المحتويات

مقدّمة

أسفرت الانتفاضة السورية، التي اندلعت شرارتها الأولى في آذار/مارس 2011، عن تسييس لا سابق له للشباب السوري. في أعقاب حملة الاعتقالات وعمليات التعذيب التي طالت الشباب في مدينة درعا الجنوبية، تدفق مئات آلاف السوريين إلى الشوارع للاحتجاج على عقود مديدة من القمع الذي تمارسه الدولة. أعرب هؤلاء عن سخطهم حيال الطريقة التي تُحكم بموجبها البلاد وطالبوا بالحريات الأساسية والكرامة.

شكّلت المعارضة مئات اللجان المحلية (التنسيقيات) وهيئات من المجتمع المدني، التي نظّمت بدورها مظاهرات في بلدات ومدن في أنحاء سورية، وعبّرت بوسائل خلاقة عن تظلماتها. وأصدرت مطبوعات إلكترونية ومواقع إعلامية بديلة، وأطلقت حوارات ونقاشات موسّعة حول سورية التي يعرفون، وتلك التي يرغبون في رؤيتها مستقبلاً. بيد أن الردود العنيفة للدولة على هذا الحراك، والتي كانت تزداد قسوة مع الأيام، مضافاً إليها دخول قوى إقليمية ودولية على الخط، سهّلت بدء نشوب التمرّد المسلّح.

ما هي السياسات التنازعية؟

يمكن تصنيف مختلف جوانب المقاومة للنظام السوري، ومعها تلاوين الانخراط في هذه المقاومة، بأنها عموماً شكل من أشكال السياسات التنازعية، أي التفاعل بين السياسات والتنازع والعمل الجماعي.1 وتكمن السمات الأساسية للسياسات التنازعية في الأعمال الجماعية التي تجري خارج إطار مؤسسات الدولة (أي الاحتجاجات، والعرائض، والعصيان المدني، والشغب، وأحياناً أعمال العنف وبالتالي النزاع). في أشكالها غير العُنفية، تُعتبر السياسات التنازعية عاملاً حاسماً في عملية المشاركة السياسية. أشكال الاحتجاج هذه كانت واسعة ومتنوّعة في بقاع العالم كافة، وتراوحت بين حركة "احتلّوا ]وول ستريت[" في الولايات المتحدة، والاحتجاجات الأخيرة في تشيلي، وثورة المظلات في هونغ كونغ. هذه الحركات غالباً ما تمحورت حول مسائل التفاوت واللامساواة، والحقوق المدنية والسياسية، خاصة بالنسبة إلى الأقليات الدينية والإثنية، وتغيُّر المناخ، وغيرها.

تحدُث السياسات التنازعية في كلٍّ من الأنظمة الديمقراطية والسلطوية على حد سواء، ويرتبط نجاحها أو فشلها مباشرةً بالفرص السياسية المُتوافرة. هذه الفرص، التي يُحدّدها مدى انفتاح النظام المُتنازع عليه على الأطراف الجديدة في المشهد السياسي، ووجود مراكز مستقلة متعدّدة للسلطة، لها تأثيرات كبرى على حصيلة الحركات المُتنازِعة.2 وسبق لباحثين أن لاحظوا فرصة نجاح لمثل هذه الحركات في الأنظمة الديمقراطية أكثر بكثير من الأنظمة السلطوية، حيث قد يؤدي القمع فيها إلى دفع عناصر تكون معتدلة في البداية إلى التطرف.

في العام 2011، نشب الاحتجاج السياسي في عدد كبير من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك البحرين، والعراق، والأردن، ولبنان، والمغرب، وعُمان، وسورية، وتونس، واليمن. وقد شارك مئات الآلآف، إن لم يكن الملايين، من المواطنين في المنطقة في احتجاجات متفاوتة الحجم، مطالبين بالتغيير. هؤلاء تحرّكوا بطريقة غير مسبوقة، حيث كان يلتئم شملهم كأفراد أو مجموعات، فينظّمون لقاءات على مستوى المجتمعات المحلية، ونقاشات عامة، وحملات توعية مدنية، ونشاطات على الإنترنت. علاوةً على ذلك، كان هناك أيضاً تفاعل ثقافي مميّز تمثّل في فن الجدرانيات والرسوم، ومسرح الشارع، والموسيقى ومقاربات وعوامل أخرى لعبت دوراً حاسماً في تحديد مسارات ومصائر مثل هذه الحركات، منها ما يتعلق بما إذا كانت النخبة السياسية تعتقد بأن الاحتجاجات تشكّل خطراً وجودياً على مصالحها الخاصة الراسخة؛ والأساليب التي تختارها هذه النخب (وأجهزتها العسكرية) للرد؛ والسياقات الاجتماعية- الاقتصادية وتجارب العنف السياسي السابقة؛ ووجود منظمات مجتمع مدني منظّمة، على غرار نقابات العمال، تكون قادرة على قيادة التغيير.

إضافةً إلى ذلك، ترك تورّط القوى الإقليمية والدولية في هذه النزاعات بصمته على المحصلات، خاصة حين أدّت إلى عسكرة ما كان في البداية معارضة سلمية لسياسات الدولة. بيد أن العنف الذي ابتُليت به بلدان كالعراق وسورية وليبيا واليمن بعد العام 2011، كان كذلك بمثابة نذير سيؤدي إلى تعزيز الطبيعة اللاعنفية لاحتجاجات الجزائر والعراق ولبنان والسودان وتونس.

السياسات التنازعية في سورية

حين انطلقت الاحتجاجات في سورية، لجأ النظام الرافض لمشاركة السلطة، إلى العنف. وفي غضون أشهر قليلة، تحوّلتانتفاضة سلمية، مدنية، لعبت فيها لجان التنسيق المحلية دوراً وازناً، إلى تمرد مسلّح.

وفيما كانت الجماعات المسلحة التي موّلت قوى خارجية معظمها، أكثر نشاطاً، شكّلت المعارضة السياسية هيئة تمثيلية في اسطنبول عُرفت باسم المجلس الوطني السوري في تشرين الأول/أوكتوبر 2011.3 ومع الوقت، توسّع الطيف الإيديولوجي للمعارضة في سورية. فالجماعات الإسلامية التي تلقّت فيضاً من التمويل والدعم الخارجيين، ومن ضمنهم آلاف المقاتلين الأجانب، بدأت تحظى بشعبية في أوساط المعارضة المسلحة والسياسية. لعب بعض هذه الجماعات لاحقاً دوراً نافذاً في مفاوضات السلام الرسمية. وفي هذه الأثناء، تعرّض الناشطون المدنيون، الذين كانوا في الصفوف الأمامية للاحتجاجات السلمية، إلى استهداف مقصود من طرف النظام السوري وجماعات معارضة. عدد كبير من هؤلاء النشطاء – ومن بينهم رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي )مخطوفي دوما الأربعة( وعضو اللجنة الدبلوماسية للهيئة الكردية العلياعيسى حسو - إما اختفوا قصراً، أو سُجنوا، أو قُذف بهم إلى المنافي. في غضون ذلك، كانت الجماعات المسلحة المعارضة تنجح تباعاً في السيطرة على نحو 60 في المئة من الأراضي السورية.4

مع الوقت، توسّع الطيف الإيديولوجي للمعارضة في سورية. فالجماعات الإسلامية التي تلقّت فيضاً من التمويل والدعم الخارجيين، ومن ضمنهم آلاف المقاتلين الأجانب، بدأت تحظى بشعبية... في هذه الأثناء، تعرّض الناشطون المدنيون، الذين كانوا في الصفوف الأمامية للاحتجاجات السلمية، إلى استهداف مقصود من طرف النظام السوري وجماعات معارضة.

اليوم، وبعد حوالى عقدٍ من هذه التطورات، استعاد النظام السوري، بمساعدة عسكرية حاسمة من روسيا وإيران، السيطرة على معظم أنحاء البلاد. وهو حقّق ذلك باستخدام عمليات الحصار، وتكتيكات التجويع، والمصالحات القسرية.5 وفي نهاية العام 2018، كان 6.7 ملايين سوري يبحثون عن مأوى في كل أرجاء المعمورة.6 وحتى آذار/مارس 2020، كان 5.4 ملايين سوري على الأقل يقيمون في بلدان مجاورة،7 فيما نزح 6.6 ملايين آخرين داخلياً.8

الدمار المادي في سورية كاسح، إذ قدّر مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى سورية ستيفان دي ميستورا أكلاف إعادة البناء بنحو 250 مليار دولار.9 بالمثل، قدّر البنك الدولي أن سورية خسرت منذ العام 2010 ما يوازي 226 مليار دولار على الأقل من ناتجها المحلي الإجمالي.10 ومنذ النصف الأول من العام 2020، تواجه محافظة إدلب الشمالية، وهي آخر معقل في يد المعارضة، باستثناء مناطق سيطرة الأكراد، هجوم النظام السوري والقوات الروسية والإيرانية، وعلق بين فكي كماشة هذا القتال أكثر من 950 ألف شخص.11 وقد أصبحت إدلب ملاذاً داخلياً للنازحين السوريين الذين أُجبروا على مغادرة مناطق أخرى عبر ما يسمّى "اتفاقات المصالحة".

لقد جعل الرئيس السوري بشار الأسد المعارضة السياسية داخل سورية أمراً بالغ الصعوبة. مع ذلك، لا تزال هذه المعارضة حيّة وتنبض بين ناشطين، وصحافيين، وأكاديميين، خاصة في الشتات السوري. يضم هذا الملف بين دفّتيه دراسات لستة ناشطين وباحثين وصحافيين وأكاديميين ومحللين انخرطوا بعمق في الانتفاضة طيلة العقد الماضي، وذلك بهدف التفكّر بمسار الانتفاضة السورية وتحرّي آفاقها المستقبلية. وتستطلع هذه الأقسام مختلف أشكال المعارضة السياسية ومدى تواصلها أو انقطاعها عن الأنماط السابقة من حركات الاحتجاج المدني، وتوفّر رؤىً حول فرص النشاط المدني الساعي لتحقيق التغيير، في خضم استعادة النظام السيطرة على الأراضي السورية.

يُجادل المؤلّفون أن السياسات التنازعية في سورية أظهرت سمات مشابهة لتلك التي حدثت في بلدان أخرى، وإن بشكل أكثر إسهاباً بكثير. وفي حين بدا أن الفرص السياسية للدفع باتجاه التغيير كانت مفتوحة على مصراعيها في المنطقة في العام 2011، إلا أن النظام السوري كان غير قادر أو غير مُستعد لاستيعاب اللاعبين السياسيين الجدد. وهكذا، وفي سياق قمع الدولة والمصالح الدولية والإقليمية قي مجال تمويل تغيير النظام، كان التحوّل نحو العنف السياسي قد أصبح أمراً لا مناص منه.

أسفر العنف عن عدد من التحديات التي ساعدت على تقويض معارضة النظام: الأول هو التشظي التنطيمي. وكما أبان عمر السراج وفيليب هوفمان في مقاربتهما، كان فقدان الاتساق التنظيمي والانقطاع بين المعارضة الداخلية والمعارضة السياسية خارج سورية هما عقب أخيل الجناح المدني الوطني المُعارض للأسد. وقد بقي هذا الجناح المدني الوطني في المنفى عاجزاً عن ممارسة نفوذ يُعتد به على شبكة مؤسسات الحوكمة المدنية المعقّدة وغير الشفافة التي برزت داخل سورية مع توالي النزاع فصولاً. كما بقي منفصلاً عملياً عن مروحة الفصائل التي ضمنت الأمن في المناطق خارج سيطرة الحكومة.

ثم جاء التحدي الثاني ليفاقم هذا التشظي، والمتمثّل في مسألة تمويل الثورة. فقد خاضت المعارضة السياسية نضالاتها لسنوات من دون الحاجة إلى أموال لبناء نفوذ وازن لها داخل سورية. بيد أن النزاع العسكري وتدهور الأوضاع الإنسانية أثبطا هذه المعارضة، خاصة فيما كانت القوى الدولية تخلق أقنية تمويل تقفز كلياً فوق هيئاتها.

الكيانات التي تكبّدت ثمناً فادحاً بسبب ذلك، شملت أطرافاً عسكرية ومدنية في آن، كما يوضح أسعد العشي في نصّه. في نهاية المطاف، استتبع لاعبون دوليون وإقليميون الهياكل المُعارضة الرئيسة الثلاث التي برزت العام 2011 - لجان التنسيق المحلية، والهيئة العامة للثورة السورية، والمجلس الأعلى للثورة السورية. حدث هذا الاستتباع على مرحلتين: الأولى، من خلال التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية الذي مكّن، مع الوقت، الممولين الأجانب من ممارسة نفوذ كبير على الأجندات السياسية والإنسانية الخاصة بمختلف المجموعات في سورية. وهذا طرح على منظمات المجتمع المدني مسألة دورها في تقديم الخدمات، ثم دَفَعَ العديد منها لاحقاً إلى التحوّل نحو العمل في مجال الخدمات الإنسانية فبدأت تلعب دور المُموّن لخدمات عامة أساسية كانت من مسؤولية الحكومة في فترة ما قبل الحرب. واليوم، تُواجه المعارضة المدنية وضعاً مماثلاً: إذ أن الإطار السياسي لإنهاء النزاع السوري يتحدّد في معظمه من جانب المُسلحين والقوى الدولية، وهذا ما يجعل كلاً من بقاء المعارضة المدنية على قيد الحياة وتوافر الرؤية الموحّدة لمستقبل سورية، أمرين فائقي الصعوبة.

يتحدّد الإطار السياسي لإنهاء النزاع السوري في معظمه من جانب المُسلحين والقوى الدولية، وهذا ما يجعل كلاً من بقاء المعارضة المدنية على قيد الحياة وتوافر الرؤية الموحّدة لمستقبل سورية، أمرين فائقي الصعوبة.

هذان التحديان ترافقا مع آخر ثالث: حال تشتّت الحركات السورية المُتنازعة دون تشكّل مؤسسة واحدة تمثّل المعارضة السورية على الأرض، أو في المفاوضات. وأسفر ذلك أيضاً عن غياب أي ناطق باسم ملايين السوريين النازحين داخلياً أو في المنافي. وبالنسبة إلى الكثير من هؤلاء السوريين، كانت المعارضة السياسية ظاهرة قَصِيَة ومنقطعة عن بؤسهم اليومي، هذا في حين لم تكن كوكبة الجماعات العسكرية العاملة تحت يافطة المعارضة، سوى ممثلة لداعميها الدوليين ببساطة. ومع مرور الوقت، بدأ يشعر العديد من السوريين بأن هذه الجماعات خانتهم.12

في هذا السياق، بات إرث الماضي يحتل صدارة الأحداث. وكما يبيّن السراج وهوفمان، وكذلك منهل باريش في مداخلاتهم، فإن تاريخ السياسات التنازعية في سورية هو الذي صاغ سلوكيات قوى المعارصة والمقاومة المدنية. فقد تشكّل الجناح المدني- الوطني، كما ناقش السراج وهوفمان، أساساً من أفراد ومجموعات عارضت النظام في السابق، سواء منهم الذين وقّعوا إعلان دمشق للتغيير الوطني والديمقرطية في تشرين الأول/أكتوبر200، أو جماعة الإخوان المسلمين وناشطين آخرين في المنفى.13

هذا التاريخ من السياسات التنازعية لعب أيضاً دوراً مهماً في محافظة إدلب، وهي محط تركيز باريش. هناك، برزت حكومة شبه مستقلة تحت مظلة هيئة تحرير الشام، وهي ائتلاف لمجموعات طرفها الرئيس هو جبهة النصرة، فرع القاعدة في سورية. ويجادل باريش أنه على الرغم من استخدام النظام السوري والقوات الروسية وجود جبهة النصرة لوصم إدلب بأنها معقل للأرهاب لتُبرر هجومها على المحافظة، إلا أن الحقيقة مختلفة تماماً. فالمقاومة المحلية لحكم جبهة النصرة كانت وازنة، وتواصلت من خلال البُنى والشبكات الاجتماعية المعقّدة التي شملت أحزاباً سياسية لها تاريخ مديد من المعارضة للنظام السوري، والطبقات الوسطى في بعض البلدات، ورجال دين كاريزميين، وقبائل. ويوضح باريش أن مثل هذه الديناميكيات ربما تلعب أيضاً دوراً في مقاومة تدعيم سيطرة النظام على إدلب، إذا، أو حين، يستعيدها.

تطوّرت المعارضة بشكل مختلف في تلك المناطق من سورية القابعة تحت سيطرة النظام، الذي وظّف كل وسيلة في حوزته لتعزيز سلطته والحفاظ على البقاء. تستعرض سوسن أبو زين الدين وهاني فاكهاني كيف يجري استخدام إعادة البناء للتأثير على المصير النهائي في تلك المناطق.

هنا، يستخدم المؤلّفان أسلوب بناء حي جديد في دمشق يدعى "ماروتا سيتي" فوق المساكن العشوائية في حي بساتين الرازي، كحالة دراسية يحدّدان بموجبها كيف يستخدم النظام إعادة الإعمار لتوطيد حكمه السلطوي. فهو أصدر مراسيم تسهّل مصادرة المساكن غير الرسمية والملكيات الخاصة، فيما كانت متطلباته الإجرائية المُغالية تقذف بآلاف العائلات المطرودة إلى براثن كابوسٍ من الفساد البيروقراطي، وهي تحاول ضمان سكن بديل أو تطالب بحقوقها في الملكية. وعلى الرغم من إمكانيتهم المحدودة، كان السكان السابقون يقاومون المشروع من خلال إعلام الدولة ووسائل التواصل الاجتماعي، ويشكّلون مجموعات للتعبير عن مطالبهم المشتركة ويتشاطرون المعلومات. كما أن السوريين في الشتات يعبّئون صفوفهم لمواجهة استراتيجيات النظام، وهم تواصلوا مع المجتمع الدولي مثيرين مبدأ إعادة البناء العادل، ويُعدّون الخرائط والبيانات المكانية لتوثيق حقوق الملكية والخروقات التي تجري فيها، ويصوغون خيارات سكن بديلة.

علاوةً على ذلك، تبرز في حمص ديناميكيات موازية، هي محور مداخلة جمانة قدور. حمص هذه، التي هُلّلَ بها سابقاً كعاصمة الثورة ضد نظام الأسد، كانت المحافظة الأولى التي واجهت حملات القوات الحكومية، وسقطت في يد النظام في أيار/مايو 2018. المدينة اليوم منقسمة بعمق وفق ثلاثة خطوط متباينة- بين أنصار النظام وخصومه، وبين الطوائف، وبين الداعمين الدوليين الأساسيين لسورية، أي روسيا وإيران. وكما يفعل النظام في مقاربته لـ"ماروتا سيتي"، يقوم باستخدام إعادة البناء في حمص لمكافأة قواعده الشعبية وحرمان المناطق التي كانت في قبضة المعارضة سابقاً من التمويل، أو حرمان سكانها النازحين من حق العودة. ثم تأتي التوترات والمصالح المتنافسة بين روسية وإيران لتفاقم تشظي المدينة.

وهكذا، وفيما يتمحور جل اهتمام أهالي حمص حول الحفاظ على بقائهم، تبدو آفاق التسوية السلمية للسياسات التنازعية التي تستطيع بموجبها كل الفئات طرح مطالبها، محدودة للغاية. يُرجَّح، بدلاً من ذلك، كما تجادل قدور، أن تصبح حمص بؤرة صراع مستقبلي لا تشتمل على أي برنامج سليم للعدالة الانتقالية، ولا تعالج التصدعات الاجتماعية في المدينة، ولا تضمن شكلاً من أشكال المحاسبة.

خلاصة القول: تُظهر مختلف أقسام هذا البحث أن غريزة النظام للحفاظ على البقاء بأي ثمن، تُغلق الأبواب في وجه أي فرصة محتملة للتغيير. ومع ذلك، ليست المقاومة على مستويات عديدة بالأمر المستحيل، لا بل هي تحدث الآن. فعلى الرغم من كل التحديات، أدّت السياسات التنازعية منذ اندلاع الانتفاضة في البلاد إلى نشر الوعي لدى أجيال من السوريين حيال حقوقهم السياسية والاقتصادية- الاجتماعية والثقافية. وكما تدل تجارب بلدان أخرى، تشعل السياسات التنازعية فتيل تغيير بعيد المدى، وتؤثّر على الأنظمة السياسية وخيارات السياسة العامة.

وفي حين يبدو احتمال التوصّل إلى تسوية سياسية مستدامة في سورية باهتاً، يُواصل آلاف السوريين العمل من أجل وطن أكثر عدلاً. وهذا يأتي في وقت يضطّر فيه نظام مُتهالك إلى الاعتماد على مروحة واسعة من القوى العسكرية وغير العسكرية للحفاظ على سيطرته على الأراضي التي يستعيدها. ومع ذلك، وفي بعض المناطق مثل درعا، مسقط رأس الانتفاضة السورية، عاد المواطنون مجدّداً إلى الشارع للمطالبة بالتغيير. والحال أن سيل أنهار الاحتجاج في سورية اليوم لاتزال تتدفق بغزارة وعمق، وهذا سيستمر في المستقبل المنظور.

عن الكاتبين

مهى يحيَ مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تتركّز أبحاثها على التعددية والعنف السياسي والعدالة الاجتماعية وتحديات المواطنة والتأثيرات السياسية والاجتماعية-الاقتصادية الناجمة عن أزمة الهجرة واللجوء.

عصام القيسي باحث مساعد في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. يعمل على السياسات التنازعية والدول المتحوّلة والصراعات عبر الحدود، وقضايا أخرى تواجهها المنطقة. هو حائز على ماستر في دراسات الشرق الأوسط من مركز الدراسات العربية والشرق-أوسطية في الجامعة الأميركية في بيروت.

هذه المادة مرخّصة بموجب أحكام وشروط رخصة المشاع الإبداعي العمومية (نَسْبُ الـمُصنَّف 4.0 رخصة عمومية دولية).

هوامش

1 Charles Tilly and Sidney Tarrow, Contentious Politics (New York: Oxford University Press, 2015), p. 7.

2 Stephen Orvis and Carol Ann Drogus, Introducing Comparative Politics: Concepts and Cases in Context (Washington, DC: CQ Press, 2017), p. 602.

3 مركز كارنيغي للشرق الأوسط، "المجلس الوطني السوري"، الأزمة السورية (مدوّنة)، 25 أيلول/سبتمبر 2013، https://carnegie-mec.org/syriaincrisis/?fa=48399

4 Ben Hubbard, “Momentum Shifts in Syria, Bolstering Assad’s Position,” New York Times, July 2013, https://www.nytimes.com/2013/07/18/world/middleeast/momentum-shifts-in-syria-bolstering-assads-position.html.

5 Emma Beals, “De-Escalation and Astana,” Atlantic Council, September 2017, https://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/de-escalation-and-astana/.

6 United Nations High Commissioner for Refugees, “Global Trends: Forced Displacement in 2018,” 2019, https://www.unhcr.org/statistics/unhcrstats/5d08d7ee7/unhcr-global-trends-2018.html.

7 United Nations High Commissioner for Refugees, “Situation Syria Regional Refugee Response,” Updated March 26, 2020, https://data2.unhcr.org/en/situations/syria.

8 United Nations High Commissioner for Refugees, “Syria Emergency,” Accessed April 3, 2020, https://www.unhcr.org/syria-emergency.html.

9 UN Department of Political Affairs, Security Council Briefing on the Situation in Syria, Special Envoy Staffan De Mistura, November 2017, https://www.un.org/undpa/en/speeches-statements/27112017/syria.

10 European Council on Foreign Relations, “The Geopolitics of Reconstruction: Who Will Rebuild Syria?,” September 2019, https://www.ecfr.eu/article/commentary_the_geopolitics_of_reconstruction_who_will_rebuild_syria.

11 UN Security Council, “Greater Cross-Border, Cross-Line Access Needed For Assistance To Syria, Emergency Relief Coordinator Tells Security Council,” February 2020, https://www.un.org/press/en/2020/sc14127.doc.htm.

12 مهى يحيَ، "أصوات مهمّشة: ما يحتاجه اللاجئون السوريون للعودة إلى الوطن"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، نيسان/أبريل 2018، https://carnegie-mec.org/2018/04/18/ar-pub-76065

13 مركز كارنيغي للشرق الأوسط، "إعلان دمشق"، آذار/نيسان 2012، https://carnegie-mec.org/syriaincrisis/?fa=48515