يثير التوسع الأخير في الاقتصاد العسكري في مصر سؤالين مهمين عن الاقتصاد السياسي: لماذا تسيطر بعض القوات المسلحة على الأمور وتحكم البلدان بشكل مباشر، ولماذا ينخرط البعض منها في التجارة؟ أطاح ضباط عسكريون في مصر (2013) والجزائر (2019) والسودان (2019) بالنخب المدنية للتحوط من الحركات الديمقراطية التي هددت بتقليص نفوذ المؤسسة العسكرية. ثم وسعت هذه الأنظمة العسكرية الجديدة مصالحها التجارية لتهميش المقربين من المدنيين الذين أطاحوا بهم. ولكن سيصعب على هذه الأنظمة العسكرية التي تركز على التموّل خلال تدخلها في الاقتصاد تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحفيز النمو.

في السلطة

في بعض البلدان، تولت القوات المسلحة السلطة مباشرة بعد حدوث انقلاب (كما هو الحال في مصر، وكان الأمر قريبًا من ذلك في الجزائر وإيران والسودان). لم يحدث ذلك في دول أخرى مثل المغرب، التي ظلت مستقرة نسبيًا، أو تونس، التي شهدت تغيير النظام في العام 2011.

يساعد منطق نظرية اللعبة في تفسير هذا الاختلاف. مقارنة بالديكتاتوريات العسكرية، يمكن للحكام المدنيين توسيع الكعكة الاقتصادية من خلال التعاون مع الاقتصاد المدني أكثر مما تستطيع الديكتاتوريات العسكرية القيام به، فعلى سبيل المثال، تستخدم النخب المدنية العصا والجزرة، بينما تستخدم القوات المسلحة العصا فقط. وهذا يفسر لماذا في الكثير من البلدان، كما في تركيا في الماضي، قد تحكم القوات المسلحة، لكنها نادرًا ما تدير الأمور. تستخدم الحكومة المدنية المثلى، الخاضعة إلى قيود الانقلاب، واحدة من استراتيجيتين: الحفاظ على مؤسسة عسكرية ضعيفة؛ أو، عندما تكون هناك حاجة إلى مؤسسة عسكرية كبيرة (بسبب التهديدات الخارجية أو لقمع السكان)، تعاملها جيدًا بحيث لا تتمرد.

يمكن لهذه النظرية أن تفسر سبب بقاء النخب المدنية غالبًا من دون انقلابات. ففي الجزائر ومصر والأردن والسودان وسورية، تمكنت النخب المدنية من توفير تمويل سخي لمؤسسة عسكرية كبيرة نسبيًا باستخدام الريع الخارجي. في المقابل، في المغرب وتونس في عهد بن علي، ظلت المؤسسة العسكرية صغيرة نسبيًا.

طفرة وانخفاض في أسعار النفط

سمحت الطفرة النفطية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين للأنظمة المدعومة من المؤسسة العسكرية بتمويل قوات أمنية كبيرة بصورة سخية بما فيه الكفاية للحماية من حدوث تمرد. وبعد انهيار عائدات النفط في العام 2014 (أو في وقت مبكر من العام 2011 في السودان) ترددت النخب المدنية بشكل متوقع في خفض التمويل المباشر للمؤسسة العسكرية. وعندما لم تتمكن النخب من المحافظة على التمويل المباشر، تحركت باتجاه السماح للقوات المسلحة بتمويل ذاتها مباشرة من الأسواق.

أثّر انخفاض أسعار النفط علىالجزائر في العام 2015. وتقلصت عائدات النفط بمقدار النصف بين 2007 و2017. وقد اختارت البلاد تمويل عجز مالي كبير من الاحتياطيات المتراكمة، لكن هذا لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة. في العام 2017، احتلت القوات المسلحة الجزائرية المرتبة الثانية من حيث الحجم في أفريقيا بعد القوات المسلحة المصرية. ارتفع إنفاقها العسكري بسرعة، من 8 إلى أكثر من 15 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي بين عامي 2008 و2017. ونظرًا إلى أن النفقات الحكومية الإجمالية ارتفعت أيضًا، من 35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2006 إلى ما يقرب 42 في المئة في العام 20151، تجاوزت نفقات الدفاع 10 مليارات في العام 2015، وهو ضِعف المستوى المُسجّل في العام 2008.

في السودان، أدى انفصال الجنوب في العام 2011 إلى انخفاض هائل في عائدات النفط، من 16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2007 إلى أقل من 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2017. ومع قلة التمويل الخارجي المتاح، لم يكن أمام السودان خيار سوى التكيف بشكل حاد، ما خفض الإنفاق العام من 21 إلى 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال تلك الفترة. وارتفعت النفقات العسكرية خلال فترة الطفرة، لكنها لم تنخفض بعد الكساد الكبير في أسعار النفط. بدمج مصادر صندوق النقد الدولي ومعهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، بلغت الحصة العسكرية من النفقات 21 في المئة (3.2 مليارات دولار) في العام 2007. وبحلول العام 2017، استهلكت حصة الجيش ما مجموعه حوالى 31 في المئة من النفقات الحكومية (4.4 مليارات دولار).

في المقابل، كانت الميزانية العسكرية الرسمية لما يسمى بجمهورية الضباط صغيرة بشكل مدهش في مصر. ووفقًا لبيانات البنك الدولي، انخفضت النفقات العسكرية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي من ذروة العام 1984 البالغة 8.2 إلى حوالي 2 في المئة في العام 2015، وهو انخفاض مرتبط بشكل مباشر بالتقشف المتزايد في ميزانية البلاد. كان الشاغل الأساسي للرئيس السابق حسني مبارك طوال فترة حكمه هو خفض الإنفاق العام. لقد ورث دولة أنفقت 62 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1981 وتمكن من تقليص هذه النسبة إلى ما يقارب النصف لتبلغ حوالى 33 في المئة بحلول الوقت الذي أطيح به.2 لذلك كان عليه بشكل متزايد إيجاد طرق جديدة للمحافظة على رضا المؤسسة العسكرية.

الرد على الانتفاضات

لماذا حلت القوات المسلحة محل الأنظمة الاستبدادية التي تمت الإطاحة بها في الجزائر ومصر والسودان في السنوات الأخيرة، لكن ليس في تونس؟ شهدت الدول الأربع حركات اجتماعية تتجه نحو أنظمة ديمقراطية. كان لدى الجزائر ومصر والسودان قوات مسلحة كبيرة تعاملها النخب المدنية بشكل جيد لمنعها من التمرد، بينما كان لدى تونس مؤسسة عسكرية صغيرة.

أثناء الانتقال إلى الديمقراطية، يكون لدى المؤسسة العسكرية القوية الدافع للقيام بانقلاب عندما تعلم أن الحكومة الديمقراطية ستعمل على تقليص حجمها بدلاً من الالتزام بمواصلة دفع رواتب زائدة لضباطها. في مثل هذه الحالة، يواجه النظام الديمقراطي الطموح مشكلة تحفيزية، لأنه لا يمكنه الالتزام بشكل موثوق بعدم تقليص التمويل للمؤسسة العسكرية عند توليه السلطة. في الواقع، خفض الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي بقوة حجم نفقات المؤسسة العسكرية، من 6 إلى 4.3 في المئة من الإنفاق العام، في محاولة لإضعافها.

في هذه البلدان الثلاثة التي قادت فيها المؤسسات العسكرية انقلابات مناهضة للديمقراطية، تمكنت من الحفاظ على ميزانياتها ومواقفها الاقتصادية. من ناحية أخرى، زادت تونس الديمقراطية من ميزانية مؤسستها العسكرية استجابةً للمخاطر الأمنية المتزايدة، الأمر الذي ربط بشكل أكبر مصلحة المؤسسة العسكرية بمصلحة النظام الجديد.

في الاقتصاد

في ما يتعلق بمسألة الاقتصاد السياسي المهمة الأخرى، تشارك بعض القوات المسلحة بشكل نشط في الأعمال التجارية، بينما لا تشارك قوات مسلحة أخرى، وتختلف الحوافز للقيام بذلك قبل الانقلابات وبعدها. قبل الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر، ومرسي في مصر ، والرئيس السابق عمر البشير في السودان، كانت القوات المسلحة تعمل بموافقة مباشرة أو ضمنية من النخب المدنية في مصر والسودان، لكن هذا الأمر لا ينطبق في الجزائر.

كانت المشاركة في الأعمال التجارية وسيلة لتقليل العبء المباشر للمؤسسة العسكرية على تقليص الميزانيات وتحويله إلى السوق. ويمكن للقوات المسلحة التنافس مع القطاع الخاص، حيث تتمتع بمزايا سياسية غير عادلة على منافسيها.

في الجزائر، سمح التمويل السخي من الميزانية باستخدام عائدات النفط الكبيرة لنظام بوتفليقة بالسيطرة على قطاع الأعمال مع إبعاد المؤسسة العسكرية إلى حد كبير عن الأعمال التجارية. وفي السودان أيضًا، ظل تمويل المؤسسة العسكرية من ميزانيات الدولة على الرغم من انهيار إيرادات الدولة. مع ذلك، تم تشجيع قوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية موازية تم إنشاؤها للسيطرة على دارفور، من قبل البشير، لتمويل ذاتها من خلال العمليات التجارية، بما في ذلك الأنشطة غير القانونية مثل تهريب الذهب والأسلحة. في مصر، وبالتوازي مع تقليص دور الدولة، سمح مبارك للقوات المسلحة بتمويل نفسها مباشرة في الأسواق التي تتمتع فيها بمزايا طبيعية. ومع مرور الوقت، سمح للقوات المسلحة بأن تصبح أحد أكبر الجهات الفاعلة الاقتصادية في البلاد.

الاقتصاد العسكري بعد الانقلابات

بعد حدوث انقلاب عسكري، تظهر دوافع أخرى. فبالإضافة إلى التمويل، أصبح للقوات المسلحة مصلحة مباشرة في الحد من المنافسة السياسية من قبل حركات المعارضة المحتملة. وعلى غرار النخب المدنية التي كانت قبلها، فقد كان ذلك يعني حرمان المعارضين من الوصول إلى التمويل من القطاع الخاص. المحسوبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مستفحلة، حيث يتم وضع الأصدقاء في ذروة الاقتصاد من أجل منع الشركات الخاصة الكبيرة، وخاصة في قطاعات النمو، من الوقوع في أيدي قوى المعارضة. أصبح مبدأ البقاء هذا هو الدافع الذي يقود القوات المسلحة نحو الأعمال والاقتصاد.

وهكذا، لتوطيد السلطة بعد الانقلابات، قام اللواء الراحل أحمد قايد صالح في الجزائر، والفريق عبد الفتاح البرهان في السودان، والرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر، بمهاجمة قاعدة القوة الاقتصادية للأنظمة التي حلّوا محلها من خلال ملاحقة شركائهم المقربين الرئيسين، أو مصادرة ممتلكاتهم، أو وضعهم في السجون بتهم الفساد أو إبعادهم إلى المنفى. هذه الإجراءات أضعفت الاقتصاد. في مصر، ومع ازدياد انخراط المؤسسة العسكرية في الاقتصاد، انخفضت استثمارات القطاع الخاص إلى 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل من مستواه في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في سبعينيات القرن الماضي.3 في السودان، كانت الجماعات شبه العسكرية هي التي وسعت أنشطتها التجارية.

خلاصة

كانت المحسوبية وما يرتبط بها من نقص في ديناميكية القطاع الخاص ونموه السبب الرئيس لسقوط الأنظمة الاستبدادية المدنية في الجزائر ومصر والسودان. وتهيمن المؤسسات العسكرية بصورة مباشرة بشكل أكبر على الأنظمة الجديدة. ومن المرجح أنها أقل قدرة من النخب المدنية على إدارة العلاقات الاقتصادية الأساسية، ناهيك عن الإصلاحات الاقتصادية المعقدة، كما هو موضح بإسهاب في كتابات صايغ.

لكن الوضع يختلف هنا أيضًا. فالمؤسسة العسكرية الجزائرية تملك مخزونًا احتياطيًا لمدة عامين تقريبًا من احتياطات النقد الأجنبي قبل أن تواجه تحدي الإصلاحات الاقتصادية. في السودان، انهار الاقتصاد واضطرت المؤسسة العسكرية إلى قبول الدخول في ترتيب لتقاسم السلطة مع الديمقراطيين الثوريين. ولكن في نهاية المطاف، من الصعب تخيّل أن أي حكومة لا تستمد شرعيتها من صندوق الاقتراع سيتم تمكينها بما يكفي لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المعقدة والشاقة اللازمة لتحريك النمو في فترة ما بعد الريع المقبلة.

إسحاق ديوان أستاذ جامعي في مجال الاقتصاد في المدرسة العليا للأساتذة في باريس، ويشغل مقعد الاقتصادات العربية في جامعة باريس للعلوم والآداب.

هوامش

1 Ishac Diwan and Tarik Akin, "Fifty Years of Fiscal Policy in the Arab Region" (Working Papers 914, Economic Research Forum, 2015), https://ideas.repec.org/p/erg/wpaper/914.html.

2 Diwan and Akin, "Fifty Years of Fiscal Policy in the Arab Region."

3 World Bank, “Egypt’s Second Systematic Country Diagnostic” (unpublished presentation, May 4, 2020), PowerPoint file.