المحتويات

سعت الحكومة السورية طيلة السنوات الثماني لنزاع من أكثر النزاعات وحشية في العالم العربي، إلى إشاعة الاعتقاد بأنها ستستعيد سيطرتها قريباً على كل أنحاء سورية. صحيح أن حمص، التي أحتُفي بها سابقاً على أنها "عاصمة الثورة"، سقطت في أيدي القوات الموالية للرئيس بشار الأسد في أيار/مايو 2018، إلا أن الانقسامات المتواصلة تؤكد أن الوضع أبعد مايكون عن العودة إلى الحالة الطبيعية.

في حزيران/يونيو الماضي، أُعيدَ تذكير السوريين بالوحدة التي تميّزت بها حمص في المراحل الأولى من الانتفاضة. فعبد الباسط الساروت، وهو قائد في حركة الاحتجاج وأصبح لاحقاً مقاتلاً معارضا، قُتِل خلال اشتباكات مع قوات النظام في حماه. كان الساروت، حارس مرمى فريق الكرامة لكرة القدم، وقد قاد الاحتجاجات في العام 2011 جنباً إلى جنب مع الممثلة العلوية فدوى سليمان. صورة هذا السنّي وتلك العلوية معاً ساعد على نبذ الاتهامات بأن الانتفاضة طائفية. بيد أن مصرع الساروت أعاد فتح جرحٍ تجنّب العديد من سكان حمص الاعتراف به. فهو ذكّرهم بأن وفاق الأمس بات أشلاءً اليوم، وأن حمص تُواجه طبقات فوق طبقات من التوترات العالقة التي لم تلق حلا. فهناك مئات الآلاف من النازحين غير القادرين على العودة. وهناك مجتمع متشظِ إلى درجة أن ناسه لم يعودوا يتعرّفون عليه. وهكذا، وعلى رغم أن المرحلة العسكرية ربما تشهد انحسارا، إلا أن التطورات في حمص تشي بأننا في الواقع ندخل مرحلة جديدة من النزاع.

ثلاث طبقات من الانقسامات

على رغم أن محافظة حمص عادت إلى كنف السيطرة الحكومية، إلا أن كوكبة من اللاعبين السياسيين تُسيطر على أشطار مختلفة من الأراضي. هنا، ثمة ثلاثة أنواع من الانقسامات، على رغم أنها لا تُقصي بعضها البعض، تُميّز هذه المحافظة اليوم: انقسامات بين أنصار النظام وبين خصومه؛ وانقسامات بين طوائف حمص؛ وانقسامات بين داعمَي النظام الدوليين، أي روسيا وإيران. كل هذه الديناميكيات عمّقت تفكك حمص، وجعلت من الصعب على أي كيان تسنّم السيطرة وفرض سلام واستقرار دائمين. هذا ناهيك عن أن هذا لن يكون مُمكناً من دون عدالة انتقالية ذات صدقية.

ثمة ثلاثة أنواع من الانقسامات، على رغم أنها لا تُقصي بعضها البعض، تُميّز هذه المحافظة اليوم: انقسامات بين أنصار النظام وبين خصومه؛ وانقسامات بين طوائف حمص؛ وانقسامات بين داعمَي النظام الدوليين، أي روسيا وإيران.

أنصار النظام وخصومه

الانقسام بين أنصار النظام السوري وخصومه هو أوضح صدع جلي في حمص هذه الأيام. وتأتي سياسات النظام الخاصة بإعادة البناء وإعادة التأهيل لتوسّع شرخ هذا الصدع. ففي مدينة حمص، يواصل النظام حرمان المناطق التي كانت سابقاً تحت سيطرة المعارضة، بما في ذلك البيّاضة والوعر وكرم الزيتون، من مشاريع البنى التحتية الأساسية، وتمويل التنمية، والخدمات. كما يزرع النظام العقبات في وجه عودة النازحين، هذا في حين يُطلب من العدد الصغير نسبياً من الذين سُمح له بالعودة "إيضاحات" أمنية وأذونات تستغرق ردحاً طويلاً لإعادة بناء منازلهم، من دون أي ضمانة في الواقع بإصدار مثل الأذونات. وبدءاً من العام 2015، كان نحو مليون ونصف مليون سوري على الأقل مطلوبون من قبل الأجهزة الأمنية ولازالوا غير قادرين على العودة إلى البلاد. وفي الحالات التي يستطيع فيها البعض العودة، غالباً ما يُجبرون على إشغال أماكن غير تلك التي كانوا فيها. هكذا ظواهر أثّرت، على سبيل المثال، على السكان السابقين لمدينة القصير.

علاوة على ذلك، سنّت الحكومة أيضاً قانوناً يسمح لها بمصادرة المُلكية. فمن خلال القانون الرقم 10 في 2018، الذي يسمح للحكومة بتحديد مناطق التنمية في كل أنحاء سورية، استولت الحكومة على المُلكيات في المعاقل السابقة للمعارضة بذريعة إعادة التنمية. مثلا، في أيلول/سبتمبر 2018، أعادت الحكومة تحديد ثلاث مناطق سيطرت عليها المعارضة سابقاً في مدينة حمص (جورة الشيّاح، والقصور، والقرابيص) وخصصتها لبناء بنايات شاهقة ومراكز تسوّق. وتضمنت هذه الخطة تعويض أصحاب الملكية الذين يُظهرون مستندات تُثبت هذه الملكية، بمتوسط يبلغ 17 في المئة فقط من قيمة هذه الأخيرة.

وفي تموز/يوليو 2019، أعلنت الحكومة أنها وصلت إلى المراحل الأخيرة من إعادة النظر بمشروع "حلم حمص" (السكان المحليون أسموه "كابوس حمص"). يهدف هذا المشروع إلى تطوير مناطق أخرى من المدينة عبر تشييد مبانٍ عديدة الطوابق ومراكز تجارية. وكانت الحكومة حاولت تنفيذ هذه الخطة قبل الانتفاضة، لكنها توقفت عن ذلك بسبب الاعتراضات المحلية على عملية طرد سكان من بابا عمرو وجوبَر، وهما حيّان من أفقر أحياء حمص وسقطا لاحقاً في أيدي المعارضة. بيد أن المشروع بات جاهزاً الآن للتنفيذ في ظل القانون الرقم 10.

إلى ذلك، لم تفعل الحكومة شيئاً يُذكر لتوفير الخدمات للأحياء التي كانت سابقاً تحت سيطرة المعارضة، والتي وقّعت معها اتفاقات مُصالحة. وعلى رغم أن الاتفاقات، التي حظيت بضمانات روسية، نصّت على وقف مؤقت لتجنيد الشبان، إلا أن الدولة ربطت عملياً إصدار كل أنواع الأوراق الرسمية بشرط هو الحصول أولاً على موافقة دائرة التجنيد. وهذا أجبر الشبان على الانضمام إلى الجيش وترك عائلاتهم وليس في حوزتها سوى وسائل عيش محدودة. وثمة آخرون، حتى في صفوف أنصار النظام، أركنوا إلى الفرار من سورية بدلاً من الالتحاق بالتجنيد وفق قوانين العفو العام في البلاد، لأن هذه القوانين تنطوي على ثغرات تُجبر الرجال على الانضمام إلى الجيش في حالات الطوارئ وإلا يواجهون اتهامات جنائية. ويوضح مازن غريبة، وهو باحث وناشط من الوعر مضاعفات هذه المشكلة كالتالي: "حتى لو توافر الإسمنت ومواد البناء، ليس هناك أيدٍ عاملة فتية لأعادة بناء المنازل ومواقع الأعمال المدّمرة. حتى الشبان الموالون الذين لم يقاتلوا النظام يهربون بحثاً عن مستقبل".1

بدءاً من أيار/مايو 2019، تم اعتقال 460 من سكان حمص الذين تصالحوا مع النظام، بما في ذلك قادة المجالس المحلية المدنية من الحولة في ريف محافظة حمص. وتجري ملاحقة آخرين من جانب أفراد بتهم جرائم يزعمون أنها ارتُكبت خلال الانتفاضة. وتهدف هذه الخطوة إلى إبقاء المعارضين السابقين الذين يريدون العيش في حمص تحت رحمة دعاوي قانونية، وربما السجن. ثم أن بعض الرجال يُعتقلون على رغم الضمانات الروسية التي نصّت على أن توقيع "تسوية الوضعية الخاصة" مع النظام ستوفّر لهم فترة سماح لمدة ستة أشهر على الأقل قبل التجنيد. وهكذا، في الصيف الماضي، قُذِفَ بالبعض إلى خطوط الجبهات في شمال حماه ليكونوا مُضغة للمدافع.

تصاعد في التوترات الطائفية

يُظهر تاريخ سورية الحديث أنه لعقود عدة كان نظام الأسدين يسعى إلى تعميق الاختلافات الطائفية لصالحه. والآن، ومع انحسار النزاع العسكري اليوم، باتت خطوط الصدع الطائفية أكثر وضوحاً وصراحة. كانت حمص، كما يُقال، أكثر المحافظات السورية تعددية، حيث يعيش العلويون والشيعة والسنّة والمسيحيون جنباً إلى جنب. لكن من الصعب الأن تخيّلهم ثانية في لحظة عيش مشترك. فالهجمات الدموية على الحولة وتلكلخ وبابا عمرو محفورة في ذاكرة السنّة، خاصة ما يتعلّق بمشاركة الميليشيات العلوية والمسيحية فيها. يقول طبيب من الوعر، مستعيداً الصدمة التي تلقاها مرضاه على أيدي الجُند العلويين: "لايستطيع هؤلاء أن يُخرجوا من عقولهم اللهجة الساحلية الثقيلة (المرتبطة بالعلويين) التي سمعوها خلال عمليات تعذيبهم".2 والآن، دَرُج الناس على تحديد الطائفة من خلال ما إذا كان الفرد موالياً للأسد أم لا.

يتذكّر أبو علاء، وهو عضو في مجلس محلي سابق من حي الشمّاس في مدينة حمص، كيف سُمِحَ لجيرانه المسيحيين والعلويين بالبقاء في منازلهم، فيما عائلته وباقي العائلات السنّية طُردت.3 وتحدث مالك، العضو السابق الآخر في مجلس محلي من حي الحمرا عن السخط الشعبي العميق مما يُسمى " سوق السُّنة" في منطقتي النّزهة والزهرا في المدينة، وهو سوق شائن السمعة لأنه يبيع بضاعة سنّية منهوبة من القصير وأماكن أخرى.4 مثل هذه الأسواق منتشرة في أماكن مختلفة من المناطق التي يُسيطر عليها النظام.

في كل أنحاء حمص، يجري الآن ترميم الكنائس، ويكيل الكهنة الأورثوذكسيون المديح في عظاتهم للأسد لأنه أنقذ واحدة من أقدم الجاليات المسيحية في العالم. الأسواق في الأحياء المسيحية يُعاد فتحها، والحكومة السورية أقرّت تمويل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق الأمم المتحدة للسكان لمشاريع في مناطق تقطنها أقليات في مدينة حمص، مثل الحميدية والخالدية. كما يعاد بناء حي جورة الشياح، التي كانت في السابق ذات أغلبية سنّية، بمساعدة الأمم المتحدة، لكن من دون الأخذ في الاعتبار أصحاب الأملاك الأصليين الذين لايستطيعون العودة. وبدلاً من أن تعود العائلات المسيحية من حي الوعر المختلط إلى بيوتها الأصلية، يُعاد توطينها مع الأقليات الأخرى، ما يعزز التغيّرات الديموغرافية. وعلى رغم أن مؤسسة قاديروف الشيشانية رمّمت مسجد خالد بن الوليد بمباركية روسية، لم يُعتبر ذلك جزءا من جهد أوسع لتشجيع عودة السنّة.

لاتقتصر التوترات على العلاقات بين السنّة وغير السنّة. فالسخط العميق منتشر أيضاً بين العلويين في المناطق المهمّشة من حمص. إذ هؤلاء لم يلحظوا أي تغيير في مستوى حصولهم على الخدمات الأساسية، على رغم أن هذا الأمر نادراً ما يًناقش علنا. فجمعية البستان الخيرية، التي كان يُسيطر عليها سابقاً رامي مخلوف ابن خال الأسد، كافأت أعلى مراتب القيادة العسكرية والسياسية السورية، لكن ليس العائلات العلوية العادية التي أرسلت أولادها للموت دفاعاً عن النظام.5

لاتقتصر التوترات على العلاقات بين السنّة وغير السنّة. فالسخط العميق منتشر أيضاً بين العلويين في المناطق المهمّشة من حمص. إذ هؤلاء لم يلحظوا أي تغيير في مستوى حصولهم على الخدمات الأساسية، على رغم أن هذا الأمر نادراً ما يُناقش علنا.

علاقات الإيرانيين والروس في حمص

بعد أن أنزل النظام السوري وحليفاه الرئيسيان، روسيا وإيران، الهزيمة بقوات المعارضة في محافظة حمص، استولى على مساحات شاسعة من الأراضي. وقد مارست قوات مدعومة من الروس والإيرانيين السلطة بطريقة خاصة بها واقتطع كلٌ منها أراضٍ من دون عداوات كبيرة بينها. لكن، في حين أن محافظة حمص عادت إلى سلطة النظام، إلا أن هذا لم يعنِ الكثير على أرض الواقع، خاصة في المناطق الريفية الجنوبية والشمالية من المحافظة، لأنه بالكاد يمكن لحظ وجود النظام هناك. ففي العديد من المناطق، يقتصر دور هذا الأخير على جمع المعلومات الاستخبارية بدلاً من تسنّم مسؤولية تحقيق مصالح المواطنين. كما أن أجهزة المخابرات تتنافس في ما بينها على السيطرة وتفشل في تنسيق نشاطاتها.6

توسّطت روسيا لإبرام العديد من اتفاقات المصالحة بين مقاتلي المعارضة وبين النظام في العديد من المناطق، بما في ذلك في حمص. ويقوم المركز الروسي لمصالحة الأطراف المتنازعة، الذي يتخذ من قاعدة حميميم مقراً له، بتنسيق عمليات المصالحة ونشاطات الشرطة العسكرية الروسية. على سبيل المثال، كانت فروع أجهزة مخابرات النظام في البداية مسؤولة عن المفاوضات حول انسحاب المتمردين من حي الوعر، لكن في نهاية العام 2016، أمسك الجنرالات الروس بزمام الأمور، وعرضوا على المتمردين تنازلات في مقابل إلقائهم السلاح أو الانتقال إلى إدلب. ويقول مفاوضون سابقون أنه في إحدى المراحل، لم يكن هناك سوى العلم الروسي خلال المفاوضات.7

أسبغ الروس على أنفسهم صورة صانعي السلام، عبر إدارتهم لمفاوضات المصالحة، هذا في حين كان قادة النظام والقوات الإيرانية يفضّلون السيطرة على الأراضي بالقوة. وفي أعقاب عمليات المصالحة، كان الشرطة العسكرية الروسية عموماً هي أول ما يظهر على الساح، فتدير حواجز التفتيش وتتدبر أمر عدد محدود من اللاجئين العائدين والنازحين في الداخل. كان العائدون بالإجمال من المرتبطين بالنظام، أو أفراد غير مُسيسين، أو طاعنين بالسن. وقد خلق مشهد عمليات المصالحة المنظّمة التي ضمنها الروس الثقة بأن بنود الاتفاقات ستُحترم. كما عزّز الروس التصوّر بأنه يمكن الاعتماد عليهم لإقناع المعارضين السابقين بالانضمام إلى الفيلق الخامس، وهي وحدة تدرّبها وتسلّحها وتديرها موسكو. وقد سمح الروس لمتمردين سابقين الاحتفاظ بأسلحتم ومواصلة السيطرة على مناطقهم، في مقابل التعهّد بالولاء لهذه الوحدة. لا بل هم اقنعوا البعض بالقتال في إدلب حيث يتركّز المقاتلون اليوم.

بيد أن الشرطة العسكرية الروسية انسحبت من حمص في أواخر العام 2018، وحلّت مكانها وحدات مؤيدة للنظام، على غرار قوة الدفاع الوطني، التي خلقت مناخاً من الذعر حين اعتقلت الآلاف، خانثة بذلك الوعود بعدم توقيف الأشخاص الذين شاركوا بالمصالحة.

في هذه الأثناء، كانت إيران أيضاً مُنهمكة في تركيز نفوذها في كل أنحاء حمص. وقد سيطر حزب الله الموالي لإيران عملياً على المناطق الريفية الجنوبية الغربية من سورية التي ترتبط بالقرى اللبنانية في البقاع. بلدة القصير، التي كان عدد سكانها نحو 30 ألفاً قبل العام 2011، فقدت نصف هذا العدد في 2011 خلال هجوم حزب الله.8 وفي أواسط تموز/يوليو 2019، وللمرة الأولى ومع موافقة حزب الله، سمح النظام لـ300 عائلة بالعودة. وفي تشرين الأول/أكتوبر، سُمح بعودة 750 نازحاً، بشرط ألا يقوموا بإعادة تأهيل منازلهم أو عمليات إعادة بناء.9 كان هؤلاء في معظمهم من الموظفين المدنيين ومن العناصر التي تعاونت مع مسؤولي النظام، ومعهم عائلاتهم.10 وقد أمر حزب الله، الذي قام بنفسه بإسكان عائلات في القصير، العائدين بإفساح المجال للسكان الأصليين الذين يملكون مستندات ملكية.11 ومثلهم مثل الروس، تقوم الميليشيات الموالية لإيران بتجنيد الرجال المتصالحين مع النظام، وتزوّدهم بالسلاح وتسمح لهم بمواصلة إدارة مناطقهم إذا ما انضموا إلى الميليشيات التي يديرها الحرس الثوري الإيراني.

أثّر النفوذ الإيراني كذلك على النسيج الاجتماعي لحمص. ففي أيلول/سبتمبر 2017، وخلال مباراة كرة قدم بين سوريا وإيران، هتف السوريون الذين يعيشون في حي المزرعة الذي يسيطر عليه الإيرانيون لصالح الفريق الإيراني ضد فريقهم الوطني. وهذا أثار حنق السنّة المحليين الذين باتوا يعتبرون على نحو متزايد السوريين الذين يعيشون تحت سلطة إيرانية بمثابة عملاء للأجانب. والحال أن تكتيكات إيران لجذب الأنصار عبر الدعوة الدينية فاقم احتمال نشوب صدامات مسلّحة بين السنّة، من جهة، والشيعة والعلويين الذين يُصنَّفون كحلفاء للأسد، من جهة أخرى.

لم ترد تقارير مباشرة عن حدوث مجابهات روسية – إيرانية، إلا أن التوترات بين الطرفين ربما تتصاعد في حمص وأجزاء أخرى من سورية.12 فكلاً من موسكو وطهران تسعيان إلى ضمان المداخل إلى المرافئ والموارد الطبيعية ومشاريع البنى التحتية السورية. كما أن الروس لزموا الصمت نسبياً إزاء الهجمات الإسرائيلية ضد الإيرانيين والقوات الموالية لهم في سورية، ما أثار حفيظة طهران. علاوة على ذلك، كلا الطرفين يسعيان إلى حصد أوسع نفوذ في سورية، لكنهما لايستثمران سوى القليل، كما يتبيّن من كل شيء أنفقاه حتى الآن. وربما لهذا السبب يُعتبر استتباع المقاتلين المحليين هو الخيار الأنسب والأرخص لهما، فهو يعرض على المتمردين السابقين الحماية الروسية أو الإيرانية ويقيهم التجنيد أو الاعتقال على يد نظام "لا يلتزم قط بكلمته"، على حد تعبير عضو سابق في مجلس تلبيسة.13

لقد وردت تقارير غير مؤكدة تتحدث عن احتكاكات بين وحدات سورية يدعمها الروس وأخرى يدعمها الإيرانيون. على سبيل المثال، اعتقل وعذّب حزب الله في تلبيسة في أواخر 2018 منهل الضحيك العضو في جيش التوحيد بعد أن قاد غارة على قرى شيعية. وكان الضحيك تعهد بالولاء للفيلق الخامس. وحين أُبلغ الروس بالأمر، تحركوا وأطلقوا سراحه.14 لكن حزب الله اعتقله ثانية في تموز/يوليو الماضي وهو لايزال قيد الاعتقال.15

الحاجة إلى العدالة الانتقالية

محافظة حمص هي مجرد جزء من لوحة أكبر بكثير هي سورية المحطّمة. وتُظهر الانقسامات في البلاد أن عوامل النزاع لاتزال قائمة ويبدو النظام عاجزاً عن تسويتها بسهولة. ومع ذلك، ومع انتقال سورية إلى مرحلة جديدة، يتعيّن معالجة هذه الانقسامات إذا ما أُريد لحمص أن تنعم بسلام دائم.

لايركّز السوريون في داخل محافظة حمص الذين انهكتهم الحرب سوى على مسألة الحفاظ على البقاء. أما أولئك الذين يعيشون في معاقل المعارضة السابقة فعليهم مواجهة حملات الاعتقال الدورية والمضايقات من جانب النظام وأنصاره الذين ينحون باللائمة عليهم لدمار سورية. لكن حتى الموالين للنظام ليسوا بمنأى من المضايقات. فالقيادة السورية تكافئ النخبة السياسية والأقليات التي تحتاج إليها لتعزيز قبضتها على السلطة، وتُنحّي جانباً العديد من الناس في حمص، بما في ذلك حتى فقراء العلويين الذين قاتلوا لصالحها. كما يواصل النظام التعاطي مع سورية وكأنها ملكية خاصة لآل الأسد وحاشيتهم المقربّة، لا بكونها لكل السوريين.

كل ذلك يجعل من العدالة الانتقالية الحقيقية، كمسار موازٍ للعملية السياسية، حاجة ماسّة وشرطاً لازباً كي تتحرّك سورية إلى الأمام. وهذا يتطلّب مقاضاة أولئك في القيادة السورية الذين أجازوا الاعتقالات الجماعية، والقتل، والتعذيب، والاغتصاب. كما أن ذلك يعني أيضاً ضرورة توضيح مصير المُختفين. وفي أحاديث مع العديد من السوريين، أوضح هؤلاء أنهم يريدون إجراءات ضد رجال الأعمال الذين تربّحوا من قوانين الإسكان، والأراضي، والتنمية، لأنهم يعتبرونهم متواطئين في جرائم الحرب الخاصة بالنزوح الإجباري. ومن المهم للغاية أيضاً معاقبة الشركات والمنظمات الدولية التي شاركت في مشاريع تخرق المبادئ الإنسانية، وذلك بهدف تجنّب حدوث خروقات مماثلة مستقبلا.

العدالة الانتقالية تعني كذلك عكس الكثير من القوانين التي سُنَّت منذ العام 2011 والمتعلّقة بالتجنيد، والإسكان، والإرهاب، والتي شلّت المجتمع. مثل هذه العملية يجب أن تتم من خلال هيئات قضائية دولية وسورية، ما يسمح للسوريين السعي إلى العدالة عبر وسائل قانونية وتصالحية لا عبر العنف. لكن المشكلة في كل هذا هو أن النظام لن يشرف على عملية يقاضي فيها نفسه وحلفاءه. ولذا، الاعتقاد بأن النظام قد يريد، أو يستطيع، قيادة سورية نحو رحاب الاستقرار، محض خيال.

العدالة الانتقالية تعني كذلك عكس الكثير من القوانين التي سُنَّت منذ العام 2011 والمتعلّقة بالتجنيد، والإسكان، والإرهاب، والتي شلّت المجتمع.

أسس وقواعد نزاع مستقبلي

سيبقى مستقبل حمص بائساً ومحزناً طالما هي لاتزال متشظية ولم تجر معالجة الأسباب العميقة لدمارها. فتجميد الأوضاع الراهنة والافتراض بأن التوترات ستحل نفسها بنفسها ليسا توجهين واقعيين. ما هو موجود الآن مُهلك ومُدمِّر، لكن المستقبل قد يجلب معه مضاعفات حتى أكثر خطورة، بسبب غياب سلطة تمثيلية موحَّدة يمكنها معالجة العوامل التي تسبّبت بمآسي وبلايا حمص في الماضي القريب.

والحال أن الشقاق بين من يدعم النظام ومن يرفضه، وبين الطوائف الدينية، وبين روسيا وإيران، كلها قضايا قابلة للاستغلال. والنظام قد يسعى إلى الإفادة من هذه الانقسامات للحفاظ على البقاء، وكذا الأمر مع اللاعبين الدوليين الذين يتحرّكون على إيقاع مصالحهم في مجالي الاقتصاد والسياسة الخارجية. وبالتالي، القلاقل التي قد تنجم عن ذلك لن تفعل شيئاً سوى رفع منسوب السخط، مُمهّدة بذلك لانفجار نزاعات لاحقة. هناك الآن جيل كامل من الأطفال لم يعرف سوى العنف، وليس لديه أدنى تصوّر عما كانته حمص كحضن لعدد لا يحصى من الأديان والطوائف والمذاهب. وفي غياب العدالة الانتقالية، سيكون هذا هو الخطر الذي سنُواجه. وحقيقة أن النظام السوري خرج ظافراً وبحصانة كاملة من أتون انتفاضة أسفرت عن عدد مرعب من الضحايا وشرّدت نصف سكان البلاد، لن تضع سورية أبداً على المسار السليم نحو مستقبل مسالم. فهذا سيتطلّب محاسبة حقيقية وعدالة حقّة.

عن الكاتبة

جمانة قدّور محامية سورية أميركية، وطالبة دكتوراه في مركز القانون في جامعة جورجتاون، وتركّز على الدستور السوري وتقاسم السلطة على أساس إثني وطائفي.

هذه المادة مرخّصة بموجب أحكام وشروط رخصة المشاع الإبداعي العمومية (نَسْبُ الـمُصنَّف 4.0 رخصة عمومية دولية).

هوامش

1 محادثة هاتفية مع المؤلّفة، 11 تموز/يوليو 2019.

2 محادثة مع المؤلّفة، عمان، الأردن، حزيران/يونيو 2013.

3 محادثة مع المؤلّفة، غازي عنتاب، تركيا، 18 تموز/يوليو 2019. طلب أبو علاء عدم ذكر اسمه الكامل.

4 محادثة مع المؤلّفة، غازي عنتاب، تركيا، 18 تموز/يوليو 2019. طلب مالك عدم ذكر اسمه الكامل.

5 محادثة بين المؤلّفة ومسؤول سابق في مجلس محلي من طريق دمشق التي هي جزء من مدينة حمص، غازي عنتاب، تركيا، 18 تموز/يوليو 2019.

6 محادثة هاتفية مع أحد مؤسسي لجنة التنسيق في منطقة تلبيسة الريفية، 10 تموز/يوليو 2019.

7 محادثة هاتفية مع مازن غريبة، 11 تموز/يوليو 2019.

8 محادثة مع مسؤول سابق في مجلس محلي كان عاش في القصير، 13 تموز/يوليو 2019.

9 محادثة مع مسؤول سابق في مجلس محلي كان عاش في القصير، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

10 محادثة مع مسؤول سابق في مجلس محلي كان عاش في القصير، 13 تموز/يوليو 2019.

11 المصدر السابق.

12 تستند أيضاً على محادثات مع نوار شعبان، محلل عسكري في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، واشنطن العاصمة، 24 أيلول/سبتمبر 2019.

13 محادثة هاتفية مع أحد مؤسسي لجنة التنسيق في منطقة تلبيسة الريفية، 10 تموز/يوليو 2019.

14 محادثة مع مالك، مسؤول سابق في مجلس محلي من حي الحمرا في حمص، غازي عنتاب، تركيا، 18 تموز/يوليو 2019.

15 محادثة مع نوار شعبان، واشنطن العاصمة، 24 أيلول/سبتمبر 2019.