تمارس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطاً شديدة على المملكة العربية السعودية لتنضم إلى قافلة الدول العربية التي وقّعت اتفاقات من أجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. لكن الرياض قد لا تقرّر المضي قدماً في هذه الخطوة، على الأقل ليس بعد. صحيحٌ أن الاتفاقات التي وُقِّعت مؤخراً بين إسرائيل وعددٍ من دول الخليج نالت تأييداً في صفوف وسائل إعلام سعودية وأمراء ورجال رسميين، ما يشي بتحوّل تدريجي ومستمر في مقاربة المملكة لهذه القضية. وقد صدرت آخر بوادر التغيير عن السفير السعودي الأشهر في الولايات المتحدة، في سلسلة من المقابلات التلفزيونية التي رُوِّج لها على نطاق واسع، كما في مقابلات نُشرت على موقعه الإلكتروني الجديد المعدّ خصّيصاً لذلك. لكن الخطاب الذي ألقاه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 أيلول/سبتمبر 2020 أظهر مقاربة أكثر تقليدية. أتى هذا الخطاب بعد سلسلة من التصريحات السعودية الرسمية الرامية إلى وضع شروط حول إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، على أساس بنود "مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية".

سلسلة من الوعود المشكوك فيها

إن إضفاء طابع رسمي على العلاقات السعودية-الإسرائيلية من شأنه أن يساعد كلا الدولتين على تحقيق أهداف استراتيجية وعسكرية. لكن، إذا ما نجحت السعودية وإسرائيل في إقامة علاقات رسمية، فلن يفضي ذلك بالضرورة إلى تحولات جذرية كما يزعم الجانبان. لا بل واقع الحال أن هذه التحولات قد لا تصب في صالحهما. ثمة ستة أهداف كبرى يعتبر مناصرو الاتفاق أنه سيحققها، لكنها تبدو في الحقيقة بعيدة المنال.

1. التطبيع لن يحقق السلام أو الاستقرار في الشرق الأوسط

أولاً، لن يحمل التطبيع على الأرجح بشائر السلام. يجادل مؤيّدو شكل من أشكال التطبيع الإسرائيلي-الخليجي بأن هذا الاتفاق سيحقق السلام الإقليمي في "أقل مناطق العالم سلاماً". لكن اتفاقيات التطبيع العربية الأخيرة، بما في ذلك الاتفاق المحتمل بين السعودية وإسرائيل، لن تعالج "مكامن الضعف الأساسية" التي تتسبّب بالعنف واللااستقرار في المنطقة، ومن ضمنها إسرائيل والأراضي الفلسطينية والسعودية. في العقد المنصرم، شهدت غالبية الدول العربية (ومن ضمنها المملكة) تظاهرات ضد الحوكمة الفاسدة والقمعية. وانسحب ذلك أيضاً على إسرائيل وفلسطين. وقد تخلّل الكثير من هذه التظاهرات لجوء الدول إلى العنف، حتى إن بعضها شهدت اندلاع حروب أهلية وتدخّلات خارجية. لكن، لم يتم التصدّي للتفاوتات الاجتماعية العميقة التي أطلقت شرارة الاحتجاجات وحرّكتها، إلا في حالة تونس نسبياً. الحقيقة أن الأنظمة العربية بحاجة إلى الدعم الأميركي والإسرائيلي لاحتواء اللااستقرار في المنطقة، وليس لإنهائه.

على الرغم من صورة السلام التي ترسمها اتفاقيات التطبيع الأخيرة، تتوقع السعودية من الولايات المتحدة وإسرائيل تعزيز تعاونهما الدفاعي والأمني معها، ومن واشنطن غضّ الطرف قليلاً عن مسألة الاستخدام النهائي للأسلحة الأميركية. ومن أجل الدفاع عن نفسها في وجه الاعتداء الإيراني، يمكن للمملكة حتماً الاستفادة من هذا التعاون المعزّز ومن خبرة إسرائيل في الحروب غير النظامية التي تنطوي على أطراف فاعلة أو ميليشيات لا تنتمي إلى الجيوش النظامية للدول. لكن سجلّ كلٍّ من إسرائيل والسعودية إشكاليٌّ للغاية في ما يتعلق بمعاملة المدنيين في هذا النمط من الحروب. لذا، هذا النوع من التعاون لا يبشر بتحقيق السلام.

2. التطبيع لن يصب دائماً في خدمة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط

ثانياً، قد لا يصب الاتفاق الإسرائيلي-السعودي بالكامل في صالح الولايات المتحدة، لأن الجانبين يريدان من واشنطن تدخّلاً في الإقليم يفوق نطاق صلاحياتها. واقع الحال أن مصالح إسرائيل والسعودية في المنطقة مختلفة عن المصالح الأميركية، ناهيك عن أن المصالح الإسرائيلية والسعودية تتقاطع في المجالات ذاتها التي تختلف فيها مع الولايات المتحدة. فلدى الجانبين الإسرائيلي والسعودي مصلحة في أن تبقى واشنطن قوة عسكرية مهيمنة بشكل نشط في المنطقة، وبالتالي يريدان تفادي خفض القوات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط أو التحوّط من هذا السيناريو المحتمل.

يودّ كلٌّ من المملكة وإسرائيل أن تستخدم الولايات المتحدة تفوقها العسكري لإلحاق الهزيمة بالتهديد الإيراني، عوضاً عن مجرّد احتوائه. فالجانبان يسعيان بشكلٍ نشط من أجل إبرام اتفاق أميركي-إيراني شامل يصعب تحقيقه، يخلط بين الأولويات الأميركية المتمثلة في وضع حد للبرنامج النووي الإيراني ووقف اعتداءات طهران على المصالح الأميركية من جهة، وبين مواجهة المدّ الإيراني الجيوسياسي الأوسع في المنطقة، من جهة أخرى.

ما ترغب به إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة هو أن تظل واشنطن منخرطة بشكل نشط في الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط. بيد أن التعاون السيبراني والاستخباراتي الإسرائيلي–السعودي يعني أن تعريف الإرهاب قد توسّع ليشمل المعارضين السياسيين السلميين للنظام السعودي، الذين هم أيضاً ضد التطبيع مع إسرائيل في الكثير من الأحيان.

ومن شأن هذا التوسّع في تعريف الحرب ضدّ الإرهاب أن يعقّد سياسة الولايات المتحدة الرامية إلى إعادة تخصيص الموارد للتركيز على "المنافسة الاستراتيجية بين الدول وليس الإرهاب"، إلى جانب أولويات أخرى طال إهمالها تُعنى بالسياسة الخارجية. وفي الوقت نفسه، يعمد كلٌّ من إسرائيل والسعودية على توطيد علاقاتهما مع منافسين استراتيجيين للولايات المتحدة كروسيا والصين. وحتى الآن، لا يزال هذا التعاون محدوداً ومحصوراً بالشق الاقتصادي في الغالب، غير أنه لا يتّسم دائماً بالشفافية ويمكن أن يتحوّل إلى تعاون استخباراتي وعسكري أوسع.

في هذا الإطار، تأمل واشنطن، من خلال تشجيع شركائها الإقليميين على تطبيع العلاقات، بإعادة توزيع العبء الدفاعي على شبكة دفاعية أكثر تكاملاً من الحلفاء الإقليميين. لكن لا إسرائيل ولا السعودية، حتى إن حظيتا بدعم الإمارات، تملكان القدرة على تولي قيادة الإطار الأمني الإقليمي الذي تطمح له واشنطن. فإضافةً إلى انعدام الثقة والمنافسة المتجذرين في المنطقة، لا تتفق معظم الدول مع الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل في كيفية التعامل مع إيران.

3. التطبيع لن يعزّز الاعتدال أو التحرّر في السعودية

ثالثاً، ما من دليل دامغ على أن الشعب السعودي موافق على هذه الخطوة. لكن ثمة سردية سعودية جديدة تصوّر التطبيع مع إسرائيل كجزء من الدولة السعودية الجديدة المعتدلة قيد الإنشاء. وسيتماشى التطبيع راهناً مع نهج ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المتمثّل في "العلاج بالصدمة" ليُظهر لخصومه المحليين وللغرب أنه سيواصل اتّخاذ أي تدابير تندرج برأيه ضمن إطار تحديث البلاد.

في المقابل، لم تطالب الأطراف الاجتماعية الفاعلة في المملكة بإقامة علاقات مع إسرائيل بالطريقة نفسها التي طالبت فيها بتطبيق إصلاحات أخرى، على غرار تمكين المرأة أو حتى مكافحة الفساد. علاوةً على ذلك، ليست فلسطين مسألة تتداخل فيها اعتبارات سياسية عليا وحسب، بل هي أيضاً موضوع نقاشات عامة، وتعبئة شعبية سابقاً، في المدارس والدوائر الإعلامية والمنظمات غير الحكومية وقاعات المحاضرات العامة والمساجد، بما في ذلك الحرمين الشريفين.

من وجهة نظر العامة، يشكّل التطبيع على طريقة ترامب تمادياً في نفس نهج "سعودية الغد" الذي تضمّن دعوة نيكي ميناج لتقديم حفل استعراضي على أرض الحرمين الشريفين. الحدثان غريبان، ومزعجان حتى، لمنظومة القيم التي تحكم الغالبية الساحقة من السعوديين.

مثل هذه الخطوات التي لا تحظى بدعم شعبي تشوّه الخطط الاجتماعية والاقتصادية والدينية التقدمية الواعدة التي تشتدّ الحاجة إليها في المملكة، وتغذي السردية المتطرفة بأن إصلاحات ولي العهد نابعة من دوافع سياسية ضدّ الإسلام. كما أن التسرّع في تطبيع العلاقات السعودية مع إسرائيل يسيّس الخطاب السعودي الجديد والضروري حول التسامح الديني.

يُضاف إلى ذلك أن بإمكان المواطنين السعوديين ملاحظة التراجع عن المواقف السابقة في وسائل الإعلام وفي خطب رجال دين رسميين لإضفاء الشرعية على علاقة علنية مع إسرائيل، فيما تُشنّ حملة قمعية على أصوات ذات مصداقية شعبية مؤيدة لفلسطين. كما أن الشعب يدرك تماماً التناقضات الكامنة في السردية السعودية بحدّ ذاتها. فحتى فترة وجيزة، كان الإعلاميون السعوديون وأفراد من العائلة المالكة يوجّهون انتقدات لاذعة لخصمَي المملكة، تركيا وقطر، ويعيّرونهما لعلاقتهما مع إسرائيل. كذلك، ترفض بعض الأصوات التي تندّد بالقادة الفلسطينيين وتضعهم في الخانة نفسها مع المعسكر المعادي للسعودية كإيران وتركيا وقطر، تطبيق مقولة "عدو عدوي هو صديقي" على إسرائيل.

لا بدّ من الإشارة إلى أن العلاقات مع إسرائيل ستبقى دائماً رهينة حسابات العائلة المالكة السعودية لما يضمن صمود النظام. وفي حال تم تطبيع العلاقات، فإن النظام السعودي سيكون مضطراً، في كل مرة يستخدم الجيش الإسرائيلي القوة المفرطة ضدّ الفلسطينيين أو يحدث تغيير سياسي ما في فلسطين، إلى الرد وإن رمزياً على هكذا خطوات، نظراً إلى التعاطف الشعبي في السعودية مع القضية الفلسطينية.

4. لن يكون السلام دافئاً

رابعاً، لن يعني التطبيع أن الشعبين السعودي والإسرائيلي سيصبحان صديقين. يعتبر عدد كبير من الكتّاب ورجال الدين السعوديين ومن الصفحات الموالية للحكومة السعودية عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن إسرائيل لا تُشكّل تهديداً لدول الخليج. بل على النقيض، اتُّهِم الفلسطينيون الذين ينعتهم البعض بـ"عرب الشمال الجاحدين"، بابتزاز السعودية ومنعها من إعطاء الأولوية لمصالحها الوطنية. وتأتي هذه السردية في خضم حملة تُشَنّ برعاية الحكومة دعماً للهوية الوطنية السعودية، وتضع هذه الحملة الهوية السعودية في مرتبة أعلى من الهوية العربية أو حتى الإسلامية. وتعتبر هذه السردية أيضاً أن الشباب السعوديين، أو "السعوديين الجدد" المتأثّرين بالغرب والمتعلّمين وذوي الذهنية المنفتحة، يريدون إقامة علاقات مع إسرائيل.

لكن ليس واضحاً أن هذا الخطاب عن الهوية يلقى رواجاً في المجتمع السعودي. فقد ظهر رد فعل مناوئ لمجمل هذه الحجّة القومية المتشددة التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وتجدر الإشارة إلى أن ضيق صدر السلطات السعودية في التعاطي مع مختلف أنواع المعارضة يُلقي ظلال الشك على أي تقييم للرأي العام السعودي، بما في ذلك آراء الشباب. ولكن على الرغم من ذلك، تؤكّد استطلاعات الرأي الأخيرة الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومركز زغبي للخدمات البحثية أن العلاقة مع إسرائيل في الوقت الراهن لا تتمتع بشعبية في أوساط المواطنين السعوديين بصورة عامة. سوف تُضطر السلطات السعودية إلى قمع أي تحرّك مناوئ للتطبيع في أوساط مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية والإيديولوجية.

أضف إلى ذلك أن التعاون الإسرائيلي مع النظام السعودي في المجالَين السيبراني والاستخباري يعطي المواطنين السعوديين مصلحة سياسية مباشرة للاعتراض على توطيد العلاقات مع إسرائيل من منطلقٍ تتخطى تعاطفهم مع الفلسطينيين، إذ إن هذا التعاون يعزّز قدرات الرياض على مراقبة مواطنيها وتعقّبهم. ليس صدفةً أن السردية الجديدة التي يروّجها رجال الدين الرسميين بشأن التطبيع مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتذكير المواطنين السعوديين بأن الواجب الديني يفرض عليهم ترك شؤون السياسة لولي الأمر الذي يدينون له بالطاعة المطلقة.

لعل سيطرة الحكومة السعودية على التدفق الحر للمعلومات تدفعها إلى مراقبة العلاقات مع الدول الأجنبية على مستوى الأشخاص وبين الأشخاص والحكومة، ما يجعل التطبيع العضوي مستحيلاً.

5. التطبيع لن يمحو كل مشاكل السعودية في واشنطن

خامساً، يسود اعتقادٌ في الرياض بأن العلاقات الجيدة مع إسرائيل سوف تؤدّي إلى تصويب الضرر الذي لحق مؤخراً بالعلاقات الأميركية-السعودية. لقد كانت إسرائيل، على مر التاريخ، مصدراً أساسياً لمعارضة الكونغرس والرأي العام الأميركي توطيد العلاقات مع السعودية، على الرغم من النفوذ الواسع الذي تمارسه المملكة في الأوساط المعنيّة بصنع السياسات الأميركية.

ولكن هذا الاعتقاد نابعٌ، في جزء منه، من النظرة الخاطئة السائدة راهناً بأن مشكلات الرياض في واشنطن ناجمة عن تحيّز الديمقراطيين ضد المملكة. تُقلّل هذه النظرة من شأن التعقيدات التي تتصف بها العلاقات الأميركية-السعودية، فضلاً عن المسائل الخلافية التي تتجاوز القضايا المطروحة في إطار الأجندة الدبلوماسية الثنائية، وتشكّل جزءاً من النقاشات بشأن السياسات الخارجية والمحلية في داخل الولايات المتحدة. وهذه النقاشات تشمل مثلاً الاستثمار في قواعد محلية لا خارجية للنفوذ الأميركي، واستعادة الولايات المتحدة قيادتها العالمية مع العمل على وضع تصوّر جديد لاستخدام الأدوات العسكرية، وإرساء توازن أفضل بين القيم الديمقراطية الليبرالية للولايات المتحدة ومصالحها في الخارج. سوف يكون لجميع تلك المسائل تأثيرٌ على العلاقات الأميركية مع السعودية وإسرائيل على السواء.

6. التطبيع لن يسهّل بالضرورة الأمور على السعودية في ما يتعلق بسياساتها الداخلية

سادساً، ربما تتطلع القيادة السعودية إلى الحصول على أكثر من "الثمن الباهظ" التقليدي الذي تناقشه الدوائر المؤيّدة للفلسطينيين في الرياض، والذي يتمثّل تقليدياً في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل. بإمكان ولي العهد السعودي الشاب، الأمير محمد بن سلمان، استخدام الدعم الأميركي في مواجهة الأعداء الكثر الذين صنعهم في طريقه نحو سدة الحكم، ليس في السعودية فحسب إنما أيضاً في واشنطن. يكتسي هذا الدعم فعالية مثبَتة تاريخياً في منطقة الخليج. ففي العام 1995، لعب الدعم الحاسم الذي قدّمته واشنطن للأمير القطري الجديد والمختلف عليه، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، دوراً "حاسماً" في ترسيخ سلطته ضد خصومه المحليين والإقليميين. وقد بنى الشيخ حمد على هذا الدعم من خلال تطبيق أجندة ليبرالية وتوطيد العلاقات مع إسرائيل.

ليس الأمر مستحيلاً، إنما يجب استيفاء عدد كبير من الشروط من أجل تحقيق السيناريو نفسه في السعودية. أولاً، يجب أن يفوز ترامب، لا المرشح الديمقراطي جو بايدن، في الانتخابات المقبلة. ثانياً، يجب أن يفي ترامب بالوعد الذي قطعه بدعم القيادة السعودية في مواجهة خصومها المحليين على الرغم من تحذيرات الخبراء من مغبّة التدخّل في الشؤون الداخلية السعودية، ومن نفوره من اضطرابات الشرق الأوسط، ونظرته الاختزالية للعلاقات الأميركية مع السعودية في المجمل. ثالثاً، تحتاج القيادة السعودية الجديدة إلى استمرار هذا الدعم، حتى في ظل أي إدارة ديمقراطية في المستقبل.

الآفاق المقبلة

إنه لأمرٌ مفهوم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان إضفاء طابع رسمي على الاعتراف السعودي بـ"حق [الإسرائيليين] في أن تكون لهم أرضهم“. فالسعوديين، بحسب قول ترامب نفسه، "نافذون. يتمتعون بقوة حقيقية بسبب آثارهم الدينية". ولكن السياسات التي تنتهجها الدول الثلاث راهناً قد تتسبب بفقدان السعودية النفوذ الاستثنائي الذي تتمتع به في العالم الإسلامي بحكم مكانتها هذه.

وليست القوة الإقليمي للسعودية نابعة فقط من اقتصادها، بل الأهم أنها نابعة من القبول الشعبي لنفوذها في مختلف البلدان ومن ثم قدرتها على رسم توجهات سياسية معينة خارج حدودها. لقد أنفقت الممكلة مبالغ طائلة لتعزيز هذا النفوذ العابر للحدود الوطنية. وحين تلقى سياسات الرياض استحساناً شعبياً، تغدو قوّتها الناعمة مضاعَفة، ويتخطى نفوذها عندئذ قدرتها المادية على إكراه الحكومات الأخرى.

ليس من مصلحة واشنطن أو تل أبيب أو الرياض دفع السعودية إلى اعتماد سياسات من شأنها أن تشكّل تحدّياً إضافياً لهذا النوع من القيادة الإسلامية والعربية ومن الشرعية الداخلية التي تتمتع بهما الرياض. فهذه السياسات لا تُهدّد بالقضاء على النفوذ العالمي الاستثنائي للمملكة بشكل يصب في مصلحة جهات دولتية وغير دولتية أكثر عدائيةفحسب، بل من شأنها أيضاً أن تُبدّد قدرة السعودية على قيادة دول أخرى ذات غالبية عربية ومسلمة نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، عندما يحين الوقت لإرساء سلام عادل مع الفلسطينيين عن طريق المفاوضات.