المحتويات

مقدّمة

على الرغم من القتال المتواصل في سورية، يقول نظام الأسد إنه بدأ عملية إعادة الإعمار. ففي العام 2012، أصدرت الحكومة المرسوم التشريعي 66 الذي يُرسي الأساس القانوني لتطوير مناطق المخالفات والعشوائيات، أي المناطق حيث العقارات غير مرخصة رغم تناقلها لأجيال. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2018، أقرّت الحكومة القانون الرقم 10 الذي وسّع نطاق تطبيق المرسوم التشريعي 66 إلى خارج مناطق السكن العشوائي، وأجاز للبلدات والمدن تحديد مناطق معيّنة لتطويرها وإعادة إعمارها. ويعد مشروع "ماروتا سيتي" في دمشق والذي أُطلِق بموجب المرسوم 66، نموذجاً أوّلياً للمشاريع التي ستُنفَّذ مستقبلاً عملاً بالقانون رقم 10، ونقطة الانطلاق لعملية إعادة الإعمار التي يقودها النظام.

"ماروتا سيتي" هو مشروع للتنظيم العمراني يجري العمل على بنائه فوق منطقة السكن العشوائي المسمّاة بساتين الرازي في غرب دمشق. وقد خسر نحو 50000 شخص من سكّان بساتين الرازي منازلهم بسببه. لكن تنفيذ المشروع دونه عثرات. فقد فرضت المؤسسات الحكومية شروطاً شديدة تتسبّب بعرقلة مُضيه قدماً. في حين وجدت آلاف العائلات نفسها بلا مأوى، عالقة وسط مستنقع بيروقراطي يستحكم فيه الفساد، في محاولة لتأمين سقف يأويها والمطالبة بحقوقها في الملكية.

يُقدّم مشروع ماروتا سيتي مثالاً عن المشكلات التي يُرجَّح أن تحيط بعملية إعادة الإعمار بموجب المرسوم التشريعي 66 والقانون رقم 10. كما يُسلّط المشروع الضوء على حقيقة أوسع نطاقاً بشأن إطار العمل المتّصل بإعادة الإعمار في سورية، وهي أن هذا الإطار لن يساهم في إعادة بناء سورية أو تعافيها. لا بل هو بصورة أساسية عملية استطباق (جنتريفيكشن) ذات دوافع سياسية تهدف، من خلال تحويل المشهد الاقتصادي والاجتماعي عبر إعادة تشكيل المساحات العمرانية، إلى ترسيخ قبضة النظام السلطوية.

يُسلّط مشروع [ماروتا سيتي] الضوء على حقيقة أوسع نطاقاً بشأن إطار العمل المتّصل بإعادة الإعمار في سورية، وهي أن هذا الإطار لن يساهم في إعادة بناء سورية أو تعافيها.

إطار عمل تمييزي وتنفيذ متعثّر

يواجه مشروع ماروتا سيتي تعقيدات كثيرة منها القيود المفروضة على مطالبة السكّان بحقوق ملكياتهم، والتأخير في دفع التعويضات، وتخمينات العقارات التي لم تراعِ مصالح مالكي الأسهم. هذا إضافةً إلى أن المقاربة المعتمدة في عملية إعادة الإعمار تعطي الأفضلية للرأسماليين الذين تربطهم صلاتٌ بالنظام. ولم تتِح الدولة سوى بعض الطرق المحدودة للنظر في هذه التعقيدات، رغم أن المعارضة للمشروع واضحة للعيان.

القيود المفروضة على المطالبة بحقوق الملكية

فرضت السلطات، في إطار التحضيرات لإنشاء ماروتا سيتي، شروطاً تخلق صعوبات شديدة أمام قدرة أبناء بساتين الرازي على المطالبة بحقوقهم في الملكية.فقد منحَ المرسوم التشريعي 66 والقانون الرقم 10 السكان مهلة ثلاثين يوماً فقط لإثبات حقوقهم في الملكية. وبما أن البلاد في حالة حرب، تُعتبَر هذه المهلة الزمنية قصيرة، مايُفسح في المجال أمام حدوث انتهاكات. وقد عولِجت هذه المشكلة في تعديل للقانون الرقم 10 أُقِرّ في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 ونصّ على تمديد المهلة إلى عامٍ واحد في المشاريع المستقبلية. لكن بقيت مسائل عدّة من دون حل. ففي بساتين الرازي، ونظراً إلى قصر المهلة، لم يتمكّن المختفون قسراً من المطالبة بحقوقهم أو تعيين وكلاء قانونيين للتوكّل باسمهم. وواجهت عائلاتهم قيوداً بالتبعية على شكل مضايقات ومراقبة وملاحقة أمنية. كما واجه السكّان الذين فرّوا من سورية أو نزحوا داخلياً تحديات في إثبات حقوق ملكيتهم عن بُعد. ومازاد الوضع سوءاً أن كثراً منهم لم يكونوا يمتلكون الأوراق الثبوتية اللازمة للمطالبة بحقٍّ ما أو تعيين وكيل عنهم. وقد تعرّض الأشخاص الذين نزحوا إلى مناطق المعارضة للتمييز ولمزيد من المخاطر والعراقيل.

أولئك الذين تمكّنوا من إثبات حقوقهم في الملكية، وقعوا في معضلة العشوائيات في سورية. فإحدى مساوئ المرسوم التشريعي 66 أنه في حين تم وضعه لمعالجة مناطق السكن العشوائي، إلا أنه يراعي حقوق ذوي الملكية النظامية فقط من دون الاعتراف بحقوق ملكية العقارات المخالفة. وحدهم الأشخاص الذين يمتلكون صكوك ملكية قانونية حصلوا على أسهم في ماروتا سيتي. ورغم أنه قد أُتيح للسكان تقديم إثباتات على حيازتهم عقارات غير مسجّلة، إلا أن ذلك خوّلهم الحصول على مساعدات لتسديد بدل الإيجار فقط، وفي بعض الحالات الحصول على مساكن بديلة. وبالتالي، لم يحصل الكثير من سكان بساتين الرازي سوى على النذر اليسير، نظراً إلى أن آلاف العقارات كانت غير مرخصة. والحال أن نحو 50 في المئة من الأراضي في سورية لم تكن مسجَّلة قبل العام 2011. وقد تفاقم هذا الوضع خلال الحرب بسبب تدمير معظم دوائر السجل العقاري أو تعليق عملها. وفي كل الأحوال، يمكن القول إن سبب تفاقم أزمة العشوائيات في سورية بشكل رئيس هو تقصير الدولة في وضع إجراءات تنظيمية فعالة للاستجابة لعمليات التمدن السريع.

بعد التقدّم لإثبات حقوق الملكية، تم تقدير قيمة العقارات في المنطقة من قبل لجنة مختصة من أجل دفع التعويضات، ثم استُصدرت إشعارات بالطرد بحق السكان. بين عامَي 2015 و2017، طُرِد جميع سكّان بساتين الرازي، وهُدِمت عقاراتهم التي يفوق عددها 6700 بحسب التقديرات. إلا أن عدم اعتماد قواعد واضحة في عملية التخمين أدت إلى اعتبار بعض العقارات غير مؤهَّلة للحصول على تعويضات. ولم يتمكّن المتضررون منالطعن بالقرار.

تعويضات غير ملائمة

من المشاكل الأخرى في ماروتا سيتي أن تعويضات سكان المنطقة لم تكن ملائمة وتأخّرَ صرفها. فالمبالغ التي مُنِحت على سبيل مساعدات لتسديد بدل الإيجار للمالكين السابقين، وسكّان مباني المخالفات في الأراضي العامة أو الخاصة، والمستأجِرين اقتصرت على نسبة خمسة في المئة من قيمة العقار. وهذه نسبة زهيدة في سوق الإيجارات المتضخّم في دمشق. ففي العام 2016، سجّلت بدلات الإيجار مستوى أعلى بـ300 في المئة من قيمتها في العام 2010. وعندما عبّر السكان عن امتعاضهم، كان جواب السلطات "استأجروا في مساكن عشوائية أخرى".

أما الأشخاص المخوَّلون الحصول على مساكن بديلة، بما في ذلك مالكو العقارات السابقون والمستأجرون الذين كانوا يقيمون في بساتين الرازي قبل الإخلاء، فلم يحصلوا بعد على هذه المساكن، علماً بأنهم كانوا قد وُعِدوا بتأمينها لهم في العام 2016. وعلى الرغم من عدم وضع أي خطط لطمأنة هؤلاء، طُلِب منهم تسديد 15 في المئة بمثابة دفعة أولى عن منازلهم البديلة في تموز/يوليو 2018. وقد تم الإبلاغ عن اقتطاع مبالغ من مخصصات بدلات الإيجار حينها لتغطية هذه الدفعات. اليوم، وفي ظل عدم تحقيق أي تقدّم على هذا الصعيد، تُلقي إدارة محافظة دمشق باللائمة في التأخير على الالتباس في اختيار موقع المساكن البديلة والصعوبات في توقيع عقود مع المطوِّرين. وفي حين تجاهلت السلطات واقع الحرب عند تحديد مهل زمنية للسكّان كي يثبتوا حقوقهم في الملكية ويباشروا تنفيذ خطوات أخرى، استخدمت ذريعة الحرب مراراً وتكراراً لتبرير تأخّرها في تقديم التعويضات.

فضلاً عن ذلك، اعترض السكان على الشروط التي فُرِضت لتحديد الأهلية للحصول على مساكن بديلة. ووفقاً للمسؤول عن تنفيذ المرسوم التشريعي 66، كان 15 في المئة ممن تم إخلاؤهم في بساتين الرازي غير مؤهّلين للحصول على مساكن، وتقدّم 5 في المئة منهم بشكاوى بسبب حرمانهم من الأهلية. وفي كانون الثاني/يناير 2019، صرّح المسؤولون في محافظة دمشق أنهم سيعيدون النظر في 500 طلب رُفِض سابقاً للحصول على مساكن بديلة. وقد أثار ذلك انزعاج السكان الذين كانت أهليتهم قد ثُبِّتت، إذ تخوّفوا من حدوث مزيد من التأخير.

مساهمون يعانون

الأشخاص الذين كانوا يملكون عقاراً بصورة قانونية في بساتين الرازي حصلوا على تعويضات من خلال منحهم أسهماً في مشروع ماروتا سيتي. لكن عقاراتهم خُمِّنَت جميعها بقيمةٍ أقل من أسعار السوق، في حين أن التكاليف الإدارية تسببت بخفض إضافي للتعويضات التي حصل عليها السكان. وقد استند تحديد القيمة إلى أوضاع العقارات ومحيطها عند التخمين، لا إلى قيمتها المتوقّعة بعد التطوير، ماأفضى إلى تدنّي سعرها وبالتالي انخفاض قيمة الأسهم التي مُنِحت للأشخاص من باب التعويض. تُقدَّر قيمة الأرض الفعلية التي تبقّت للسكان الذين حصلوا على أسهم، وذلك بعد التقييم واقتطاع جميع التكاليف – بما فيها التكاليف الإدارية، وتكاليف الترخيص والمتعاقدين والمساحات الخضراء – بـ17 في المئة على الأكثر من مجموع قيمة الأرض.

منح مالكو الأسهم مهلة عامٍ واحد فقط لتداول ملكية الأسهم في ما بينهم أو للغير، يتم بعدها توزيع مقاسم ماروتا سيتي عليهم وفق ثلاثة خيارات: تجميع الأسهم للتخصص بمقسم ما؛ تجميع الأسهم لتأسيس شركة مساهمة لبناء وبيع واستثمار المقاسم؛ أو بيع الأسهم في مزاد علني من خلال محافظة دمشق، وتقاضي ثمنها عن طريق المصرف المركزي.

ليس هناك معلومات متوافرة عن أعداد المساهمين الذين اعتمدوا هذا الخيار أو ذاك. لكن عشرات التعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تُشير إلى أن كثراً باعوا أسهمهم لأنهم لم يتمكّنوا من تحمّل كلفة الخيارَين الآخرين. بالنسبة للذين اختاروا بيع أسهمهم، قامت المحافظة بتخصيص مقاسم محددة لأسهمهم ليتم بيعها في مزادات علنية بحيث يمكن للمحافظة شراء بعض هذه المقاسم. ثم أودِعت القيمة الموازية لأسهم السكان في المصرف المركزي السوري وصرفت لهم على دفعات كل ستة أشهر.

أولئك الذين اختاروا تجميع أسهمهم للتخصص بمقسم ما، كان عليهم أن يتعاونوا سوياً للحصول على رخصة البناء. تسبّب هذا الأمر بصعوبات كثيرة، بدءاً من محاولة المساهمين تحديد شركائهم في المقاسم والتعرف عليهم واتخاذ قرارات مشتركة، وصولاً إلى تحديد قيمة الأسهم في المقاسم في كل مرحلة من مراحل تطوير المشروع، بما يُتيح لهم القيام بخيارات مستنيرة. لكن التحدي الأكبر كان الحصول على التمويل الكافي لتطوير مقاسمهم.

أخضعت محافظة دمشق مدينة ماروتا سيتي للمرسوم التشريعي 82 لعام 2010 الذي فرض حصول المساهمين على رخصة بناء في غضون عامٍ واحد اعتباراً من آذار/مارس 2018، وإلا توجّب عليهم تسديد رسم سنوي قدره 10 في المئة من قيمة أرضهم لمدّة أربع سنوات، تُباع الأرض بعدها في المزاد العلني. والحصول على ترخيص يستوجب موافقة اللجنة الفنية المعنية على تصميم معماري أولي، يتم بعده إنجاز الدراسة الفنية الكاملة من أجل الحصول على ترخيص نقابة المهندسين. في آذار/مارس 2019، وبعد الإقرار بتأخر السلطات المعنية في تيسير الإجراءات،أجازت المحافظة تمديد المهلة عاماً واحداً قبل فرض الرسوم. بحلول حزيران/يونيو 2019، كان 60 في المئة من المالكين قد حصلوا على الموافقة على تصاميمهم الأولية، لكن مقسماً واحداً فقط حصل على رخصة بناء. وهكذا لم يتبقَّ سوى أشهر قليلة أمام مالكي المقاسم الأخرى للحصول على التراخيص قبل البدء باقتطاع رسوم كبيرة من أسهمهم.

مطوّرون انتهازيون

ليس هناك الكثير من المعلومات حول عدد سكّان بساتين الرازي القادرين مادياً على تطوير مقاسمهم في ماروتا سيتي. ولاتتوافر أيضاً بيانات كافية عن قدرة من تم إخلاؤهم على تحمل نفقة السكن في إحدى مبانيها في المستقبل. غير أن الشكاوى على مواقع التواصل الاجتماعي تُشير إلى أنهم في الغالب لن يتمكّنوا من ذلك، ولاسيما أن متوسط سعر المتر المربع في الوحدات السكنية يُقدَّر بـ6000 دولار أميركي. لكن المؤكَّد هو أن شركات خاصة ذات علاقات مع النظام استحوذت على عقود كبرى للتطوير في المنطقة.

وفقاً للمخطط التنظيمي، من المقرر تطوير 270 مقسماً في ماروتا سيتي، منها 166 مقسماً مملوكاً من قبل مواطنين، و62 مقسماً مملوكاً لشركة دمشق الشام القابضة، والباقي هو في عهدة المحافظة. يُشار إلى أن محافظة دمشق أنشأت شركة دمشق الشام القابضة في العام 2016 برأسمال قدره 133 مليون دولار لإدارة بعض الأملاك التابعة للمحافظة. وبين تموز/يوليو 2017 وآذار/مارس 2018، وقّعت الشركة ستة عقود مع رجال أعمال مقرّبين من النظام كي تستثمر شركاتهم في ماروتا سيتي في مقابل حصولهم على أراضٍ. وقد أُبرِم العقد الأول مع سامر فوز وبلغت قيمته 333 مليون دولار. ووُقِّع العقد الثاني مع مازن الترزي بقيمة 250 مليون دولار. والعقد الأحدث عهداً كان مع رامي مخلوف بقيمة 48.3 مليون دولار. في هذه الشركات، يملك رجال الأعمال حصصاً تفوق تلك المملوكة من شركة دمشق الشام القابضة، مايمنحهم نفوذاً أكبر في عملية التنفيذ. وقد وُقِّعت ثلاثة عقود أخرى في العام 2018، ومن المرجّح إبرام مزيد من العقود. لكن لم تُخصّص أي من هذه الاستثمارات لتقديم مساكن بديلة للمتضررين أو مساعدة المواطنين على تطوير مقاسمهم. في الواقع، يبدو أن مصالح السوريين هي آخر مايُفكّر فيه النظام.

مشروع مجحف لتعزيز نفوذ النظام

منذ صدور المرسوم التشريعي 66، اعتبر النشطاء في بساتين الرازي ماروتا سيتي مشروع تطوير ذو دوافع سياسية. وهو ادعاء سديد نظراً إلى أن معظم السكان هم من فئات المحرومين اقتصادياً واجتماعياً، وقد شارك كثرٌ منهم في الأيام الأولى للانتفاضة. وكان قادة المجتمع المحلي قد طلبوا اجتماعاً مع الرئيس بشار الأسد للتعبير عن هواجسهم، إنما لم تتم الاستجابة لطلبهم. ونظراً إلى العوائق التي تعترض تنظيم رد جماعي، لم يكن أمام السكان من خيار سوى الرضوخ والقبول بالمشروع.

والأسوأ أن إطار المشروع يحدّ من قدرة السكان على الاعتراض عليه. فالسبيل الوحيد المتاح أمامهم للمطالبة بحقوقهم هو من خلال قنوات الاعتراض الرسميةبموجب المرسوم التشريعي 66. وقد أنشأت محافظة دمشق لجنة لحل الخلافات، إلا أن تنفيذ المشروع لايتوقف خلال النظر في الاعتراضات والنزاعات. وتُحقّق اللجنة بصورة أساسية في ادعاءات الملكية أو النزاعات العينية على العقارات. وهي معفيّة من التقيد بالأصول والمهل المقررة في قانون أصول المحاكمات، ولها سلطة التحكيم في النزاعات وإصدار قرارات ملزمة استناداً إلى "مبادئ العدالة"، لا إلى القانون الفعلي. لم تُنشَر أي تقارير عن أعداد النزاعات التي أثيرَت على خلفية إنشاء ماروتا سيتي، ولكن التعليقات على صفحات المجموعات المحلية على مواقع التواصل الاجتماعي تحدّثت عن مئات الاعتراضات.

المناصرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المسجَّلة لدى الدولة كانت المساحة الوحيدة المتبقّية للسكان للتعبير عن مخاوفهم خارج الإطار الرسمي المقيَّد للاعتراض. وقد أُنشئت مجموعات عديدة، ولاسيما عبر موقع فايسبوك، ليتبادل الأشخاص عبرها آخر التطورات، ويساعدوا بعضهم البعض في فهم العملية، ويعبّروا عن استيائهم. تُشير المنشورات والتعليقات في هذه المجموعات إلى أن الناس يُحمّلون محافظة دمشق مسؤولية عدم تنظيم التملّك، ويطالبون بمحاسبتها على خلفية تقويضها لحقوق الأشخاص المقيمين في مساكن عشوائية. وقد طالب السكان باعتبارهم شركاء في تطوير ماروتا سيتي، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتسهيل ذلك من خلال وضع قوائم بالمموِّلين والمطوِّرين المحتملين، ومنح حوافز للمصارف كي تدعم المواطنين في تطوير مقاسمهم، وتطبيق إعفاءات من بعض الضرائب والرسوم. كما توقّف كثرٌ أيضاً عند التكاليف الاجتماعية التي تكبدوها جراء طردهم.

تنامى الاعتراض على المشروع ضمن أوساط المغتربين السوريين في الخارج أيضاً. لكن نظراً إلى تأثيرهم المحدود على التطورات داخل سورية، ركّزوا على العمل مع المجتمع الدولي والمستثمرين والمموّلين المحتملين للتأثير في عملية إعادة الإعمار التي يقودها النظام. ويتمحور حراك هذه الفئة حول حجّتَين اثنتين. تستند الحجّة الأولى إلى مبدأ أن المساهمة في عملية إعادة الإعمار التي يتولاها بصورة أساسية النظام ورجال الأعمال الموالون له، تعني التوّرط في انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية.

وتتعلّق الحجّة الثانية، الواردة ضمناً في الحجة الأولى، بالأطر التشريعية والإجرائية التي وضعها النظام لتوجيه عملية إعادة الإعمار. تؤكّد هذه الحجة أن الهدف من المشاريع النيوليبرالية التي يعمل النظام على تنفيذها هو تثبيت سلطته الاستبدادية، ومعاقبة المجتمعات المعارِضة له. وفي غضون ذلك، يبذل السوريون مزيداً من الجهود لتطوير بدائل للمقاربة التي يعتمدها النظام في إعادة الإعمار. وتشمل هذه الجهود وضع مبادئ من أجل إعادة إعمار منصفة، وتنظيم حملات توعية لتوضيح التشريعات والمشاريع المثيرة للجدل، ووضع خرائط مكانية لتوثيق حقوق الملكية والانتهاكات، وإيجاد حلول سكنية بديلة من جملة مبادرات أخرى.

أطلقت الحملة الهادفة إلى التأثير في عملية إعادة الإعمار سجالاً على خلفية أن الغاية منها هي التأثير في النتائج السياسية في سورية. يمكن اعتبار القيود التي فرضها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على تمويل إعادة الإعمار، وكذلك العقوبات الاقتصادية جزءاً من نتائج هذه الحملة. فالاتحاد الأوروبي عمد إلى توسيع قائمة عقوباته لتشمل رجال أعمال سوريين وشركات سورية يستثمرون في ماروتا سيتي. إلا أن النظام رفض هذه الادعائات زاعماً أن جهوده موجَّهة نحو إعادة إعمار البلاد والنهوض باقتصادها. فقد نظّمت الحكومة معارض لإعادة الإعمار، معلنةً أن سورية منفتحة على الأعمال وأن المشاركة في إعادة الإعمار متاحة حصراً أمام "أصدقاء سورية" أو حلفائها. كما وصف النظام أيضاً الدول التي تفرض عقوبات على بلاده بأنها "دول عدوّة" لامكان لها في إعادة الإعمار. واستغلّ النظام الدعوات الدولية لعودة النازحين إلى بلادهم للتأكيد أن البلدان التي تحجب التمويل عن عملية إعادة الإعمار هي التي تتسبّب بتأخير هذه العودة. وقد أبدى حلفاء النظام، وعلى رأسهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دعمهم لهذا الموقف حيث قال بوتين أمام الاتحاد الأوروبي إن الاستقرار الذي يثبّت النظام دعائمه، والذي من شأن تمويل إعادة الإعمار أن يساهم في تعزيزه، هو السبيل الوحيد لعودة 6 ملايين لاجئ سوري إلى ديارهم.

إعادة الإعمار لن تساهم فعلاً في نهوض سورية

مزاعم النظام بأن إعادة الإعمار ستساهم في بناء سورية من جديد، والنهوض باقتصادها، وتسهيل عودة النازحين، هي مزاعم مشروعة. لكن الشكوك تحيط بقدرة أطر العمل التي يفرضها النظام في عملية إعادة الإعمار على تحقيق هذه الأهداف. لقد فشلت المشاريع في اعتماد مقاربة قائمة على الحقوق وقادرة على المساهمة في المعافاة. ولم تتمكّن من إطلاق آلية فعلية لمعالجة مشكلة الأملاك غير المسجّلة، والتي هي من نتائج الفشل المؤسسي. لقد فرضت القوانين قيوداً على الهامش المتاح أمام المهجرين لإثبات حقوقهم التملّكية، ماأفضى إلى نزوح إضافي لعشرات آلاف الأشخاص. إضافة إلى أنها حدّت من قدرة الكثير من الفئات المحرومة اقتصادياً على الاحتفاظ بمساكنهم في مناطقهم الأصلية، فيما سهّلت استحواذ النخبة الثريّة على هذه المساكن.

إلى جانب طابعها التمييزي، لايمكن النظر إلى عملية إعادة الإعمار بمعزل عن السياق السياسي في سورية. فالدمار الذي لحق بالبلاد خلال النزاع لم يكن مجرد أضرار جانبية، بل إن حجمه وطبيعته ونتائجه تُشير إلى أنه استُخدِم بمثابة سلاح عسكري للقضاء على السكّان في مناطق المعارضة. وقد نمت هذه المعارضة بصورة أساسية في الأحياء العشوائية والمحرومة التي تحمّلت الوطأة الأكبر من الدمار. فضلاً عن ذلك، يعتقد كثرٌ أن الأضرار توزّعت حول خطوط مذهبية، مع الإشارة إلى أن حجم الدمار الأكبر كان من نصيب المناطق السنّية.

إن الدمار الذي لحق بالبلاد خلال النزاع لم يكن مجرد أضرار جانبية، بل إن حجمه وطبيعته ونتائجه تُشير إلى أنه استُخدِم كسلاح عسكري للقضاء على السكّان في مناطق المعارضة.

تفضي المقتضيات الإجرائية الصارمة لعملية إعادة الإعمار إلى استنتاج أن الأشخاص الذين هجروا قسراً من المناطق المدمَّرة لن يتمكنوا من العودة إليها. أما أولئك الذين ظلوا فيها فغالباً لن يتمكّنوا من تحمّل تكاليف البقاء أكثر، نظراً إلى مايعانونه من فقر نسبي وإلى الطابع النيوليبرالي الذي تتّصف به المشاريع. وبالتالي، يمكن النظر إلى إطار إعادة الإعمار بأنه استكمال لعملية التدمير التي أحدثت تغييراً كبيراً في الطابع الديموغرافي للبلاد، حيث يسعى النظام، من خلال تمكين الرأسماليين المحسوبين عليه عبر عملية إعادة الإعمار لإحداث تحوّل في التركيبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يساهم في ترسيخ قبضته السلطوية على البلاد.

خاتمة

ماروتا سيتي هو المشروع الشامل الوحيد الذي يضع، حتى تاريخه، إعادة الإعمار التي يقودها النظام على محك الاختبار. ولكن العبث بالعمليات العمرانية لترسيخ الحكم السلطوي اتخذ أشكالاً مختلفة. فقد لجأ النظام إلى التدمير المنهجي للعديد من الأحياء التي استعاد السيطرة عليها، بما في ذلك مبانٍ سليمة وصالحة للسكن، ومنعَ وصول سكّانها إليها. ومنذ العام 2011، أقرّت الحكومة أيضاً عشرات القوانين التي تطعن بحقوق السكن والأرض والملكية. فضلاً عن ذلك، تلاعبت الحكومة بالمساعدات الدولية في البرامج الإنسانية ومشاريع التعافي بما يخدم مصالح النظام السياسية والاقتصادية عن طريق فرض الشروط التي تُحدّد آلية عمل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لإعادة تأهيل البنى التحتية والمساكن، حيث لم تعد هذه الجهود، حتى تاريخه، بالفائدة سوى على المناطق التي تحظى بمباركة النظام.

في غضون ذلك، لم تنجح القيود الدولية المفروضة على إعادة إعمار سورية في التأثير في التطورات على الأرض. فقد حصل حلفاء النظام السياسيون والعسكريون على وصول حصري إلى قطاعات اقتصادية أساسية، بما في ذلك الموارد الطبيعية والموانئ، بمايمنحهم اليد الطولى في إعادة الإعمار في المستقبل. بالإضافة إلى ذلك، يتواصل النظام مع مانحين من خارج القائمة التقليدية، مثل الهند والبرازيل، ويعمل على تمكين الرأسماليين المحسوبين عليه للاستثمار في إعادة الإعمار.

في المدى الطويل، من غير المرجّح أن يتمكّن النظام من التخلي عن الدعم من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة نظراً إلى وزنهما الاقتصادي والسياسي في المنطقة والتكلفة الهائلة لإعادة إعمار سورية. لكن عملية إعادة الإعمار التي أطلقها النظام حتى الآن تتيح له التلاعب بالجهود لمصلحته الخاصة. فماروتا سيتي توضح أن حقوق السوريين تتعرُّض لمزيد من الانتهاك في الداخل، فيما تخضع إعادة الإعمار للنقاش على المستوى الدولي. وحتى الآن، اقتصرت مقاربة المجتمع الدولي على الإحجام عن المشاركة في إعادة الإعمار بانتظار حدوث انتقال سياسي، مع الإبقاء على العقوبات التي يتحمّل وزرها، على نحوٍ مجحف، المواطنون السوريون العاديون. وهذا ليس بحل. ثمة حاجة إلى وضع مبادئ توجيهية جديدة لأي دورٍ قد يضطلع به المجتمع الدولي في إعادة إعمار سورية. على هذه المبادئ أن تُسهّل اتخاذ خطوات فورية من أجل تمكين السوريين من النهوض من جديد، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكَب باسم إعادة الإعمار، والحرص على عدم اتخاذ أي إجراءات من شأنها تمكين النظام.

عن الكاتبين

سوسن أبو زين الدين وهاني فاكهاني مهندسان معماريان سوريان يعملان في مجال التنظيم العمراني. يركّز عملهما على السكن، والتنمية العمرانية، وإعادة الإعمار في سورية من خلال الأبحاث والممارسات. وقد أسّست أبو زين الدين وفاكهاني مؤخراً مبادرة "سكن للمجتمعات الإسكانية"، وهي مبادرة اجتماعية تهدف إلى تطوير برامج سكنية شاملة وعادلة اجتماعياً للمساعدة على تحقيق المعافاة الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية في سورية.

هذه المادة مرخّصة بموجب أحكام وشروط رخصة المشاع الإبداعي العمومية (نَسْبُ الـمُصنَّف 4.0 رخصة عمومية دولية).