نُشِر هذا المقال أوّلاً (باللغة الإنجليزية) على منصّة "حرب على الصُخور" ، ليُعادَ نشْرُه باللغة العربيّة، بإذْنٍ.

تُحلّق طائرة هليكوبتر عسكريّة فوق المدينةِ ويتفحَّصُ طاقمُها المشهدَ المُخيّم عليها من خلال كاميرا فيديو في قمرة القيادة. إنّهم لا يترصّدون العدُوّ، بل يُراقبُون المُواطنين - حُشودًا منهُم، أولئِك الّـذين يتجمّعون بشكلٍ غير قانونيّ وينتهكون القراراتِ الحُكوميّةِ بشأنِ التباعُدِ الاجتماعيّ للحدِّ من انتشار فيروس كوفيد-19. إنّهم ينقلون، أحيانًا، إحداثيّات المُخالفين إلى الدوريّات البريّة. وأحيانًا أخرى، كما هو مُوضّحٌ في أحدِ مقاطعِ الفيديو الّتي تمّت مُشاهدتها على نطاقٍ واسعٍ والّتي تُوثِّقُ لمُباراةِ كُرَةِ قَدَمٍ لشُبّانٍ قاموا بخرق الحجْر الصِحيّ، ينقضّون مُباشرةً لتفكيكِ مثل هـذه التجمّعاتِ.

مثل هذه الرحلات الجويّة جُزءٌ من حالات تأهّب واسِعة النطاق للقُوّات المُسلّحة التُونسيّة، إلى جانب مجموعة من تدابير الصحّة العامّة الأخرى، مكّنت هذه الديمقراطيّة العربيّة المُتعثّرة من التخلّص من الوباء - حتّى الآن - مع حالاتِ إصابةٍ مُؤكّدة ووفيات قليلة نسبيًّا. وحسب رواياتِ المُراقبين الأجانب والتونسيّين على حدّ سواء، فإنّ حالات التأهّب، هذه، قُوبلت بدعم شعبيّ. ليس هناك أيُّ دليلٍ على أنّ القُوّات المُسلّحة التونسيّة تُحاول تجاوز تفويضها القانونيّ أو تأكيد أيّة امتيازاتٍ خاصّة بالأمن القوميّ، كالمُطالبة بالأولويّة في تلقّي مُعدّات الحماية أو غيرها من المُساعدات المُتعلّقة بمُجابهة الفيروس. وعلى عكسِ القُوّات المُسلّحة في بعض الأنظمة الدكتاتوريّة العربيّة، لا تملِك القُوّات العسكريّة التُونسيّة أعمالاً أو صناعاتٍ تجاريّة على أيّ نطاق واسع تدفعها إلَى طلب إعفاءات خاصّة من القُيود الحكوميّة.

فريدريك ويري
تركّز أبحاث ويري على الإصلاح السياسي والقضايا الأمنية في دول الخليج وليبيا، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط عموماً.
More >

من المُؤكّد أنّ النّاشطين الحُقوقيّين التُونسيّين تنتابهم مخاوف بشأن انتهاكٍ مُحْتَمَلٍ للحُريّات المدنيّة وحُريّة التعبير تحت ذريعة إنفاذ تدابير الصحّة العامّة - على الرغم من أنّ هذه المخاوف كانت مُوجّهة في الغالب إلى وزارة الداخليّة، وليس إلى المُؤسّسة العسكريّة. لكن بشكل عامّ، كانت هناك علامات مُشجّعة على ضوابط وتوازُنات ديمقراطيّة تمنع عسكرة أوسع. بالإضافة، أفاد مسؤولون أجانب أنّ القادة العسكريّين وطاقم القُوّات المُسلّحة التونسيّة يُنفّذون، بإخلاص ، دورهم في دعم سلامة المُواطنين والصالح العامّ خلال هذه الأزمة، ويواصلون صيانة الثقة الشعبيّة الّتي لازالوا يَحْظَون بها مُنـذُ تأديةِ دورهم في دعم ثورة 2011 على أكْملِ وجهٍ.

مع ذلك، فإنّ المضاعفات الاقتصاديّة طويلة الأمد للوباء لا يُمكن إلاّ أن تُؤثّر على استعدادات المُؤسّسة العسكريّة التُونسيّة وتطوُّرها، بل الأهمّ من ذلك، أنّها ستُؤثّر أيضًا على العلاقاتِ المدنيّةِ-العسكريّةِ. ومع دخول البلاد في فترة مُحتملة من التقشّف المُطوّل تضطرّ فيها إلى القيامِ بتسوِياتٍ على مُسْتوى الميزانيّة، فإنّ من شأن ذلك أن يُؤثّر على الموارد العسكريّة.كما يُمكن أن يزيد هذا التقشُّف من توتُّر العلاقة غير المُريحة، كُليًّا، بين القادة العسكريّين التُونسيّين وبين اللجان البرلمانيّة المُكلّفة بالإشراف على الشؤون العسكريّة.

وما زاد الطّين بلّة، أنّ القُوّات المُسلّحة التونسيّة تفتقر إلى كفاءة تخطيطيّة طويلة المدى لتحديد كيفيّة ترشيد الإنفاق على المُعدّات والطاقم العسكريّ بشكل عقلانيّ وفعّال. كما أنّ حُلفاء تونس الأجانب الّذين كانوا يُساعدون مُؤسّستها العسكريّة في تطوير هذا التخطيط المُؤسّساتي وإمكانيّات الميزانيّة، وتحديدًا، الولايات المُتّحدة، يُواجهُون، هم أنفسهم، قُيودًا ماليّة وعملياتيّة تتعلّق بمجال الدفاع في ظل الوضع الوبائيّ الرّاهن.

حملة توعويّة عسكريّة في مُجابهة الوباء

خلال لقاءه مع الرئيس التونسيّ يوم 19 مارس 2020، أكّد وزير الدفاع الوطني "عِماد الحَزْقِي" على "رغبة المُؤسّسة العسكريّة في تسخير كل الوسائل البشريّة والماديّة المُمْكنة، على النحو المطلوب، للحدّ من انتشار هذا الفيروس والحفاظ على حياة المُواطنين وأمْنهم. " وفي الأسابيع التالية ، دعمت المُؤسّسة العسكريّة التُونسيّة الوحدات الأمنيّة لوزارة الداخلية في القُرى والمُدن من خلال الدوريّات ونقاط التفتيش المُشتَرَكة. وفي الوقت نفسه، في الأماكن ذات الكثافة السُكّانيّة المحدودة في البلاد "المناطق العسكريّة العازلة"، عمِلت القُوات المُسلّحة، وليس الشرطة، كهيئة أساسيّة لفرض تدابير الصحّة العامّة. كما قام طاقم القُوّات المُسلّحة التونسيّة بحراسة الفنادق والمبيتات المدرسيّة والجامعيّة، حيث تمّ عزل مرضى "الكورونا" في مراكزٍ للحجْرِ الصحيّ.

تشملُ نطاقات المُساعدات الأخرى، المجالات الطبيّة واللُوجستية وذلك حسب حوارٍ عبر الهاتف أجريتُه مع ضابطٍ عسكريٍّ تُونسيٍّ مُتقاعد أوّل هذا الشهر. وقد أقامت القُوّاتُ المُسلّحة التُونسيّة مُسْتشفياتٍ ميْدانيّة عسكريّة في كُلّ من تونس العاصمة وقبلي ومخابر تحاليل مُتنقّلة في قبلي وتطاوين. أمّا على الحُدود الشرقيّة، فقد قام طاقم طبّي عسكريّ بفحْص المُواطنين التونسيّين العائدين من ليبيا. وفي المناطق الجنوبيّة النائية، حيث كانت المُؤسّسة الصحيّة العسكريّة هي الخيار الوحيد المُتاح مُنذ فترة طويلة للسُكان هناك، كانت المُساعدة الطبيّة التي تُقدّمُها ذات أهميّة خاصّة: إذ نظّمت القُوّات المُسلّحة ما أَطلق عليه ضابط في القُوّات المُسلّحة، "القوافل الصحيّة" للأطبّاء والمُمرّضين والإمْدادات الغذائيّة. كما نقلت طائرة السلاح الجوي التونسي من طراز C-130 المُساعدات والمُعدّات الطبيّة من كُلّ من الصين وأوروبا إلى تونس. حتى الساعة، تمّ قبول هذه الأدوار والترحيب بها، عُمُومًا، من قبل القيادات العسكريّة التُونسيّة والشعب. وحسب القانون، أشار ضابطٌ عسكريٌّ تونسيٌّ مُتقاعدٌ إلى أنّ الإغاثة من الكوارث، هي إحدى مهامّ القُوّات المُسلّحة التُونسيّة الأساسيّة. علاوة على ذلك، فإنّ مُهمّة التوعية الصحيّة العامّة حتّى الآن لم تضع أيّة ضُغوط تُـذْكر على قُدرات القُوّات المُسلّحة أو تحُدّ من قُدرتها على تنفيذ مهامٍّ أخرى، ولاسيّما عمليّات مُكافحة الإرهاب الجارية غرب البلاد أو السيطرة على الحدود مع ليبيا، وهي مُهمّة حرجةٌ خاصّة بالنظر إلى الحرب الأهليّة المُتفاقمة في هـذا البلد المُجاور.

وأشار مسؤول دفاع غربيّ مُقيم في تونس العاصمة في مُقابلة هاتفيّة أجريتُها معه الشهر المُنقضي قائلاً:" هناك ما يكفي من الركود في النظام. "هؤلاء المُجنّدون في "عربة همْفي" (Humvee) عند نُقطة التفتيش ليسوا رجال مُكافحة الإرهاب من الدرجة الأولى"، وحذّر قائِلا: "هُناك حدودٌ للمُدّة الّتي يُمكن أن يستمرّ فيها هـذا الإيقاع والمنهج". مُضيفًا: "كُلّما طال هذا الأمر، زادت الضُغوطات."

التحديّات الوشيكة أمام تطوير مُؤسّسة الدفاع الوطني

من المُحْتمل، على وجه الخصوص، أن يكون هناك قلق مُتزايد بين صفوف المُؤسّسة العسكريّة التونسيّة إذا جرى تجديد القيود الصحيّة العامّة الّتي قد تتعلّق بموجةٍ وبائيّة ثانية تتطلّب من القُوّات المُسلّحة مُواصلة دورٍ مُستدامٍ في إنفاذِ القانون والسيطرة على التجمّعات والسُكّان. وبالمثل، ستكون المُؤسّسة العسكريّة حَذِرةً إذا طُلب منها التعامل مع الاضطرابات الاجتماعية المُحْتملة والمُتعلّقة بالتداعيات الاقتصاديّة للوباء وتدابير التقشّف القادمةخاصّة في المناطق الداخليّة المُتضرّرة بشدّة في تونس. وقد بات القلق من هذه الأدوار جَليًّا مع تولّي القُوّات المُسلّحة التُونسيّة لمهامّ فرض تطبيق القانون على الحُدود، بشكل متزايد يوما بعد يومٍ. ووفق الضُبّاط العسكريّين المُباشرين والمُتقاعدين الّذين أُجريْت معهم لقاءات العام الماضي، فإنّ القوّات المُسلحة ليست مُأهّلةً بشكل مُناسب- من حيث المبدأ أو التدريب - للمهامّ الّتي تجعلُها على اتّصال مُتكرّر مع المُواطنين الغاضبين العالقين على الحدود.

بصرف النظر عن المخاوف من اقتراب زمن تولّي المُهمّة المُتعلّقة بهـذا الوباء، فإنّ التداعيات الاقتصاديّة للفيروس في تونس يُمكن أن تُؤثّر على القُوّات المُسلّحة على المدى البعيد. وفي الوقت الّذي تتعامل فيه الحُكومة التُونسيّة مع التراجُع الاقتصادي وعبء الديون الثقيل الّذي تفاقم بسبب جُهود الإغاثة المُتعلّقة بالفيروس والّتي تُقدّر بمليار دولار، سيتعيّنُ عليها مُوازنة نفقات المؤسّسة العسكريّة للمُعدّات والأفراد مع أولويّات أخرى.

فمن ناحية، يُمكن أن يكون مثل هذا الانضباط الماليّ الناجم عن الوباء مُفيدًا. وحسب مُستشارٍ عسكريّ أميركيّ في تونس أَجريت معه حوارًا العام الماضي، فإنّ القُوات المُسلّحة التُونسيّة انخرطت في الماضي في صفقاتِ اقتناء ضخمة لطائرات هليكوبتر بلاكهاوك (Blackhawk) المُطوّرة، في حين كان أي تجهيز عسكري آخر أكثر تواضُعًا كافٍ ;لتلبية حاجيات تونس. لكن، وفقًا لما يزيد عن اثنيْ عشر مُقابلة مع ضُبّاط عسكريّين تُونسيّين مُتقاعدين ومُستشارين أجانب، فإنّ المُؤسسة العسكريّة التونسيّة تَفتَقِر إلى القُدرة التخطيطيّة الكافية لمُطابقة مُشترياتها مع قيود الميزانيّة أو مع تقييم قائم على تهديدات الاحتياجات المُستقبليّة.

كما عبّر ضابط تُونسيٌّ مُتقاعدٌ عن رأيه حول دراسة تمّت بتكليف رسميّ حول التوقّعات المتعلقة بالمُعدّات العسكريّة اللازمة قائلاً: "إنّهم يقومون بهذه الدراسات كما لو أنّنا [بلد غنيّ كسويسرا]".

علاوة على ذلك، بما أنّ جُزءًا كبيرًا من ميزانيّة المُؤسّسة العسكريّة مُخصّص للرواتب، ، فقد يُطلَبُ (وفقًا لمسؤولي دفاع غربيّين) من القُوّات المُسلّحة التُونسيّة تقليص عددٍ من طاقَمِها. وبالفعل، أوقفت المُؤسّسة العسكريّة التونسيّة جميع عمليّات الانتداب والتجنيد والترقية بسبب الوباء. ويأتي هذا تتويجاً لسنوات من التخفيضات الّتي سبّبتها الميزانيّة في التوظيف العسكري ونظام التجنيد المُعطّل الّـذي يُؤدّي فيه أقل من عشرة بالمائة من التُونسيّين خِدمتهُم العسكريّة الإلزاميّة. كما أنّ أولئك الّذين يُؤدّون الخدمة العسكريّة، هُمْ بشكلٍ كبيرٍ أقلُّ تعليمًا وينحدِرُون من المناطِقِ الريفيّة الأكثَرِ فَقْرًا.

على الرغم من النقاشات الأخيرة حول الإصلاح لجعل الخدمة العسكريّة التطوعيّة وسيلة أكثر جذبًا للشبّان في الطيف الاقتصاديّ التونسيّ ولاكسابهم مهارات سوق العمل - أصبحت المُؤسّسة العسكريّة أكثر من مُؤسّسة وطنيّة عاديّة– تتطلّب هذه التغييرات استثمارات ماليّة غير واردة تمامًا في فترة ما بعد الوباء. ومع اجتياح الخراب الاقتصاديّ الّذي خلّفته الجائحة للمناطق الريفيّة في تونس، يُمكن أن يتفاقم الضغط السياسيّ على المُؤسّسة العسكريّة لاستيعاب الشباب غير المهرة والعاطلين عن العمل.

مع مرور الوقت ، يُمكن أن يُؤدّيَ ذلك إلى تدهور القُدُرات العمليّاتيّة للقُوّات المُسلّحة التُونسيّة الّتي تُحاول تطوير نفسها وتجاوز دور "الحامية/الحماية" لتُصبح قُوّةً تمتازُ بسُرعة البديهة وأكثر تخصُّصًا من الناحية التقنيّة والفنيّة.

العلاقات المُتوتّرة مع السلطات المُنتخبة بخُصوص التقشّف والشفافيّة الماليَّيْن

ما سيجعل قُدرة تونس على التغلّب على مُعْضلات التمويل ما بعد الوباء أكثر تعقيدًا، هي تلك العلاقة المُختلّة والمشحونة بين القيادة العسكريّة التونسيّة والحكومة المُنتخبة، خاصّة اللجنتيْن البرلمانيّتيْن المُكلّفتيْن بالإشراف على الإنفاق والإصلاح العسكريّيْن. فقد عانت هاتان اللّجنتان من مشاكلهما الخاصّة المُتعلّقة بالتفويض غير الواضح، والنُقص العدديّ على مُستوى الطاقم العامل، والتسيُّس، ونُقص الخبرة. لكن ما يُعيق قُدْرتَهُما على مُمارسة الرقابة على ميزانيّة المؤسّسة العسكريّة، هو افتقار هـذه الأخيرة إلى الشفافيّة ورفع تقارير المُشتريات.

ومن جانبها، تُواجِهُ القيادة العسكريّة التُونسيّة العُليا عوائق ثقافيّة راسخة على مُستوى التفاعل مع البرلمانيّين، تنْبعُ من سريّة نظام بن علي. وبهـذا الصدد، أشار مسؤولُ دفاعٍ غربيّ قائلا: "، إنّ طلب وزارة الدفاع للأموال من البرلمان أمرٌ غيرُ مُريحٍ بالمرّة". وينبع جزء كبير من هذا القلق من اعتقاد القيادة العسكريّة التُونسيّة أنّ مُعظم البرلمانيّين لم يُؤدّوا الخدمة العسكريّة ولا يُدركون كيف تعملُ القُوّات المُسلّحة. لـذلك، فهُم غيرُ مُؤهّلين لتقديم التوجيه والإشراف، خاصّة في مجال المُشتريات. وقال جنرال تُونسيّ مُتقاعدٌ، أُجريْتُ معه حوارًا العام الماضي: "إنّهم يطلبون منّا شراء شيء يعتقدون أنّه رخيص الثمن- كمجموعة من العربات المُدرّعة - وليس لديهم أدنى فكرة عن التكلفة الحقيقيّة لذلك". اتّخذت تونس خطوةً جديرةً بالـذكر والثناء لمُعالجة هذا النقص في الخبرة المدنيّة وإشراك البرلمانيّين مع الضُبّاط العسكريّين وكسر الحواجز الثقافيّة بين المُؤسّستين، من خلال معهد الدفاع الوطنيّ (NDI)، الّـذي يُوفّر برنامجًا دراسيًّا عسكريًّا انتقائيا للغاية للضُباط العسكريّين في مُنتصف حياتهم المهنيّة وللمُوظّفين الحكوميّين والبرلمانيّين والمجتمع المدنيّ كـذلك. ويتضمّن هـذا المنهج الدراسي لمحةً عامّةً عن الأدوار والهياكل والمُعدّات العسكريّة للمُتابعين من المدنيّين. لكن لا بُدّ أنّ هناك مُحلّلا تُونسيّا واحدا، على الأقلّ، قد تساءل عمّا إذا كان هذا التكوين قصير المدى كافيًا لنقل المعرفة العمليّة للبرلمانيّين. علاوة على ذلك، وبسبب فيروس كورونا، تمّ تعليق فُرصة التفاعل القيّمة "وجها لوجه" بين الحاضرين المدنيّين والعسكريّين الّـتي يُوفّرُها معهد الدفاع الوطنيّ والّتي تتضمّن، كـذلك، زيارةً سنويّة للولايات المُتّحدة.

إجمالاً، من المُحتمَلِ أن تُؤدّي تبعات التقشّف الّتي خلّفها الوباء إلى فرض مُعضلات جديدة على المقتنيات العسكريّة التُونسيّة وخيارات الأفراد، مع تداعياتٍ طويلةٍ المدى على القُدرة العمليّاتيّة والتأهّب. كما يُمكن أنْ تُلقيَ بعاتقها، بحدّة، على العلاقة المُتأزّمة بين المسؤولين المُنتخبين في تونس والمُؤسّسة العسكريّة - خاصّة مع اشتداد المعارك حول الميزانيّة. ولن تكون هذه التوتّرات، لوحْدِها، كافيةً لعرقلةِ المسار الديمقراطيّ.

ومع ذلك، فإنّ تهديد التقشّف الماليّ، هـذا، يُمْكِن أن يُحفّز المُؤسّسة العسكريّة على انتهاج مزيدٍ من الغُموض في تعامُلاتِها مع المسؤولين المُنْتخبين، وقد يُشجّع على الفساد أو على دفع المؤسّسة العسكريّة نحو مُشاركةٍ أوسع في الصَفقاتِ التجاريّةِ.

وبالفعل، فقد تمّ تصنيف القُوّات المُسلّحة التُونسيّة على أنّها ذاتُ "مخاطر عالية" على مُستوى الفساد في مجال المُشتريات وذات "مخاطر مُتوسّطة" على مُستوى الأفراد العاملين فيها، وفقًا لتقرير مُنظّمة الشفافيّة الدُوليّة في سنة 2020 على الرغم من أنّ مسؤول دفاع غربيّ، تمّت مُحاورتُه هذا الشهر، أشار إلى فعاليّة المُخابرات العسكريّة التُونسيّة والمُفتّش العامّ في التصرّف كحماية داخليّة ضدّ مثل هذه الانتهاكات.

بإمكان الولايات المُتّحدة الأمريكية تقديم المُساعدة- ولكنّها بدورها تُواجه قُيودًا

على مدار تاريخ تونس الحديث، مكّنت المُساعدات الغربيّة والأميركيّة، خُصوصًا، المُؤسّسة العسكريّة التُونسيّة على التكيُّف مع الصدمات المُختلفة والتغلّب عليها كـ: هجوم قفصة سنة 1980 ، وثورة 2011 ، وسلسلة من هجمات "تنظيم الدولة الإسلاميّة" و"تنظيم القاعدة"، بما في ذلك التمرّد المُتصاعد في المنطقة الشماليّة الغربيّة. وعلى مدى العقد الماضي، أحرزت المُؤسّسة العسكريّة التُونسيّة تَقدُّمًا مُذْهِلاً في الانتقال من قُوة مُهملة عفا عليها الزمن إلى حدّ كبير في ظلّ حُكم بن علي، إلى قُوّة أكثر احترافًا واستعدادًا قتاليًّا، ودعمت الانتقال الديمقراطيّ للبلاد.

مع ذلك، فإنّ هذه الأزمة الجديدة غير العسكريّة وتداعياتها الاقتصاديّة يُمكن أن تُشكّلا تحدّيًا غير مسبوق أمام تطوير مُؤسّسة الدفاع الوطنيّة والعلاقات المدنيّة-العسكريّة على المدى الطويل. وسيتطّلب ذلك أن تُضاعف الولايات المُتّحدة من جهودها لمُساعدة القُوات المُسلّحة التُونسيّة في المجالات المُؤسّساتية كالتخطيط الاستراتيجيّ وإعداد المُوازنات الماليّة وعلى مُستوى "التشاركيّة" (التنسيق بين فروع الخدمات)، وخصوصًا، المزيد من الشفافيّة مع السُلطات المدنيّة المُنتخَبة، وكُلّ ذلك مع مُراعاة القيود التشغيليّة والماليّة المُستجدّة.

ومن الأدوات الأميركيّة الأساسيّة المُقدّمة لمُساعدة المُؤسّسة العسكريّة التُونسيّة لمُواجهة بيئة ما بعد الوباء، نـذكُرُ أن برنامج بناء القُدرات المُؤسّساتيّة لوزارة الدفاع (المعروف سابقًا باسم بناء مُؤسّسة الدفاع)، الّذي يطلُب فيه الكونغرس في أيّ وقت تقديم الولايات المُتّحدة لموارد ماليّة في المجال الأمنيّ إلى دولة صديقة، قد فُعِّل في تونس، وركّز على مجالات كالتنسيق بين الوحدات الجويّة والبريّة وتوحيد مجهوداتهما الاستخباراتيّة، إضافة إلى تحليل التكاليف ووضْع الميزانيّة والتخطيط الاستراتيجيّ الّتي ستُصبح أكثر أهميّة إثر جائحة كوفيد-19.

ومن المهامّ المُوكلة إلى هـذا البرنامج، أيضًا، إصلاحُ العلاقات العسكريّة-البرلمانيّة. لكن في الوضع الحالي في تونس، لم يحدث هذا بالدرجة نفسها كما في المجالات الأخرى، ليس فقط بسبب أولويّات الولايات المُتّحدة في تنفيذ البرنامج في تونس، ولكن أيضًا لصُعوبات بيئتها السياسيّة. وهذا يستوجبُ التغيير.

ومع ذلك، فإنّ نجاح مسعى المُساعدة الأميركيّة هذا يتوقّف في النهاية على تقبُّل واستجابة التونسيّين – والعقبات البيروقراطيّة والثقافيّة الراسخة الّتي تُعيق بعض أنشطة البناء المُؤسّساتي. وعلى سبيل المثال، انهارت الجهود الأخيرة الّتي شرعت فيها وزارة الدفاع التونسية لمُساندة بناء القُدرات المُؤسّساتية في تقييم التهديدات الاستراتيجية، نظرًا لنُقص الدّعم والتمويل، فضلاً عن تغيُّر المُعيّنين السياسيّين في وزارة الدفاع. إضافة إلى ذلك، لا تزال وزارة الدفاع التونسيّة تحتفظ بمُعظم عمليّاتها الداخليّة المُتعلّقة بالميزانيّة، وتقوم بإخفائها حتّى عن البلدان الحليفة، حسب مسؤولين غربيّين، ممّا يحُدّ من مقدار الدّعم الخارجيّ.

وفي صدارة هذه العقبات، هُناك قُيود جديدة على المُساعدة الأمنيّة الأمريكيّة الّتي يفرِضُها الوباء وتخفيضات مُحتملة في ميزانيّتها.

على وجه الخصوص، يُؤكّد المسؤولون الأمريكيّون المُشاركون في الدّعم المُؤسّساتي للمُؤسّسة العسكريّة التُونسيّة على أهميّة تطوير ثقة الطاقم العسكريّ وإظهار الالتزام على المدى الطويل، مع بناء الثقة والتمكين التدريجيّ من خلال الزيارات والاجتماعات مع القيادة العليا. وأشار مسؤول دفاعيّ مُقيم في الولايات المُتّحدة قائلا: "يجب أن يعرفوا أنّك في هذا المجال مُنـذُ فترة طويلة".

إضافةً، أكّد هذا المسؤول وغيره على أنّ بناء القُدُرات المُؤسّساتيّة لا يُمكن تحقيقهُ على أفضل وجه بورشات العمل أو الندوات ولكن بواسطة الإرشاد اليوميّ والمُستدام من قبل المُستشارين المُندَمجين في وزارات الدفاع وفي الطاقم العامل بها. ولتحقيق ذلك، طلبت سفارة الولايات المُتّحِدة في تونس تنفيذ برنامجٍ استشاريّ لوزارة الدفاع يُعرف باسْمِ "مُستشارِي وزارةِ الدفاع".

إنّ حظر السفر والتفاعل الشخصيّ الّذي تفرضُه وزارة الدفاع قد تسبّب في توقّف هذه الخُطط والأنشطة الأخرى. وقال مسؤول دفاعيّ أميركيّ مُقيم في تونس العاصمة، في حوار أجريتُه معه الأسبوع الماضي: "لقد تمّ إيقاف التعاون الأمنيّ "وجهاً- لوجه"".

بالطبع، لن تستمرّ القُيود المفرُوضة على التواصُل الإجتماعيّ إلى الأبد، وستظلّ العلاقات الأمنيّة الثُنائية مع الولايات المُتّحدة ساريةً طوال فترة الحجر الصحيّ - على الرغم من أنّ حجْم المُساعدة المُتعلّقة بالدفاع من قبل الولايات المُتّحدة وشُركاء تونس الآخرين يُمْكِنُ أن يتقلّص بسبب الوباء. ومن غير المُرجّح أن يستغلّ المُنافسون كروسيا أو الصّين بنجاح هذا الاضطراب ليحلّوا محلّ الولايات المُتّحدة، كضامن أمنيّ لتونس. ومع ذلك، هناك قضيّة حسّاسة في الأشهُر المقبلة والعامِ المُقبِل حيث قد يُمثّل المزيد من المُساعدة العمليّة الأميركيّة للقُوّات المُسلّحة التُونسيّة أمْرًا حيويًّا، ولا سيّما في مُساعدتها على تجاوز مضاعفات الوباء، في مجالات كوضع الميزانيّة والتخطيط والعلاقات المدنيّة-العسكريّة. وبالرغم من وجود حلول عمليّة تكنولوجيّة، لا تزالُ هناك قيود.

وأشار مسؤول في الدفاع قاطنٌ بالولايات المُتّحدة قائلًا: "تخيّل أنّك تُحاول طرح أسئلة حسّاسة وصعبة على كبار الضُبّاط حول اللوجستيّات والبنية التحتيّة والأنظمة على منصّة التواصل "زوم" (Zoom)؟".

بالنظر إلى هذه القيود وشيكة الحدوث المُتعلّقة بالوباء، سيتعيّنُ على المُؤسّسة العسكريّة إدارة توقّعاتها لما يُمكن أن يُقدّمه شركاؤُها. حتّى الآن، كانت استجابتها السريعة لأزمة الصحّة العامّة لدعم الحكومة المُنتخبة، جديرةً بالثناء. لكن قد تكون هُناك صُعوبات اقتصاديّة كُبرى في الأفُق يُمكن أن تُؤثّر على استعدادات القُوّات المُسلّحة وعلى علاقاتها مع الحكومة، بفعل التأثيرات الّتي ستتطلّب احتياطيات أكبر من الاكتفاء الذاتيّ للمُؤسّسة العسكريّة التُونسيّة لدعم عزيمتها وقيادتها الرشيدة.

نُشِر هذا المقال أوّلاً (باللغة الإنجليزية) على منصّة "حرب على الصُخور" ، ليُعادَ نشْرُه باللغة العربيّة، بإذْنٍ.