في مواجهة جائحة كورونا، تبدو الحكومة المصرية بمظهر مغاير لما عهدت عليه في سياق إدارتها لأزمات قومية أخرى.

فمؤسسة الرئاسة، وهي المضطلعة عادة بقيادة الجهود الحكومية وبتوجيه الوزارات المدنية والنظامية (وزارات الدفاع والداخلية والأجهزة الاستخباراتية والأمنية) وبالصياغة المباشرة للخطاب الإعلامي الرسمي المواكب لإدارة الأزمة المعنية (خطب ومداخلات وتعليقات رئيس الجمهورية)، تتوارى في زمن كورونا ويغلفها الكثير من الصمت.

عمرو حمزاوي
تشمل أبحاثه الديناميكيات المتغيّرة للمشاركة السياسية في العالم العربي، ودور الحركات الإسلامية في السياسة العربية.
More >

والمؤسسة العسكرية، وهي أيضا اعتادت تصدر واجهة إدارة الأزمات القومية واعتاد منها المصريون في لحظات عجز وزارات مدنية كوزارة التموين ووزارة الصحة والسكان التدخل المستقل والسريع عبر مصانعها وخطوط إنتاجها (وتلك تاريخيا تطورت في أعقاب حرب 1967) لتوفير السلع الاستهلاكية الأساسية (كالخبز وحليب الأطفال) والمستلزمات الطبية الضرورية (كاللقاحات المختلفة)، تقبل اليوم أن توظف أدواتها في إطار الخطة الشاملة لمواجهة جائحة كورونا وتداعياتها. فتعهد الحكومة للقوات المسلحة المصرية بالمساعدة في تطهير وتعقيم المنشآت والمباني العامة، وتطلب منها رفع الطاقات الاستيعابية لمستشفيات العزل (زيادة عدد الأسرة على سبيل المثال)، وتناشد المصانع الحربية ومعها مصانع القطاع الخاص بإنتاج كمامات القماش للوفاء باحتياجات المواطنين.

في المقابل، يتصدر رئيس مجلس الوزراء مشهد الإدارة الحكومية للجائحة ويحدد تكليفات ومهام الوزارات المحافظات ويعلن على الرأي العام مراحل وخطوات التعايش مع كورونا والسيطرة على آثارها الصحية والاقتصادية والاجتماعية. شكل رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، اللجنة العليا لإدارة أزمة كورونا والتي تضم في عضويتها إلى جانبه وزراء الصحة والسكان، التموين والتجارة الداخلية، التربية والتعليم والتعليم الفني، التعليم العالي والبحث العلمي، المالية، التنمية المحلية، الداخلية، الدولة للإعلام ومعهم مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية ورئيس الهيئة المصرية للشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي وإدارة التكنولوجيا الطبية. يقود رئيس مجلس الوزراء عمل أعضاء اللجنة العليا ويعلن قراراتها ويتابع تنفيذها ويتدخل لتوفير حلول لاختلالات نظم الرعاية الصحية ولإجلاء الغموض بشأن أداء قطاعات أساسية كالتعليم والتعليم العالي والسياحة والقطاع المصرفي في زمن كورونا ولتجاوز النقص الحاضر في بعض المستلزمات الطبية ولإعادة المصريين العالقين في الخارج. يضطلع رئيس مجلس الوزراء أيضا بتنظيم وتسيير الحوار بين الحكومة وبين القطاع الخاص من جهة وبعض الدوائر العلمية والأكاديمية من جهة أخرى فيما خص سبل التعامل الرشيد مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا.

خلال الأيام القليلة الماضية، دلل نشاط رئيس الحكومة على وضعيته المركزية الراهنة.

في 17 مايو/أيار 2020، أعلن الدكتور مدبولي حزمة من القرارات الحكومية الجديدة تضمنت مد ساعات حظر التجوال أثناء إجازة عيد الفطر وغلق جميع المحال التجارية والمطاعم والحدائق والمتنزهات والشواطئ وإيقاف حركة جميع وسائل النقل الجماعي والتنقل بين المحافظات وحظر صلاة عيد الفطر في الساحات ومنع تواجد المواطنين في الأماكن العامة وفي المنشآت الخدمية وفي وسائل المواصلات الجماعية داخل كل محافظة دون ارتداء الكمامات الواقية وتأجيل امتحانات الثانوية العامة (امتحانات نهاية التعليم المدرسي) إلى 21 يونيو/حزيران 2020. في اليوم التالي، 18 مايو/أيار 2020، ترأس الدكتور مدبولي حلقة نقاشية عن «الموقف الاقتصادي ما بعد كورونا» بمشاركة بعض الوزراء والمسؤولين الحكوميين وبعض رجال الأعمال والمصارف والأكاديميين المتخصصين في الاقتصاد بالجامعات الحكومية والخاصة وذلك في محاولة لفهم طبيعة وحدود تأثر الاقتصاد المصري بالجائحة.

في 18 مايو/أيار 2020 أيضا تابع رئيس مجلس الوزراء مع وزير الصحة والسكان ووزير الإنتاج الحربي وغيرهما من المسؤولين توافر المستلزمات الطبية وخطط تقديم الرعاية الصحية للمواطنين ومقتضيات التعايش مع فيروس كورونا الذي لا تبدو نهايته قريبة.

وإذا كانت قيادة رئيس مجلس الوزراء للإدارة الحكومية للأزمة لافتة، فإن مركزية أدوار بعض الوزراء المدنيين تسترعي أيضا الانتباه. فالتكنوقراط الذين يشغلون حاليا مناصب وزراء الصحة والسكان والتموين والتعليم والمالية والتعليم العالي يسيرون الدفة اليومية للجهود الحكومية ولا يعلو على صوت التخصص العلمي والخبرة المهنية الذي يمثلونه صوت آخر. في مواجهة كورونا لا يعلو على صوت التكنوقراط صوت آخر، لا من جهة استخباراتية ولا مؤسسة أمنية ولا من مراكز الثقل الاقتصادي والمالي في القطاع الخاص. بل أن مؤسسة الرئاسة، ممثلة في مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، تكتفي بالمشاركة كعضو في اللجنة العليا لإدارة الأزمة ويخضع دورها في هذا السياق للإشراف المباشر من قبل رئيس مجلس الوزراء.

كذلك تتميز الإدارة الحكومية للأزمة ببروز نمط غير مركزي لتوزيع الأدوار والمهام بين الوزارات المركزية وبين المحافظات التي خولها رئيس مجلس الوزراء سلطات وصلاحيات العمل المباشر للسيطرة على كورونا وعزل المناطق الحضرية والريفية التي تنتشر بها الإصابات وتوفير الرعاية الصحية المطلوبة والتواصل الفوري مع مجلس الوزراء حال حدوث نقص في المستلزمات الطبية أو غيرها.

في مواجهة جائحة كورونا، إذا، تغيب عن الحكومة المصرية الهيمنة التقليدية لمؤسسة الرئاسة على إدارة الأزمات القومية. في مواجهة الجائحة، يتبلور نمط «جديد» لتوزيع السلطات والاختصاصات بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء جوهره قيادة الأخير للجهود الحكومية وصياغته للخطاب الإعلامي الرسمي المصاحب لها واكتفاء رئيس الجمهورية بمتابعة عمل وزيره الأول. وضعت صفة الجديد بين علامتي تنصيص لأن اتساع سلطات واختصاصات الوزير الأول اليوم به قسط من العودة إلى اتجاه برز في السنوات الأخيرة لحكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الذي قبل تدريجيا بين 2005 و2011 بشراكة حقيقية مع رئيس مجلس الوزراء وأضفى عليها طابعا دستوريا في تعديلات عام 2007 على دستور 1971 (وكان ذلك العلامة الإيجابية الوحيدة في التعديلات الدستورية آنذاك). في مواجهة الجائحة، تستعيد الحكومة شيئا من التوازن المفقود بين الوزارات المدنية التي طويلا ما همشت وبين الوزارات النظامية التي سيطرت مع رئاسة الجمهورية على صناعة القرار العام والسياسي وطغت أصوات المنتسبين إليها على أصوات التكنوقراط في مجلس الوزراء. في مواجهة الجائحة، تنفتح الحكومة المصرية على شيء من اللامركزية مع تنامي أدوار العمل المباشر التي تضطلع بها المحافظات.

وعلى الرغم من أن سمات كالشراكة في السلطات والاختصاصات بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء واستعادة بعض من التوازن المفقود بين الوزارات المدنية والوزارات العسكرية والأمنية للحكومة وتطبيق شيء من اللامركزية في إدارة الأزمة لا تؤشر على بدايات انفتاح ديمقراطي في منظومة الحكم في مصر، إلا أنها تدلل مجتمعة على حضور آليات لعصرنة العمل الحكومي بدفعه تدريجيا بعيدا عن هيمنة الفرد وبعيدا عن سيطرة المكونات العسكرية والأمنية على دولاب الدولة وباتجاه ضبط العلاقة بين المركز (العاصمة) والأطراف (المحافظات). ذات السمات تدلل أيضا، في تقدير لا أضمن دقته لكونه يعتمد على مؤشرات الأسابيع القليلة الماضية، على عودة معنى من معاني السياسة إلى مصر. فالشراكة بين مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء قد ترتب شيئا من التنافس بين المؤسستين والتوازن بين المكونات المدنية وبين المكونات العسكرية والأمنية قد يعني مزاحمة اعتبارات الكفاءة والرقابة والمساءلة والمحاسبة والحوار مع أهل الخبرة العلمية والأكاديمية والمهنية التي يهتم بها التكنوقراط للهاجس الأمني الطاغي على مجمل فعل الحكومة المصرية منذ 2013.

ستخبر الأيام القادمة عن أنباء مصر المحروسة، وسنرى ما ستحمله لنا من تغيرات وتحولات.

تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي.