كان الجيش العربي السوري أساسيًا لبقاء النظام على مدار ثماني سنوات من الحرب الأهلية. ولا شك أنه قد تغير كثيرًا من خلال الملاءمة والتغيير للحفاظ على النظام والدولة من الانهيار التام. سوف يستمر الجيش السوري في أداء دور مركزي في البلاد، خصوصًا وأن الحرب على وشك الانتهاء وأن المؤيدين الرئيسيين لدمشق، أي روسيا وإيران، بحاجة إلى الجيش السوري لإبقاء النظام على قيد الحياة.

ومع ذلك، انخفضت قدرات الجيش القتالية خلال الحرب انخفاضًا كبيرًا، وقد زاد الأمر سوءًا جراء الأسئلة عن دوره كالمؤسسة المنوط بها تعزيز وحدة البلاد. فاليوم، واحد من أهم الأسئلة لاستقرار البلاد والمصالحة السياسية هي الكيفية التي سوف يتحول بها الجيش العربي السوري وما إذا كانت الحكومة المركزية ستكون قادرة على تنفيذ إصلاحات عسكرية لإعادة سلطة الجيش وتحفيز المصالحة داخل سوريا في آن واحد. وحقيقة أن موسكو وطهران لهما نهجان مختلفتان للإصلاح العسكري تجعل هذه المسألة معقدة.

أليكسي حليبنيكوف
أليكسي كليبنيكوف مستشار وخبير في شؤون الشرق الأوسط في المجلس الروسي للشؤون الدولية.

من أهداف الحملة العسكرية الروسية في سوريا إظهار بديل ناجح للنهج الغربي تجاه النزاعات في المنطقة (مثال ذلك، في العراق وليبيا واليمن). ترى موسكو أن هذا النهج الغربي قد فشل تمامًا. ولإظهار هذا النجاح، يتعين على روسيا مواجهة أحد أكبر التحديات وهو النجاح في إصلاح الجيش العربي السوري، الذي يُتصور إعادة صياغته مع التركيز على التعليم والتدريب العسكريين ومراقبة عملية التحول والمصالحة العسكريين مع ضمان الاستقرار على مدار هذه الفترة.

سوف يناقش هذا المقال الأسباب الكامنة وراء خطة روسيا لإصلاح الجيش السوري، والعوامل التي دفعت موسكو إلى اتخاذ هذا المسار، وما عملته روسيا بالفعل وما تقوم به على هذا المسار، بالإضافة إلى القيود والتحديات.

الزخم الروسي لإصلاح الجيش العربي السوري

تدخلت روسيا عسكريًا في النزاع السوري منذ 30 سبتمبر/أيلول 2015. خططت موسكو في البداية أن تستغرق العملية العسكرية عدة شهور بدلاً من عدة سنوات. ومع ذلك، فقد ثبت خطأ الحسابات فتعين على روسيا أن تتلاءم مع واقع جديد تمثل في جيش سوري شديد التفتت وعديم الفعالية.

قررت موسكو التدخل في الحالة الأولى لأن النظام بدا وكأنه على مسافة عدة شهور فقط، إن لم تكن عدة أسابيع، من الانهيار. كان واضحًا للروس أن الجيش العربي السوري لم يكن فعالاً في تحقيق الاستقرار في النزاع والحفاظ على سيادة الدولة، ولذلك أصبح إصلاح الجيش العربي السوري محوريًا في تدخل روسيا. من الناحية التاريخية، كانت روسيا تعتبر الجيش هو المؤسسة المركزية لجهاز الدولة والعمود الفقري الأكثر فعالية للاستقرار في المنطقة لأن بإمكانه توفير ضمانات معينة. ولهذا السبب فإن روسيا لها مصلحة خاصة في إصلاح الجيش السوري. إنها تحتاج إلى إنشاء مؤسسة عسكرية فعالة تكون لها سيطرة مشددة على البلاد، ويمكنها أن تحافظ على استقرار البلاد، ويمكنها أن تكون شريكًا موثوقًا به يمكنه ضمان المصالح الروسية في سوريا. وقد أعرب الكرملين عن أمله في أن يؤدي نزع السلاح بنجاح وتسريح الجنود وإعادة دمج قوات المتمردين، بالإضافة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار اللذين تؤدي روسيا فيهما الدور القيادي بعد انتهاء النزاع، إلى زيادة سمعتها على الساحة العالمية كوسيط رئيسي في النزاع.

أتاح التاريخ الدبلوماسي القوي للعلاقات السورية الروسية يدًا صلبة لروسيا في المساعدة على إصلاح الجيش العربي السوري وإعادة هيكلته. كان الاتحاد السوفيتي خلال الحقبة السوفيتية ابتداءً من سنة 1955 وصاعدًا شريكًا سياسيًا وعسكريًا لسوريا، إذ زودها بالأسلحة وبالمعدات الحديثة وقدم المشورة للجيش السوري وعلَّمه على نموذج الجيش الأحمر السوفيتي، كما ساعد على إنشاء بنية تحتية عسكرية. وقد ساهم هذا كله في إنشاء أساس قوي لروسيا للبدء في إصلاح الجيش السوري المفتت والضعيف في سبتمبر/أيلول 2015. ومع ذلك، مع توسع التدخل الروسي، ظهر تحديان في إصلاح الجيش العربي السوري: إعادة تأسيس احتكار الدولة السورية لاستخدام القوة والتناسب مع وجود إيران على الأرض.

إعادة تأسيس احتكار الدولة السورية لاستخدام القوة

أصبح من الواضح منذ بداية النزاع السوري أن النظام لم يكن بإمكانه الاعتماد على الجيش العربي السوري بمفرده لتدعيم سلطته، فبدأ في تفكيك احتكار الجيش لاستخدام القوة. نظم النظام ميليشيات محلية موالية للحكومة لموازنة تعبئة القوات المناهضة للحكومة. ومع ذلك، فإن سنوات الحرب الأهلية الثمانية في سوريا كانت تعني أن الميليشيات الموالية للحكومة بدأت تشكل تهديدًا لسيادة الدولة حيث نمت في الحجم والأعداد والنفوذ.

تدرك موسكو إدراكًا واضحًا أنه على المدى القصير إلى المدى المتوسط، يمكن لعشرات الآلاف من رجال الميليشيات المؤيدين للحكومة والذين لا يخضعون للرقابة تحدي سيادة النظام وسيطرته. فقد عمل بعض قادة الميليشيات كأمراء حرب محليين، ولكن ظهرت منافسات بين الجيش العربي السوري والميليشيات إذ أصبح قادة الميليشيات معادين لمشاركة السلطة مع دمشق.

تسبب هذا التنافس في المزيد من تآكل سلطة الجيش العربي السوري وهيكل القيادة. تفيد بعض التقديرات بأن القيادة المركزية السورية كانت في سنة 2018 تسيطر بالكامل على ما يتراوح بين 20 ألف و25 ألف من الجنود والضباط، في حين أن عدد رجال الميليشيات المختلفة الموالين للحكومة الذين يعملون في سوريا كان يصل إلى ما يتراوح بين 150 ألف و200 ألف. وعلى الرغم من زيادة قوة تعداد الجيش العربي السوري منذ سنة 2018، سيطرت الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة على ساحة المعركة، مما يعقد مسألة مساءلتها والسيطرة عليها ويتسبب في مخاطر إضافية للحكومة المركزية في سوريا. ولهذا السبب، سوف يضطر النظام على المدى الطويل إلى التوصل إلى صيغة لإدماج قادة الميليشيات ومصالحهم في النظام العسكري الجديد. وهذا بالضبط ما تهدف موسكو لعمله.

التناسب مع وجود إيران على الأرض

في هذا السياق، فإن الوجود المتزايد لإيران في سوريا بإنشاء ميليشيات موالية للحكومة وتمويلها، يزيد من تعقيد القضية بدرجة أكبر. فخلال النزاع، لجأ النظام السوري إلى استخدام ميليشيات شيعية أجنبية برعاية إيران في المقام الأول: وهي حزب الله اللبناني وكتائب ذو الفقار العراقية وكتائب أبو فضل العباس العراقية وفيلق القدس الإيراني وقوات الجيش الإيراني في وقت لاحق ولواء فاطميون الأفغاني الشيعي ولواء زينبيون الباكستاني. وقد ساعدت هذه الميليشيات الموالية للحكومة النظام على البقاء، ولكنها في الوقت نفسه تسببت في الاعتماد المفرط على إيران وسمحت لطهران بتأسيس وجود عسكري صارم في سوريا.

اعتبرت روسيا أن مثل هذا الموقف كان سيفًا ذا حدين. فمن ناحية، كانت روسيا بحاجة إلى القوات الإيرانية على الأرض ووافقت على نشر قواتها الجوية في سوريا بشرط أن توفر إيران المزيد من القوى البشرية لجعل التدخل الجوي لموسكو أكثر فعالية. ومن ناحية أخرى، أدى ذلك إلى اعتماد دمشق المفرط على الميليشيات الموالية لإيران، وهذا ما يُعد الآن أحد العقبات الرئيسية لإصلاح الجيش والبدء في عملية فعالة لنزع السلاح وتسريح الجنود وإعادة الدمج.

في حين أن الميليشيات التي تسيطر عليها إيران راسخة رسوخًا عميقًا في سوريا وفي جيشها، سوف تسعى دمشق لإنشاء جيش قوي مستقل يمتاز بالاكتفاء الذاتي، وسوف يكون بإمكانها أن تصبح أقل اعتمادًا على إيران. ومن الواضح أن موسكو تدرك هذا.

<ب>جيش أقوى يعني اعتمادًا أقل على الجهات الخارجية الفاعلة

يوجد منطق مهم آخر وراء حافز موسكو للإصلاح العسكري السوري وهو أن تكون دمشق أقوى وأكثر استقلالية. فمن الممكن أن يُنظر أيضًا إلى الوجود العسكري الروسي في سوريا وتسهيله للإصلاح العسكري السوري على أنه أداة للحد من قوة طهران الإقليمية – وهذه إشارة إيجابية للجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية المتنافسة.

في الوقت الحالي، يمنع الاعتماد السوري على إيران مشاركة العديد من القوى الإقليمية والعالمية في محادثات المصالحة مع دمشق. ونتيجةً لذلك، كان تخفيف العقوبات وإعادة الإعمار خارج جدول الأعمال. لا يتوافق مثل هذا الموقف مع مصالح روسيا، لأنها تدرك أنها لن تكون قادرة على إعادة إعمار الدولة بمفردها. ولهذا السبب استثمرت موسكو في أن تجعل دمشق أقوى. فعندما تصبح دمشق أكثر استقلالية سوف تتمتع بمزيد من الفرص لإنشاء شبكة متنوعة من المؤيدين والمانحين الإقليميين، وهذا سيفتح الباب للمصالحة. مثال ذلك، بدأت شركات إماراتية بالفعل في استكشاف فرص عمل تجارية في سوريا في محاولة لتأمين حصتها من الوجود الاقتصادي في البلاد.

عرض قصة نجاح

يمكن أيضًا النظر إلى الحملة العسكرية الروسية بأكملها في سوريا والدعم الشامل للحكومة المركزية السورية على أنهما محاولة لإظهار بديل للنهج الغربي تجاه النزاعات في العراق وليبيا واليمن وأماكن أخرى في الشرق الأوسط. يرى الكرملين أن هذا النهج الغربي قد فشل تمامًا. وتريد موسكو إثبات أن نهجها تجاه مثل هذه النزاعات أكثر استدلالاً وعقلانية، وتأمل أن تكون سوريا في النهاية قصة نجاح سوف تساعد روسيا على تسويق نفسها كوسيط فعال. ولتحقيق هذا النجاح، يجب أن تركز روسيا، كجزء من ارتباطاتها الدبلوماسية وتدخلها العسكري، على إصلاح الجيش العربي السوري من خلال تطوير التعليم والتدريب العسكريين السوريين، ومراقبة عمليتي الإصلاح السياسي والمصالحة، وهذا سوف يساعد على ضمان أن تكون سوريا قصة نجاح.

الهدف الروسي: جيش عربي سوري محترف متنقل

تخطط روسيا لدعم الجيش العربي السوري ليصبح شريكًا موثوقًا به في الحفاظ على استقرار سوريا ومنع أية انتفاضات مستقبلية لتأمين مصالحها الإقليمية، مثل القاعدتين العسكريتين الروسيتين الجديدتين في اللاذقية وطرطوس. إذا انعزل الساحل السوري عن حلب وعن شمال شرق البلاد وشرقها، فسوف تفقد هذه القواعد العسكرية قيمتها الاستراتيجية. واستعادة السيطرة على جميع الأراضي السورية، مع القدرة على الحفاظ على هذه السيطرة، أمران ضروريان لاستعادة النشاط الاقتصادي والتجاري في البلاد مما سيفيد روسيا في النهاية.

تريد موسكو أن يكون الجيش السوري الجديد مؤسسيًا بدرجة عالية، وغير مُسيَّس، وغير أيديولوجي. فالطبيعة الطائفية والمُسيَّسة في كثير من الأحيان للجيش منعته خلال الحرب من أداء واجبات مهنية. تبدو المحاولات الروسية الحالية لإعادة هيكلة الجيش السوري، بما في ذلك الفيلق الخامس والفيلق السادس وقوات النمر، وكأن موسكو تعطي أولوية لإنشاء وحدات متنقلة فعالة. فلا يُعقل اليوم إعادة تشكيل جيش ما قبل الحرب بشكله التقليدي. بالإضافة إلى ذلك، نظرًا لأن روسيا حصلت على قاعدتين عسكريتين في سوريا وعازمة على البقاء هناك، فليست لديها حاجة للاستثمار في استعادة الجيش السوري بمستوى ما قبل الحرب. من المرجح أن ينصب التركيز على إنشاء قوات متنقلة فعالة لمراقبة الحدود بحيث تكون قادرة على الانتشار بسرعة على جبهات متعددة، وقوات داخلية يمكنها الحفاظ على الاستقرار، وقوات جوية/قوات الدفاع الجوي.

الإصلاحات المدعومة من روسيا حتى الآن

بالنظر إلى هذا الهدف، سعت روسيا إلى إنشاء هياكل عسكرية أكثر مركزية تحت سيطرة الدولة، مع الحد في الوقت نفسه من تأثير إيران على الجيش السوري. وتحقيقًا لهذه الغاية، دعمت روسيا عدة وحدات داخل القوات المسلحة.

أنشأت موسكو الفيلق الرابع في أواخر سنة 2015، في أول محاولة لإعادة هيكلة الجيش السوري ودمج الميليشيات الإضافية. كان الفيلق الرابع يتكون من قوات مختلفة من الجيش وقوات تابعة، إلى جانب الميليشيات المحلية العاملة بالقرب من اللاذقية بما في ذلك قوات الدفاع الوطني التي تهيمن عليها إيران وكتائب البعث. ومع ذلك، فشلت هذه التجربة الأولى لأن القوات التي تهيمن عليها إيران، مثل قوات الدفاع الوطني، لم تسمح بإنشاء قيادة وسيطرة مركزيتين صارمتين. تتمثل الاستراتيجية التقليدية لطهران في إنشاء وتطوير هياكل عسكرية موازية غير تابعة للدولة وليست لها تبعية مباشرة للدولة السورية وتكون أكثر ولاءً لإيران من ولائها للقيادة المركزية السورية. وبالطريقة نفسها، شاركت طهران في تشكيل وتدريب قوات الدفاع الوطني والتي غالبًا ما كانت غير خاضعة لدمشق.

ساعد الجيش الروسي أيضًا في سنة 2015 على إعادة تنظيم قوات النمر وتجهيزها وتدريبها، وهي لا تزال خاضعة للإشراف الروسي اليوم. في الواقع، أصبحت قوات النمر أول جماعة مسلحة سورية تخضع للسيطرة السورية والروسية المباشرة بصفة مزدوجة، وهي خطوة مهمة لكسر اتجاه الهيمنة الإيرانية على الهياكل العسكرية السورية.

وفي وقت لاحق، بين عامي 2016 و 2018، أنشأت روسيا الفيلق الخامس والفيلق السادس، وقد جنَّدت جماعات مسلحة مختلفة موالية للحكومة ومتمردين تم العفو عنهم ومنشقين عن الجيش. ثم أدمجتهم في بنية تحتية عسكرية قوية تحت سيطرة صارمة من الحكومة المركزية (ومن روسيا). كان الهدف من هذا تقليص التأثير الإيراني على الميليشيات الموالية للحكومة والجيش السوري مع تعزيز الجيش السوري كمؤسسة حكومية بالغة الأهمية.

على خلاف النهج الإيراني، اعتمدت روسيا على العمل مع الجهات الحكومية. فمنذ بداية تدخلها في النزاع، كانت موسكو تهدف إلى تعزيز ما تبقى من مؤسسات الدولة في النظام المعطل – بما في ذلك مؤسساتها العسكرية والأمنية والاجتماعية والقضائية. بالإضافة إلى ذلك، تحاول روسيا تشديد قبضتها على وزارة الدفاع السورية وهيئة الأركان العسكرية. وتحاول إنشاء شبكة من الضباط والقادة السوريين الموالين لروسيا ووضعهم في مواقع عسكرية وأمنية مهمة وحساسة، الأمر الذي سوف يحد من التسلل والتأثير الإيرانيين على الجيش السوري.

ونتيجةً لذلك، أنشأت موسكو سابقةً تُظهِر بها اتجاهًا جديدًا لتقوية الجيش السوري كمؤسسة وتجعل الجماعات المسلحة والميليشيات الأخرى مستعدة لإعادة المشاركة معها ولأن تصبح جزءًا من تلك الهياكل الجديدة.

التحديات الأساسية

زادت إيران من وجودها في البلاد بشكل ملحوظ خلال السنوات الثماني الأخيرة من النزاع السوري. استثمرت طهران بدرجة كبيرة في سوريا، مما تسبب الأمر في وجود معقد متعدد الطبقات وأنشأ شبكات أفقية من الجهات الفاعلة غير التابعة للدولة التي تعمل بالتوازي مع مؤسسات الدولة وتتحداها، في حين تسعى موسكو إلى استعادة مؤسسات الدولة وتعزيزها باعتبارها أكثر الشركاء والضامنين موثوقية لاستقرار الدولة. ربما يؤدي هذا الاختلاف في النهج إلى مزيد من الخلاف بين روسيا وإيران، الأمر الذي من شأنه بطبيعة الحال أن يعوق أي تغيير بناء في سوريا.

يؤدي النفوذ الإيراني المفرط أيضًا إلى نتائج عكسية بالنسبة لسياسة روسيا طويلة الأجل بخصوص سوريا، والتي تتصور في نهاية المطاف الانتقال السياسي والإصلاح والمصالحة مع القوى الإقليمية ومع الغرب. مثال ذلك، في أغسطس/آب 2018، أبرمت طهران ودمشق اتفاقية تعاون عسكري منحت إيران حقوقًا حصرية للمساعدة في إعادة بناء الصناعة والبنية التحتية العسكريتين في سوريا. وقد عقَّدت هذه الاتفاقية محاولات روسيا لإصلاح الجيش السوري وواجهت استياءً من الجهات الإقليمية الفاعلة مثل إسرائيل والسعودية والأردن. فإذا بقيت دمشق ضعيفة ومعتمدة اعتمادًا مفرطًا على إيران، فلن يوجد بديل أجنبي يمكن الاعتماد عليه ولا أي احتمال للتقدم السياسي ولا جهد متعدد الأطراف لإعادة الإعمار.

الجماعات المتنافسة داخل الدائرة المقربة للرئيس السوري بشار الأسد قد تتحدى أيضًا الإصلاح العسكري بقيادة روسيا. توجد على الأقل مجموعتان رئيسيتان: الصقور الذين هم أكثر تأييدًا لإيران وأقل ميلاً للتفاوض وللحل الوسط، والحمائم الذين هم أكثر تأييدًا لروسيا وأكثر استعدادًا للتسوية.

يشكل التواجد المكثف للجماعات المسلحة والميليشيات غير الخاضعة للمراقبة التي تسعى لتحقيق مصالحها ضد مصالح دمشق عقبة رئيسية أيضًا أمام عملية الإصلاح العسكري واستعادة السيطرة الكاملة على السلطات المركزية. ومع ذلك، فإنها تفيد دمشق بتوفير الأمن والاستقرار في حال غياب الجيش العربي السوري. فنظرًا لضعفه، من المرجح أن تعتمد دمشق على هذه الجماعات لحين تمكنها من استئناف سيطرتها الكاملة، ولهذا السبب فإن إعادة دمج الميليشيات الموجودة في الهياكل العسكرية للدولة المنشئة حديثًا سوف تمثل تحديًا كبيرًا.

بالنظر إلى هذا، من المرجح أن تبدأ عملية نزع السلاح وتسريح الجنود وإعادة الدمج في سوريا بوتيرة صغيرة وبطيئة. فعدد رجال الميليشيات غير النظاميين يبلغ على الأقل ضعف ما يتبقى من الجيش العربي السوري، وهذا يسبب مشكلة واضحة في التنفيذ والامتثال. لا تملك دمشق ولا روسيا أدوات كافية لمعالجة هذه المسألة بفعالية، مما يعني أن العملية سوف تستغرق سنوات. لا تخطط موسكو لنشر قواتها البرية لضمان عملية سلسة لنزع السلاح وتسريح الجنود وإعادة الدمج في سوريا، بينما تفتقر دمشق إلى القدرة على تنفيذ هذه العملية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إعادة دمج رجال الميليشيات السابقين بصفة جماعية في هياكل الجيش العربي السوري قد يتسبب في اختلالات في سلطة الجيش مما قد يؤدي إلى جولة جديدة من التوتر. ولهذا السبب، فإن إنشاء نواة قوية في الجيش السوري الجديد مسألة ضرورية لأية خطوات أخرى.

ما يمكن أن تقدمه روسيا

اتخذت روسيا طريق الإصلاح العسكري في سوريا لتكوين هذا النواة القوية في الجيش السوري الجديد. أنشأت موسكو سابقةً، وهي اتجاه جديد لتقوية الجيش السوري كمؤسسة سوف تجعل الجماعات المسلحة والميليشيات الأخرى أكثر ميلاً لإعادة الارتباط بها ولأن تصبح جزءًا من هذه الهياكل الجديدة.

من حيث التطبيق العملي، تمتلك روسيا الخبرة ذات الصلة للمشاركة في الإصلاح العسكري السوري والإشراف عليه. يمكن أن تساعد موسكو في إنشاء مدارس عسكرية جديدة بهدفين رئيسيين. الهدف الأول هو إعداد أفراد الجيش والأمن الجدد وتثقيفهم، بالإضافة إلى النخبة في المستقبل. والهدف الثاني هو إعادة تثقيف النخبة القديمة. التأكد من أن المؤسسات التعليمية العسكرية الجديدة غير أيديولوجية وغير مُسيَّسة وغير طائفية سوف يمنح سوريا الفرصة لإنشاء نخبة جديدة لن تكرر أخطاء أسلافها.

تتمتع روسيا بالفعل بخبرة واسعة في تدريب الجيش السوري، ولذلك فإن هذا يُعتبر من بين المدخلات الرئيسية التي يمكن أن تقدمها. فتنظيم مراكز تدريب في سوريا وإرسال الضباط الشباب للتعليم والتدريب في روسيا سوف يمكنهم من تشغيل الأسلحة والمعدات الحديثة. كما أن إعادة الإعمار الجزئي وإعادة بناء المجمع الصناعي العسكري (وخصوصًا مرافق تصليح/تجديد الدبابات والمركبات المدرعة) سوف تسمحان لسوريا بتزويد العدد المناسب من القوات المسلحة المتنقلة في الجيش والحفاظ عليه.

بالإضافة إلى ذلك، من الممكن أن توفر روسيا الأمن والمراقبة خلال فترة الانتقال والمصالحة، والتي تعتبرها دمشق حساسة ومعقدة للغاية. مثال ذلك، يعتبر نشر الشرطة العسكرية الروسية في سوريا خطوة ناجحة للغاية وسوف يجري توسيعها. تتكون وحدات الشرطة العسكرية في الغالب من المسلمين السُنَّة الروس، ويرى غالبية السكان المحليين أنها فعالة وموضع ثقة.

خاتمة

عندما اضطلعت روسيا بالمهمة المعقدة للغاية المتمثلة في إصلاح الجيش السوري، ربطت نفسها أكثر بالدولة، مما يعني بالفعل أن موسكو ينبغي أن تروج قصة نجاح وتُظهِرها في نهاية المطاف. وهذا يعني أنها لا يمكن أن تفشل، وإلا فإنها بذلك تُظهِر عدم قدرتها على السيطرة على شركائها الوكلاء وإدارتهم. وقد وضع هذا روسيا أيضًا في موقف شائك للغاية، لأنه يتسبب في مخاطر إضافية للتعاون بين موسكو وطهران بشأن سوريا لأن الطرفين لديهما نُهج مختلفة للتعامل مع الهياكل العسكرية الرسمية.

يتطلب الإصلاح العسكري السوري الحقيقي تنفيذًا بطريقة سوف تساعد سكان البلاد على المصالحة. ومع ذلك، فإن موقف الأسد غير المرن بخصوص المصالحة يجعل من الأصعب على روسيا تنفيذ خططها، مما يوحي بأن موسكو سوف تضطر إلى الالتزام بتطوير التعليم والتدريب العسكريين والمراقبة في سوريا لفترة طويلة للغاية.

بناءً على ذلك، يجب تنفيذ الإصلاح العسكري فبدونه لا يمكن تحقيق مصالحة جادة في سوريا. وبذلك المعنى، كانت روسيا لديها خبرة واسعة في العمل مع الدول العربية خلال الحقبة السوفيتية، إذ بنت جيوشها من الصفر تقريبًا. وهذا الأساس يمنح موسكو فرصة جيدة للبدء على الأقل في عملية الإصلاح وقيادتها بطريقة بناءة.