يضع النمط التاريخي لنموذج التنمية في مصر المؤسسة العسكرية في مركز الأحداث بكونها منقذًا اقتصاديًا. لم يخترع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تشبث المؤسسة العسكرية بالسيطرة على الاقتصاد لأغراض سياسية، لكن بعد عقود من التدخل العسكري في الاقتصاد، يتواصل الانحدار في مصر وفق جميع المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الرئيسة، مقارنة بمجموعة نظرائها. نتيجة لهذا التدخل العسكري في الاقتصاد، تقوم مصر بتخصيص مخطئ للاستثمارات العامة في مشاريع البنية التحتية الكبيرة والقطاعات غير المنتجة وصناعة الدفاع غير الكفؤة، ما أدى إلى تكبّد تكلفة باهظة على حساب رفاهية المصريين العاديين.

أصبح دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري أكبر وأكثر غموضًا، مع آثار سلبية على ما يبدو، ولاسيما عندما نضع في الاعتبار الوضع المتدهور لمصر في الاقتصاد العالمي من خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم. ومع النمو السريع للسكان الذين يزيد الآن عددهم عن 100 مليون نسمة غالبيتهم من الشباب، فإن العواقب السياسية لمثل هذا التدهور قد تكون خطيرة. إن عدم توافر الوظائف، مقرونًا برغبة المؤسسة العسكرية في السيطرة على الفضاء السياسي والاقتصادي، هو وصفة للارتطام بطريق سياسي مسدود، أو لما هو أسوأ من ذلك: اندلاع تمرد.

الافتتان بالبنية التحتية

أكثر مظاهر ضعف الأداء الاقتصادي جلاءً هو الافتتان بمشاريع البنية التحتية الضخمة. يصف يزيد صايغ في "أولياء الجمهورية" كيفية انبهار المؤسسة العسكرية بإبراز نفوذها وقدرتها، ورغبتها بإرضاء جمهور سياسي صغير، وتنمية الشعور بالاستحقاق. كما يوضح تقريره الشامل تفاصيل كيفية وأسباب تدخل قادة المؤسسة العسكرية المصرية تدريجيًا في الاقتصاد الرسمي. ويقدّم صايغ، بعد أن يسقط أخيرًا الأرقام المضخمة وغير الدقيقة في كثير من الأحيان لسيطرة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد، صورة واضحة عمّا تسيطر عليه المؤسسة العسكرية وتملكه وتديره.

بينما تحتاج مصر بالتأكيد إلى تحديث بنيتها التحتية العامة المتداعية، تبدو سياساتها الاقتصادية بشكل متزايد وكأنها مشاريع للتفاخر، وغاية في حد ذاتها لا كوسيلة للتنمية الاقتصادية أو الاجتماعية. صحيح أن المؤسسة العسكرية تستثمر في الطرق والجسور الرائعة، ومشاريع البناء التي تلبي احتياجات مجموعة صغيرة من المصريين الأثرياء لكنها تترك العديد من أفقر شرائح المجتمع من دون مرافق وخدمات أساسية. وقد قلبت احتجاجات الربيع العربي مصر رأسًا على عقب، جزئيًا، بسبب الاستقطاب الشديد للثروة بين من يملكون ومن لا يملكون.

بينما يقيس الاقتصاديون نمو الناتج المحلي الإجمالي المصري بنحو 5 في المئة سنويًا، فإن الواقع هو أن معدل وصول فوائد النمو في مصر إلى أفقر شريحة من المجتمع يكاد لا يُذكر بل قد يكون سلبيًأ، وذلك لأن نمو الناتج المحلي الإجمالي يهتم بالصادرات والاستثمارات وليس معدلات التوظيف أو توزيع الثروة أو الرفاه العام للأفراد. وافتتان المؤسسة العسكرية ببيئة البناء يضاعف هذا الأمر، حيث إنه لا يركز على الإنتاجية أو التوظيف أو الربح.

إن الإعجاب بمخرجات الإنجازات العسكرية، من دون وضع وجود أو عدم وجود التأثيرات الاجتماعية الاقتصادية في الاعتبار، هو نقطة عمياء للمؤسسة العسكرية، كما يتضح من بناء العاصمة الإدارية الجديدة. توصف العاصمة الجديدة بأنها مدينة ذكية ذات ابتكارات تكنولوجية حديثة، لكن من غير المرجح أن تخلص البلاد من الفساد المستشري أو أن تؤدي إلى تحديث القطاع العام المتضخم. بناؤها على الأرجح كان يهدف إلى تحصين الرئيس ضد الاحتجاجات المحتملة.

التركيز على القطاعات غير المنتجة

نتج ضعف الأداء الاجتماعي والاقتصادي في مصر أيضًا عن تركيز المؤسسة العسكرية على الاستثمار في القطاعات غير المنتجة. قد يكون استثمار المؤسسة العسكرية في الإسكان العام إيجابيًا، حيث يوجد نقص هائل في الإسكان العام بأسعار معقولة في مصر. لكن، بخلاف الإسكان الميسور، فإن الكثير من استثمارات المؤسسة العسكرية تفشل في إفادة الجماهير أو المواطن المصري العادي، فيما المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية تزداد سوءًا أو تتعرض إلى الركود.

يشير البنك الدولي إلى أن انخفاض دخل الفرد منذ العام 2016 وتزايد الفقر والتضخم والسكان، لن يؤدي إلا إلى تفاقم التحديات الاجتماعية والاقتصادية في مصر. علاوة على ذلك، فإن الدين العام في مصر آخذ في الارتفاع، وكما أظهرت الجولات الأخيرة لشروط إعادة جدولة الديون لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن الشعب غالبًا ما يدفع الثمن من خلال زيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية والسياسات الضريبية التنازلية. بعبارة أخرى، يسدد المواطنون العاديون الديون المتراكمة، ما يفاقم تراجع مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية.

هناك مجال آخر للاستثمار المحتمل، ولكن المتعرّض إلى الإهمال المتواصل، وهو نظام السكك الحديدية. تستحضر السكك الحديدية رمزية سياسية أقل وتستخدمها القطاعات الفقيرة في المجتمع المصري، لذا فهي لا تحتل مكانة بارزة في التخطيط الاقتصادي. بدلًا من ذلك، ينصب تركيز المؤسسة العسكرية على مشاريع السكك الحديدية الأحادية القضبان الأكثر وهجًا والأكثر تكلفة والتي قد تلبي احتياجات الفقراء أو لا تمتد إلى المجتمعات المهملة في جنوب مصر.

صناعة دفاعية غير كفؤة

الاستثمار في صناعة دفاعية غير كفؤة هو المصدر الأخير لضعف الأداء الاجتماعي والاقتصادي لمصر. يعد إنتاج المنتجات الدفاعية حجر الزاوية في خطط التنمية الاقتصادية للمؤسسة العسكرية. وعلى الرغم من أن حسابات الصناعة الدفاعية غامضة، إلا أنه يُعرف الكثير عن عملياتها، ما يسمح بالاستنتاج أن تحوّلها لأغراض مدنية قد أثبت عدم فعاليته. يمكن تحسين رفاهية المصريين العاديين من خلال تحسين الخدمات مثل الرعاية الصحية والتعليم، وليس في إغراق المزيد من الموارد العامة في صناعة دفاعية غير كفؤة.

خلاصة

باعتبارها الدولة العربية الأكثر اكتظاظًا بالسكان، فإن نجاح مصر أو فشلها في التنمية الاقتصادية له آثار إقليمية، إن لم تكن عالمية. وفي حين أن مصر ربما كانت نموذجًا يحتذى به للدول النامية في العقود السابقة، فمن المرجح الآن أن يُنظر إليها من منظور أقل إطراءً، أي مجرد اعتبار أنها أكبر من أن تفشل. وفي حين دعمت دول الخليج العربي مصر في السنوات الماضية بمليارات الدولارات في شكل قروض ومنح، إلا أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط يعني أن تلك الدول ستكون أقل استعدادًا وقدرة على دعم الحكومة المصرية. علاوة على ذلك، من المرجح أن تنخفض حوالات العاملين إلى مصر مع انخفاض أسعار النفط وتراجع التوقعات الاقتصادية الإقليمية. وربما تفضل دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عدم مواجهة التحدي المتمثل في مئات الآلاف من المصريين الذين لديهم حافز أقل للعودة إلى ديارهم بسبب تدهور الاقتصاد المصري.

من غير المرجح أن تنجح المؤسسة العسكرية كمنقذ اقتصادي لمصر. فالمؤسسة العسكرية تواجه توقعات كبيرة تتعلق بالاحتياجات المتزايدة للشعب، لكنها لا تتمتع بالرشاقة والإبداع والقدرة على القيام بذلك. لقد كشفت جائحة كورونا أيضًا عن الحاجة إلى ثقة الجمهور والقيادة والاستثمار في الرعاية الاجتماعية والرفاهية، إلا أن إدارة السيسي أصرّت على الحفاظ على وتيرة بناء مشاريع التفاخر مثل العاصمة الإدارية الجديدة. سيكون فشل مصر هائلًا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأكملها ويستحق الاهتمام السياسي، لكن استعداد المجتمع الدولي لقبول السيسي كقوة استقرار وتجاهل الأزمة الاجتماعية والاقتصادية — وربما السياسية — التي تلوح في الأفق والتي تواجه مصر هي حقيقة قائمة لكن قصيرة النظر .

بسمة المومني أستاذة علوم سياسية في جامعة واترلو الكندية.