير. وقد تمكّن هذا الاتفاق المتقلقل لوقف الأعمال الحربية من الصمود بصورة أساسية، على الرغم من أن حفتر امتنع عن توقيعه، ويُقال إنه فعل ذلك نزولاً عند طلب الإمارات العربية المتحدة، حليفته الأساسية منذ وقت طويل.

وهكذا التفّ الاتفاق التركي-الروسي على الجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي لإحقاق السلام مسدِّداً لها ضربة مذلّة، بعدما عانت هذه الجهود لفترة طويلة من التعثّر بسبب الانقسام الأوروبي. وبعد طول انتظار، انعقدت قمة دولية حول ليبيا استضافتها الحكومة الألمانية في برلين في 19 كانون الثاني/يناير، أي بعد أسبوع من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لكن القمة فشلت حتى في هندسة اجتماعٍ بين اللواء حفتر ورئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني، وفشلت حكماً في إضفاء طابع رسمي على وقف إطلاق النار. وقد أشارت الجهات الخارجية الداعمة للواء حفتر، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة وفرنسا، إلى أنها لاتزال تعتقد أنه قادر على الاستيلاء على طرابلس بالقوة. ويبقى عاملٌ أساسي مجهولاً، وهو مدى استعداد روسيا لدعم حفتر في جولة جديدة من جولات الحرب. ففي حال قدّمت له روسيا الدعم، قد يرسل الرئيس أردوغان مزيداً من القوات التركية والسورية إلى ليبيا، علماً بأنه قد يعمد، في لعبة النفوذ الإقليمي التي هي أشبه بلعبة الشطرنج، إلى سحب تلك القوات بسهولة مقابل الحصول على تنازلات من روسيا.

وم يبدُ أحمد منزعجاً من كونه بيدقاً في هذه اللعبة. فقد أشار إلى أن المحادثات التركية-الروسية هي "لوسائل الإعلام فقط" وأنها تجري "بين الرئيسَين وحسب". ولكنه يعي تماماً كيف أن القوى الكبرى لاتتورّع عن التخلّي عن حلفائها المحليين. فقد قال لي: "تخلّى العالم عن إدلب للروس"، متجاهلاً تواطؤ الأتراك في هذه الخيانة المفترضة.

فيما كنّا نسير خارج الفيلا في هواء الصباح المنعش، سمعنا صوت إطلاق نيران متقطّع من الجبهة المجاورة حيث مجموعة من المباني الرمادية التي تحيط بها أشجار الشربين. قبل أسبوعَين، على مقربة من هنا، قتل قنّاصو حفتر العديد من المدنيين الليبيين النازحين الذين كانوا يحاولون تفقّد منازلهم. ولاحقاً أخبرني متطوّع شاب لدى منظمة إنسانية محلية أنه حاول مع زملائه تكراراً انتشال الجثث، لكنهم لم يفلحوا في ذلك بسبب إطلاق النيران المتواصل من جهة حفتر.

وقد سخر أحمد نفسه من فكرة وجود وقفٍ لإطلاق النار. ففي الأيام الأخيرة، قصفت قوات حفتر مطار طرابلس الخاضع لسيطرة حكومة الوفاق الوطني، بذريعة أنه يُستخدَم لدخول القوات السورية عبره. وقد رجّح أحمد أن يشتد القتال ضد الروس في حال كلّف بوتين من جديد قوات واغنر التدخل لمساعدة حفتر، وفقاً لما يتوقّع هو.

وفيما كنّا نتبادل تحية الوداع، سألت القائد العسكري السوري عن عائلته. فأجاب أن لديه ثلاث بنات تركهنّ في سورية. لكنه أقرّ، بصراحة مفاجئة، بأنه مستعد لمواصلة القتال، ليس فقط في ليبيا، بل "حيثما هناك حاجة إلي".

تم نشر هذا المقال في مجلة New York Review of Books.

*يتوجّه الكاتب بالشكر إلى ساندي القطامي على المساعدة البحثية التي قدّمتها.

**ورد خطأ في نسخة سابقة من هذا التقرير أن البراميل المتفجّرة التي أرسلتها روسيا أُلقيَت على مناطق خاضعة لسيطرة الثوّار في سورية؛ لقد استخدمت روسيا أسلحة تقليدية لابراميل متفجرة. وعليه، جرى تحديث المقال.