"إنّ أحد الأوهام المأساوية التي تدعو لها العديد من البلدان... هو الاعتقاد بأن السياسيين والمتعاطين في الشأن العام يمكنهم القيام بأداء باهر ينوب عن دور المقاولين. ومن المدهش، على الرغم من الأدلة الساحقة التي تدلّ على غير ذلك، هو أن هذا الاعتقاد هو السائد". - غوه كنغ سوي، النائب السابق لرئيس وزراء سنغافورة.

يتخبّط لبنان منذ تشرين الأول/أكتوبر2019 في مخاض الانهيار الاقتصادي والمالي. لقد أدت السياسات النقدية والمالية غير المنتظمة، بالإضافة الى سعر الصرف الغالي إلى عجزٍ دائم في المالية العامة والحساب الجاري. أسفر هذان العجزان عن تراكم سريع للمديونية من أجل تمويل الإنفاق الآني وعن محدودية الاستثمار الحقيقي العام أو الخاص.

يُتوقّع أن يصل الدين العام إلى 184 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2020، وهي ثالث أعلى نسبة في العالم. كما أن القيود غير الرسمية على الرساميل والمدفوعات، الهادفة إلى حماية الاحتياطات المُضمحلة لمصرف لبنان، تُولّد أزمة في السيولة وتضييقاً ائتمانياً، وتقلصاً كبيراً في حجم التجارة المحلية والدولية. هذا الوضع أسفر عن فقدان الثقة في النظام المصرفي والليرة اللبنانية، علاوةً على الانكماش الحاد ثنائي الأرقام في النمو الاقتصادي. وبالطبع، جاءت جائحة فيروس كورونا المستجد لتفاقم هذه المشاكل.

تنتصب في وجه لبنان أيضاً، وعلى نحو متزامن، أزمة صحية عامة، وأزمة ديون، وأزمة مصرفية، وأزمة سعر صرف وأزمة في ميزان المدفوعات. هذا كله ولّد مزيج من الأزمات في حلقة مفرغة. فالركود العميق أدى إلى تقلّص حاد في عائدات الحكومة وزيادة سريعة في عجز الموازنة الذي يموّله مصرف لبنان. في المقابل، أسفر الانكماش الاقتصادي عن المزيد من التراجع في دخل الدولة وارتفاع سريع في عجز الميزانية الممول من قبل البنك المركزي اللبناني. هذا التمويل الدائم من قبل البنك المركزي للعجز في ميزانية الدولة والمديونية العامة أدى إلى تضخم سريع، وانخفاض قيمة صرف الليرة في السوق السوداء، وتقليص الدخل الحقيقي للفرد، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في الاستهلاك، والاستثمار، والنمو. لذا ارتفعت وبشكل ملموس معدلات التسريح من الوظائف والإفلاس والبطالة ونِسب الفقر.

هذه المعطيات الاقتصادية والنقدية الديناميكية، تجعل آفاق لبنان كئيبة ما لم توضع رزمة من الإصلاحات الشاملة موضع التنفيذ. على الإصلاحات أن تتضمّن هيكلية في الاقتصاد الكلي وفي المالية والقطاع المصرفي، وتشمل أيضاً إعادة هيكلة الدين العام والإصلاح الجذري للقطاع العام. كما يجب أيضاً أن تنطوي مثل هذه السياسات العامة على إصلاحات بنيوية ذات صدقية دائمة، والتركيز الفوري على مكافحة أصول المعضلة المتفاقمة التي يعاني منها لبنان، ألا وهي وباء الفساد والحوكمة السيئة.

عمدت حكومة رئيس الوزراء حسان دياب إلى طرح خطة تعافي مالية تتضمن إصلاحات هيكلية في المال والمصارف وترمي أيضاً إلى تحسين فرص النمو. هذه الخطة التي أُقرّت في 30 نيسان/أبريل 2020، قُدّمت إلى صندوق النقد الدولي كجزء من المفاوضات حول برنامج إصلاحي يموّله الصندوق . بيد أن التعاطي مع المشاكل المالية الكلّية والتموين المالي لن يكلّل بالنجاح من دون التطرّق إلى العناصر الهيكلية. لذا، يجب أن تكون إعادة هيكلة القطاع العام شرطاً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من عملية الإصلاح. المعالجة المالية والدين العام المستدامان لا جدوى لهما في ظل غياب إصلاحات جذرية ومنهجية لنظام مشتريات الحكومة (والذي يُعد مسلكاً سهلاً وأساسياً للفساد)، وإصلاح نظام التقاعد والرواتب والميزات الممنوحة للموظفين المدنيين منهم والعسكريين. ولا جدوى إن لم يتم أخذ الإجراءات الصارمة لمشكلة الموظفين الوهميين. ثمة حاجة ملحّة أخرى، ألا وهي إصلاح طريقة إدارة أصول الدولة التي تُعد جزءاً من ميزانية القطاع العام وغالباً ما يتم تجاهلها.

يركّز صنّاع السياسة والأسواق المالية بشكل أساسي على الدين العام، ويتجاهلون الأصول العامة. ولكن في معظم البلدان، الثروة العامة هي أكبر من الدين العام. وبالتالي، الإدارة الأحسن هي التي تستطيع أن تُساعد على حل مشاكل الدين، كما أنها تستطيع توفير الموارد اللازمة لتحقيق النمو الاقتصادي في المستقبل. وذلك يجب أن يكون جزءاً من أي حل في لبنان.

الأهمية الاقتصادية للأصول العامة

تُعتبر الكيفية التي تُدار بها الثروة العامة نقطة اختلاف حاسمة يتم بموجبها التمييز بين البلدان الناجحة والبلدان الفاشلة. الثروة العامة يمكن أن تكون لعنة حينما تُغري المسؤولين السياسيين بالانخراط في أنشطة غير مشروعة وزبائنية. وخير مثال على ذلك البلدان التي تحظى بثروات طبيعية كالنفط والغاز ولكن غير محصنة مالياً بسبب الفساد والحوْكمة السيئة . الأصول العامة في لبنان شاسعة، كما هي كذلك في جميع البلدان. وفي الحقيقة، هذه الأصول هي منجم الذهب المخفي.

الأصول العامة في العالم هي أكبر من الدين العام وتوازي على الأقل ضعف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولكن، على عكس أصول المُلكية المسجّلة على لائحة الجرد العام، الأصول العامة غير مذكورة في تدقيق الحسابات، وغير مطلع عليها، وغالباً ما تكون غير مدونة. والأسوأ من ذلك أنها غير مُحتسبة بتاتاً. عندما يجري وضع الموازنات، تتجاهل معظم الحكومات هذه الأصول وقيمتها وإمكانية تفعيلها. ولكن، من الممكن إذا أُديرت الأصول العامة بشكل احترافي وبكفاءة أن تضيف ما يعادل 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي كعائد إضافي إلى موازنة الدولة.

باستطاعتنا تقسيم الأصول العامة إلى نوعين أساسيين: الأول تشغيلي والآخر عقاري. في معظم البلدان، غالباً ما تبلغ قيمة العقارات عدة أضعاف كل الأصول الأخرى مجتمعة، حيث تشكّل الأصول العقارية التي تملكها الدولة قسماً كبيراً من الأراضي. بيد أن الحكومات لا تعرف في معظم الأحيان سوى جزء من هذه الممتلكات، وفي معظم الأحيان لا تؤخذ في قيدها أو في حساباتها. هذه الثروة مختبئة أساساً لأن القطاعات العامة في كل أنحاء العالم لم تتبنّ بعد معايير محاسبة حديثة شبيهة بتلك التي تتبعها الشركات الخاصة. هذه المعايير يجب أن تعتمد إلى أسس استحقاق المحاسبة، وفق توصيات مجلس المعايير والمحاسبة الدولي للقطاع العام.

إجمالاً، يتطلّب ذلك اندلاع أزمة لدفع مسألة الأصول العامة إلى طاولة النقاش. الإرادة السياسية لمعالجة هذه الأزمة تتطلب مواجهة بالاعتراف بأن كل دولار مكتسب من زيادة الإنتاج في الأصول التجارية العامة هو دولار أقل ربحاً من خفض الموازنات أو رفع الضرائب. هذا هو الحال الآن في لبنان، حيث يتنامى النقاش العام حول قيمة وإدارة الأصول العامة.

في بعض الأحيان، يُطلق على الأصول التشغيلية - كالمطارات، والمرافئ، والمرافق، والمصارف، وبعض الشركات المسجّلة - اسم المؤسسات المملوكة من الدولة، حين تكون هذه الأصول في حوزة الحكومة الوطنية. على الرغم من أن هذه الأصول أقل قيمة من الأصول العقارية، إلا أنها تلعب دوراً أساسياً في العديد من الاقتصاديات، وغالباً من خلال الأصول التشغيلية في قطاعات يعتمد عليها الاقتصاد، مثل الكهرباء، والماء، والنقل، والاتصالات. لهذه الأسباب، ليس ثمة مبالغة في تسليط الضوء على أهمية إدارة هذه الأصول جيداً.

يعتبر صندوق النقد الدولي أن المؤسسات المملوكة من الدولة غالباً يشوبها سوء الإدارة. لذا المعدل فيها أقل إنتاجية من الشركات الخاصة بنحو الثلث. وفي لبنان، يُعتبر الأداء السيء للأصول التشغيلية عاملاً أساسياً وراء التصنيف الهزيل للبلاد من حيث حساب الأعمال (143 من أصل 190 بلداً)، وأيضاً الفساد (137 من أصل 180)، والبنية التحتية السيئة إجمالاً (89 من أصل 141).

حين تكون الأمور محتسبة جيداً، تساعد الإجراءات الرامية إلى تحسين إدارة الثروة العامة في كسب الحرب ضد الفساد. هذا علاوةً على أن الإدارة الفعّالة للأصول العامة باستطاعتها إنتاج عائدات لتغطية الخدمات العامة، وتمويل الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز عائدات الحكومة من دون رفع الضرائب. مثل هذه المحصلات قد تُعالج في الوقت نفسه اثنتين من أكبر مشاكل لبنان، وهما: نقص الاستثمارات في البنية التحتية بسبب انعكاس تكلفة وأعباء الدين العام، ومن جهة أخرى تفخيخ الديمقراطية على يد الحوكمة السيئة واستيلاء السياسيين وأزلامهم على الأصول العامة.

إصلاح إدارة الأصول العامة في لبنان

يكمن مفتاح تحرير الثروة الوطنية في فصل إدارة الأصول العامة التجارية عن صانعي القرار السياسي، والمتحكمين بالوظائف التنفيذية. كفُّ المتسلطين يجعل ساحة فرص العمل مع القطاع الخاص متكافئة للجميع، ويوفّر بيئة صحية للتنافس. لقد أظهرت التجارب على مدى عقود أن الطريقة المثلى لإدارة الأصول العامة في كل من آسيا وأوروبا هي إنشاء شركة قابضة مستقلة بعيدة عن النفوذ السياسي.

كما يجب على الإصلاحات تحفيز أداء الحوْكمة، أي ليس تحسين الأصول التشغيلية أو الأصول العقارية وحسب، بل أيضاً زيادة قيمة محفظة الأصول ككل. لكن، من دون وضع كشف ميزانية سديد كجزء من عملية الموازنة، يكون الوضع المالي للدولة غير شفاف، ما يؤدي ذلك إلى تركيز الحكومات أساساً على الدين والنقد، من دون الالتفات إلى قيمة الأصول القائمة أو المحتملة. التركيز فقط على الدين والنقد قد يسبّب باتخاذ قرارات خاطئة، وخير مثال على ذلك خصخصة مطار ما لتمويل الاستثمار في البنى التحتية، بدلاً من القيام بتمويل مقابل الأصول. الإقرار بأن الحكومة لديها كشف في الميزانية يتألف من الموجودات والالتزامات يتيح استخدام القيمة الصافية (الأصول ناقص المتوجبات) كمؤشر مالي بدلاً من نسبة الدين بالناتج المحلي الإجمالي. ومع التركيز على صافي القيمة، فإن زيادة الدين لتمويل استثمار ما يوازيها في ذلك زيادة في الأصول. فذلك سيولّد حافزاً للاستثمار الذاتي في أصول تملكها الدولة، بدلاً من الخصخصة التي غالباً ما تتم بإجراءات خاطئة في الزمن الخطأ وبالسعر الخطأ.

انّ إدارة نظام المالية العامة الذي توفّر معلومات أفضل وتستند إلى بيانات استحقاق مُدقق فيها، تلعب دوراً حاسماً في تسهيل اتخاذ القرار المالي. من دون هذه المعلومات، أي مستوى من مستويات الخصخصة يقدم فرصاً مغرية للاغتناء السريع من خلال الرأسمالية الزبائنية، أو الفساد أو الموظفين غير الأكفّاء. لذا يتعيّن ألا تُعتمد الخصخصة قبل أن يوضع أولاً إطار تنظيمي ينطوي على تنافس مستقل بعيد عن السياسة، وعلى رقابة السلطات التنظيمية. كما يجب تعيين المُنظمين بنظام شفاف، وتنافسي، يستند إلى الجدارة. التحليل التنظيمي الجدير عليه أن يحدد الكيفية المثلى لهيكلة المشتركين في السوق والقيمة التسلسلية، لضمان الاستفادة القصوى للمستهلكين ودافعي الضرائب والمجتمع.

تُظهر التجارب الوضعية دولياً أن الهدر والفساد يمكن تخفيضهما بشكل ملموس من خلال تحسين الشفافية المالية والكشف المالي، وأيضاً ضبط المشتريات بنظام جيد وفعال، وتعميم استعمال الحاسوب الرقمي، وتقليص الأعباء الإدارية. إن استخدام الأصول العامة بطريقة فعالة ينتج عنه زيادة في إجمالي النمو الإنتاجي والابتكار. ومن خلال تشجيع الاستثمار في الأصول العامة، يرتفع النمو والإنتاجية في القطاع الخاص، ما يؤدي إلى التعافي المالي والاستقرار. تلك الأصول العامة متى كانت مُدارة بطريقة جيدة وخاضعة للتنافس، تكون مثالية لخفض نسبة ممتلكات الدولة من الاحتكارات السابقة، ولكن بشرط إعادة النظر في هيكلتها أو تفكيكها، أو حتى كسرها لخلق شفافية تامة وبيئة تنافسية.

تشمل محفظة الدولة اللبنانية من الأصول التجارية العامة مجموعة واسعة من الأصول التشغيلية. من ضمن هذه الأصول البنية التحتية الخاصة بالاتصالات، مثل شبكة "أوجيرو" للهاتف الثابت والإنترنت وشبكتَي "ألفا" و"تاتش" للهاتف المحمول؛ ومؤسسة كهرباء لبنان المسؤولة عن إنتاج التيار الكهربائي وتوزيعه على المشتركين؛ فضلاً عن أربعة مرافق للمياه. كذلك، تملك الحكومة شركة طيران الشرق الأوسط، ومطارَي رفيق الحريري ورينيه معوض، ومرافئ بيروت وصيدا وطرابلس وصور، وكازينو لبنان، وإدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي)، وشركة إنترا للاستثمار، وبنك التمويل، ومنشأتين للنفط في طرابلس والزهراني (انظر الشكل 1).

الشق العقاري في المحفظة هو الأكثر غموضاً، ويرجع ذلك إلى غياب سجل عقاري دقيق أو سجل رسمي للمعلومات يتولى جمع البيانات لجميع العقارات على مدى الجغرافيا والأمكنة، بما في ذلك الأراضي الحدودية والممتلكات. مع ذلك، تدّعي الدولة أنها تملك حوالى 60 ألف قطعة أرض تفوق مساحتها الإجمالية 860 مليون متراً مربعاً (من ضمن هذه الأراضي، ثمة 30 ألف عقار مجهول المساحة). وهذه الأراضي موزّعة على محافظات لبنان الثماني، وتقع النسبة الأكبر من العقارات والمساحات في بعلبك-الهرمل (انظر الشكل 2). ومعظم هذه العقارات تبلغ مساحة الواحدة منها أقل من 1000 متر مربع. ونظراً إلى غياب الحسابات الدقيقة، لا يجري تقدير قيمة الأراضي أو المباني، ولا حتى للأملاك البحرية القيّمة التي استولى عليها السياسيون، وأزلامهم، وزبائنهم السياسيون. على كل حال، ثمة المزيد من التفاصيل المتوافرة بشأن مشاريع التطوير العقاري مثل معرض رشيد كرامي الدولي ومدينة الحريري الرياضية ومشروعَي "لينور" و"إليسار" العقاريين.

تاريخياً، ونظراً إلى النفوذ الذي يتمتع به السياسيون، لم يستفد من الأصول العامة سوى نخبة قليلة جدّاً من الناس، بكل أسف. الأصول العامة التي يملكها دافعو الضرائب، مبدئياً، عليها أن تفيد المستهلكين وتصبّ في صالح جميع المواطنين. فمن دون شفافية جلية، تتحوّل المؤسسات التي تملكها الدولة إلى مؤسسات غير منتجة ومهترئة، على الرغم من أنها تحظى بدعم حكومي كبير على شكل تحويلات مالية من الموازنة، أو من المنتج المدعوم، أو من التمويل العام بكلفة متدنية، بما في ذلك قروض بفائدة أقل من سعر السوق. أضف إلى ذلك أن باب التدخل السياسي على إدارتها وأنشطتها مشرّعٌ على مصراعيه، ما ينتج من هذا التدخل التبعية والمحسوبية والزبانية، والخضوع. علاوةً على ذلك، أدى ضعف أو غياب معايير الحكومة إلى هيمنة سياسية في التعيينات لمجالس الإدارة والمناصب الإدارية العليا، ما نتج عنها ممارسة الفساد، والكلفة العالية، وأداء غير مجدٍ ولا فعال، إضافةً إلى التوظيف المُفرط والاستثمار غير المنتج.

من نتائج التدخل السياسي وغياب السلطات الناظمة القوية خلق جو خالٍ من المحاسبة والمساءلة. في ملفات الكهرباء والاتصالات وقطاعَي النفط والغاز، نصّ القانون على إرساء سلطات ناظمة، بيد أن الوزارات المعنية أضعفت هذه السلطات وحدّت من صلاحياتها بشكل كبير. أدى غياب الشفافية والإفصاح عن المعلومات – (لا يوجد منها إلا القليل، وان وجدت ليس لها تدقيق، أو نشر حسابات متاحة للعامة) – إلى خفض العوائد إلى أدنى حد أو حتى إلى تسجيل خسائر؛ ويُضاف إلى ذلك كله ثمن التشغيل الذي أفضى إلى عجز إضافي في الموازنة. يتجلى هذا بأوضح صوره في مؤسسة كهرباء لبنان التي تسجّل عجزاً سنوياً يفوق المليار ونصف المليار دولار، ما يشكّل تقريباً 30 في المئة من عجز الموازنة في لبنان، و14 في المئة من مُجمل الإنفاق من دون الفوائد.

تُعتبر المؤسسات المملوكة من الدولة في لبنان أصولاً غير منتجة، وجزءاً مهماً من المنظومة الفاسدة. المشاكل الناجمة عن انعدام الفعالية وانخفاض الإنتاجية ونقص الابتكار كانت سبباً مباشراً لزيادة التكاليف، وانخفاض إنتاج القطاع الخاص، ما انعكس بشكل سلبي على الأسر عامةً. هذه الاستنتاجات لها تأثيرات متعددة ومضاعفة على الاقتصاد، منها على سبيل المثال جعل القطاع الخاص يغصّ، وتشتت في رأس المال، وعمالة في أصول عامة غير مجدية. تُعدّ جودة البنى التحتية عاملاً أساسياً في تحديد الاستثمارات وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد أدّى تردّي خدمات البنى التحتية التي توفّرها الدولة إلى تراجع الاستثمار المحلي والأجنبي على السواء، مما خفف وتيرة الإنتاجية الوطنية والنمو الاقتصادي.

إنشاء صندوق الثروة الوطنية في لبنان

ترمي خطة التعافي المالي التي أعدّتها حكومة دياب إلى إنشاء شركة لإدارة الأصول العامة "تُكلَّف بإعادة هيكلة الشركات العامة المدرجة في محفظتها". لكنها لا تطرح استراتيجية واضحة أو هدفاً صريحاً أو آلية للحوكمة. هل هذه هي مقدّمة للخصخصة؟ وهل ستؤدي عملية دمج الأصول في ظل غياب الحوكمة الصالحة والقواعد التنظيمية الفعّالة إلى السماح للسياسيين بالمزيد من الانتهاكات؟ في غضون ذلك، اقترحت جمعية المصارف في لبنان وبعض المحللين الاقتصاديين إنشاء صندوق يشمل أيضاً الأصول العامة، ما قد يسهم في تسديد ديون مصرف لبنان إلى المصارف التجارية. هذا الاقتراح من جانب البنوك التجارية يرمي ضمناً إلى أن يسدد البنك المركزي ديونه للمصارف من الأصول العامة. اي الاستفادة منها تكون لصالح فئة معينة من الدائنين، وهي هنا المصارف. في هذه الحال يُحرَم دافعو الضرائب وعامة الشعب من الأصول.

لهذا السبب، ينبغي على لبنان أن ينشئ شركة قابضة مستقلة، مثل صندوق الثروة الوطنية. هذه الشركة المنشأة يكون لها الحق في التملّك وإدارة الأصول التجارية العامة لصالح الشعب. القانون الذي يجب وضعه بهذا الخصوص عليه أن يتضمّن قاعدة مالية تنصّ على أن أي تحويل من الأرباح إلى الحكومة يجب توظيفها في الخدمات العامة التي بدورها ستساعد في تخفيف الأعباء الإنسانية وإعادة بناء الاقتصاد. أما الأموال التي سيتم جنيها بفضل تحسين أداء إدارة الأصول، واستثنائياً من جراء بيع الأصول أو خصخصتها، فينبغي أن تُستخدم أولاً لتطوير المحفظة بحيث تصبح الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والنقل أكثر فعالية. علاوةً عن ذلك، بعد وضع هيكلية لرأس المال التجاري وسياسة لتوزيع الأرباح، سيكون الصندوق قادراً على تحقيق أرباح سنوية للحكومة – كعامل مكمّل للعوائد المتأتية من الضرائب وغيرها – من أجل المساعدة على تمويل متطلبات الحكومة الأخرى.

يُعتبر إضفاء الطابع المهني على إدارة الأصول العامة عملية بسيطة تتكوّن من خطوتين: الخطوة الأولى تتمثّل في استحداث سجل عام مركزي يشمل جميع الأصول العامة التجارية (التشغيلية والعقارية)، وتحديد قيمة مبدئية لها. كما لابدّ من أن تكون هذه الخطوة سريعة كي تساهم في توجيه دراسة مجدية توضح نوع العائد والإيرادات الإضافية التي يمكن توقّعها من الصندوق. أما الخطوة الثانية فهي نقل هذه الأصول إلى الصندوق، إذ ينبغي توكيل مسؤولية تطوير محفظته إلى مجلس وفريق إداري يتمتعان بخبرة واختصاص ويكونان مستقلين سياسياً وخاضعين إلى المساءلة.

عند اعتماد تأسيس الهيكلية، لابدّ من إدارة المحفظة وفقاً للمتطلبات نفسها المتداولة في أي شركة مملوكة من القطاع الخاص، تهدف إلى تحقيق عوائد مماثلة استناداً إلى ثلاث معطيات رئيسة: الشفافية، الهدف الواضح والابتعاد عن السياسة. الشفافية والانفتاح على تقديم المعلومات هما بمثابة شرطان مسبقان لتحميل مجلس الصندوق وفريقه الإداري المسؤولية على أوسع نطاق. يتوجب على الصندوق أن يعمل وفقاً لأعلى المعايير الدولية، كما لو أنه شركة مدرجة على لائحة التداول. الصندوق هو مجرد شركة مملوكة من قِبَل دافعي الضرائب، أي هو حقاً شركة عامة.

نظراً إلى أن أصول المحفظة هي تجارية محضة وتخضع إلى المنافسة، يجب أن يكون روح وهدف الصندوق رفعُ قيمة الأصول إلى أقصى حدّ، لأن الهدف هو فقط مالي كما لو أنه محفظة أسهم مالية تسعى إلى جني أرباح أفضل وعائدات ملموسة. هذا قد يساعد على تجنّب المنافسة مع مبادرات قطاع الخاص.

أخيراً، يؤدي ابتعاد السياسة عن الصندوق إلى تحفيز مكافحة الفساد، وإدارة الصندوق حقاً بأسلوب تجاري. هذا يعني تحميل مجلس الإدارة يومياً المسؤولية الكاملة عن إدارة الأصول، ما يؤدي إلى تحسين الأداء المهني للمجلس. كما أن وضع حد فاصل لا يشوبه غموض بين مراقبة موظفي الحكومة وبين مالكي صندوق الأصول العامة، يزيد استثمارات القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية المباشرة فيه. كل ذلك يُعتبر وسيلة إضافية لتعزيز وتطوير الأصول في المحفظة.

مما لا شك فيه أنه لا يوجد تعليل لمنع إخضاع مجلس الإدارة والمدراء إلى القوانين والمتطلبات المتبعة نفسها في شركات القطاع الخاص. في العديد من الدول، يحدّد القانون بوضوح مهام ومسؤوليات المجالس، بحيث تخضع الشركات المملوكة من الحكومة إلى المساءلة مثلها مثل المجالس الأخرى في الشركات المساهمة الخاصة. من المستحسن أيضاً بناء أرضية موحدة للممارسات في الشركات الخاصة وتلك المملوكة من القطاع العام، وذلك تحت إطار قانون بسيط موحد يسمح للقطاع العام بأن يستعمل جميع الأدوات المتاحة في القطاع الخاص.

تتمثّل إحدى أهم ميزات توحيد كل أصول الدولة في إطار هيكلي تأسيسي مشترك في القدرة على تطوير أحد الأصول إلى أقصى قيمة لها، من خلال استخدام القوة القصوى في الميزانية العامة للشركة القابضة، بدلاً من التوجّه إلى خصخصة الأصول من خلال الهرع للبيع بأسعار متدنية كجزء من الصراع السنوي لتغطية عجز الموازنة الذي يتم في جو من التسييس. ويُعدّ بيع الأصول في الوقت المناسب جزءاً من خطة عمل أوسع لزيادة العائدات في كامل المحفظة، ولا يجب أن يم ذلك إلا إذا بلغت الأصول قيمة مقبولة.

كما تساهم الإدارة الفعّالة للأصول في رفع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وتحقيق أرباح لموازنة الحكومة، وخفض التكاليف التشغيلية. سوف تتمكّن الحكومة، من خلال جعل قيمة الأصول شفافة لأسواق رأس المال ومتاحة للدائنين، من تحسين المقاييس المتبعة للسلامة المالية الرئيسة والتي تستخدمها وكالات التصنيف العالمية الثلاث في نماذج تصنيفها السيادي. كل هذه النتائج مجتمعةً، تساهم في تعزيز حوْكمة الدولة وتمكين مؤسساتها في المقابل من تحسين تصنيفها الائتماني السيادي وتخفيض تكلفة الاقتراض.

في حال تمّت إدارة الصندوق بشكل صحيح، سوف يساعد ذلك في تحقيق أرباح سنوية قد تساهم في تمويل أعمال اجتماعية مهمة، بدءاً من الرعاية الصحية ووصولاً إلى البنى التحتية. وهكذا سيتمتّع الصندوق أيضاً بدعم شعبي لمكافحة آفة الفساد المتفشية راهناً في إدارات الأصول العامة.

في نهاية المطاف، سيساعد الصندوق في تخفيف عبء ديون القطاع العام، ما يعزّز قيمة الثروة الصافية للحكومة كحاجز منيع في وجه أي تحديات اقتصادية مستقبلية.

في المحصلة

يُطلق الانهيار الاقتصادي والمالي في لبنان صرخة تدعو إلى ثورة استحداث في مجال السياسة، بما في ذلك إنشاء صندوق ثروة وطنية كجزء من الإصلاح الاقتصادي الكلي والهيكلي الشامل. الهدف من كل هذا هو هيكلة الأصول العامة لمكافحة الفساد والقصور في الأداء، والمساعدة على تحقيق الاستقرار المالي، وإنعاش النمو الاقتصادي، وابتكار عوائد إضافية بما يصبّ في مصلحة الشعب اللبناني ككل. ولا شكّ أن إنشاء صندوق مستقل، سيكون بمثابة قفزة نوعية لإرجاع الثقة وطي صفحة الماضي. الحكومة والشعب يتوجب عليهما العمل سوياً يداً بيد، كالبنيان المرصوص لوطن واحد، لتفكيك السرقات المستدامة من قبل السياسة المصابة بمرض السرقة المزمنة، وقد طال أمدها.

حول المؤلفين

ضاك داتّر مستشار استثماري في الأصول العامة، والرئيس السابق للشركة القابضة للحكومة السويدية.

ناصر السعيدي خبير اقتصادي لبناني، شغل سابقاً منصبيْ وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة، ونائب حاكم مصرف لبنان.