وقّعت روسيا وتركيا في آذار/مارس 2020 اتفاقاً لوقف إطلاق النار في إدلب، عقب الحملة العسكرية العنيفة التي شنّها النظام السوري وقواته المسلحة لاستعادة السيطرة على مناطق شاسعة في شمال غرب سورية.

تنصّ بنود الاتفاق على أن تحتفظ تركيا بموطئ قدم في إدلب، ما يعني أنها ستتحكّم فعلياً بدفة الاقتصاد المحلي، خاصة وأن الأتراك أطلقوا مشاريع استثمارية كبيرة في المنطقة، ونشروا أعداداً ضخمة من القوات في إدلب. قد تفضي هذه الخطوات في نهاية المطاف إلى إنشاء منطقة حدودية بين تركيا وسورية، بعد أن يربط الجيش التركي المناطق المختلفة التي باتت تحت سيطرته في شمال سورية ببعضها البعض.

خضر خضّور
خضر خضّور باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. تركّز أبحاثه على العلاقات المدنية-العسكرية والهويات المحليّة في بلاد الشام، مع تركيز خاص على سورية.
More >

 حتى الآن، أدّت العمليات العسكرية التركية إلى إقامة أربع مناطق حدودية سُمّي كلٌّ منها تيمّناً بالعملية العسكرية التي نفّذتها أنقرة للسيطرة على الأراضي. فقد نجم عن عملية درع الفرات في العامين 2016 و2017 إحكام تركيا قبضتها على محافظة حلب الشمالية؛ وفي العام 2018، سيطرت على محافظة حلب الشمالية الغربية في أعقاب عملية غصن الزيتون؛ ثم في العام 2019، سعت تركيا من خلال عملية نبع السلام إلى احتلال مناطق واقعة شرق الفرات؛ وفي العام 2020، أطلق الجيش التركي عملية درع الربيع في إدلب.

يُشار هنا إلى أن ديناميكيات الحرب السورية تبدّلت جذرياً بعد بدء التدخل العسكري الروسي في العام 2015. فقد وضع هذا التدخل حدّاً للجهود الجدّية الرامية إلى تغيير نظام الأسد، ودفع المتمرّدين، بما في ذلك المجموعات الإسلامية المتشددة، شمالاً نحو المناطق المحاذية للحدود التركية. ونتيجةً لذلك، يتمركز اليوم عشرات آلاف المسلحين بالقرب من الحدود التركية، كما أن عدد السوريين المقيمين في تركيا يبلغ حالياً 3.6 ملايين نسمة، يقطن 1.5 مليون منهم في المدن الواقعة على الحدود الجنوبية أو بجوارها، ومن ضمنها غازي عنتاب وكلس وهاتاي وأورفة. ويعيش حوالى مليوني سوري آخرين على الجانب السوري من المنطقة الحدودية.

سجّل السوريون نحو 3000 شركة تجارية في تركيا – العديد منها في إطار شراكات مع الأتراك - لتوزيع منتجاتهم وسلعهم في هذه المناطق الحدودية السورية الأربعة، ومنها إلى جميع أنحاء البلاد. إذن، لا شكّ في أن سيطرة تركيا على هذه المناطق ستؤثّر بشكل كبير على الاقتصاد السوري المحلي.

المعبران الحدوديان الرئيسان بين سورية وتركيا هما معبر باب السلامة، الذي يصل محافظة إدلب بمحافظة هاتاي التركية، ومعبر باب الهوى، الذي يصل شمال حلب بمحافظتيْ كلس وغازي عنتاب. هذان المعبران هما بمثابة شريان حياة لتلك المناطق الواقعة في شمال سورية وغير الخاضعة إلى سيطرة نظام الأسد، ومن المسالك الرئيسة للأشخاص والسلع. صحيحٌ أن ثلث الشعب السوري يرتبط بطريقة أو أخرى بتركيا اقتصادياً وإدارياً، إلا أن السوريين لازالوا يعملون في داخل المشهد الاقتصادي السوري. أما على الصعيد العسكري، فيبدو أن الحرب في سورية وصلت إلى خواتيمها. إذ، وفق الاتفاق المُبرم في آذار/مارس، سيسيطر نظام الأسد على الطريقين السريعين الدوليين M4 وM5، اللذين يربطان مدناً رئيسة كحلب ودمشق واللاذقية بعضها البعض وبشرق البلاد أيضاً. بيد أن سيطرة النظام لن تتمدّد إلى الحدود مع تركيا.

وبالتالي، لن تكون المنطقة التي تسيطر عليها تركيا في شمال سورية لا جزءاً من سورية ولا من تركيا. بل ستصبح بمثابة منطقة عازلة بين الطرفين، وستلعب في الوقت نفسه دوراً اقتصادياً مهماً. فعلى الجانب التركي، في محافظات كغازي عنتاب وكلس وهاتاي، تجمع روابط اقتصادية وثيقة بين العديد من الأتراك وبين السوريين المقيمين على الجانب الآخر من الحدود. على هذا الأساس، ستجلب هذه المنطقة العازلة فوائد اقتصادية كبيرة لكلا الجانبين، إذ إن الأتراك والسوريين المقيمين على جانبي الحدود يقيمون منطقة تكون فيها ممارسة الأنشطة التجارية عملية آمنة.

بهذه الطريقة، سيكون النظام السوري قد نجح في تغيير طبيعة الوضع في سورية، وحوّله من انتفاضة محلية إلى مجرّد صراع حدودي مع تركيا. وفي الوقت نفسه، انخراط تركيا في اقتصاد الحدود السورية سيعني تدخلاً أكبر في الشؤون السورية الداخلية. مع ذلك، سمحت الحدود للنظام السوري وتركيا على السواء بتطوير أجنداتهما السياسية: فقد صرفت الأنظار عن الانتفاضة ضد حكم الأسد، حتى أنها تجاوزتها فعلياً، وسمحت أيضاً لتركيا بلعب دور أكبر في سورية، وتحقيق طموحاتها في المنطقة، مُحدثةً في الوقت عينه نوعاً من النشاط الاقتصادي الذي يضمن بقاء اللاجئين السوريين النازحين داخلياً داخل سورية.

تم إصدار هذه الدراسة بدعمٍ من برنامج X-Border Local Research Network (شبكة البحث المحلية حول القضايا العابرة للحدود الوطنية) الذي يحظى بتمويل من مشروع UK Aid التابع للحكومة البريطانية. إن الآراء الواردة في هذه الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن السياسات الرسمية للحكومة البريطانية.