ها هو البلد صاحب الكثافة السكانية الأعلى في شبه الجزيرة العربية، اليمن، يشهد تحول الدولة الوطنية من دولة فاشلة ذات مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية عاجزة، وغير قادرة على احتكار الاستخدام المشروع للقوة الجبرية، إلى دولة منهارة تختفي مؤسساتها وأجهزتها وتتفكك أقاليمها وتتكالب على المواطن والمجتمع فيها الانهيارات، وتتنازع على السلطة ميليشيات ومجموعات مسلحة مدعومة خارجيا منها، الطائفي كالحوثيين ومنها القبلي والجهوي كمجموعات الحراك الجنوبي، ومنها الإرهابي كبقايا تنظيم «القاعدة» ومنها بعض مراكز النفوذ التقليدية داخل بقايا المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية. ومآل ذلك مع استمرار التدخل العسكري الخارجي لن يكون غير التفتت الكامل لليمن وحروب عبثية لا تنتهي.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

لم يبدأ تفتت اليمن وانهيار دولته مع الانتفاضة الديمقراطية في 2011، بل سبق هذا التاريخ بسنوات. من جهة أولى، ارتبط التفتت بسلطوية الرئيس السابق علي عبد الله صالح وباستتباعه لمؤسسات وأجهزة الدولة، في صراعات السيطرة والتوازن بين المجموعات الطائفية والقبلية والجهوية. من جهة ثانية، تهميش نظام حكم صالح للقوى الفاعلة في جنوب اليمن، بعد الهزيمة العسكرية للانفصاليين في النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين. ثالثا، عجز صالح عن فرض سيادة القانون واحتكار الدولة الوطنية للاستخدام المشروع للقوة الجبرية، على نحو مكن الكثير من القبائل والحوثيين في شمال اليمن والقاعدة والانفصاليين في جنوبها من التسلح، وبناء تحالفات إمدادات السلاح والمال مع أطراف إقليمية متنوعة. من جهة رابعة، حدث كل ذلك مع سوء توزيع الثروة، وتصاعد الفساد، وغياب الجهود التنموية الفاعلة وسياسات العدالة الاجتماعية إلى حدود كارثية، لم تمكن اليمن أبدا من مغادرة قائمة دول العالم العشر الأكثر فقرا وأمية، وتدنيا في ظروفها المعيشية، وحظوظ الناس من الخدمات الأساسية.

لم يبدأ تفتت اليمن وانهيار دولته مع 2011، بل تواصلت معاول الهدم مع 2011 وبعده، على وقع عجز الميليشيات والمجموعات المتصارعة ومراكز النفوذ، عن وضع حد لحروبها، إن ببناء التوافق ومن ثم حماية المواطن والمجتمع، وإعادة تثبيت الدولة الوطنية، في سياق التزام السلم الأهلي والتحول الديمقراطي، أو بحسم الحروب والصراعات سلطويا، بسحق البعض للبعض الآخر، ومن ثم فرض «القمع ذي العنوان الواحد» على المواطن والمجتمع، وفرض سيطرة المنتصرين على الدولة الوطنية ومؤسساتها وأجهزتها، وتثبيتها استبداديا إلى حين. وما الحروب الدائرة اليوم إلا استمرار لمحاولات دموية وعنيفة، لسحق الأطراف المتصارعة لبعضها بعضا، وفرض سيطرة منتصرين مدعومين إقليميا على المجتمع اليمني. ولن يكون مآل هذه الحروب العبثية سوى المزيد من القتل والدمار وتسريع وتائر التفتت والانهيار.

يتحمل المواطنون في اليمن الكلفة الباهظة لما يعصف بمجتمعهم من كوارث الحرب والعنف والإرهاب والفقر والأمية، والانهيار الكامل لظروف الحياة والمعيشة، ويتحمل المجتمع اليمني الكلفة الباهظة للتفتت، وفقدان السلم الأهلي، وتكالب الميليشيات الطائفية والقبلية الجهوية والإرهابية، وبقايا مراكز النفوذ القديمة في بعض المؤسسات والأجهزة. ويتحمل اليمن الكلفة الباهظة لدولة وطنية زج بها إلى متوالية الانهيار والاختفاء. هي كلفة باهظة لليمنيين، وإزاءها يتوجب على كافة الأطراف الإقليمية المتورطة في «صوملة» اليمن، إعادة النظر في أهدافها وسياساتها وأفعالها. يتوجب أيضا على فاعلين إقليميين آخرين، كعمان جار المسالم لليمن ومصر التي دوما ما نظرت إلى وجود اليمن المستقر كأحد مرتكزات الأمن القومي المصري، التفكير الجاد في سبل إنقاذ اليمن من المأساة الراهنة.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.